عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

ياسر البتانوني: اعرف نفسك بنفسك.. فلسفة معرفة الذات وآفة الإسقاط النفسي

حين نقش الحكماء اليونان على معبد دلفي العبارة الخالدة: "اعرف نفسك بنفسك"، ثم جعلها سقراط محور مشروعه الفلسفي، لم تكن تلك الكلمات دعوة إلى التأمل الذهني فحسب، وإنما كانت تأسيسا لأعظم قضية أخلاقية في حياة الإنسان؛ وهي أن إصلاح العالم يبدأ من إصلاح الذات، وأن أعظم صور الجهل ليست الجهل بالأشياء، بل الجهل بالنفس الإنسانية.

لقد أدرك سقراط أن الإنسان الذي لا يعرف نفسه يظل أسير أوهامه، فيختل ميزان أحكامه، ويضطرب تقديره للناس، ويخلط بين ما هو كائن خارج ذاته، وما يعتمل في أعماقه من أهواء ورغبات ونقائص. ولهذا كانت معرفة النفس عنده أصل الحكمة، وكانت الحكمة أساس الفضيلة.

ثم جاء أفلاطون ليؤكد أن النفس إذا استسلمت لشهواتها وأوهامها فقدت قدرتها على إدراك الحقيقة، بينما رأى أرسطو أن الفضيلة لا تتحقق إلا حين يربي الإنسان نفسه على الاعتدال، ويخضع انفعالاته لحكم العقل. وبعد قرون، عاد تراثنا الإسلامي ليؤكد المعنى ذاته، فكتب الحارث المحاسبي عن محاسبة النفس، وجعلها أساس التزكية، ثم أفاض ابن القيسراني المقدسي، والغزالي، واللجائي، وغيرهم، في بيان أن أخطر حجب الإنسان ليست حجب البصر، وإنما حجب البصيرة، وأن النفس قد تخدع صاحبها حتى يظن نفسه محسنا وهو أبعد ما يكون عن الإحسان.

ومن هذا الأفق الفلسفي والأخلاقي يمكن أن نفهم ما يسميه علم النفس الحديث الإسقاط النفسي، وهو إحدى الآليات الدفاعية التي قد يلجأ إليها بعض الناس، دون وعي، حين يعجزون عن مواجهة عيوبهم أو الاعتراف بها، فينسبونها إلى الآخرين، وكأن النفس تخفف عن نفسها عبء الاعتراف بإلقائه على من حولها.

فالإسقاط ليس مجرد خطأ في الحكم، بل هو صورة من صور الاغتراب عن الذات. إنه هروب من مرآة النفس إلى مرايا الناس، ومحاولة لتبرئة الضمير بإدانة الآخرين.

ومن يتأمل بعض الشخصيات يجدها لا تكاد ترى في الناس إلا ما يسكن أعماقها هي. فمن تضخمت ذاته لا يفتأ يتهم الآخرين بالغرور وتضخم الذات، ومن ألف الكذب ارتاب في صدق الجميع، ومن اعتاد التدليس والتزوير ظن أن الآخرين مدلسون ومزورون، ومن ثبت في حقه الانتحال والتدليس العلمي راح يروج - كذبا وبهتانا - أن غيره كذلك، ومن يمارس النفاق والمداهنة يرفع راية الصراحة والاستقامة، ومن جعل الوصولية منهجا في الحياة يصف كل ناجح بالانتهازية، ومن اعتاد الظلم لا يرى نفسه إلا ضحية لظلم الآخرين. وكأن النفس، لعجزها عن مواجهة حقيقتها، تعيد رسم صورتها على وجوه الناس، فتنسب إلى غيرها ما تعجز عن الاعتراف به في ذاتها.

وقد لاحظت دراسات نفسية عديدة أن بعض أصحاب السمات النرجسية قد يكونون أكثر ميلا إلى استخدام الإسقاط بوصفه وسيلة دفاعية لحماية الصورة المثالية التي رسموها لأنفسهم. فالنرجسية لا تحتمل بسهولة الاعتراف بالنقص أو الخطأ، لذلك قد يلجأ صاحبها - في بعض الحالات - إلى نسبة ما يرفض رؤيته في ذاته إلى غيره. فيتهم الآخرين بالكبر وهو أسير تضخم الذات، أو بالكذب وهو يمارس التزييف، أو بالحسد وهو يضيق بكل نجاح لا يكون له، أو بسوء النية كلما واجه نقدا صادقا. وهنا لا يكون الإسقاط سعيا إلى الحقيقة، بقدر ما يكون محاولة للحفاظ على صورة ذهنية متخيلة عن الذات. ومع ذلك، فإن هذه السمة لا تنطبق على كل من يحمل صفات نرجسية، كما أن الإسقاط ليس مقصورا عليهم وحدهم، وإنما هو آلية قد تظهر بدرجات متفاوتة لدى شخصيات مختلفة.

وهذه ليست قاعدة مطردة، فليس كل ناقد مسقطا، ولا كل من كشف خطأ وقع في هذه الآلية النفسية. فالنقد الموضوعي ضرورة عقلية وأخلاقية، بل هو شرط من شروط الإصلاح. غير أن الفارق كبير بين من ينشد الحقيقة، فيزن أحكامه بميزان العدل والإنصاف، وبين من ينشد تبرئة نفسه، فيجعل من الناس مستودعا لعيوبه، ويلقي عليهم كل ما يعجز عن الاعتراف به في داخله.

ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة أنها تحرم الإنسان من النمو الأخلاقي. فالذي يلقي بعيوبه على الآخرين لا يعود يرى ما يحتاج إلى إصلاح في نفسه، فيتوقف عن التعلم، ويستغني عن المراجعة، ويغلق باب التوبة الفكرية والأخلاقية. وهنا يتحول تضخم الذات إلى حجاب كثيف يحول بين الإنسان وبين الحقيقة.

إن العلاج الحقيقي لا يبدأ في عيادات الطب النفسي وحدها، وإنما يبدأ قبل ذلك في مدرسة الحكمة. يبدأ حين يملك الإنسان شجاعة أن يقف أمام نفسه بلا أقنعة، وأن يعترف بخطئه قبل أن يفتش عن أخطاء الناس، وأن يسأل نفسه قبل كل حكم يصدره: هل ما أراه في غيري حقيقة قائمة فيه، أم أنه ظل لشيء لم أواجهه بعد في داخلي؟

ولذلك لم تكن حكمة سقراط: "اعرف نفسك بنفسك" عبارة خالدة من فراغ، بل لأنها تختصر طريق الحكمة كلها. وتلتقي معها الحكمة الإسلامية في قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا." فمعرفة النفس ليست ترفا فكريا، وإنما هي بداية الإصلاح، وأصل الفضيلة، والحصن الذي يحمي الإنسان من أن يتحول إلى قاض يدين الناس جميعا، بينما يظل هو المحامي الوحيد عن نفسه.

لقد التقت الفلسفة اليونانية، والحكمة الإسلامية، وعلم النفس الحديث على حقيقة واحدة، وإن اختلفت مناهجها ولغاتها، وهي أن الإنسان لا يستطيع أن يبني علاقة سليمة مع العالم ما لم يبن أولا علاقة صادقة مع نفسه.

إن الحضارات لا تنهض بكثرة من يحاكمون الآخرين، وإنما بكثرة من يحاكمون أنفسهم. والإنسان لا يبلغ النضج حين يكتشف أخطاء الناس، وإنما حين يمتلك الشجاعة ليكتشف أخطاءه هو، ويبدأ رحلة إصلاحها. وهناك، وعند تلك اللحظة وحدها، يصبح شعار "اعرف نفسك بنفسك" منهجا للحياة، لا مجرد حكمة ترددها الألسنة، ويغدو إصلاح الذات هو الطريق الأقصر إلى إصلاح المجتمع، وأصدق سبيل إلى بناء إنسان أكثر تواضعا، وأكثر عدلا، وأكثر اقترابا من الحقيقة.

***

بقلم: أ. د. ياسر البتانوني

أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة المنوفية

في المثقف اليوم