عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

سعيف علي: الأزرق الذي غاب عن «الأوديسة»

خرجت منذ أيام من صالة العرض بعد مشاهدة فيلم The Odyssey لكريستوفر نولان، العمل الذي يستعيد الملحمة الخالدة ليروي رحلة أوديسيوس الشاقة في طريق العودة إلى إيثاكا، بعد سقوط طروادة. لم يكن اهتمامي، وأنا أغادر الصالة، منصبا على تقييم البناء الدرامي أو الإيقاع أو حركة الكاميرا. وأداء الممثلين. انزلقت دون تخطيط. من الصورة إلى النص ومن التلقي البصري إلى ملامسة الكلمة.

وجدت نفسي أعود إلى «الأوديسة» بوصفها ملحمة قديمة أعرف خطوطها العامة منذ يفاعتي وبوصفها نصا ممتدا يتنفس بلغة خاصة، وله طريقته الفريدة في تسمية الأشياء وتشخيص الوجود.

 أعادني الفيلم إلى ملاحظة طريفة ومدهشة قرأتها منذ زمن في كتاب «عبر منظار اللغة» لغاي دويتشر [1]. لم تكن الملاحظةء سوى تفصيل عابر في كتاب أوسع يبحث في العلاقة بين اللغة وتفكير الإنسان، ويناقش كيف يمكن للكلمات وطريقة الكلام أن تؤثر في إدراكنا للألوان والاتجاهات والأشياء. عادت لتفرض نفسها من جديد: الأزرق، كما نعرفه اليوم، لا يظهر في «الأوديسة» بالطريقة التي نتوقعها. وهذا، بالضبط، ما جعلني أتوقف. فكيف يمكن لملحمة بحرية بهذا الحجم أن تدور حول البحر والسماء والجزر والرحلات، دون أن تمنحنا اللون الأزرق بالصورة التي اعتدنا عليها؟

مفارقة غياب الأزرق في ملحمة بحرية

يبدو السؤال ساذجا للوهلة الأولى. فأي عالم يمكن أن يكون أكثر كثافة بالزرقة من ملحمة تدور معظم أحداثها في قلب البحر المتوسط. بين جزر نائية وتحت سماء مفتوحة. وفي رحلات لا تنتهي أسرارها؟ تذكرت الملحمة وبحارها الشاسعة، وأنا لا أزال أحمل صور الفيلم في ذهني، بدا لي الأزرق حاضرا ببداهة مطلقة، حتى قبل أن أفتح الكتاب. لكن العودة إلى الملاحظة التي أوردها دويتشر [1]، والتي تستند في هذا السياق إلى تحليل غلادستون للغة هوميروس، تكشف مفارقة. فهوميروس لا يستخدم لفظا واضحا ومطابقا لمفهومنا الحديث عن الأزرق بالطريقة التي نتوقعها من نص يتكرر فيه البحر والسماء بهذا الحضور الكثيف.

لا توصف السماء بالزرقة التي نعرفها اليوم، لكن تحضر عبر صفات تتصل باللمعان والصلابة والانعكاس والمعدن. أما البحر، الذي نميل نحن تلقائيا إلى تخيله أزرق، فتظهر له أوصاف أخرى تبدو غريبة على ذائقتنا المعاصرة؛ فيقارب أحيانا النبيذ الداكن، أو البنفسجي، أو الأسود، أو الرمادي العميق. لم يكن الأزرق بالضرورة غائبا عن عيون أولئك الذين عاشوا في عالم هوميروس، بقدر ما كان غائبا عن الطريقة التي نظمت بها لغتهم هذا المجال من التجربة.

اللغة بوصفها منظاراً لبناء الواقع

 هل كان هوميروس والاغريقيون يرون العالم كما نراه نحن؟ من السهل أن نتخيل أن العين ترى أولا، ثم تأتي اللغة لتسمي ما رأته. لكن المسألة، كما يقترح دويتشر [1]، أكثر تعقيدا من ذلك. فاللغة ليست مجرد قاموس نلصق فيه بطاقات جاهزة على أشياء قائمة ومستقلة في الطبيعة. إنها، إلى حد بعيد، منظار ندرك من خلاله العالم؛ فهي تساعدنا على تحديد الفروق، وتصنيف الأشياء، والانتباه إلى بعض الخصائص أكثر من غيرها.

كان الإغريق يرون ما نسميه نحن اليوم أزرق، لكنهم لم يكونوا بالضرورة يعزلونه في مفهوم لغوي مستقل ومطابق لمفهومنا الحديث. فاللون، في التجربة القديمة، قد لا يكون منفصلا عن الضوء والظل. ولا عن الملمس أو الحركة أو الشدة. وقد تكون الصفة التي نصف بها الشيء اليوم بوصفها «لونا» كانت تشير إلى تجربة حسية أوسع. شيء لامع، أومعتم، أو متحرك، أو يعكس الضوء، أو يبدو كثيفا وعميقا. يجعل هذا السؤال أقل ارتباطا بفيزيولوجيا العين، وأكثر ارتباطا بالبنية التي تنظم بها اللغة التجربة. هل كان هوميروس يرى الأزرق؟ كيف كانت لغته تصف ما كان يراه؟

التدرج التاريخي والتعبير عن الألوان

يتصل الامر بفكرة تشكل مصطلحات الألوان واستخداماتها عبر الثقافات واللغات المختلفة. فالكلمات التي يستخدمها هوميروس لوصف العالم الحسي لا تبدو دوما كأنها تسعى إلى تحديد اللون بوصفه خانة مستقلة وثابتة، كما نفعل نحن اليوم. إنها كثيرا ما تستحضر إحساساً مركبا. كلمة مثل oinops، مثلاً، تستدعي كثافة النبيذ وعمقه وغموضه، بينما تتأرجح كلمة glaukos بين معان لونية متعددة، مع حضور واضح لفكرة اللمعان والبريق، وتحمل كلمة chloros شحنة من النضارة والحيوية والرطوبة تمتد إلى أشياء قد لا نراها خضراء وفق تصنيفاتنا المعاصرة.

ولذلك، يمكن أن نتخيل أن اللون في عالم هوميروس لم يكن بقعة ثابتة على سطح الأشياء. لكن جزءا من تجربة حسية متكاملة. لم يكن البحر بحاجة إلى أن يكون «أزرق» كي يكون بحرا. أقول ربما طبعا.

حين يصبح اللون أكثر من لون

لا تتوقف قصة الأزرق عند اللغة. فمع مرور الزمن، لم يتغير حضور الألوان في المعاجم. تغيرت قيمتها الرمزية والثقافية. في أوروبا، مثلا، شهد الأزرق تحولا تاريخيا لافتا [2]. فبعد أن كان في فترات من العصور القديمة أقل مكانة من ألوان أخرى. بدأ يكتسب حضورا متزايدا في العصور الوسطى، خصوصا مع ارتفاع قيمة الصبغات الزرقاء الثمينة، حتى ارتبط تدريجيا بالمقدس.

 صار الازرق قيمة ثقافية. لم يتغير اللون لم يتغير فيزيائيا. تغيرت مكانته في عيون البشر. وتغيرت معها اللغة التي نتحدث بها عنه، والرموز التي نحمله إياها، والمشاعر التي نستدعيها حين نراه. تبدو المسألة أكثر إثارة. فنحن لا نرث أسماء الألوان فقط. نرث تاريخها. نرث ما قيل عنها. وما رمز إليها به. وما ارتبط بها من قداسة أو سلطة أو حزن أو جمال.

ثمة أمر أخر يبدو موحيا لي وخلاقا اذ تقول الشواهد التاريخية والأثرية أن المصريين القدامى سبقوا الإغريق بقرون طويلة في ابتكار اسم الأزرق واستخدامه في صياغة مفهوم لغوي واضح له. ففي الوقت الذي افتقرت فيه اللغة الإغريقية القديمة لاسم محدد يصف هذا اللون، نجح الكيميائيون والحرفيون الفراعنة منذ عصر الأسرات المبكر (حوالي 3100 قبل الميلاد) في ابتكار "الأزرق المصري" كأول صبغة اصطناعية في تاريخ البشرية. وصُنعت هذه الصبغة كيميائيا بدقة عالية عبر صهر خليط من السيليكا، والنحاس، والجير، لتعويض ندرة أحجار اللازورد الطبيعية الغالية، وأطلقوا عليها في لغتهم اسم "حسبد-إريت" (أي اللازورد الصناعي)..

بين شاعرية هوميروس وفيزياء نيوتن

 فتح إسحاق نيوتن في القرن السابع عشر، ومن خلال تجاربه على تجزئة الضوء بالمنشور الزجاجي الباب أمام فهم اللون ضمن نظام فيزيائي قابل للقياس. لم يعد الضوء مجرد ظاهرة غامضة ترى. صار بالإمكان تحليله إلى أطوال موجية مختلفة، وفهم علاقته بالطيف الذي تستقبله أعيننا. حدث بذلك انتقال مفصلي. من عالم يصف فيه الشاعر البحر بعمقه ولمعانه وغموضه، إلى عالم يستطيع فيه الفيزيائي أن يشرح الخصائص الفيزيائية للضوء التي تسهم في جعل البحر والسماء يبدوان أزرقين.

لا يعني هذا الانتقال أن نيوتن ألغى شاعرية اللون. لقد منحنا لغة أخرى للدهشة. فهوميروس يصف ما يفعله البحر في الحواس والخيال. يشرح نيوتن ما يفعله الضوء فيزيائيا. الأول ينظر إلى الظاهرة من داخل التجربة الإنسانية، والثاني ينظر إليها من خارجها، محاولاً تفكيك قوانينها. ونحن اليوم نملك امتياز الجمع بين النظرتين. أن نفهم الفيزياء والتحليل الطيفي، دون أن نفقد القدرة على الافتتان بالبحر حين نراه. فالسماء ليست مجرد طول موجي. والبحر ليس مجرد انعكاس للضوء. والأزرق الذي رأيته قبل أيام على الشاشة الكبيرة ليس بالضرورة الأزرق الذي أراه واقفا أمام البحر، ولا الأزرق الذي أتذكره من طفولتي، ولا الأزرق الذي أشعر به حين أقرأ قصيدة.

دهشة الأدب وإعادة اكتشاف البديهيات

لا يعكس هذا المزيج تعارضا بين هوميروس ونيوتن، لكن يكشف عن لغتين مختلفتين للتعبير عن الدهشة أمام الكون ذاته. فالأول يصف حركة البحر وعمقه ولمعانه وتأثيره الحسي في الإنسان، بينما يفكك الثاني بنية الضوء ويكشف القوانين التي تحكم رؤيتنا له. وبينهما يقف الإنسان، يرى العالم، ثم يحاول أن يسميه.

لا تتعلق قصة الأزرق في «الأوديسة» في النهاية بالسؤال. هل كان هوميروس يرى الأزرق؟ إنها تتعلق بسؤال آخر. كيف كانت لغته تنظم ذلك المجال الذي نسميه نحن اليوم مجال الألوان؟ إن الأزرق الذي غاب عن الملحمة الهوميرية لم يكن بالضرورة غائبا عن العيون. قد يكون حاضرا في تجربة حسية أكثر تركيزا على الضوء والملمس والحركة والعمق. تماما كما أن الأزرق الذي امتلأت به لغتنا الحديثة، وامتلأت به الشاشة الكبيرة قبل أيام، ليس بالضرورة كل ما نراه حين ننظر إلى البحر.

تعيد هذه المفارقة إلينا دهشة الأدب. هي تدعونا إلى الشك في أكثر بديهياتنا رسوخا. تذكرنا بأن البحر والسماء والألوان .ليست مجرد حقائق مجردة قائمة خارجنا. هي إدراك يتشكل في كل مرة نرى فيها العالم من جديد. حين أفكر الآن في «الأوديسة»، لم تعد الصورة الأولى التي تحضرني هي صورة أوديسيوس في البحر كما رأيتها على الشاشة قبل أيام. لكن صورة أخرى، أكثر طرافة: أنا أبحر مع هوميروس، وأبحث عن الأزرق.

ماذا كان هوميروس يرى حين كان ينظر إلى البحر؟ وربما، في النهاية، لا يكون الأزرق هو اللون الغائب من «الأوديسة»، بقدر ما يكون اللون الذي جعلني، وأنا اغادر صالة سينما بعد قرون من كتابة النص، أعيد النظر في كل الألوان التي أظن أنني أراها بوضوح.

***

بقلم : سعيف علي

.............................

المراجع والمصادر

[1] غاي دويتشر (Guy Deutscher). عبر منظار اللغة: لم يبدو العالم مختلفا بلغات أخرى؟، ضمن سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 2015.

[2] Pastoureau, Michel. Bleu : Histoire d'une couleur. Éditions du Seuil, 2000.

في المثقف اليوم