رواية "الخنافس" للكاتبة العراقية المبدعة سعاد الراعي، تستوقف القارئ منذ صفحاتها الأولى، وتأسره وهو يتنقل بين فصولها التي تتدفق أحداثها وتفاصيلها كما تتقاطر حبات المطر على أزقة الحارة وأركان البيوت وأفنية المساكن.
في هذا الفضاء السردي تبدأ الخنافس غزوها التدريجي للمكان، فتعبث بأمنه، وتكدّر حياة ساكنيه، وتحوّل يومياتهم الهادئة إلى مصدر دائم للقلق والخوف والأذى. وتزداد خطورة المشهد حين تجد هذه الخنافس من يعينها على التمدد والانتشار من أطفالٍ خُدعوا واستُدرجوا ليصبحوا أدوات طيّعة في يد من يخطط للعبث بمصير الحارة وإرهاب أهلها تمهيدًا للهيمنة عليهم وإخضاعهم.
غير أن القراءة المتأنية للنص تكشف سريعًا أن القارئ لا يقف أمام حكاية عن حشرات ضارة فحسب، بل أمام رواية واقعية ذات أبعاد رمزية عميقة، مزجت فيها الكاتبة ببراعة بين الواقع والخيال، ونسجت خيوطهما في بناء سردي متماسك، لتقود المتلقي إلى اكتشاف ما هو أخطر من الخنافس ذاتها؛ إذ تتحول هذه الكائنات الصغيرة إلى رمز لقوى الغزو والهيمنة والتخريب التي تتربص بالأوطان والناس.
وحين تتكاثر الخنافس وتتحول إلى جموع هادرة تقتحم البيوت والدور، تصبح الدار رمزًا للوطن الأكبر، وتغدو الخنافس استعارةً مكثفة لكل قوة غاشمة سعت إلى اقتحام الأرض وانتهاك حرمة الإنسان.
تستدعي الرواية إلى الذاكرة صور الغزو الأمريكي للعراق، كما تستحضر مشاهد اجتياح تنظيم داعش للمدن والقرى التي استباحها بالعنف والدمار.
وفي كلا الحالين، لا يأتي الخطر من الخارج وحده، بل يجد له دائمًا من الداخل من يهيئ له الطريق ويمنحه أسباب التمدد. ففي الوجه الظاهر للنص يشارك الأطفال الخنافس مشروعها التخريبي من حيث لا يدركون، بينما تتسع الدلالة الرمزية لتشمل بعض القوى السياسية والمحلية والمرجعيات العشائرية وحواضنها الاجتماعية التي انساقت وراء مشاريع الغزو والتبعية حتى «فاح منها عفن الصفقات» وتماهت مع أهداف المعتدين ومصالحهم.
ومن هنا يجد القارئ نفسه في مواجهة متعددة الوجوه؛ فهو تارةً يقاوم الخنافس بوصفها حشرات مؤذية، وتارةً أخرى يواجه جنديًا أمريكيًا يحمل مشروع الاحتلال، وتارةً ثالثة يقف في مواجهة داعشي يقتحم البيوت والمدن بملامحه السوداء وأفكاره الظلامية. وفي جميع تلك الصور تتكرر مشاهد الدم المسفوح والعنف الوحشي وما تخلفه الصراعات من خراب ودمار وتمزق إنساني.
إلا أن الرواية، شأنها شأن كثير من أعمال سعاد الراعي، لا تستسلم لعتمة المشهد أو لسطوة الشر. فوسط الركام والدماء تبرز شخصيات إنسانية حالمة بحياة أفضل، تؤمن بقيم الخير والجمال، وتسعى إلى صناعة السعادة لنفسها ولمن يشاركها المكان والوطن والمصير. شخصيات تناضل وتقاوم بإرادة نبيلة وإصرار عنيد، وترفض الخضوع للذل والانكسار، وتواجه الموت والعنف دفاعًا عن كرامتها وحقها في الحياة.
وفي خضم هذا الصراع المحتدم، ورغم كثرة الضحايا وما تخلّفه قوى الشر من دمار وآفات، تنحاز النتيجة النهائية إلى أصحاب الوعي والتضامن، وإلى أولئك الذين يتمسكون بالأرض والحق، ويقفون في مواجهة الظلم والطغيان والفساد. فالإرادة الجمعية الواعية تصبح السلاح الأقدر على دحر الغزاة وكشف مخططاتهم وإعادة الأمور إلى نصابها.
وعلى هذا الأساس تتحول الأحداث العاصفة التي اجتاحت الحارة في زمن الخنافس والدواعش والأمريكيين إلى صفحات من الماضي. وتنجح التجربة المريرة في إيقاظ من التبس عليه الأمر، أو انساق خلف مشاريع الغزو والتخريب، أو وقف موقف اللامبالاة تجاهها؛ فتدفعه إلى مراجعة مواقفه واستعادة إنسانيته والتخلي عن الأدوار المشينة التي فُرضت عليه أو اختارها لنفسه.
إنها رواية تبوح بأكثر مما يظهر في سطورها، وتفتح أمام القارئ آفاقًا واسعة للتأويل والتفكير. تبدأ بحكاية تبدو بسيطة عن غزو الخنافس، لكنها تنتهي إلى أسئلة كبرى تتصل بالوطن والهوية والاحتلال والذاكرة والمصير الإنساني.
لهذا يمكن تصنيف "الخنافس" ضمن أدب المقاومة بامتياز؛ ذلك الأدب الذي أعادت سعاد الراعي التذكير بأهميته وحضوره، ما دام الصراع قائمًا بين قوى الهيمنة وإرادة الشعوب في البقاء. فالأعداء لا يأتون دائمًا في هيئة جيوش جرارة أو دبابات مدججة بالسلاح، بل قد يتسللون في هيئة خنافس سوداء صغيرة تبدو للوهلة الأولى عديمة الخطر، لكنها ما إن تتكاثر وتتجمع حتى تتحول إلى جيوش خفية قادرة على تهديد الوجود نفسه.
ومن هنا تأتي الرسالة العميقة للرواية: لا تستهِن بما يبدو صغيرًا أو هامشيًا، ولا تغفل عن مقدمات الخطر مهما بدت محدودة؛ لأن المستهدف الحقيقي ليس المكان وحده، بل الإنسان وذاكرته وهويته وتاريخه وحقه في البقاء. فالمعركة ليست معركة أرض فحسب، بل معركة وجود، تمتد لتطال الذاكرة كما تطال الحاضر، وربما تصل إلى القبور ذاتها، في زمنٍ تُستباح فيه الأوطان وتُهجَّر الشعوب من بيوتها، كما نشهد اليوم في غزة ولبنان وسواهما من بقاع العالم.
إنها، في جوهرها، رواية عن المقاومة بوصفها فعلًا أخلاقيًا وإنسانيًا، وعن التشبث بالحق بوصفه الشرط الأول للبقاء.
تستدعي هذه الرواية إلى الذاكرة ما خطّه الشاعر اليمني الكبير عبد الله البردوني قبل أكثر من نصف قرن في قصيدته الخالدة الساخرة "فظيعٌ جهلُ ما يجري"؛ تلك القصيدة التي تجاوزت حدود النقد السياسي المباشر لتتحول إلى رؤية استشرافية نافذة، كشفت مبكرًا وجوه الاستعمار المتجددة وأساليبه الماكرة في التسلل إلى المجتمعات من أبواب تبدو بريئة وآمنة.
فقد أدرك البردوني، ببصيرته الشعرية الثاقبة، أن الغزاة لم يعودوا يأتون دائمًا على صهوات الجيوش أو خلف فوهات المدافع، بل قد يتسللون عبر تفاصيل الحياة اليومية؛
"غزاة اليوم كالطاعون
يخفي وهو يستشري
غزاة لا أشاهدهم
وسيف الغزو في صدري
فظيع جهل ما يجري
وأفظع منه أن تدري"
ومع صفحات رواية "الخنافس"، يبدو للقارئ وكأنه يقف أمام تحققٍ سردي لتلك النبوءة الشعرية التي أطلقها البردوني. فالخنافس الزاحفة في الرواية ليست مجرد كائنات تقتحم البيوت والحارات، بل رموز لقوى التسلل والتخريب التي تتوارى خلف الأقنعة، وتعمل بصبر وخفاء حتى تفرض حضورها وتبسط نفوذها على المكان والإنسان.
سعاد الراعي لا تكتفي بكشف الأقنعة وتمزيق الزيف، بل تدعو إلى الوعي بالفعل، وإلى الاستعداد للمواجهة، ومساءلة القوى التي تتخفى وراء الشعارات البراقة والمظاهر الخادعة، بعدما انكشفت حقيقتها وتبددت أوهامها.
إنها رواية تضع القارئ أمام أسئلة كبرى تتصل بالوطن والذاكرة والهوية والمصير، وتؤكد أن أخطر الغزوات ليست تلك التي تقتحم الحدود فحسب، بل تلك التي تنفذ إلى العقول والضمائر من الداخل. لذا تبدو «الخنافس» عملًا أدبيًا جديرًا بالقراءة والتأمل، ونصًا سرديًا يستحق الثناء والتقدير؛ لما ينطوي عليه من أبعاد رمزية عميقة، وما يثيره من وعي نقدي تجاه أشكال الهيمنة القديمة المتجددة في صور جديدة.
***
قراءة للكاتب صباح كنجي
هامبورغ / المانيا








