عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

سيد فاروق: رحلة في جغرافيا الروح.. من الظمأ إلى الارتواء

جدلية العشق والخلاص.. قراءة نقدية في قصيدة «على باب النبي» للشاعر محمد المتولي مسلم

مذ عدة أشهر كان اللبنة الأولى لهذه القصيدة العصماء "على باب النبي" للشاعر الأديب محمد متولي مسلم والتي تكونت آنذاك من ثمانية أبيات وظننتها كما ظن القراء؛ هي القصيدة   كاملة، فكانت قراءتي النقدية لها تحت "شعر المديح بين: العشق والروحانية والآن وبعد أن أصبحت ضمن المعلقات وتجاوزت أحد عشر ضعفا لما كانت عليه، رأيت أن أعيد القراءة لها بما يتناسب مع قيمتها الأدبية الجديد، فهي ليست قصيدة في المديح النبوي لمجرد استعادةٍ لخطابٍ شعريٍّ مستقر في الذاكرة العربية، ولا هي محض احتفاءٍ بشخصية دينية جليلة تستمد القصيدة من حضورها شرف الموضوع وسمو المقصد؛ وإنما هي، في أعمق مستوياتها، رحلةٌ داخل الذات قبل أن تكون رحلةً إلى الممدوح. فحين يقف الشاعر «على باب النبي» فإنه لا يقف عند عتبة مكانية فحسب، بل يقف عند الحد الفاصل بين حالين: حالٍ مثقلٍ بالخطايا والانكسارات والتيه، وحالٍ يتطلع إلى الصفاء والهداية والنجاة.

ومن هنا يبدو عنوان القصيدة «على باب النبي» مفتاحًا تأويليًا بالغ الأهمية؛ لأن «الباب» في المخيال الإنساني ليس مجرد منفذٍ إلى مكان، بل هو عتبةٌ رمزية بين الخارج والداخل، بين الحرمان والعطاء، بين السؤال والإجابة، وبين الغربة والأمان. ولعل هذا ما يجعل القصيدة منذ مطلعها تتحرك في فضاءٍ دلالي يتأسس على مفردات الماء والعطش والحياض والورد، ثم ينتقل تدريجيًا إلى فضاءات النور والهداية والمجد والرجاء.

إننا أمام نصٍّ لا يكتفي بأن يقول: أحب النبي، بل يحاول أن يجعل الحب حالة وجودية كاملة، وأن يجعل المديح النبوي مرآةً يرى الشاعر فيها ضعف الإنسان، وأزمته الحضارية، وانكساره الأخلاقي، ورغبته في استعادة الطريق.

أولًا: العنوان بوصفه عتبةً تأويلية وبنيةً مولِّدة للقصيدة

يبدو عنوان «على باب النبي» بسيطًا في تركيبه، لكنه شديد الكثافة من الناحية الدلالية؛ فهو يتكون من شبه جملة لا تكتمل دلالتها إلا بما يختزنه الظرف «على» من معنى الوقوف والانتظار والاقتراب دون الدخول.

واللافت أن الشاعر لم يقل: «في رحاب النبي»، ولم يقل: «إلى النبي»، وإنما اختار «على باب النبي»؛ وكأن المسافة بين الشاعر ومقصده هي جوهر التجربة الشعرية نفسها.

إن «الباب» هنا يتحول إلى علامة سيميائية تتجاوز معناها المعجمي إلى معنى روحي؛ فهو باب الرجاء، وباب التوبة، وباب المحبة، وباب الذاكرة النبوية، وباب الخلاص من التيه. ولذلك فإن الشاعر لا يدخل مباشرة، وإنما يبدأ من العتبة:

إني وقفتُ على باب الهدى أدبًا

حتى سكرتُ عيانًا كالذي شربا

وهنا يحدث التحول من «باب النبي» في العنوان إلى «باب الهدى» في المتن. وهذه النقلة ليست اعتباطية؛ فالذات الشاعرة لا ترى النبي في حدود المديح الشخصي، وإنما تراه مركزًا للهداية ومصدرًا للنور.

ومن منظور نقدي، يمكن القول إن العنوان يقوم بوظيفة التكثيف الدلالي الاستباقي؛ فهو يختصر البنية العميقة للنص قبل أن تبدأ القصيدة في تفصيلها. وإذا كان العنوان في النقد الحديث يمثل ما يسمى بـ«العتبة النصية»، فإن هذا العنوان تحديدًا لا يكتفي بإحالة القارئ إلى موضوع القصيدة، بل يضعه منذ البداية في حالة انتظار: من يقف على الباب؟ ولماذا؟ وهل سيفتح الباب؟ وماذا يريد الطارق؟

هذه الأسئلة لا يجيب عنها النص دفعة واحدة، بل يجعل منها حركة داخلية تتطور عبر القصيدة.

ولهذا نجد الشاعر يعود إلى صورة الباب والحجاب والمنع والاقتراب:

لما أذنتُ لحاديكم أتيتكمُ

لكنَّ حُجّابكم قالوا: الْزَمِ العَتَبا

فالعتبة هنا تصبح عتبةً نفسية قبل أن تكون عتبة مكانية. إن الشاعر يحمل شوقه، لكنه يحمل معه أيضًا شعوره بالذنب والنقص والعجز، ولذلك فإن الحجاب ليس حجابًا ماديًا فقط، وإنما هو حجاب الذات عن الصفاء.

ثم يتضاعف معنى الباب حين يقول:

مرغتُ وجهي وقلبي عند بابكمُ

وبعدُ لم أبترِدْ لم أُدركِ الأربا

فهو لا يطلب مجرد الوصول، بل يبحث عن اكتمال روحي لا يتحقق بمجرد الاقتراب المكاني. إن الوقوف على الباب هو في الحقيقة وقوفٌ على الحد الفاصل بين «الأنا» كما هي، و«الأنا» كما تتمنى أن تكون.

وهنا تتجلى قيمة العنوان في أنه لا يغلق المعنى، بل يفتحه. وهذه من خصائص العنوان الشعري الناجح: أن يكون مفتاحًا لا قفلًا، وإشارةً لا إجابةً نهائية.

ثانيًا: من عطش الماء إلى عطش الروح؛ البنية الصوفية للخطاب

إذا أردنا أن نبحث عن النواة الشعورية الأكثر حضورًا في القصيدة، فلن نجدها في المدح وحده، وإنما في العطش.

فالقصيدة تبدأ:

رُدتُ الحياضَ لأروي الظامئَ التعبا

فالوِردُ في الحيِّ إذ لجَّ الظمأ نضبا

منذ اللحظة الأولى تتأسس العلاقة بين الذات والممدوح عبر ثنائية العطش/الماء.

لكن الماء هنا ليس ماءً ماديًا، والحياض ليست مجرد حياض، والورد ليس مجرد مورد. نحن أمام استعارة كبرى تتخذ من الماء معادلًا موضوعيًا للرحمة والهداية والمحبة.

إن الذات عطشى، لكن عطشها يتجاوز الجسد إلى الروح. ولهذا يقول:

والقلب لا يشتفي من ورد سابلةٍ

تعتاده الهيمُ بل تلقي به الحصبا

فالماء الخارجي لا يكفي القلب؛ لأن العطش الحقيقي هو عطش المعنى.

وهنا يمكن قراءة النص في ضوء ما يسمى في النقد بـالبنية العميقة للخطاب؛ فالمعجم السطحي للماء يقود إلى شبكة دلالية أعمق تتصل بالخلاص والرحمة والهداية. ومن ثم فإن:

الماء = الرحمة

العطش = الحاجة الروحية

الحياض = مورد الهداية

الباب = أفق الوصول

النور = الخلاص.

وهذه الشبكة لا تعمل منفردة، بل تتنامى عبر القصيدة حتى تتحول إلى ما يشبه المعجم الصوفي، دون أن يتحول النص بالضرورة إلى خطاب صوفي اصطلاحي.

ويبلغ هذا التشكيل ذروته حين يقول:

يا صاحب الحوض صرنا من تذكركمُ

وما نسينا سقاةً والمدى جدبا

فـ«الحوض» هنا يحيل إلى الذاكرة الدينية، لكنه في الوقت ذاته يتحول إلى رمز للرحمة التي تبحث عنها الذات في عالمٍ جدب.

ومن هنا يمكن القول إن الشاعر لا يقيم المديح على أساس الوصف الخارجي، وإنما على أساس الحاجة الداخلية. إنه لا يقول: هذا النبي عظيم، ثم يسرد مظاهر العظمة؛ بل يقول ضمنيًا: أنا ضعيف، وأنا عطشان، وأنا تائه، ولذلك أبحث عن مصدر القوة والهداية.

وهذه النقطة تمنح القصيدة صدقها الشعوري.

فالمديح يتحول من خطاب في الممدوح إلى خطاب عن أثر الممدوح في الذات.

وهذا فارق نقدي مهم.

فالقصيدة التي تقول إن الممدوح كريم قد تقدم معنىً تقريريًا، أما القصيدة التي تجعل الكرم قوةً تعيد بناء الذات فهي تنقل المديح من مستوى الخبر إلى مستوى التجربة الشعرية.

ولذلك يقول:

فإن سمحتَ ستنجابُ الخصاصةُ بي

غمضًا بعينك أو همسًا ببرد صبا

إن «الخصاصة» هنا ليست فقر المال فقط، بل يمكن قراءتها باعتبارها فقرًا وجوديًا؛ فالشاعر يطلب أن ينجاب عنه غيم النقص.

وهنا تتقاطع لغة المديح مع لغة المناجاة، وتتجاور البلاغة مع التجربة الروحية.

ثالثًا: الذات بين الاعتراف والانكسار؛ درامية السؤال والرجاء

من أجمل مستويات القصيدة أن الشاعر لا يقدم ذاته بوصفها ذاتًا مكتملة، بل يجعلها في حالة محاكمة داخلية.

إن «الأنا» في النص ليست أنا المتعالي، بل أنا المنكسر، السائل، المعترف، الباحث عن مخرج.

يقول:

بالكاد أعلم ذنبي بل أقرُّ به

وحق عينك أغفل ذلك السببا

ثم يقول:

والنفس قد أخلقت ثوب الحياء خنا

فلا حياء هنا أن ألعق التربا

وهنا تنتقل القصيدة من المديح إلى دراما الاعتراف.

فالذات لا تبحث عن تبرير أخطائها، بل تواجهها. وهذه المواجهة تمنح الخطاب بعدًا نفسيًا وفلسفيًا؛ لأن الإنسان في لحظة الرجوع الحقيقي لا يملك إلا أن يرى نفسه كما هي، بعيدًا عن أقنعة الكبرياء.

ولعل أعمق ما في هذه الذات أنها لا تتوقف عند الاعتراف، وإنما تحول الاعتراف إلى فعل رجاء:

ألْحِفْ بربك يا قلبًا أحاط به

إسرافُ أمّارةٍ بالسوء بل غُلِبا

هنا يخاطب الشاعر قلبه.

وهذه التقنية الخطابية تمثل نوعًا من التشخيص الداخلي؛ فالذات تنقسم إلى مخاطِب ومخاطَب، وكأن الشاعر يقيم حوارًا بين مستويين من وجوده.

«يا قلب» ليست مجرد مناداة، وإنما هي استدعاء للذات العميقة.

إن الشاعر هنا لا يكتب عن قلبه، بل يجعل قلبه شخصية داخل النص.

وهذه من الوسائل التي تمنح القصيدة حيوية درامية؛ لأن الخطاب لا يسير في اتجاه واحد، وإنما يتوزع بين النبي، والقلب، والنفس، والذات، والذاكرة، والتاريخ.

ويقول:

يا قلب أرهقتني عشقًا وضخَّ دمٍ

هوِّن عليك فإن العمر قد هربا

وهنا يظهر الزمن بوصفه قوةً ضاغطة.

فالحب ليس حالة ترف وجداني، وإنما هو سباق مع العمر. والذات تعرف أن الزمن يمضي، وأن فرصة العودة لا ينبغي أن تضيع.

ومن هنا يأتي:

الآن يا قلب ندنو لن يضر بنا

إن جئت حبوًا أو اجتزت المدى خببا

إن كلمة «الآن» تحمل طاقةً زمنيةً واضحة؛ فالشاعر ينتقل من زمن الندم إلى زمن الفعل.

وهكذا تصبح القصيدة رحلة تحوّل: الظمأ → البحث → الوقوف → الاعتراف → الرجاء → الاقتراب → الأمل.

وهذه البنية تمنح القصيدة وحدتها العضوية بشكل ملحوظ.

رابعًا: المعجم الشعري والصورة؛ حين يتحول المديح إلى فضاء من النور

تقوم القصيدة على معجم واسع تتجاور فيه حقول دلالية متعددة، أهمها:

الماء والعطش: الحياض، الورد، الحوض، الرواء، الغيث.

الطريق والحركة: جُزت، أتيتكم، دلفت، أدور، ندنو، اجتزت.

النور: الهدى، النور، أشرق، الظلم، الإظلام.

الحرب والمجد: السيوف، الخيل، الشهب، المجد، الرايات.

الضعف والانكسار: الخصاصة، الذنب، القنوط، الغبن، الوهن، الكرب.

وهذه الحقول لا تعمل بصورة منفصلة، وإنما تتداخل لتصنع مسارًا دلاليًا صاعدًا.

فالنص يبدأ من «الظمأ» وينتهي بـ«الرواء»، ويبدأ من «الظلم» وينتهي بـ«النور»، ويبدأ من «الضيق» وينتهي بـ«الرجاء».

وهذه ليست مجرد مفردات متجاورة، بل هي ثنائيات ضدية تشكل العمود الفقري للدلالة:

العطش/الرواء

الظلام/النور

الضياع/الهداية

الذنب/المغفرة

الوهن/القوة

الفرقة/الاجتماع

الماضي المجيد/الحاضر المنكسر.

ومن أجمل الصور التي تكشف عن هذا البناء قوله:

ويا واهبًا وهب الدنيا سماحتهُ

أين السماحة لي يا واهبًا وهبا؟

إن التكرار هنا ليس مجرد تكرار لفظي، بل يتحول إلى آلية إيقاعية ودلالية؛ فالفعل «وهب» يتحول إلى مركز في الجملة، وكأن الشاعر يضع نفسه في موضع السائل عن نصيبه من هذا الفيض.

وكذلك:

يا من مدى الود منكم كالسماء إذا

ألقت بغيثٍ فكل الناس قد شربا

تتضافر هنا الاستعارة والتشبيه والمفارقة بين «السماء» و«الغيث» لتكوين صورة الرحمة الشاملة.

فالسماء لا تختار من يشرب، والغيث لا يفرق بين أرض وأرض.

وهكذا يتحول الممدوح إلى مركز كوني للرحمة.

وفي موضع آخر يقول:

وكيف لا والهدى والنور طلعتكم

أشرقت فالظلم والإظلام قد غربا

الصورة هنا قائمة على التضاد الضوئي؛ فطلوع النبي يقابله غروب الظلام.

والشاعر لا يجعل النور مجرد وصف، بل يجعله فعلًا؛ «أشرقت»، فيصبح النور قوةً فاعلة في العالم.

إننا أمام لغة لا تعتمد على المحسنات البلاغية بوصفها زينة خارجية، وإنما تجعل البلاغة جزءًا من البنية الدلالية.

خامسًا: من المديح إلى استعادة المعنى الحضاري؛ القصيدة بوصفها سؤالًا في الحاضر

وهنا تبلغ القصيدة أوسع دوائرها.

فبعد أن تبدأ من الذات الفردية، تنتقل إلى الجماعة، ثم إلى الأمة، ثم إلى التاريخ.

وهذا الانتقال مهم جدًا؛ لأن الشاعر لا يبقى حبيس التجربة الشخصية، بل يجعل محبته للنبي مدخلًا إلى سؤال حضاري: ماذا حدث للأمة؟

يقول:

يا سيدي غالنا خُلْفٌ وخلّفنا

ركب الترقي وآسي العرب قد تعبا

ثم:

يا سيدي أسنت أنهار عزتنا

وعزنا طغمةٌ كانوا هنا الذنبا

إن صورة «أنهار العزة» التي «أسنت» من الصور اللافتة؛ لأنها تنقل العزة من مفهوم مجرد إلى ماء كان جاريًا ثم أصابه العطن.

وهنا يعود معجم الماء، لكنه يعود بصورة معكوسة.

في بداية القصيدة كان الشاعر يبحث عن الماء ليروي عطشه، وفي هذا المقطع تصبح «أنهار العزة» نفسها آسنة.

إنها مفارقة حضارية: الأمة التي كان يفترض أن تكون صاحبة نهر من المجد، أصبحت تعاني من ركود ذلك النهر.

ثم يستدعي الشاعر الذاكرة التاريخية:

كنا النسور على الأجبال بيرقنا

كانوا فراخًا لدى أوكارهم زغبًا

وهنا يتخذ الخطاب طابعًا مقارنًا بين الماضي والحاضر.

غير أن القيمة الفنية ليست في استحضار الماضي لمجرد التغني به، وإنما في جعله مرآة للحاضر.

فالشاعر يسأل بصورة ضمنية:

كيف تحولت القوة إلى ضعف؟

وكيف تحولت الوحدة إلى فرقة؟

وكيف تحولت العزة إلى خوف؟

ثم يقول:

لكنما الآن من كبواتنا بعثوا

تذأبوا ـ أورثونا الخوف واللَّغَبا

إن الفعل «تذأبوا» شديد الكثافة؛ لأنه ينقل التحول من صورة إلى أخرى، من «الفراخ» إلى «الذئاب». لكن الشاعر لا يقدم هذه المفارقة لمجرد التشنيع، وإنما يستخدمها لإبراز اختلال ميزان القوة.

ومن هنا تصبح القصيدة في مستواها الأخير قصيدة استنهاض واستعادة للوعي.

ولهذا تأتي الدعوة:

فادعُ الغفور لنا حتى نفئ إلى

أبْهاءِ مجدٍ لنا عن يومنا عَزَبا

إن العودة ليست عودةً إلى الماضي بوصفه متحفًا، بل عودة إلى القيم التي صنعت ذلك الماضي.

وهنا يمكن القول إن القصيدة تمارس ما يمكن تسميته بـالتناص الحضاري؛ فهي لا تستدعي السيرة النبوية بوصفها مادة حكائية، وإنما تستدعيها بوصفها نموذجًا قيميًا.

ويظهر ذلك بوضوح حين يقول:

حاد الرماة على أُحدٍ فكيف بنا

ولم نشاربك لا كأسًا ولا حببا

إن استدعاء أُحد هنا يتحول من واقعة تاريخية إلى مرآة أخلاقية للحاضر.

فالمشكلة ليست في مجرد تكرار الحدث، وإنما في السؤال عن معنى الانضباط، والطاعة، والوحدة، والمسؤولية.

وهنا تصبح القصيدة أكثر من مديح نبوي؛ تصبح خطابًا في إصلاح الذات والجماعة.

الإيقاع والقافية: الموسيقى بوصفها حاملًا للوجد

ولا يمكن مقاربة القصيدة دون الوقوف عند موسيقاها؛ فالنص الطويل الذي يتكئ على القافية الواحدة يحتاج إلى قدرة عالية على المحافظة على التنويع الداخلي حتى لا تتحول الموسيقى إلى رتابة.

وقد اختار الشاعر نمطا كلاسيكيا يقوم على وحدة الروي، وهو ما يمنح القصيدة إحساسًا بالتماسك والاستمرار.

واللافت أن تكرار الصوت النهائي لا يؤدي وظيفة موسيقية فقط، وإنما يتحول إلى علامة نفسية؛ فالقافية في كثير من الأبيات تأتي كأنها زفرة في نهاية الجملة الشعورية.

كما أن كثرة النداءات:

يا صاحب الحوض

يا سيدي

يا واهبًا

يا ابن الذبيحين

يا من ترد سلام الوالهين

يا قلب

يا من مسحت على عجفاء

هذا النداءات تخلق إيقاعًا داخليًا قائمًا على التكرار الندائي.

والنداء هنا ليس مجرد أداة نحوية، بل هو بنية نفسية؛ لأن النداء يفترض المسافة، والشاعر طوال القصيدة يحاول تقليص المسافة بينه وبين الممدوح.

ومن ثم يمكن القول إن الإيقاع الخارجي والإيقاع الداخلي يتعاونان على صناعة إيقاع الشوق.

كما أن أختبار بحر البسيط التام أعطى للشاعر مساحة إيقاعية وجدانية شديدة التأثير في المتلقي حيث استشعر أن البنية المعمارية للقصيدة مموسقة داخليا وخارجيا

فالقصيدة لا تتحرك فقط على مستوى البحر والقافية، وإنما على مستوى التوتر بين الاقتراب والابتعاد، وهو توتر يتكرر في بنائها الدلالي كله.

التماسك النصي: القصيدة بوصفها رحلة لا مجموعة أبيات

ومن أهم ما يميز النص أن أبياته، على امتداد طوله، لا تبدو منفصلة عن بعضها، رغم تنوع الموضوعات وانتقال الشاعر من الذات إلى التاريخ ثم إلى الأمة.

ويمكن تفسير ذلك من خلال وجود شبكة من الروابط المعجمية والدلالية.

فالماء الذي يظهر في البداية يعود لاحقًا في صورة الغيث والرواء والحوض.

والباب الذي يبدأ به العنوان يعود في صورة العتبة والحجاب والحِمى.

والنور الذي يظهر في المديح يعود بوصفه نقيضًا للظلام الحضاري.

والقلب الذي يبدأ بوصفه موطن العشق يتحول إلى موطن الرجاء.

وبذلك لا تتكون القصيدة من موضوعات متجاورة، وإنما من دوائر دلالية متداخلة.

وهذه نقطة مهمة في الحكم على النص الطويل؛ إذ إن طول القصيدة ليس عيبًا في ذاته، وإنما العبرة بقدرة النص على إنتاج وحدة عضوية تتجاوز مجرد وحدة الوزن والقافية.

وفي هذه القصيدة نجد أن الوحدة الأعمق هي: البحث عن الخلاص.

فالذات تبحث عن خلاصها من الذنب، والأمة تبحث عن خلاصها من الضعف، والإنسان يبحث عن خلاصه من التيه، وكل ذلك يتجه نحو النموذج النبوي باعتباره مركزًا للهداية والقيم.

القصيدة بين حرارة التجربة وبلاغة الموروث

من اللافت كذلك أن الشاعر يتحرك داخل فضاء المديح النبوي وهو مدرك للتراث الشعري الذي سبقه؛ فقصائد المديح النبوي العربية تمتلك تقاليد طويلة، من قصائد الصحابة في مدح الرسول، إلى البردة وما تفرع عنها من معارضات ومدائح. وهذا يجعل الشاعر المعاصر أمام تحدٍّ مزدوج: كيف يكتب في موضوع مستهلك تاريخيًا دون أن يصبح صوته مجرد صدى؟

والإجابة هنا ليست في مغادرة التراث، وإنما في إعادة إنتاجه من داخل تجربة معاصرة.

فالشاعر يستخدم لغة تراثية واضحة، لكنه لا يجعلها منفصلة عن قلق الحاضر.

حين يقول:

عقدت للعرب للعلياء ألويةً

فنكّسوها ألا ما أضيع العربا

فهو لا يصف الماضي وحده، وإنما يكتب حاضرًا مأزومًا بلسان شاعر يعيش زمنه.

وهنا تتشكل علاقة جدلية بين التراث والحاضر.

فالتراث ليس قيدًا على القصيدة، بل يصبح في هذا السياق طاقة تأويلية تساعد الشاعر على قراءة الحاضر.

وهذه من أهم وظائف التناص في النص؛ فالنص لا يستعير الماضي ليزخرف لغته، وإنما يستدعيه ليمنح الحاضر عمقًا تاريخيًا وأخلاقيًا.

الذات التي تقف على الباب: قراءة فلسفية في معنى الاقتراب

إذا حاولنا أن نقرأ القصيدة من زاوية فلسفية، فإننا سنجد أن «الباب» يمثل سؤالًا وجوديًا بامتياز.

فالإنسان في جوهر تجربته كائن يقف دائمًا أمام أبواب:

باب المعرفة، باب الحب، باب الخلاص، باب المعنى، باب الآخر، وباب الله.

لكن الشاعر هنا يقف على باب النبي بوصفه بابًا رمزيًا إلى منظومة من القيم.

ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل سيدخل الشاعر الباب؟

بل:

هل استطاعت الذات أن تصبح جديرة بالدخول؟

وهذا السؤال يتخفى وراء كثير من أبيات الاعتراف والانكسار.

ولهذا يقول:

لا يأنف القلب أن يعنو لطلعتكم

والعين لا تستحي أن تفرش الهدبا

فالذات تتخلى هنا عن كبريائها.

وهذا التخلي ليس ضعفًا، بل هو نوع من التحرر من وهم الأنا.

فالإنسان لا يبدأ رحلة التغيير إلا حين يدرك محدوديته.

ومن هنا تأتي قيمة «الانحناء» و«تمريغ الخد» في القصيدة؛ فهذه الصور لا ينبغي قراءتها على مستوى الحركة الجسدية وحدها، بل على مستوى تفكيك الأنا المتضخمة.

يقول:

ولا أريد سوى تمريغ خدي في

طهر الجناب ويجثو القلب منتَحِبا

إن الجسد هنا يتحول إلى لغة، والقلب يتحول إلى فعل، والبكاء يتحول إلى تطهير.

وبذلك تصبح القصيدة نوعًا من الطقس الشعري لتطهير الذات.

حين يتحول الباب من مكان إلى معنى

في خاتمة القصيدة يصل الشاعر إلى منطقة مختلفة عن بدايتها.

ففي البداية كان عطشانًا، حائرًا، واقفًا على الباب، يحمل ذنبه وشوقه.

وفي النهاية يصبح أكثر قدرة على تصور اللقاء:

نلقى البشارة بالقربى ومغفرةً

وفرجةً والتئام الصف والأربا

ثم يبلغ النص ذروته:

ونجتلي الطلعة الأبها وعترتها

ونلتقي في حمى المختار ذي النُّخبا

ثم يختم بالصلاة:

صلى عليك إله الكون يا علمًا

للحق والخير والسلم الذي احتجب

وهنا تتضح البنية الدائرية للقصيدة.

لقد بدأ الشاعر من العطش وانتهى إلى الرجاء.

بدأ من الباب وانتهى إلى اللقاء.

بدأ من الذنب وانتهى إلى المغفرة.

بدأ من الجدب وانتهى إلى الغيث.

بدأ من الظلام وانتهى إلى النور.

وهذه الثنائيات تمنح القصيدة نظامها الداخلي، وتجعلها أكثر من قصيدة مدح؛ إنها رحلة روحية وحضارية تتخذ من النبي مركزًا رمزيًا للمعنى.

ولعل أجمل ما في تجربة الشاعر محمد المتولي مسلم في هذه القصيدة أن الشاعر لا يكتفي بإقامة مديح خارجي للممدوح، وإنما يجعل من الممدوح مرآةً لذاته، ومقياسًا لضعفها، وأفقًا لتجاوزها.

فالنبي في النص ليس شخصية بعيدة عن الشاعر، بل حضورٌ تتحرك نحوه الذات كلما شعرت بالعطش.

ولهذا فإن عنوان القصيدة «على باب النبي» يظل صالحًا لأن يكون مفتاحًا شاملًا للنص كله؛ لأن الشاعر، في نهاية المطاف، لا يغادر الباب.

إنه يظل هناك، عند العتبة، في حالة شوق دائم؛ لأن الباب في التجربة الشعرية ليس نهاية الرحلة، وإنما هو المعنى الذي يجعل الرحلة ممكنة.

وهنا تكمن شاعرية النص: في أنه يجعل من الوقوف انتظارًا، ومن الانتظار رجاءً، ومن الرجاء معنى، ومن المعنى نورًا.

فالقصيدة في جوهرها ليست سؤالًا عن الوصول إلى النبي بقدر ما هي سؤال عن قدرة الإنسان على الوصول إلى أفضل ما في نفسه.

وحين يقول الشاعر:

ألْحِفْ بربك يا قلبًا أحاط به

إسرافُ أمّارةٍ بالسوء بل غُلِبا

فإنه لا يخاطب قلبه وحده؛ إنه يخاطب الإنسان في ضعفه الأبدي، ذلك الإنسان الذي يعرف الطريق ثم يضل، ويشتاق إلى النور ثم تستهويه العتمة، ويبحث عن الرحمة وهو يحمل في داخله أسباب عثرته.

ومن هنا يمكن القول إن «على باب النبي» قصيدة تتحرك في ثلاثة أفق متداخلة: أفق وجداني يستمد مادته من الشوق والحب، وأفق روحي يقوم على الاعتراف والرجاء والهداية، وأفق حضاري يستدعي المجد النبوي ليضع الحاضر أمام مرآة تاريخه.

وبذلك لا يصبح المديح في القصيدة غايةً نهائية، وإنما يصبح وسيلة لاستعادة المعنى.

فحين يمدح الشاعر النبي، فإنه في العمق يبحث عن الإنسان الذي يمكن أن يكونه، وعن الأمة التي يمكن أن تستعيد توازنها، وعن النور الذي يستطيع أن يبدد هذا القدر من العتمة.

وهكذا يغدو «باب النبي» في النهاية بابًا إلى الذات، وبابًا إلى الذاكرة، وبابًا إلى المعنى، وبابًا إلى الرجاء.

وما أجمل أن تنتهي القصيدة بالصلاة؛ لأن الصلاة هنا لا تبدو خاتمةً شكلية، بل تبدو عودةً إلى الأصل الذي بدأت منه الرحلة كلها: الحب.

فالشاعر الذي وقف أول الأمر عطشانًا على الباب، ينتهي وهو يرفع صوته بالصلاة، وكأن القصيدة كلها لم تكن إلا رحلة قلبٍ طويل من الظمأ إلى الرواء، ومن التيه إلى الهداية، ومن الانكسار إلى الرجاء.

وفي ذلك تتجلى القيمة الجمالية الأعمق للنص: أن المديح النبوي فيه لا يصف النور فحسب، بل يحاول أن يجعل اللغة نفسها واقفةً في حضرته.

وهكذا تتحول القصيدة في نهايتها من قصيدة طلب إلى قصيدة يقين، ومن سؤال عن الوصول إلى إيمان بأن الطريق ما يزال ممكنًا.

إنها، في جوهرها، قصيدة إنسان يقف على الباب؛ لكنه لا يقف مستسلمًا للبعد، بل يقف وفي قلبه ماءٌ من الرجاء، وفي ذاكرته نورٌ من السيرة، وفي روحه يقينٌ بأن الطرق التي تنتهي إلى الرحمة لا تضيع، وأن من عرف كيف يطرق الباب بأدب، لا بد أن يظل في داخله شيء من الأمل.

ولذلك فإن «على باب النبي» ليست مجرد قصيدة في المديح النبوي، وإنما هي قصيدة في استعادة الإنسان لمعناه، وفي استعادة الأمة لذاكرتها، وفي استعادة الروح لقدرتها على الرجاء؛ قصيدة يتجاور فيها صوت العاشق مع صوت الناقد، وصوت الفرد مع صوت الجماعة، وصوت التاريخ مع سؤال الحاضر، حتى يصبح الباب في النهاية رمزًا مفتوحًا على السماء، ويصبح الوقوف عليه شكلًا من أشكال العودة إلى الذات قبل أن يكون انتظارًا للعبور.

فالقصيدة تبدأ بالعطش، لكن العطش فيها ليس خاتمة؛

وتبدأ بالباب، لكن الباب ليس سدًّا؛

وتبدأ بالبعد، لكن البعد ليس قدرًا؛

لأن خلف كل عتبة في النص وعدًا بالوصول، وخلف كل انكسار رجاءً، وخلف كل ظلمة نورًا يستعيد اسمه حين يشرق الحضور النبوي في وجدان الشاعر.

شكرا جزيلا للأديب الشاعر الناقد محمد المتولي مسلم على هذه الدرة العصماء

تقديري الدائم

***

د. سيد فاروق

.........................

على بــاب الـنـبي

ردْتُ الـحياضَ لأروي الـظامِئَ الـتعِـبـا

فَالوِرْدُ في الـحَـيِّ إذْ لَـجَّ الـظمـا نـضبا

*

والـقلب لا يـشتَفِي من وِردِ سابِـلَـةٍ

تـعتاده الهيمُ بل تُلقِي بـه الـحَصَبا

*

فما عليَّ إذا جُـزْتُ الـصُّـوَى أمَـلا

وما عليَّ إذا مـا عاتِـبٌ عَـتَبـا

*

يــاصاحبَ الحوض صرنـا من تَـذكرِكمْ

ــ وما نَـسِيـناــ سُقـاةً والمدى جَدَبـا

*

أدور بـالكاس والـحانـاتُ قد مُـلِـئتْ

وكل جُلاسها قد هام أو طَرِبــا

*

ظنَـنتُني ضَلَّـةً من عُصْبَـةٍ رَشَدتْ

دارتْ بخمرتـكم تَـسقي مَن انجذبـا

*

لكـنما هالني أهلُ الصبابـة في

ساحاتِ حضرتكم قد أَتـبَـعـوا سَبَبـا

*

أنــَّى لِـواهٍ على الـمِنْساةِ تـَحملُـه

على الـهُـوَيْـنا هنا أنْ يُـدرِك الـنُّـجَبَا

*

ياسيدي والهوى يـأبَى انـتسابَ جَـوٍ

للآن في دفتر الـعشاق ما كُـتِـبا

*

على أديـم الـهوى خجلانُ يَـحجبه

طيفُ الذنـوب إذا ما هَمَّ أوْ وثَـبا

**

إني وقفتُ على بـاب الهدى أدبـا

حتى سكِـرتُ عَيانًــا كالـذي شربـا

*

لـمـا أَذِنْـتُ لـِحـاديكمْ أتَـيـتُـكمُ

لكنَّ حُجَّـابكـمْ قالـوا الْـزَمِ الـعَـتَـبـا

*

يـاضَيعة الصبِّ إنْ يُـحجَـبْ وحُسنُكمُ

عن العـوام هنا ما ضَنَّ أو حُجِبا

*

كم ألـفِ نَـوْبـة شَوقٍ قد دَلَـفتُ بها

إلـى حِماكمْ وماعايَـنْتُ ذي الـحُـجُـبا

*

مَرغْتُ وجهـي وقلـبي عند بـابِـكمُ

وبـعدُ لم أبـترِدْ  لـمْ أُدركِ الأرَبــا

*

كأنمـا لـملـمَتْ ريـحُ الـدَّبـورِ نَــوًى

من كلِّ عُسرةِ شوقٍ تُـشبهُ الـنُّـصُبا

*

حتى رأيـتُ كأجبالِ الـنـوى سُتُـرًا

على الـتداني فأبقى لي الـنوى نَـصَبا

*

فـإن سَمحتَ ستَـنْجابُ الـخَصاصةُ بي

غَمْضًا بِـعيْـنِـك أو هَمْسًـا بـبَـرْدِ صَبـا

*

فمـا أُحَـيلَى خيـالا من مشارقِكم

وما أُحَـيْلاه إنْ بَـدرُ الـسما غرَبـا

*

يَنـداح يـشفِي قلـوبَ الآملـين رضًا

إن أوْمـأ الطيفُ لي أو مرةً غَضِبا

*

فلا تـدعْني وزُرنـي ألـتمـسْ أملا

قلـبي وأُفـقُ زماني سيدي قطَـبـا

*

بـالكادِ أعلم ذنـبي بـل أقِـرُّ بــه

وحَقِّ عَينـِكَ أغفِـلْ ذلـك السببا

*

يـامَنْ مَدى الـودِّ منكم كالسماءِ إذا

ألـقتْ بـغيثٍ فكل الناس قد شربـا

*

يــاواهبـًا وهب الـدنـيا سماحتَهُ

أيـن الـسماحةُ لي يـاواهبـًا وهبا.؟

*

الـناسُ تـنهـزُ من فَضفـاض بَسطِكُمو

وكلـهم سيدي قد خاض أو لـِعبا

*

فهـا أنــا أنـهـزُ الـمِرقـاةَ تُـدركـني

وقد تَـدلَّـتْ فضاءتْ والـدجى وَقَبَـا

*

يـا ابـنَ الـذبـيحينِ كم أزجت سماحَـتُـكم

سَمْحَ الوِدادِ إلى الـمطرود فاقتربـا

*

أليس تشفـع لي قُربَى لِـجَدتِـكم

فـإن لـي سيدي من هاجَـرٍ نَـسبا

*

لـمَّا طغَـى الـبعد لم أعثر على سفني

ولا الجواري التي قد أقلَـعَتْ سَرَبـا

*

والـنفسُ قد أخْـلَـقَتْ ثـوبَ الـحَياءِ خَنا

فلا حياءَ هنا أنْ ألـعـقَ الـتُّـرُبـا

*

لا يـأنَـفُ الـقلبُ أن يعنـو لـطلـعتكم

والعينُ لا تَستحي أن تـفرش الـهُـدُبـا

*

ولا أريـد سِوى تـمريـغ خَدِّيَ في

طُهـر الـجَناب ويـجثو الـقلبُ مُنـتَحِبا

*

وكـيف لا والـهدى والـنـورُ طلـعتُـكُم

أشرقْتَ فالظلمُ والإظلام قد غَرَبـا

*

آنَ اكـتَـسيْتَ الـبهـا والـنورَ من كَـثَـبٍ

من سدرة المنتهـى هاثـوبُـنا قَشُبا

*

لكـنما أخلَـقـتْ في الـثوبِ جِدَّتـه

تـنبو السيوفُ ورتْـلُ العاديـاتُ كـبَا

*

ماذا جرى يــامَليحَ الـوجهِ أبعدنــا

عن الـحِمَى فالتزمنا الـهمَّ والـوصَبا

*

على الـمَطَـلّ وقَفْتَ الخيلَ مُسْرَجةً

صُبحًا إلى المجدِ ضَبْحًا تسبقُ الشُّهُبا

*

حتى علـونـابـها صَهـواتِ قرطبةٍ

وفي سَمَـرْقَـنْـدَ تـرعى الـعدلَ والـعُـشُبا

*

لـما استقمنا على منـهاج سيدنـا

جُزنـا الـتُّرابـاتِ كِـنا نَـمتطي السحبا

*

عـقَـدتَ لـلـعُـربِ لـلـعـلياء ألـويـةً

فَـنـكَّسوهـا ألا مـا أضيـعَ الـعَــربــا

*

يــامَن تـردُّ سلامَ الوالـِهيـن رِضا

في وقدَةِ الحَـجِّ ـ هَوْنًـاـ والـزحامُ رَبـا

*

مـا بـين مِنـبرِكُـم والـبيتِ مُـحْـتَدَمٌ

لـلسائـلينَ فتُعطي الكلَّ مـا طَـلَـبا

*

يـا قلبُ أرهقتَـني عِشقًـا وضَخَّ دَمٍ

هَـوِّنْ عليكَ فـإنّ العمر قد هربــا

*

الآن يـاقـلبُ نـدنـو . لن يضرَّ بـنا

إن جئتَ حبوًا أو اجتزتَ المدى خَبَـبَا

*

أنجَزتَ يـاقـلبُ عَوْدًا فـالتمس أملا

سيفُ القُنوط على حد الرجاءِ نَـبا

*

ألـحِـفْ بربـك يــاقـلـبًـا أحاط بـه

إسرافُ أمَّارةٍ بـالـسـوء بـلْ غُلِـبا

*

ألـحِـفْ خلال يـديْ هذا الـنـبي فمن

ألـقى إليه حَثـيثًـا ذنـبُه انـشطَبا

*

يـاواسع الجاه والأحيانُ مُـفرطـةٌ

في الضيق والغَـبْنِ لكـن جاهُكمْ رحُبا

*

يـا أرحم الـناس بالناس الألُـىَ عشقوا

وجهَ الكريمِ.وضَعفًا قارفوا عَطَبا

*

أمْسكْ بذِي الـحُجَزِ الرعناء ما فَتِـئَت

تـهوِي إلـى وهدةٍ قدسُعِّرتْ لهبا

*

يــاسيدي غالـنا خُـلْـفٌ وخلَّـفَـنـا

ركْـبُ الترقِّي وآسِي العُربِ قد تَـعِبا

*

يــاسيـدي أسَنَـتْ أنـهـارُ عِزّتِـنـا

وعَـزَّنــا طُغـمَـةٌ كانـوا هنا الـذنَـبـا

*

ما كان جمعـهمُ أكـفـاءَ أصغرِنــا

والدهر في حينـهـا َكمْ سَطَّر الـكتُـبا

*

أحبار أسفارِهم فاحت بـأنـهمُ

ذيــلُ الـعـفـاء على آثـارهمُ سُحِبا

*

كـنا الـنسورَ على الأجبـالِ بـيرقُـنا

كانوا فِراخًا لـدى أوكارهم  زُغُبا

*

لـكنما الآن مِن كَــبْـواتـنا بُـعِثوا

تَـذأَّبـوا ـ أورثـونــا الـخـوفَ والـلَّـغَـبا

*

أيـامُ نَـعمـائـنا صارت لـفرقتـنا

وفُحـش بَـأسائـنا يـاسيـدي كُـرَبـا

*

فادعُ الغفـورَ لـنا حتى نَـفئ إلـى

أبـهـاءِ مـجـدٍ لـنا عن يـومنا عَزَبـا

*

يـامَن مَسحْتَ على عَجْفـاءَ مُجدبـةٍ

فما تَـشَهَّى الصغارُ الـدَّرَّوالحَلِبا

*

امْنُـنْ علينا فإنـا الـتابـعون لـكم

الـمـؤمنـون غِيابـًـا لم نُطـِلْ رِيَـبا

*

يـامـن تَـفـرق في كل القلـوب هوى

فـلملَمَ الـشملَ حتى وشَّجَ القُـرَبـا

*

أحبـابـُكُـمْ يـارسولَ الله قدْ وهَنوا

فهل يُـتاحُ لـنا من ضعفـنا هَربـا

*

حاد الـرماةُ على أُحْدٍ فكـيف بـنا

ولم نُـشارِبـْكَ لا كأسًا ولا حَـبَبا

*

لـكن نـراك على الرؤيـا ويـُـتْحِـفـنا

طِيبُ الرُّواءِ ونـلقَى الحُسْنَ والـشَّنَبا

*

ــ يـا أمَّ معبدَ قَـبْساتٌ نُدِلُّ بـها

من سِفر مدحكِ في الأحداق قد كُتِبا

*

نـلـقَـى الـبِشـارةَ بـالقربَـى ومغفرةً

وفُرجةً والـتِـئامَ الـصـفِّ . والأرَبــا

*

ونـجْتلـي الـطلـعةَ الأبـهَـى وعِترتَـها

ونلـتقي في حِمَى المختار ذي الـنـُّخَبا

*

صلى عليك إلـهُ الكــون يــاعلـمًا

لـلحق والـخير والـسلْم الـذي احتجـب

***

محمد الـمـتـولـي مسلـم

في المثقف اليوم