الشعر الهلالي، ولا سيما في السيرة الهلالية وما تفرع عنها من أشكال إنشادية، يحتفظ بقدر واضح من المعجم العربي القديم، والصيغ الصرفية، والتراكيب البلاغية، والصور الموروثة من الشعر العربي. لكنه في الوقت نفسه يحمل خصائص اللهجات التي انتقلت بها الرواية الشفوية عبر البيئات العربية المختلفة، فدخل إليه التغيير الصوتي، والتخفيف، والإبدال، واختلاف صيغ الجمع والتصريف، فضلًا عن تفاوت الإعراب.
وهذا أمر طبيعي؛ فاللغة التي تنتقل شفهيًا عبر القرون والقبائل والأقاليم لا تبقى مطابقة للغة النصوص الفصيحة المكتوبة.
ومن هنا يمكن القول إن الشعر الهلالي يمثل منطقة تماس بين الفصحى واللهجة، لا جدارًا يفصل إحداهما عن الأخرى.
وماذا يقول النحاة البصريون والكوفيون؟
هنا تصبح المسألة أكثر إثارة؛ لأن الخلاف بين البصريين والكوفيين نفسه يدل على أن العربية القديمة لم تكن ذات نظام لغوي جامد مغلق.
فالبصريون كانوا أشد احتياطًا في القياس والتقعيد، وأكثر تشددًا في قبول الشاهد اللغوي، ولا سيما حين يخالف القاعدة التي استقر عليها القياس. أما الكوفيون فكانوا أوسع رواية وأقل تضييقًا في قبول المسموع، واستندوا إلى ما ورد عن العرب من لغات ولهجات وشواهد شعرية، حتى لو خالف بعضها القياس البصري.
ولذلك نجد عند الكوفيين ميلًا أكبر إلى الاحتجاج بتعدد اللغات العربية، بينما يميل المنهج البصري إلى بناء نظام معياري أكثر انتظامًا.
وهذا لا يعني أن البصريين كانوا يرفضون اللهجات، أو أن الكوفيين كانوا يقبلون كل شيء؛ وإنما هو اختلاف في منهج التعامل مع المادة اللغوية.
فقهاء اللغة والمسألة الأهم:
أما علماء اللغة وفقهاؤها، فالمسألة عندهم ترتبط بسؤال جوهري:
هل اختلاف العرب في النطق والتصريف والتركيب فسادٌ في العربية، أم هو من لغات العرب؟
والتراث اللغوي العربي يميل، في جملة واسعة من شواهده، إلى الاعتراف بأن العربية الأولى كانت متعددة اللهجات، وأن ما نسميه اليوم «الفصحى» لم يكن بالضرورة لسانًا محكيًا واحدًا متطابقًا عند جميع القبائل.
وهنا تأتي أهمية الشعر؛ لأن الشعر الجاهلي والإسلامي كان أحد أهم الأوعية التي حفظت لنا تنوع الاستعمال العربي.
فقد نجد في العربية:
اختلافًا في الحركات.
اختلافًا في الإبدال الصوتي.
اختلافًا في بعض الأبنية الصرفية.
اختلافًا في التذكير والتأنيث.
اختلافًا في بعض التراكيب.
اختلافًا في الاستعمال المعجمي.
ومع ذلك لا يخرج الاستعمال بالضرورة من دائرة العربية.
الشعر الهلالي بوصفه ذاكرة لغوية:
من هذه الزاوية يمكن النظر إلى الشعر الهلالي لا باعتباره «عامية مشوهة للفصحى»، وهي عبارة غير علمية، ولا باعتباره «فصحى خالصة» بالمعنى المدرسي، بل بوصفه مستودعًا شفهيًا يحتفظ بطبقات من العربية القديمة، وقد امتزجت فيه عناصر فصيحة بخصائص لهجية لاحقة.
وهذا مهم جدًا؛ لأن بعض الألفاظ والتراكيب التي تبدو لنا اليوم عامية قد يكون لها أصل عربي قديم، ثم تغير نطقها أو وظيفتها الدلالية عبر الزمن.
ومن هنا فإن الباحث في الشعر الهلالي ينبغي ألا يسأل فقط:
«هل هذه الكلمة فصيحة أم عامية؟»
بل يسأل أسئلة أكثر دقة:
ما أصلها التاريخي؟
هل وردت في المعاجم القديمة؟
هل لها نظائر في لهجات العرب؟
هل تغير صوتها أم معناها؟
هل التغيير صوتي أم صرفي أم نحوي؟
وهل يمكن تفسيره في ضوء اللهجات العربية القديمة؟
البصريون والكوفيون والشعر الشعبي:
ومن المفيد هنا استحضار قاعدة منهجية مهمة: الاحتجاج بالشعر عند النحاة لم يكن مقصورًا على الشعر الفصيح بمعناه المدرسي الضيق، وإنما كان الشاهد مرتبطًا بسلامة نسبته إلى العربي المحتج بلغته وزمنه وبيئته.
أما الشعر الهلالي المتأخر، فلا يجوز أن نضعه مباشرة في مرتبة الشاهد الجاهلي أو صدر الإسلام؛ لأن المسافة الزمنية والرواية الشفهية والتغير اللهجي تجعل الاحتجاج به على تقعيد النحو العربي القديم أمرًا يحتاج إلى احتراز شديد.
لكن يمكن الاستفادة منه في علم اللهجات التاريخي، والتطور الصوتي والصرفي، ودراسة استمرار المعجم العربي، وتحوّل البنية الشعرية الشعبية.
يمكن صياغة العلاقة في معادلة بسيطة:
العربية القديمة - تعدد لهجات القبائل - الشعر الفصيح - التقعيد النحوي البصري والكوفي اللهجات العربية المتطورة - الشعر الشعبي، ومنه الهلالي.
ولذلك فالشعر الهلالي ليس قطيعة مع الفصحى، كما أنه ليس نسخةً منها؛ بل هو فرع من الذاكرة العربية الشفوية، يحمل في جسده بقايا فصيحة وتحولات لهجية وتراكمات تاريخية.
والأجمل في المسألة أن الخلاف البصري الكوفي نفسه يتيح لنا مدخلًا لفهم الشعر الهلالي: فلو أخذنا الصرامة القياسية وحدها لضاقت أمامنا مساحة كبيرة من التنوع العربي، ولو أخذنا المسموع وحده بلا نقد تاريخي لوقعنا في الخلط بين القديم والحديث.
ولهذا فإن المنهج الأنسب هو الجمع بين النحو المقارن، وفقه اللغة، وعلم اللهجات، والتاريخ اللغوي، وتحليل الشعر الشفهي؛ لنكتشف أن العربية لم تكن يومًا نهرًا ذا مجرى واحد، وإنما كانت شبكة من الأنهار واللهجات، التقت في فضاء الفصحى، ثم واصلت جريانها في ألسنة العرب إلى يومنا هذا.
***
بقلم: عماد خالد رحمة - برلين








