تنهض قصيدة (يوفا) للشاعر كريم طباني على مأساة إنسانية شديدة القسوة، لكنها لا تكتفي برثاء طفلة سقطت ضحية للحرب؛ إذ تجعل من هذه الطفلة سؤالًا مفتوحًا في وجه العالم، وفي وجه الأب، وفي وجه المؤسسات التي تدّعي حماية الإنسان، بل وفي وجه السماء نفسها. ومن هنا تأتي قوة النص؛ فـ(يوفا) ليست مجرد شخصية شعرية، وإنما تتحول إلى رمز للطفولة المسحوقة، وللجسد البريء الذي وجد نفسه في مواجهة مصير لم يختره.
تقوم القصيدة على بنية شعرية متصاعدة، تتأسس على حدث مأساوي واحد، هو سقوط طفلة ضحية للحرب، ثم تتفرع منه مجموعة من الانفعالات والأسئلة والمواقف التي تكشف عمق المأساة الإنسانية. ولا تكتفي القصيدة بتقديم رثاء عاطفي للطفلة، وإنما تجعل من موتها نقطة انطلاق لاحتجاج واسع على العالم، وعلى خيارات الإنسان، وصولًا إلى مساءلة السماء. ومن ثم يمكن النظر إلى بنية النص بوصفها مسارًا متدرجًا ينتقل من السقوط إلى الاحتجاج، ومن الاحتجاج إلى السؤال، ومن السؤال إلى المواجهة والرفض.
يبدأ النص بعتبة مهمة تتمثل في الإهداء: (إلى كل الأطفال الذين سقطوا ضحايا في الحروب والنزاعات وبالأخص (يوفا)). ويؤدي هذا الإهداء وظيفة تتجاوز التعريف بالشخصية؛ فهو يضع القصيدة منذ البداية في سياق إنساني عام، فـ(يوفا) ليست مجرد طفلة بعينها، وإنما نموذج لكل الأطفال الذين دفعتهم الحروب إلى الموت. وبذلك ينتقل النص، منذ عتبته الأولى، من الخاص إلى العام، ومن الحكاية الفردية إلى القضية الإنسانية.
بعد ذلك يدخل النص مباشرة في لحظة السقوط، وهي اللحظة التي تؤسس لكل ما يأتي بعدها:
(مذاك
منذ سقطت
وأنا ألعن
كل مقابض هذا العالم).
إن كلمة (مذاك) تحمل وظيفة زمنية ونفسية في آن واحد؛ فهي تشير إلى لحظة فاصلة انقسمت عندها حياة المتكلم إلى ما قبل المأساة وما بعدها. أما فعل (ألعن) فيكشف التحول من الحزن إلى الغضب، ويؤسس للحركة الثانية في النص، وهي حركة الاحتجاج.
ويتسع الاحتجاج ليشمل العالم كله:
(كل الأكف التي تمتد
ولا تمتد).
ويستثمر الشاعر هنا المفارقة والتكرار ليصور عالمًا يبدو قادرًا على النجدة، لكنه يعجز أو يمتنع عن تقديمها. ثم ينتقل إلى الطريق والطبيعة، فيسأل:
(لماذا لم يلفظك الدرب؟
أو تسعفك الريح؟).
وهنا تتسع دائرة السؤال؛ فالطبيعة نفسها تتحول إلى طرف افتراضي في المأساة، وكأن الشاعر يبحث عن أي قوة كان يمكن أن تنقذ الطفلة.
ومن الاحتجاج ينتقل النص إلى مرحلة المساءلة، وهي مرحلة أكثر عمقًا من الناحية الفكرية. وتتكرر الأسئلة: (لماذا لم…) و(ما كان شعور الله…؟). ويكشف هذا الاستفهام المتكرر عن عجز اللغة أمام المأساة؛ فالشاعر لا يجد تفسيرًا مقنعًا لسقوط طفلة بريئة، ولذلك يحوّل القصيدة إلى سلسلة من الأسئلة التي تزداد حدة كلما تقدمت.
وفي هذه المرحلة يحضر الأب والأم، فتأخذ المأساة بعدًا عائليًا وإنسانيًا أكثر وضوحًا. يظهر الأب من خلال (عربة أبيك المبتعدة) و(خيار أبيك)، بينما تظهر الأم في (فجيعة أمك). ويصبح المشهد قائمًا على ثلاثة أطراف: أب اتخذ قرارًا، أو وجد نفسه أمام خيار قاسٍ، وأم تحمل فجيعة الفقد، وطفلة دفعت ثمن صراع لم تختره. ومن هنا يتحول الموت من حادثة فردية إلى نتيجة لشبكة من القرارات والظروف.
وتصل البنية إلى ذروتها حين يتوجه السؤال إلى الله:
(ما كان شعور الله
وهو يراقب…).
إن هذه اللحظة تمثل أعلى درجات التصعيد في النص؛ إذ ينتقل الشاعر من مساءلة الإنسان والطبيعة إلى مساءلة السماء. ويأتي قوله:
(ذاك الذي انحاز وقتها
إلى جنوده…
سيعتذر!!!)
بوصفه ذروة احتجاجية وفكرية؛ إذ يستخدم الشاعر لغة الحرب ليضع الطفلة الأعزل في مواجهة عالم مسلح، ويحوّل المأساة إلى سؤال أخلاقي ووجودي حول العدالة والألم والبراءة.
أما الخاتمة فتقدم تحولًا لافتًا في موقع (يوفا). فالطفلة التي كانت في بداية القصيدة عاجزة أمام الموت تصبح في نهايتها صاحبة موقف:
(أديري ظهرك
ولا تقبلي اعتذاره!!!).
وهنا تستعيد الضحية، على المستوى الرمزي، قدرتها على الاختيار. فإذا كانت قد فقدت في الدنيا حق تقرير مصيرها، فإن الشاعر يمنحها في النهاية حق رفض الاعتذار. ولذلك لا تأتي النهاية بوصفها مصالحة، وإنما بوصفها رفضًا للنسيان والتجاوز السهل للمأساة.
ومن الناحية الزمنية، تتحرك القصيدة بين الماضي والحاضر والمستقبل. فالماضي يتمثل في لحظة السقوط، والحاضر في استمرار الحزن والأسئلة، أما المستقبل فيظهر في قوله:
(سيأتي يوم
تلاقين فيه الله…).
وهذا التداخل الزمني يؤكد أن موت (يوفا) لم ينتهِ بانتهاء حياتها، بل ظل حاضرًا في ذاكرة المتكلم، وممتدًا إلى المستقبل بوصفه قضية لم تُحسم أخلاقيًا.وعليه، فإن البنية العامة للقصيدة يمكن اختزالها في مسار واضح: السقوط، ثم الاحتجاج، ثم المساءلة، ثم المواجهة، وأخيرًا الرفض. وقد أسهم هذا التصاعد في منح النص وحدته الداخلية، إذ ولّد كل مقطع المقطع الذي يليه بصورة طبيعية. كما أن تكرار (يوفا) و(مذاك)، وكثرة الأسئلة، والجمل القصيرة، وعلامات الحذف، كلها عناصر أسهمت في بناء إيقاع نفسي يتناسب مع طبيعة التجربة.
وتكشف بنية القصيدة كذلك عن تداخل واضح بين السرد والشعر؛ فالنص لا يقدم حدثًا مكتمل التفاصيل بقدر ما يستعيد شظايا منه عبر الذاكرة والأسئلة. هناك طفلة، وأب يبتعد، وأم مفجوعة، وطريق، وعربة، وغبار، وموت، لكن هذه العناصر لا تنتظم في حكاية سردية تقليدية، وإنما تظهر بوصفها ومضات تتجمع تدريجيًا لتكوين المشهد المأساوي.
حيث يبدأ النص من السقوط، لكنه لا ينتهي عنده؛ بل يحوّل السقوط إلى سؤال، والسؤال إلى احتجاج، والاحتجاج إلى موقف. ولعل توصيفي لها ب (السقوط إلى الأعلى)، يختصر هذه المفارقة كلها؛ فالسقوط الجسدي للطفلة يتحول شعريًا إلى صعود رمزي، إذ ترتفع قضيتها من الطريق الذي سقطت عليه إلى مستوى السؤال الأخلاقي والإنساني الأكبر.
إن (يوفا)، في النهاية، ليست فقط طفلة سقطت في الحرب، وإنما ذاكرة تظل واقفة في وجه النسيان، وسؤالًا يرفض أن يجد له العالم إجابة سهلة.
في المحصلة، تقوم بنية (يوفا) على تحويل المأساة من حادثة موت إلى قضية ذاكرة وعدالة.
***
ياسين غالب








