دراسةٌ في المخارج والصفات بين الدرس الصوتي القديم واللسانيات الحديثة
الحرفُ ليس رسماً، بل كائنٌ صوتيّ
ليست الحروف في العربية أشكالاً جامدةً تُرسَم على الورق، ولا علاماتٍ صامتةً تؤدّي وظيفةً كتابيةً فحسب؛ إنّها، في حقيقتها العميقة، أحداثٌ صوتية تنشأ من حركة الهواء في جهاز النطق، ثم تتشكّل بحسب مواضع خروجها، وكيفيات جريان النفس والصوت فيها، فتكتسب شخصيتها الصوتية الخاصة.
وقد أدرك علماء العربية الأوائل هذه الحقيقة إدراكاً بالغ الدقة، فكان الخليل بن أحمد الفراهيدي وسيبويه وابن جني وغيرهم من علماء العربية روّاداً في تحليل الأصوات وتحقيق مخارجها وصفاتها. ولم يكن اهتمامهم بالحروف ترفاً علمياً، بل كان متصلاً اتصالاً وثيقاً بعلوم القرآن الكريم، والتجويد، والنحو، والصرف، والاشتقاق، والبلاغة.
والبحث في الحروف العربية يقوم، في جوهره، على محورين كبيرين:
الأول: المخارج، أي المواضع التي تتولد منها الأصوات.
والثاني: الصفات، أي الكيفيات التي تصاحب خروج الصوت من مخرجه.
ومن هنا نشأت تقسيمات الحروف إلى: شديدة ورخوة، ومجهورة ومهموسة، ومستعلية ومستفلة، ومنطبقة ومنفتحة، وذلقية ومصمتة، وشفوية ولسانية وحلقية، إلى غير ذلك من التقسيمات التي تكشف عن ثراء النظام الصوتي العربي ودقته.
أولاً: الحروف الشديدة
الشِّدَّة في الاصطلاح الصوتي القديم تعني انحباس جريان الصوت عند النطق بالحرف بسبب انغلاق المخرج أو تضييقه تضييقاً شديداً.
وحروف الشدة جمعها علماء التجويد في العبارة المشهورة:
«أَجِدْ قَطٍ بَكَتْ»
وهي:
الهمزة، الجيم، الدال، القاف، الطاء، الباء، الكاف، التاء.
فعندما ننطق، مثلاً، بحرف الباء، ينغلق المخرج عند الشفتين، وينحبس الهواء، ثم ينفجر الصوت عند انفتاحهما.
وكذلك الدال والتاء والطاء، حيث يتوقف جريان الصوت لحظةً، ثم يُطلَق.
وفي علم الأصوات الحديث تُقارب هذه الحروف ما يُعرف بالأصوات الانفجارية أو الوقفية، مع اختلافٍ في التفاصيل بين النظام الصوتي العربي والمصطلحات اللسانية الحديثة.
وقد اهتم البصريون، وفي مقدمتهم سيبويه، بكيفية انحباس الصوت وجريانه، وعدّوا ذلك من الخصائص الجوهرية التي تميز الأصوات بعضها من بعض.
ثانياً: الحروف الرخوة
الرَّخاوة هي جريان الصوت عند النطق بالحرف لعدم انغلاق المخرج انغلاقاً تاماً.
وحروف الرخاوة هي الحروف التي يجري معها الصوت، مثل:
س، ش، ص، ض، ظ، ف، ث، ذ، ز، خ، غ، ح، ه، ع وغيرها بحسب التقسيم الصوتي التراثي.
فإذا قلت:
ســـــ، شـــــ، فـــــ
وجدت الصوت قابلاً للامتداد والجريان.
والفرق بين الشدة والرخاوة هو الفرق بين الصوت المحبوس والصوت الجاري.
ومن هنا يظهر أن علماء العربية القدماء لم يكونوا ينظرون إلى الحرف نظرةً شكلية، بل كانوا يراقبون الحركة الفيزيائية للصوت داخل جهاز النطق، وهو ما يجعل الدرس الصوتي العربي القديم قريباً، في كثير من منطلقاته، من مبادئ علم الصوت الحديث.
ثالثاً: الحروف المتوسطة أو البينية
بين الشدة والرخاوة منزلةٌ وسطى، ولذلك سُمّيت حروفها بينية أو متوسطة.
وجمعها القدماء في قولهم:
«لِنْ عُمَر»
وهي:
اللام، النون، العين، الميم، الراء.
فالصوت فيها لا ينحبس انحباساً كاملاً كما في الحروف الشديدة، ولا يجري جرياناً مطلقاً كما في الحروف الرخوة.
ولهذا فهي تمثل منطقةً وسطى بين الطرفين.
رابعاً: الحروف المهموسة
الهمس هو جريان النفس عند النطق بالحرف لضعف اعتماد الصوت على المخرج وعدم اهتزاز الأوتار الصوتية على النحو الذي يتحقق في الجهر.
وجمع العلماء حروف الهمس في العبارة:
«فَحَثَّهُ شَخْصٌ سَكَتْ»
وهي:
ف، ح، ث، هـ، ش، خ، ص، س، ك، ت.
فعندما تقول:
س، ف، ش
تستطيع أن تشعر بجريان النفس.
وفي المصطلح الصوتي الحديث يرتبط الهمس غالباً بما يسمى عدم الجهر أو الأصوات المهموسة، حيث لا يحدث الاهتزاز الصوتي الذي يميز الأصوات المجهورة.
خامساً: الحروف المجهورة
الجهر هو انحباس النفس أو قلته مع اعتماد الصوت على اهتزاز الأوتار الصوتية.
وحروف الجهر هي ما بقي من الحروف بعد إخراج حروف الهمس.
ومنها:
ب، ج، د، ذ، ر، ز، ض، ظ، ع، غ، ل، م، ن، و، ي وغيرها.
وفي النطق الحديث يمكن التحقق من الجهر بوضع اليد على الحنجرة؛ فإن شعر المتكلم باهتزاز واضح عند نطق الصوت، كان الصوت مجهراً.
وهنا تتجلى دقة الملاحظة عند علماء العربية؛ فقد فرّقوا بين جريان النفس وجريان الصوت، وهما أمران مختلفان في التحليل الصوتي.
سادساً: الجهر والهمس بين التراث واللسانيات الحديثة
يُعَدُّ الجهر والهمس من أهم الصفات الصوتية في العربية.
وقد نظر القدماء إلى المسألة من زاوية:
جريان النفس.
قوة الاعتماد على المخرج.
طبيعة الصوت الخارج.
أما علم الأصوات الحديث فيركّز بصورة أساسية على اهتزاز الوترين الصوتيين.
وهنا ينبغي التنبيه إلى أن المصطلحات القديمة والحديثة ليست متطابقة دائماً تطابقاً كاملاً، وإن كانت تلتقي في كثير من النتائج.
وقد كان ابن جني من أكثر علماء العربية وعياً بالطبيعة الصوتية للغة، إذ نظر إلى اللغة بوصفها نظاماً من الأصوات التي تعبّر عن المعاني، ودرس خصائص الحروف وعلاقاتها ومخارجها دراسةً تكشف عن حسٍّ لساني متقدم.
سابعاً: الحروف المستعلية
الاستعلاء هو ارتفاع جزء من اللسان عند النطق بالحرف نحو الحنك الأعلى.
وحروف الاستعلاء سبعة، جمعها العلماء في:
«خُصَّ ضَغْطٍ قِظْ»
وهي:
خ، ص، ض، غ، ط، ق، ظ.
وتتميز هذه الحروف بقوة صوتية وتفخيم نسبي، لأن اللسان يرتفع في أثناء النطق بها.
ويُعد الاستعلاء من الصفات التي تمنح العربية جانباً من خصوصيتها الإيقاعية والصوتية.
ثامناً: الحروف المستفلة
الاستفال هو انخفاض اللسان عن الحنك الأعلى عند النطق بالحرف.
وحروفه هي جميع الحروف ما عدا حروف الاستعلاء.
ومنها:
ب، ت، ث، ج، ح، د، ذ، ر، ز، س، ش، ع، ف، ك، ل، م، ن، هـ، و، ي.
والاستفال في الأصل يقابل الاستعلاء، غير أن بعض الحروف قد تدخل في أحكام صوتية خاصة بحسب السياق.
تاسعاً: الحروف المطبقة
الإطباق من أقوى الصفات الصوتية في العربية، وهو انطباق جزء كبير من اللسان على الحنك الأعلى أو اقترابه منه اقتراباً شديداً.
وحروف الإطباق أربعة:
ص، ض، ط، ظ
وهذه الحروف تتميز بالتفخيم والقوة والامتلاء الصوتي.
فالفرق بين:
س - ص
ليس فرقاً في الشكل فحسب، بل هو فرق في البناء الصوتي كله.
وكذلك:
ت - ط
و:
د - ض
و:
ذ - ظ
إنّ الإطباق يمنح الصوت العربي بعداً صوتياً عميقاً، ويجعله أكثر امتلاءً ورنيناً.
عاشراً: الحروف المنفتحة
الانفتاح هو مقابل الإطباق، ويعني تجافي اللسان عن الحنك الأعلى بحيث لا يحدث الانطباق الصوتي الموجود في الصاد والضاد والطاء والظاء.
وحروف الانفتاح هي جميع الحروف ما عدا:
ص، ض، ط، ظ.
الحادي عشر: الحروف المقلقلة
ولعل المقصود بعبارة «أحرف القليلة» الواردة في السؤال هو أحرف القلقلة.
والقلقلة صفة صوتية تعني اضطراب المخرج عند النطق بالحرف الساكن حتى يُسمع له نبرة أو صوت زائد خفيف.
وحروفها مجموعة في:
«قُطْبُ جَدّ»
وهي:
ق، ط، ب، ج، د.
وتظهر القلقلة بوضوح في السكون، مثل:
أَحَدْ
الفَلَقْ
يَجْعَلْ
والقلقلة ليست حركةً كاملة، فلا يجوز أن تتحول الباء الساكنة إلى:
بَ أو بِ أو بُ،
بل هي نبرة صوتية ناشئة عن طبيعة الحرف الساكن.
الثاني عشر: الحروف الذلقية أو «المنزلقة»
أما ما يُشار إليه أحياناً بـالأحرف المنزلقة، فالأدق في المصطلح التراثي العربي هو الحروف الذَّلْقِيَّة.
والذلاقة تعني سرعة خروج الحرف وسهولة النطق به، وتُنسب إلى طرف اللسان والشفتين.
وحروف الذلاقة هي:
فَرَّ مِنْ لُبٍّ
أي:
ف، ر، م، ن، ل، ب.
وقد جعل علماء الصرف هذه الصفة ذات أهمية خاصة في دراسة بنية الكلمة العربية.
الثالث عشر: الحروف المصمتة
ويقابل الحروف الذلقية الحروف المصمتة.
وهي جميع الحروف التي ليست من:
فَرَّ مِنْ لُبٍّ.
وقد استثمر علماء الصرف هذا التقسيم في دراسة الأبنية العربية.
ومن القواعد الصرفية المشهورة أن الكلمة الرباعية أو الخماسية العربية الأصيلة لا تخلو غالباً من حرف ذلقي، ولذلك استعمل العلماء هذا المعيار للتمييز بين بعض الألفاظ العربية الأصيلة والدخيلة.
وهنا تتجلى عبقرية الدرس العربي القديم؛ إذ لم يفصل علم الأصوات عن علم الصرف، بل جعل الخصائص الصوتية جزءاً من فهم بنية الكلمة.
الرابع عشر: الحروف المنحرفة
الحروف المنحرفة هي التي ينحرف الصوت عند خروجها عن موضعه الأصلي إلى موضع آخر.
وأشهر حروفها:
اللام والراء.
فاللام ينحرف الصوت فيها إلى جانبي اللسان، والراء لها خصوصية صوتية متعلقة بالتكرير والانحراف.
وهذا التحليل يكشف عن ملاحظة دقيقة لمسار الهواء والصوت داخل الفم.
الخامس عشر: الحروف المستطيلة
ومن الخصائص الفريدة في العربية الاستطالة.
وحرفها المشهور:
الضاد.
وتعني الاستطالة امتداد الصوت على جانب اللسان.
وقد كان القدماء يولون الضاد عناية خاصة لما لها من خصوصية في النظام الصوتي العربي، حتى اشتهرت العربية بأنها:
لغة الضاد
غير أن وصف الضاد القديمة وتحديد مخرجها الدقيق ظل موضوعاً للنقاش بين علماء اللغة والقراءات واللسانيات الحديثة.
السادس عشر: حروف المد
حروف المد ثلاثة:
الألف، والواو، والياء.
ولكنها لا تكون حروف مد إلا بشروط:
الألف ساكنة قبلها فتح.
الواو ساكنة قبلها ضم.
الياء ساكنة قبلها كسر.
مثل:
قَالَ
يَقُولُ
قِيلَ
وحروف المد تمتاز بأن الصوت يمتد فيها بسهولة، ولذلك سميت أصواتاً مدية.
وفي علم الصوت الحديث تقارب ما يسمى الصوائت الطويلة.
وهي عنصر أساسي في الموسيقى الداخلية للغة العربية، وفي الإيقاع الشعري والقرآني.
السابع عشر: الحروف الحلقية
تخرج الحروف الحلقية من الحلق، وقد قسمها علماء العربية إلى ثلاثة مواضع:
أقصى الحلق
الهمزة، والهاء.
وسط الحلق
العين، والحاء.
أدنى الحلق
الغين، والخاء.
وهي:
ء، هـ، ع، ح، غ، خ.
ويمثل هذا التقسيم واحداً من أدق التصورات الصوتية في التراث العربي.
الثامن عشر: الحروف اللسانية
اللسان هو أكثر أعضاء النطق حركةً وتنوعاً في العربية، ولذلك تخرج منه مجموعة كبيرة من الحروف.
ومن الحروف اللسانية:
ق، ك، ج، ش، ي، ض، ل، ن، ر، ط، د، ت، ص، ز، س، ظ، ذ، ث.
وتتوزع هذه الحروف على مناطق متعددة من اللسان:
أقصى اللسان.
وسط اللسان.
حافة اللسان.
طرف اللسان.
ولهذا كان اللسان في التصور الصوتي العربي أشبه بآلة دقيقة تتغير وظائفها بحسب موضع الحرف.
التاسع عشر: الحروف الشفوية
تخرج الحروف الشفوية من الشفتين أو بمشاركتهما.
وأشهرها:
ب، م، و.
أما الفاء فتخرج من بطن الشفة السفلى مع أطراف الثنايا العليا.
ومن هنا يميز علماء الأصوات بين:
الحروف الشفوية الخالصة.
الحروف الشفوية السِّنية.
وهذا التقسيم يتقاطع مع التصنيف اللساني الحديث للأصوات.
العشرون: الحروف المقطعة بين اللغة والبيان
الحروف المقطعة هي الحروف التي جاءت في أوائل بعض سور القرآن الكريم، مثل:
الم
الر
كهيعص
طه
يس
حم
ق
ن
وقد شغلت هذه الحروف المفسرين واللغويين والبلاغيين عبر القرون.
وتعددت الأقوال في تفسيرها، ومن أشهر المواقف العلمية أن علم حقيقتها الكاملة عند الله، مع وجود اجتهادات بلاغية ولغوية متعددة حول وظائفها ودلالاتها.
ومن الوجهة البيانية، تمثل هذه الحروف ظاهرة فريدة؛ لأنها تحول الحرف المفرد إلى موضوع دلالي قائم بذاته.
فاللغة عادةً تجعل الحروف أدوات لبناء الكلمات، أما هنا فإن الحرف نفسه يتقدم إلى واجهة الخطاب.
وهنا تكمن قيمة الحروف المقطعة في الدرس البلاغي: إنها تستدعي الانتباه إلى مادة اللغة الأولى، أي إلى الأصوات والحروف التي يتكون منها الكلام.
البصريون والكوفيون في دراسة الأصوات والحروف
لا ينبغي أن نتصور أن الخلاف بين البصريين والكوفيين كان خلافاً صوتياً مستقلاً بالمعنى الحديث، بل كان جانب كبير من اختلافهم يظهر في:
تفسير الظواهر اللغوية.
القياس والسماع.
الاشتقاق.
بنية الكلمة.
الإعلال والإبدال.
أحكام الحروف في التركيب.
مدرسة البصرة
اتجه البصريون إلى بناء القواعد على القياس والانضباط المنهجي، وكانوا أكثر ميلاً إلى استنباط القوانين العامة.
ويمثل سيبويه قمة هذا الاتجاه، وقد قدّم في كتابه وصفاً بالغ الأهمية لمخارج الحروف وصفاتها.
مدرسة الكوفة
أما الكوفيون فكانوا أكثر اتساعاً في قبول الرواية والسماع وتعدد الاستعمالات، وأظهروا مرونة أكبر في التعامل مع الظواهر اللغوية المسموعة.
ويمثل هذا الاتجاه علماء مثل:
الكسائي والفراء.
ومع أن الخلاف بين المدرستين مشهور في النحو، فإن دراسة الحروف والأصوات ظلت مجالاً تتفاعل فيه المعرفة النحوية والصرفية والقرائية.
ابن جني وعلم فقه اللغة
يحتل ابن جني مكانة استثنائية في تاريخ الدرس اللغوي العربي.
فقد تجاوز النظر إلى الحروف بوصفها وحداتٍ منعزلة، وربط بين:
الصوت والمعنى.
وكان يرى أن للأصوات خصائص قد توحي بطبيعة المعاني، وهو ما يظهر في حديثه عن إمساس الألفاظ أشباه المعاني.
فالحروف عنده ليست أجساداً صوتية خاوية، بل يمكن أن يكون في ترتيبها وصفاتها ما ينسجم مع طبيعة الدلالة.
وهذا المنظور يجعل ابن جني واحداً من أكثر علماء العربية اقتراباً من التفكير اللساني الحديث، مع ضرورة عدم إسقاط مفاهيم اللسانيات المعاصرة عليه إسقاطاً مباشراً.
خاتمة: الحرفُ ذاكرةُ اللغة وصوتُ المعنى
إن دراسة الحروف العربية تكشف لنا أن اللغة العربية لم تكن، في نظر علمائها الكبار، مجرد معجمٍ من الكلمات، بل كانت نظاماً صوتياً بالغ التعقيد والدقة.
فالحرف:
قد يكون شديداً أو رخواً.
مجهـوراً أو مهموساً.
مستعلياً أو مستفلاً.
مطبقاً أو منفتحاً.
ذلقياً أو مصمتاً.
منحرفاً أو مستطيلاً.
حلقياً أو لسانياً أو شفوياً.
مديّاً ممتداً في الزمن.
أو مقطعاً يتجاوز وظيفته الصوتية إلى أفق البيان والرمز.
وهكذا يتبين أن الحرف العربي ليس أصغر عناصر اللغة قيمةً، بل هو بذرتها الأولى؛ فمن اهتزاز الهواء في الحنجرة إلى حركة اللسان والشفتين، ومن المخرج إلى الصفة، ومن الصوت إلى الكلمة، ومن الكلمة إلى المعنى، تبدأ الرحلة كلها بحرف.
فالحروف ليست صامتةً كما نظن؛ إنها تتكلم قبل الكلمات، وتكشف في صمتها عن هندسة اللغة، وفي مخارجها عن تاريخ الإنسان وهو يحوّل النفس إلى صوت، والصوت إلى معنى، والمعنى إلى عالم.
***
بقلم: عماد خالد رحمة - برلين








