عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: استطيقا الشعر بين الدوغمائية واليقين

 نحو كينونة جمالية مفتوحة

ليست استطيقا الشعر يقيناً مكتفياً بذاته، ولا عقيدة جمالية مغلقة تستمد مشروعيتها من قدرتها على فرض معيار واحد للجميل والشعري؛ فالشعر، في جوهره الأعمق، فعل مقاومة لكل يقين يتحول إلى دوغمائية، وكل قاعدة تستحيل إلى سلطة تُصادر حق النص في أن يكون مختلفاً. إن القصيدة لا تُولد لكي تؤكد ما نعرفه، بل لكي تزعزع ما ظنناه نهائياً، وتفتح في جدار المألوف كوةً يتسلل منها المجهول.

إن الجمال الشعري لا يقيم في الكينونة وحدها، ولا في الصيرورة وحدها، وإنما يتشكل في المسافة المتوترة بينهما؛ في تلك المنطقة التي لا يكون فيها النص شيئاً ثابتاً، بل حدثاً يتخلق باستمرار، ويعيد إنتاج ذاته كلما انتقل من وعي الشاعر إلى جسد اللغة، ومن جسد اللغة إلى وعي القارئ. فالنص الشعري ليس بنية مكتملة تنتظر من يكتشف أسرارها، وإنما كينونة تتجدد عبر القراءة، وتظل قابلة لأن تُرى من زوايا لا تستنفدها قراءة واحدة ولا يقين تأويلي نهائي.

ومن هنا يصبح الاختلاف شرطاً جوهرياً في التجربة الجمالية. فالشعر الذي يكرر النموذج الجاهز، مهما بلغت فصاحته، يظل أسير نظام سابق على وجوده؛ أما الشعر الذي يغامر في مناطق اللغة المجهولة، فإنه يستعيد حقه في أن يكون اكتشافاً. ولذلك لا ينبغي أن يُفهم الانزياح الشعري بوصفه مجرد خروج زخرفي عن المألوف، بل بوصفه حركة وجودية تعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والعالم واللغة. فالانزياح الحقيقي لا يغيّر العبارة وحدها، بل يغيّر زاوية النظر إلى الأشياء.

الشاعر حين ينحرف باللغة عن مسارها المعتاد لا يهرب من المعنى، وإنما يبحث عن معنى لم يكن ممكناً أن يظهر داخل النظام المألوف. إنه يزيح القشرة التي اعتادت العين أن ترى العالم من خلالها، لكي يستخرج من الأشياء وجهاً آخر كان مختبئاً تحت طبقات العادة. وهنا تحديداً تبدأ القصيدة في التحول من كلام عن الوجود إلى طريقة جديدة في اختبار الوجود.

إن التوتر الذي يسكن القصيدة الحديثة ليس عيباً ينبغي إخفاؤه، بل طاقة جمالية ينبغي الإصغاء إليها. فالقصيدة الكبرى لا تنعم دائماً بالانسجام؛ إنها قد تحمل داخلها تناقضات حادة، وتجاورات صادمة، وقفزات دلالية، وانقطاعات إيقاعية، ومفارقات لا تستجيب للمنطق الخطي. غير أن هذه العناصر لا تصبح شعراً إلا حين تنتظم في وحدة شعورية عميقة، قد لا تظهر على سطح النص، لكنها تعمل في أعماقه مثل تيار خفي يحفظ للنص تماسكه وسط عاصفة الاختلاف.

ولهذا فإن مواجهة المألوف لا تعني تحطيم النظام من أجل التحطيم، ولا تحويل القصيدة إلى فوضى من العلامات والصور الغريبة. فالمغامرة الجمالية ليست مرادفاً للعبث. ثمة فرق شاسع بين نص يخرق المألوف لأنه اكتشف ضرورة جمالية جديدة، ونص يتعمد الغرابة بحثاً عن أثر سريع. الأول يوسّع حدود الشعر، أما الثاني فقد يوسّع حدود الالتباس فقط.

إن إرادة القوة الشعرية لا تتمثل في إخضاع اللغة لإرادة الشاعر، بل في الدخول معها في صراع خلاق؛ فالكلمة ليست مادة خاماً طيعة تماماً، وإنما لها ذاكرتها وإيقاعاتها وظلالها وتاريخها. والشاعر الحقيقي لا يفرض عليها المعنى فرضاً، بل يستنطق إمكاناتها الخفية، ويستخرج من صمتها ما لم يكن مرئياً في ظاهرها. ولذلك تبدو الكتابة الشعرية أحياناً أشبه بمغامرة في منطقة لا يمتلك الشاعر خريطتها كاملة؛ إنه يبدأ الطريق، لكن الطريق نفسه يعيد تشكيله أثناء المسير.

ومن هنا يمكن فهم الشعر بوصفه صيرورة لتوليد الفوارق. فالقصيدة لا تتأسس على التشابه وحده، وإنما على المسافة بين المتعالي والمتداني، بين المرئي والمخفي، بين الحلم والواقع، بين ما تقوله اللغة وما تعجز عن قوله. وكلما اتسعت هذه المسافات، نشأت إمكانية جديدة للجمال. فالشعر لا يعيش في الإجابة، بقدر ما يعيش في المسافة التي تظل مفتوحة بين السؤال وإمكان الإجابة.

ولعل أخطر ما يهدد الشعر أن يتحول اليقين الجمالي إلى دوغمائية. حين يعتقد اتجاه ما أنه امتلك تعريف الشعر النهائي، أو حين يتحول مذهب جمالي إلى محكمة تصدر الأحكام على النصوص وفق قوانين مسبقة، يصبح الشعر، على نحو متناقض، أقل حرية في اللحظة التي يُفترض أن يكون فيها أكثر حرية. فالقصيدة لا تحتاج إلى شرطة تحرس حدودها، بل إلى فضاء يسمح لها بأن تختبر حدودها بنفسها.

إن تاريخ الشعر، في جوهره، تاريخ متصل من الانشقاق الجمالي. كل تجديد حقيقي يبدأ غالباً بوصفه خروجاً عن معيار سابق، وكل شكل كان جديداً في لحظة ظهوره بدا غريباً على الذائقة التي سبقتْه. لذلك فإن الذائقة التي لا تتغير تتحول إلى متحف، والنظرية التي لا تقبل مراجعة ذاتها تتحول إلى عقيدة، أما الشعر فيظل حياً لأنه يمتلك قدرة دائمة على الخروج من تعريفه السابق.

ومع ذلك، فإن تحرير الشعر من الدوغمائية لا يعني تحريره من كل معيار. فغياب القواعد لا يعني بالضرورة حضور الشعر. ثمة معيار داخلي يتشكل داخل العمل نفسه: منطق الصورة، وإيقاع العبارة، وضرورة الانزياح، وتوتر المجاز، وتماسك التجربة، وصدق الرؤية. إن القصيدة قد تكسر القاعدة الخارجية، لكنها لا تستطيع أن تعيش بلا قانون جمالي داخلي؛ وإلا تحول الانفلات إلى فراغ.

ومن هنا يصبح الجمال الشعري فعلاً كينونياً؛ فهو لا يوجد جاهزاً خارج القصيدة لكي تبحث عنه، بل يتولد داخلها، ويتحقق بقدر ما تتخلق القصيدة بوصفها كائناً لغوياً مستقلاً. إن الشعري ليس طبقة تضاف إلى النص بعد اكتماله، وإنما هو الطريقة التي يصبح بها النص أكثر من مجرد كلام. وحين تبلغ القصيدة هذه اللحظة، تتجاوز وظيفتها التواصلية المباشرة، وتتحول إلى تجربة تكشف شيئاً من الإنسان كان مستتراً خلف اللغة اليومية.

في هذا المعنى، ليست القصيدة جسداً مغلقاً، بل جسد جمالي مفتوح على احتمالات الوجود. إنها تتشكل ثم تعود فتتشكل في وعي قارئها، وتكتسب حياة جديدة مع كل تأويل. وقد يبدو النص أحياناً وكأنه يتوارى كلما اقتربنا منه؛ لكن هذا التواري ليس نقصاً، بل جزء من جماله. فالشعر العظيم لا يمنح نفسه دفعة واحدة، ولا يسمح للقراءة أن تستنفده، لأنه يحتفظ دائماً ببقية سرية، بمساحة عصية على القبض النهائي.

وهنا يمكن إعادة النظر في صورة الزبد الذي يذهب جفاءً: فما يتلاشى ليس الشعر، وإنما القشرة التي تحاول أن تحاصره؛ القوالب الجامدة، والتعريفات الجاهزة، والبلاغة المستهلكة، والتوقعات المسبقة. حين يسقط هذا كله، يظهر الشعري أكثر صفاءً، لا بوصفه حقيقة نهائية، وإنما بوصفه إمكاناً دائماً للحقيقة.

إن اليقين الذي يليق بالشعر، إذن، ليس يقيناً يغلق الباب، بل يقيناً يفتح نافذة؛ ليس امتلاكاً للحقيقة، بل وعياً بأن الحقيقة نفسها في حالة صيرورة. ولذلك يمكن للقصيدة أن تكون يقينية في أثرها، مترددة في معناها؛ حاسمة في إحساسها، مفتوحة في تأويلها. وهذه المفارقة هي إحدى أكثر مناطق الشعر خصوبة: أن يمنحنا النص إحساساً عميقاً باليقين، من دون أن يمنحنا حق امتلاك معناه امتلاكاً نهائياً.

وعندما تبلغ القصيدة هذه المرتبة، لا تعود مجرد بناء لغوي، بل تصبح رؤيا كينونية؛ جسداً جمالياً يتجاوز حدود العبارة إلى سؤال الإنسان عن نفسه والعالم والزمن والمصير. إنها لا تصف الوجود، بل تعيد اختراعه في اللغة؛ ولا تعكس العالم كما هو، بل تكشف إمكاناً آخر لأن يكون.

وهكذا يبقى الشعر، في جوهره، ذلك الكائن المراوغ الذي يرفض أن يُحبس في يقين واحد أو عقيدة جمالية واحدة. كلما ظننا أننا أحطنا به، فتح في الجدار باباً آخر، وكلما حاولنا تثبيته في تعريف نهائي، عاد إلى صيرورته الأولى: حركةً، واختلافاً، وتوتراً، وانكشافاً مؤجلاً.

فالشعر لا يبلغ كماله حين يستقر، بل حين يظل قادراً على العودة؛ يعود من اللغة بعد أن نظنها استُنفدت، ومن الصورة بعد أن نظنها اكتملت، ومن الصمت بعد أن نظنه فراغاً. ولعل كينونته الأعمق تكمن هنا: أنه لا يمنح الجمال بوصفه شيئاً منجزاً، بل بوصفه حدثاً يتجدد كلما انفتح النص على المجهول.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

في المثقف اليوم