عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

كاظم أبو جويدة: الأنافورا والتصعيد الدلالي

قراءة نقدية في المجموعة الشعرية "لا مَناص" للشاعر العراقي الميساني: شاكر داخل ولي

استمدت هذه المجموعة الشعرية (لا مَناص) جذورها العميقة من جغرافيا الشاعر الأولى، فهو ابن ميسان، تلك الأرض التي تتشابك فيها الأهوار بروح البساطة والصفاء الأول، حيث شكّل الماء والقصب والطين معجماً حسياً خاصاً سبق اللغة نفسها، فبدا الشاعر طفلاً يسمع خرير الماء بين القصب، ورأى الانعكاس المزدوج للسماء في سطح الهور بألوانه المتعددة، ومثّلت هذه البيئة الأولى رحماً دلالياً زوّد الشاعر بمفرداته الأساسية، فحضر الماء عنده خبرة حسية معاشة يومياً تجاوزت الاستعارة المستوردة من الشعر الحداثي العالمي، وحضر القصب جسداً نباتياً هشاً عرف الشاعر كيف ينحني مع الريح دون أن ينكسر، وتحولت هذه الهشاشة المرنة للقصب في شعره إلى نموذج وجودي راسخ لطريقة الصمود العراقي أمام الكوارث المتتالية.

هي ميسان، إذ توسّعت في شعرية شاكر داخل تدريجياً لتصبح نقطة انطلاق نحو رؤية عراقية شاملة، فتشابهت حركة هذا التوسع بحركة الماء نفسه في الأهوار، حيث تدفّق الماء وفق منطقه الخاص متجاوزاً كل تخطيط بشري مسبق، وحكم هذا المنطق المائي تحول الهمّ الشعري من الخاص إلى العام، فكتب الشاعر من ميسان وعبرها إلى العراق كله، وانفتحت كل صورة استلهمها من طفولته الأهوارية تلقائياً على دلالة وطنية أشمل، فأصبحت القصبة التي تنكسر تحت وطأة الريح استعارة لجيل ينكسر تحت وطأة الحروب المتتالية، وأصبح الماء الراكد الذي يتحول إلى مستنقع حين ينقطع عنه مصدر التغذية استعارة لوطن يُحاصر ويُجفف من مصادر حياته شيئاً فشيئاً، ومنح هذا الانزلاق السلس من التفصيل المحلي إلى الرمز الوطني شعر شاكر داخل صدقيته العميقة، فاستنبت الوطن من تربته الشخصية الأولى عوضاً عن استعارته موضوعاً خارجياً. وتجلّت هذه الرؤية بوضوح في قصيدة (خراب)، حيث استدعى الشاعر معجم الجفاف المحلي بعبارات مثل (الغيث المنتظر)، و(جذور نُذُرها السحاب)، فجعل من قحط الأرض الصغيرة مرآة لقحط الروح الكبرى.

عام ١٩٥٧ ولد الشاعر، وعاصر مع جيله بأسره حرب الشمال، والحرب العراقية الإيرانية، وحرب الخليج، والحصار الاقتصادي، ثم الاحتلال الأمريكي عام (٢٠٠٣) وما تلاه من انفجارات طائفية وانهيار للدولة ولمنظومة القيم، وفسّر هذا التراكم التاريخي المرير شحن قصيدته بغياب أي خلاص معلن، فمثّل العنوان نفسه، (لا مناص)، إعلاناً تأسيسياً لبنية نفسية جماعية تشكّلت عبر عقود من الحروب المتتالية والانكسارات المتلاحقة، وأصبح كل نص في المجموعة طبقة جيولوجية جديدة فوق طبقات الخراب السابقة. وتكثّفت هذه الشحنة الدلالية في القصيدة العنوان (لا مَناص) نفسها، وهي قصيرة جداً لا تتجاوز ستة أسطر، حيث دلّت عبارة (مِقصلة بيني وبينكِ / ومرحلة بيني وبين السماء) على انسداد الأفق الرأسي المتعالي والأفق الأفقي الإنساني معاً، ونسفت جملة (كلُّ أرضٍ مُقفَلة) أي إمكان للهجرة الجسدية أو الروحية، فاقتربت من بيان وجودي يوازي فكرة اللامخرج الفلسفية.3259 khadom

وبرؤية ناهضة لمجمل المجموعة، كشفت القراءة النقدية تماهي الأنثى والوطن في شعرية شاكر داخل، فغدوا قناعين متبادلين لذات واحدة مجروحة، حيث تضاعفت الخيانة الأنثوية صداها لتصبح مجازاً للخيانة الوطنية، وحضر جسد المرأة في المجموعة نصاً مُستباحاً على غرار استباحة الوطن، وذلك من خلال التماثل الصريح في قصيدة (ذكرى) بين (القميص الأحمر الذي يعبث به النسيان) وبين (القميص الملطخ بدم عثمان) في نص آخر من المجموعة، حيث تقاطع الجسدي بالتاريخي الديني السياسي في ضربة واحدة ساءلت ذاكرة الاغتيال السياسي العربي بأسره، فشهد الثوب هنا شهادة مادية على خيانة مزدوجة، خيانة الحبيب وخيانة التاريخ لأبنائه معاً.

تقنية الأنافورا - وهي كلمة يونانية الأصل (anaphora)، وتعني حرفياً (الحمل إلى الخلف)، أو (الإشارة إلى ما سبق)، وفي البلاغة الحديثة أصبحت تدل تحديداً على تقنية البدء المتكرر لكلمة أو عبارة في مطلع كل سطر أو وحدة شعرية متتالية - كانت تحتل موقعاً محورياً في البناء الأسلوبي للمجموعة، فعملت أداة تصعيد دلالي تراكمي، حيث أضاف الشاعر إلى الكلمة المتكررة في كل مرة شحنة جديدة دفعت النص تدريجياً نحو ذروته، وأمكن رصد نمطين متمايزين لهذه الوظيفة التصعيدية في المجموعة، أنافورا فردية نفسية، وأنافورا جماعية احتجاجية.

كلمة (وحدَكَ) كانت المفتاح المتكرر في قصيدة (نهايات)، أحد أهم نصوص المجموعة، حيث تكرر النداء في مطلع كل وحدة شعرية متصاعداً من وصف الحالة إلى تعميق العزلة: (وَحدَكَ.. تُغمِسُ يَرَاعَكَ في دَمِكَ / وَحدَكَ.. تَصيحُ في التِّيهِ / وَحدَكَ.. تَهذي / وَحدَكَ.. تُهَذِّبُ أيَّامَكَ الحُبلى)، حتى انفجر المعنى في السطر الأخير حين (يهوي خارجَ النصِّ)، ومثّلت هذه العبارة الأخيرة إعلاناً استباقياً بامتياز، حيث اعترفت القصيدة نفسها بحدودها، وقالت إن الذات المأزومة تجاوزت حتى مساحة النص الذي يفترض أن يحويها، فأصبح النص شاهداً على عجزه عن احتواء تجربته الخاصة. وشكل انتحاراً دلالياً داخل جسد القصيدة نفسها، وهو مشهد نادر الحدوث بهذه التركيبة الواضحة في الشعر العربي المعاصر.

متكررة بصيغة مغايرة، ظهرت البنية نفسها في قصيدة (لا أدري)، حيث تصاعد الاستفهام المتكرر (لماذا) من الحيرة الجسدية (لِمَاذا تُطَبِّقُ رُوحي عَلى جَوَارِحي / لماذا تَنقَطِعُ أنفَاسي / لماذا يَنتَابُني فَرَح) إلى الحيرة العاطفية، لينتهي النص باعتراف قسري فرضه تراكم التساؤلات: (رُبَّما دُونَ دِرَايَةٍ منّي / تَعَلَّقتُ بك)، وأكّد هذا عمل الأنافورا في هذا النمط الأول حصاراً لفظياً دفع الذات الشاعرة نحو مواجهة نفسها، فمثّل الصوت العنيد فيها استعارة الشاعر عن نفسه في مواجهة الطغيان المزدوج، طغيان السياسة وطغيان الأنثى الغادرة، وجعل ذلك من العزلة الفردية مرآة مصغّرة لعزلة وطن لم يجد من يتحدث إليه إلا صدى هزائمه فازداد حيرة برجع الحروف الواهنة.

في قصيدة (نداء الأهل) تجلّى النمط الثاني للأنافورا بوضوح، حيث تكرر النداء الجماعي (أهلَنا) في مطلع الوحدات الشعرية المتتالية، فبنى سردية احتجاجية متصاعدة انتقلت من وصف الحرمان اليومي، إلى وصف المقاومة السلمية، إلى وصف القمع الدموي، وتحولت الأنافورا هنا من أداة نفسية فردية إلى أداة خطابية جماعية، راكمت المشهد السياسي طبقة فوق طبقة حتى بلغت ذروتها في مفارقة ختامية ساخرة فككت الخطاب الرسمي عن ثروة عصية التناول عن أهلها يوماً، وكشف هذا التمايز بين النمطين، الفردي النفسي والجماعي الاحتجاجي، وعياً أسلوبياً عميقاً لدى الشاعر بوظائف التكرار المختلفة.

كما لوحظ انتهاء كثير من قصائد المجموعة بفراغ نقطي مفتوح أو بصمت دلالي مقصود، وقُرئت هذه الظاهرة نقدياً كرفض للخاتمة المغلقة، ورفض لأي حل وهمي، منسجمة تماماً مع عنوان المجموعة الذي قال منذ الصفحة الأولى إنه لا مناص ولا خلاص ولا ختام. ولا عزاء ولا هدنة للالتقاط الانفاس.

هذا المونتاج السينمائي اعتمده نص (ذكرى) بنائياً، الشرفة والأريكة وأحمر الشفاه وخصلة الشعر والمرآة الكسيرة، فتحدثت هذه العناصر الصامتة بلسان الغياب، وترك الشاعر للقارئ استنتاج الفقد من بقايا الأثر، في تقنية اقتربت من فكرة الحضور بالغياب حيث تحققت الدلالة عبر الفراغ الذي تركه الشيء الغائب، فأصبح (القميص الأحمر الذي يعبث به النسيان) أيقونة الخيانة المؤجلة، وأصبحت (الستائر التي تُخبّئ خلفها الخيانات) إعلاناً صريحاً عن ازدواجية العلاقة بين الحضور الجسدي والغياب الأخلاقي.

تحولاً رمزياً شهده البحر في قصيدة (ذات صباح)، من رمز حريّة إلى مسرح غيرة وجنون، فاختُبرت العلاقة بين الشاعر والحبيبة عبر عنصر ثالث خارجي هو الأصدقاء القادمون إليها، فتحول الشاعر إلى مستأذن للبحر عوضاً عن كونه مالكاً له، ومثّل هذا موقفاً رمزياً دقيقاً لموقع الذات العراقية بعد الاحتلال، مستأذنة طلبت الإذن من عاصفة لم تملك زمامها.

عبر معجم أرض الخراب العالمي استدعى نص (خراب) القصير الوزن الطويل الأثر عبارات كـ (الغيث المنتظر) و(الجذور) و(السحاب النذور)، معرِّباً بذلك مرجعية عالمية بمعجم محلي بامتياز، وانتهت القصيدة بإعلان مباشر عن أزمة وجودية إنسانية شاملة، فمثّلت (الروح الخاوية) في نهاية النص روحاً جماعية استُنزفت من الداخل قبل أن تُستنزف من الخارج، وكشف هذا التعريب للمرجعية العالمية وعياً شعرياً ناضجاً بالتناص مع تجنّب الذوبان فيه.

فكك نص (مدن تتعرّى) ازدواجية الخطاب الديني الاجتماعي عبر صورة (الحاج الخارج من حانة والمتهجد أول الفجر)، فكشفت لنا هذه الصورة المتناقضة انهيار المرجعية الأخلاقية في المجتمع ما بعد الاحتلال، ومثّل (الأطفال المفترشون للأرصفة) في مقابل (عيدهم المبارك) قمة السخرية التفكيكية من الاحتفالية الزائفة، تلك التي أُقيمت نظرياً لأجل أناسٍ يعوزهم كل شيء فعلياً.

مثّلت قصيدة (لو لم تكوني) غزلاً خالصاً والتي هي من أرقى نصوص المجموعة، حيث تحولت فيها الحبيبة إلى مرجع كوني حين قال الشاعر:" (لتخلَّيتُ عن القمر / وصنعتُ وجهك القادم... / وأغرس نجمتين تحت الأهداب)، فانقلبت المعادلة الرمزية هنا، وأصبحت الأنثى بديلاً مقترحاً عن كل شيء آخر بما فيها القمر نفسه، متجاوزة دورها كمرآة للوطن الخرب، ومثّل هذا النص الاستراحة الجمالية الوحيدة تقريباً في مجموعة مشحونة بالخراب.

هو الضبط الجمالي الرفيع الذي حكم قصيدة (إلى جندي)، متجاوزاً الخطابية المباشرة عبر تراكم صور حسية دقيقة، أبرزها (أجساد بلا أطراف / كالنخل.. ينتصب دون رؤوس)، ومثّلت هذه الصورة تحديداً واحدة من أعنف صور الشعر العراقي عن الحرب، إذ قورن جذع النخلة رمز الخصوبة والحياة التاريخي في العراق بجذع الجسد المقطوع الرأس، فانقلبت الأيقونة الوطنية التقليدية إلى نعش رمزي.

وفي قصيدة (يوسف) بلغت التقنية التجريبية عند الشاعر ذروتها الفلسفية، حيث استدعى القصة القرآنية ليعيد توزيع المسؤولية: (ليسَ البئرُ / مَن قَصَدَ السيّارة / ولا يوسفُ كانَ لهُ غرضٌ في قاعِه)، وامتد هذا التفكيك للحتمية السردية التراثية إلى قصيدة (نفي)، حيث أعلن الشاعر: (أنا لستُ قابيل / حتى أواري سوءةَ أخي / ولا شأنَ لي بدمِ يوسف / ولا بالقميص الملطَّخ بدم عثمان)، محدِّداً شأنه بقوله: (أنا لي شأن / بالذي سرقَ الكرى من عيني)، ومثّل هذا التحول من التناص الديني التاريخي الكبير إلى المأساة الشخصية الصغرى أحد أعمق تجليات الحداثة الشعرية في المجموعة. لكن السؤال؟ من هو الذي سرق الكرى من عين الشاعر؟

تفريغاً للرمز التقليدي كالنخلة والبحر والمطر من دلالته المتفق عليها، عمل شاكر داخل على إعادة شحنه بدلالة مضادة، واقترب هذا الانقلاب الدلالي من مفهوم موت الرمز الذي طرحته الحداثة الشعرية العربية بعد جيل الرواد، وأعادنا هذا الانقلاب إلى الأهوار من جديد، فتحول الماء الذي كان في الطفولة رمزاً للحياة والخصب إلى ماء ملوّث أو منقطع في القصيدة الوطنية، فأعاد الشاعر سرد سيرة أهواره الشخصية على مستوى الوطن كله، وأصبحت مأساة تجفيف الأهوار نموذجاً مصغراً لمأساة تجفيف العراق كله من مصادر حياته المعنوية والمادية.

معتمداً على قصيدة النثر ذات الجمل القصيرة المتقطعة والفراغات البصرية المتكررة، وضع الشاعر تجربته في سياق ما بعد جيل الرواد، فاتخذت البنية شكلاً تراكمياً فسيفسائياً، جمع صوراً مستقلة دلالياً لم تتحد إلا عبر الشحنة العاطفية الكلية للنص، وتقاطعت آلية الاستدلال بالأثر على الغياب، كخصلة الشعر وأحمر الشفاه والقميص في قصيدة (ذكرى)، بشكل واضح مع مفهوم الأثر في الفلسفة التفكيكية الحديثة، حيث استُدل على الغياب عبر بقايا لم تكتمل دلالتها إلا بالمرجع الغائب نفسه.

تجاوزت المجموعة القصيدة الوطنية الكلاسيكية الخطابية التعبوية التي عرفها الشعر العراقي في عقود سابقة، منتقلة إلى قصيدة الوطن المُعاش من الداخل الفردي، فتحول الوطن هنا من أيقونة تُمجَّد إلى مساحة يومية من الفقد الشخصي، اليتامى والأرامل والأطفال المتسوّلون كما في قصيدة (مدن تتعرّى)، وتجنب الشاعر الغموض المفرط الذي طبع جانباً من قصيدة الحداثة العربية المتأخرة، مفضلاً لغة شفافة بمعنى دلالي منفتح، وجعل هذا نصوص شاكر داخل قريبة من القارئ العادي رغم عمقها الدلالي الكبير.

في النهاية، مثّلت المجموعة الشعرية (لا مناص) وثيقة شعرية عن جيل عراقي عاش الانكسار المزدوج، انكسار الذات في علاقتها بالأنثى الغادرة كما في (نهايات) و(لا أدري)، وانكسار الجماعة في علاقتها بوطن استُبيح مرتين كما في (نداء الأهل) و(مدن تتعرّى)، متجاوزة حدود التجربة الغرامية المثقلة بخيبات الحب وحدود القصيدة الوطنية النادبة للخراب معاً، وتكمن القيمة النقدية الحقيقية لهذه المجموعة في رفضها تقديم أي عزاء أو خلاص وهمي، فمثّل العنوان نفسه إعلاناً مسبقاً بالفشل، لا مناص، ووضع هذا الرفض للخاتمة السعيدة، وهذا التعلق بالفجوات والنقاط المعلقة، وهذا الاستدلال الدائم بالأثر على الغياب، وهذا الاستخدام المزدوج للأنافورا بين التصعيد النفسي الفردي والتصعيد الاحتجاجي الجماعي، ولأن واقعنا لا يغازل أحلامنا بالمرة، وجد الشاعر شاكر داخل ولي نفسه في قلب المشروع الشعري العربي الاحتجاجي المعاصر - شاعراً كتب القصيدة جرحاً مفتوحاً على تأويلات لا تنتهي عوضاً عن كتابتها حلاً، شاعراً خرج من قصب الأهوار ليكتب عن قصب الوطن المحترق بعيدان ثقاب ابناءه، ومن ماء ميسان الساكن ليكتب عن جفاف الوطن الشامل، محاكياً استمرار حروب العراق وانكساراته المتوالية.

***

كاظم أبو جويدة

في المثقف اليوم