كيميائية الصلصال وصراع آلية الدلالة المحبطة.. الفصل الخامس ــ المبحث (1)
توطئة: إن تقسيم الحكي إلى قصة وخطاب ونص، يدلل على أن الزمن المقروء في التفصيل الروائي يسير نحو تفاعلات مفصلية خاصة في ظل آليات تمظهرات وقائعية المراحل الزمنية في مستوياتها الأكثر غورا في الأبعاد التراتيبية من (زمن القصة = بداية ــ وسط ــ نهاية) وتبعا لذلك تواجهنا القيمة السردية والجمالية في عملية إنتاج دلالات العلاقات بين البنيات التي تتشكل على هيئة (فعل ــ تفاعل ــ صراع) ومعنى ذلك أن إنتاجية جدلية المعنى تنفتح على منظومة ديناميتية في الكشف عن مكونات الخطاب والنص والحكاية بالتصور الذي يجليه الترابط والتحقيق في ماهية النص.
ــ المكان بوصفه فضاء روائياً
كما تخترق العلاقات المكانية - الزمانية الواقع الحياتي والمعيشي للناس فندخل في نسيج وعيهم ولا وعيهم، وتشكل الفضاء الرحب للحلم والذاكرة، فإنها تخترق البرنامج السردي. فلا أحداث، ولا شخوص خارج المكان الروائي، حتى لو كانت هذه الشخوص والأحداث في أقصى درجات الاحتمالية والتخييل أو هي في عالم ميتافيزيقي محض. من هنا تواجهنا دلالات الفصول الأولى من رواية (الكهف) لجوزيه ساراماغو، ارتكازا على محفزات ذواتية وموضوعية في زمن المكان اللامتعين، بفضاءاته المتعددة مثل (ورشة صناعة الخزف ــ الأزقة ــ الأقبية ــ عجلة نقل الخزف) وهذه الأماكن التي بها عادة الأحداث العاصفة في سكونيتها، ولحظات الانعطاف الحادة في مصائر الشخوص، كما يحضر بصورة سكونية الإشكال الذي وقع فيه الشخصية سيبريانو ألغور بصدد عدم شراء مركز المبيعات نصف حمولته المجهزة بالخزف. والإحساس بهذا الأمر تتواشج به بنية الأحداث في إظهاره وهو يحتل القسم الأكبر من مسار الأحداث الروائية.
1ــ مشاعر كامنة تقودنا إلى فاعلية التشكيل:
لا تكتفي بعض المتون في رواية (الكهف) بأن تقدم الأحداث مرة واحدة، وإنما تعتمد نظاما يكررها أكثر من مرة، فتتكرر الأحداث بمكانها وزمانها والشخصيات بها، أو يعاد الحدث بدون تقاطع تفاصيله مع المرة الأولى فيكون بمثابة تتمة له، ومن المنطقي أن يأتي التكرار ــ غالبا ــ مصاحبا لتعدد الرؤى، كحال فقرات عدم تسلم مركز المبيعات لنصف حمولة الشاحنة لدى الشخصية ألغور: (أنزل نصف ما أحضره وطابقه مع عقد التسليم. فسأله سيبريانو ألغور متفاجئاً ومذعوراً، النصف، لماذا، المبيعات انخفضت كثيرا خلال الأسابيع الماضية، وربما سنضطر إلى أن نعيد إليك ما هو في المستودع، بسبب عدم بيعها. / ص19 الرواية) بهذه الصورة المشهدية تتموقع موقعية حبكة البائع الذي ردت إليه نصف بضاعته. وبهذه السمات الوظائفية أيضا نلاحظ كيفية متعلقات هذه الحادثة المحورية وكيفية تعالقها على سنن اللامبالاة وتهميش الدور من قبل إدارة مركز المبيعات السلطوي.
2ــ التقاطب بين رهافة العنفوان وبلادة الواقع:
تتموقع لآليات ثيمة عدم شراء المنتج الخزفي الصلصالي من قبل الشخصية ألغور، مزيدا من طاقة التوتر وأقصى مراحل اليأس لدى الشخصية ألغور وأبنته المدعوة مارتا، فهذه الأخيرة كانت بمثابة الشريك الاستراتيجي بالنسبة لوالدها ألغور. وبتأثير ما أصبحت مع مهنة الخزف وطقوسها البنت مارتا من أمهر صانعات الصلصال وجماليات صورة الأيقونية المغبطة. وعلى هذا النحو تتشارك مارتا ووالدها عملية الحزن على حادثة عدم شراء مجسمات قطع الخزف من والدها ليهجسان الأثنان معا عنف مصائرية هذه القسرية في دكتاتورية التعامل من قبل مركز المبيعات. ولو قارنا أوجه التشابه بين صانع الخزف ورفض إنتاجه من قبل مركز المبيعات، لوجدنا العملية تقارب كفة قوى دكتاتورية باطشة مأخوذة بصراع قاهر ضد الطبقات المهمشة من قبل أفراد كيان مسحوق تماما.
3ــ الابعاد الروائية وتجليات المعادل التحولي:
تروي لنا الأحداث الروائية حكاية الفتاة مارتا مع حكاية زوجها الحارس المؤقت في مركز المبيعات وكيفية محاولة التواصل معه كواسطة لمعرفة الأسباب المركزية في عدم شراء المركز لمنتجات الأب العجوز ألغور. ولكن للأسف كان مرسيال غاتشو ممن يتصاغر حجمه أمام أرباب هذا المركز خوفا من فقدان وظيفته الصغرى داخل غرف هذا المركز الكبير. لعل رواية (الكهف) من الأعمال الروائية التي تخفي أسرارها بصورة مغرضة، أو لعلها تصون حدود وقائعها بموضوعية (المسكوت عنه) لذا فإننا لحد الآن لا نعلم جيدا عن خفايا اسرار ذلك المدلول الكهفي، ولا من جهة ما الأحداث الجارية التي جعلت من الشخصية مارتا تقترح على والدها التحول من صناعة الأواني إلى حرفية صناعة الدمية المصنوعة من كيميائية الصلصال وزمنها المخبوء خلف زمن مركز المبيعات الموحش في الأداة والعلامة والتسمية.
ــ تعليق القراءة:
يبدو أن مجتمع دلالات الرواية (الكهف) يقتضي وجود اسطورة في شكل ظاهرة عميقة الرمز والترميز، إذ تؤكد الرواية في متون فصولها الأولى بأن هناك حالات من المقاربة والإيحاء بأن ثيمة مركز المبيعات يشكل بذاته ذلك الزمن السلطوي الذي يسود بهيمنته على جميع الفئات الصغرى من الشخوص والأماكن والزمن المتمثل برقعة الأكواخ الطينية المتفرقة، فيما تشكل آليات مشغل صناعة الصلصال كموقعية في كيميائية اللغة والإنتاج والهوية والصراعات بين منظومة الاطار الأعلى وبطشه لحياة مكابدات رجل الصلصال ومصنوعاته الممزوجة بروائح تواريخ نصف آدمية سحيقة ومسحوقة. فيما تبقى آلية صعود الدلالات نحو تجسيد مادية العنف وكيميائية تساؤلات رجل الصلصال المحبط.
***
حيدر عبد الرضا








