"أغنيات أحفظها عن الملائكة"
المقاربة: منهجيا، نعتمد في هذه المقاربة نظرية التأويل مشفوعة بالدرس السيميائي وبعضاً من إجراءات التفكيكية الوظيفية. ونبني مخرجات إنجازنا النقدي أساساً على فعل الإحصاء لأنه إجراء قابل للقياس. ونقصد بذلك إحصاء المفردات داخل مقولة الحقول الدلالية على اعتبار أن التراكم يسير إلى غاية الكيف.
وفي سياق (أغنيات أحفظها عن الملائكة) نجد الشاعرة (وفاء أجليد) لا تقترف قصيدة النثر باعتبارها خوضا شعرياً يقول وينزاح بالقول، أو يدهش ويشطّ في الإدهاش فحسب، بل هي شاعرة تكتب القصيدة واحتمالَ القصيدة في فكرة شعرية ولّادة داخل رحمٍ شعرية استباقية تفتح باب الإبداع على مصراعيه في مغامرة فنية نلخّصها في مفهومين جديرين بالدرس والبحث وهما: الامتلاء والاحتمال .
و تخوض الشاعرة (وفاء) تجربة قصيدة النثر في راهنيتها وفي سياقها الثقافي الذي يعجّ بانتشار المتون الشعرية الموسومة بقوة المنافسة الأدبية بعيداً عن زحام الرداءة، واستحضاراً لمقام الإبداع الوازن والمشع والحامل للقيمة الجمالية المضافة.
تجربة الشاعرة (وفاء) منظومة فنية تقوم على عنصر الإيمان بالكتابة الشعرية باعتبارها معزوفة احتمالية تنقل المتلقي من فكرة العدم الخاوية إلى فكرة الامتلاء والمعنى، في توجّهٍ فلسفي يسخر من الموت ويمجّد الحياة...
و الديوان (أغنيات أحفظها عن الملائكة) هو الإصدار الثاني للشاعرة بعد الإصدار الأول في فن الزجل (نْـڭول كلمتي). وقد صدر ديوان (أغنيات...) عن منشورات المجلس الأوروعربي للفكر والدراسات والترجمة \ بلجيكا. 2022
1 - محور السؤال:
يحمل السؤال معنى الطلب ومعنى الاستدعاء. وقولنا: كم الساعة؟ يفيد الطلب. وفي الاصطلاح يفيد السؤال استدعاء المعرفة أو ما يؤدي إلى المعرفة.
و لقد اخترنا العنوان إشكالاً داخل السؤال لأن هذا الأخير هو عصا الشعر السحرية التي نهشّ بها على ضباب الحيرة والضياع في متاهات الوجود.
و السؤال قديم في حياة الشعر. قال المعري:
صاحٍ أبكت تلكم الحمامة أم غنّـــ \\\ ـــــت على فرع غصنها المياد
و هو السؤال الممتد الآن في الشعر الحداثي بامتياز. حتى إن كثيرا من المبدعين حوّلوه إلى قرار أنطولوجي يخيّم على إبداعهم ويوجّه بوصلاتهم في عالم الشعر، وفي عالم المساءلات القاضية بخلق مقولات الإدهاش عند الإنسان المبدع إزاء مجاهيل الكون ومستغلقاته...
2 - محور الكينونة:
الكينونة هي صفة الكائن المتحققة. وهي مشتقة من فعل (كان) بمعنى تحقق وجوده في الزمان والمكان. وكينونة الإنسان هي سمته المُميّزة لشكل وجوده الخاص. وهي ما به يكون الكائن ذاته، وليس أيّ كائن آخر .
و تتعالق الكينونة أساساً بالوجود في خطين متداخلين هما: كان في ارتباط الفعل بفعل آخر هو (سار) من جهة ومن أخرى بفعل (صار). فيكون تحقق الوجود في كينونة متحركة (سار) ومتحولة (صار).
3 - محور الشعر:
لن نضع حدّا للشعر ولن نعرّفه في اتجاه أو في مدرسة أو في تيار واحد، ولن نستقصيه في زمنيته العتيقة أو المعاصرة ولا في استشرافه لما بعد هذه الأزمنة. ولن نشغل بالنا بدقة المصطلح لأن ذلك مبحث أوسع من السعة ذاتها ولن نخرج فيه بمخرج ذي بال. إن مادته الهيولانية تعوق فكرة الحسم في تجنيسه جنسا واحدا واضحا. وحتى انطلاقنا من الحد القديم (الشعر كلام موزون مقفى يدلّ على معنى) سيديننا ويشجب مذهبنا لأننا نقصي داخل حمى هذا التحديد كل نوع شعري آخر خرج عن سلطانه. وكوننا نشتغل على المتون المرتبطة بقصيدة النثر يحسنُ بنا ان نترك المجال زئبقيا ومفتوحًا على مصراعيْهِ في انتظار الحسم في عملية التحديد والاصطلاح.
4 - محور التظهير:
ونقصد بذلك قراءة بعض المقاطع التي تمثل طرح العنوان في غير حصر. نستثمر في ذلك إمكان إخراج المقولات النقدية من وجودها النظري إلى وجودها الفعلي أو التطبيقي داخل ديوان (أغنيات أحفظها عن الملائكة) عبر عمليات التفكيك والتركيب للمخرجات الداعمة لتصورنا النقدي حول شعرية الديوان، داخل ثنائية السؤال والكينونة.
أ – المثال الأول: قصيدة (أكتب عن برتقالة)
قالت الشاعرة:
أكتب عن برتقالة الأمل
عن امرأة تنام على الرطوبة
و فوضى السؤال
عن غيمة تحب الجلوس
على كتف مغنّ (1)
لننظر إلى طبيعة السؤال في قول الشاعرة (وفوضى السؤال). نجده مرتبطا بمقولة الفوضى. هناك رفض ضمني للسؤال المباشر والخطي الذي يستدعي أجوبة مباشرة من جنسه، والتي لا تغير في الأفق الإنساني شيئا، لأنها أسئلة متكررة تتناسل عنها أجوبة أكثر تكرارا وشبها. والسؤال المطلوب هنا هو السؤال المفعم بالفوضى واللامنطق والخروج عن صرامة الأنظمة والأنساق بحكم سقوطها بعد استهلاكها في الرتابة والمألوف .
تتبنى الشاعرة (وفاء) سؤال المباغتة والإدهاش بدل سؤال البداهة والنسخ والتكرار. من هنا تأتي مقولة الكينونة في هذا السياق لتأكيد فوضى السؤال. وهي كينونة رافضة لحالة الجمود والسكون بدليل أن الشاعرة عبرت عن الكل (الذات) بالجزء (الدمعة) وأسندت فعل الكتابة إلى العنفوان والحركية والدينامية بدل السكون والجمود.
قالت الشاعرة (عنفوان يكتب دمعتي) على اعتبار أن (العنفوان يكتبني) أي (يوجدني). والشاعرة تتكلم من بوابة الكينونة المتعددة التيتكاد في انسيابها المتشعب أن تصيب القارئ والمتلقي بحالة أسميها (فوضى الاستقبال)، ويكون فيها القارئ قادرًا على الكشف عن معاني المقروء عبر تفاعله مع النص، باعتباره (قارئًا جيدا ونموذجيًّا لديه كفاءات ومهارات في تعامله مع النص تتمثل في الآليات المعجمية والأسلوبية واللغوية، كما أن المؤلف ينبغي له أن يمتلك مجموعة من الكفاءات تتماشى مع كفاءات القارئ، وحينئذ يحدث ما يسمى بالتعاضد أو التعاون بين القارئ النموذجي والنص جنّبًا لوضعية القارئ المصاب بقصور موسوعي يجد نفسه على قاب قوسين أو أدنى مما يعوزه)-(2)
جاءت الكينونة متشعبة كما رسمتها الشاعرة على منوال هذه الفوضى المنظمة (كينونة – نورسة – وردة – قهوة – ملاك – قصيدة – شجرة – سنونة – حلم – برتقالة ...) هذا الزخم المعجمي الغني في طرح مفردات الكينونة نجد تفسيره في إرادة التكلم من زاوية الفرح الأنطولوجي في مقابل الكينونة المتكلمة من زاوية الجرح الأنطولوجي في ديوان الشاعرة الزجلي (الإصدار الأول في خزانتها والموسوم بعنوان " نْڭولْ كلمتي") - (3).
ويفيدنا هذا تحولا في الحساسية الشعرية من ذاك الديوان إلى ذا. وهي التي نرجعها إلى تطور في الموقف وفي التصور قبل أن نرجعها إلى نضج في الحساسية الشعرية. مع الاعتراف بالفرق بين الصوغ اللهجي في فن الزجل والصوغ المعرب في قصيدة النثر، ولكنه مجرد بونٍ صوري، إذ كلاهما، سواء المتن المعرب أو المتن اللهجي هو في الأصل مجموعة من العلامات، وكل علامة قابلة للدرس والمقاربة العالمة.
ب – المثال الثاني: قصيدة (أنا حقل طفولة)
قالت الشاعرة:
أهز جذع السؤال
فيولد المطر في قلبي
تنساب أحلامي
في ذاكرة الماء
و قالت أيضا في نفس القصيدة:
أكون نخلة
أكون مدينة
أكون نحلة
أكون شعراً
و قد أكون أغنية
أنجبتْها السماء (4)
لا تكتفي الشاعرة بطرح السؤال في بداهته المرتبطة بالموضوع عبر أداة من أدوات الاستفهام. وإنما تطرحه في ماهيته وفي حدّه المجرد وتطرحه أيضا في امتداداته الممكنة بعد أن أحرجته بقرارها الجرئ (أهز جذع السؤال) .
و في فائض المعنى نجد الشاعرة قد سافرت بنا داخل النسق القرآني (وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيّا) - (5)، كي ندرك في آخر المطاف أنها ترسلنا بلطف إلى قراءة السؤال داخل فكرة استئصاله من جذوره للبحث، وبالأحرى للتنقيب عن ولادة جديدة:
فيولد المطر من قلبي
تنساب أحلامي
في ذاكرة الماء
و من بين ممكنات التأويل أن الشاعرة (وفاء) لا ترغب في الأسئلة المباشرة المستدعية أجوبة أكثر مباشرة وبداهة. هي تريد السؤال محفورا في عمقه داخل حفريات الكينونة لاقتلاع كل ممكنات الشبه والتكرار، والاحتفاظ فقط بممكنات الأصالة التي تختزن الأجوبة الحارقة والفاضحة والكاشفة والبعيدة عن دغدغة الذات عبر أجوبة تشبه أقراص التهدئة والمعالجة العابرة.
و في بيان الكينونة نجد الشاعرة تحقق انسجاما قويا داخل التشعب الدلالي. قالت (أكون نخلة) وهذا التعدد في الكينونة هو ظاهري فقط وهو نتيجة الحفر في السؤال الذي تعاملت معه الذات المتكلمة بقوة الرجّة الخالقة من التعدد انسجاما بائنا في التأويل. فيكون التخريج لهذه التجليات بدلالات مشروطة لا سائبة. فقولها:
الكينونة - الدلالة
أكون نخلة = دلالة على العطاء
أكون مدينة = دلالة على العمار والاجتماع
أكون نحلة = دلالة على التنكر للأنا
أكون شعرا = دلالة على الجمال
أكون أغنية = دلالة التتويج الجميل
و هي تأويلات يشترطها السياق العام للقصيدة وللديوان ولا تعبث بالتخريجات الجزافية من أجل التخريج فقط. ولا أدل على ذلك من كون الشاعرة تكتب عن البرتقالة وعن المرأة وعن الغيمة في تماهٍ واضح مع ما يسميه النقاد بالمعادل الموضوعي الذي يفيدنا في تشييد مفهوم الكينونة عند الشاعرة خارج حصار الجاهزية.
تروم الشاعرة في هذا السياق تقديم أجوبة عن القلق العميق لديها ولدى الإنسان بشكل عام بحكم شرط الوجود، وذلك ببناء روابط بين الذات واللغة بحثًا عن شكل من أشكال الأمل والفرح ضدًّا في حالات اليأس والأفق المسدود. ويتم من خلال ذلك إعادة تشكيل العالم عبر المتخيل الشعري تشكيلًا لغويًّا (ضد صمت الكون عن البوح بالحقائق الجوهرية، وضد الموت، لإعادة إنتاج العالم من جديد بواسطة لغة خاصة تزاوج بين الأشياء المرئية من العالم، وبين الخيال الذي يحقق إمكانية هائلة في تحقيق التوازن النفسي حيال الموت وحيال المصير الإنساني في الوجود) - (6)
ت – المثال الثالث: قصيدة (أحْبُك جغرافيا الحيرة)
قالت الشاعرة:
و من سديم كثيف من الشك
أهرب من سؤال
يحملني إلى سؤالي
و أخفي هروبي
من بداية البدايات
إلى وقتي الذي أعدّه
مقعدا على رخامة انتظاري
هروبي الذي أقوده
كظل بلا ضوء (7)
و ارتباطا بعنوان القصيدة فالحيرة لم تعد مأزقا متاهيا واسعا لا تحدّه الأقانيم الموجودة أو الوجودية. أصبحت الحيرة في عرف الشاعرة مجرد جغرافيا ومجرد فضاء محدود وقابل للقياس وبالتالي فهو قابل للحصار والقبض. من هنا تمّ التساوق بينه وبين فعل (أحْبُكُ) الذي يعني فيما يعني إعادة النسيج. وهي إعادة تنصب على مقولة الحيرة حتى لا تسيطر على الذات وحتى لا تملي عليها قراراتها .
و ما يؤكد فكرة تحييز المجرد، أي تحويل مقولة الحيرة من عالم الهيولى إلى عالم القياس في جميل الانزياح، لجوء الشاعرة إلى انزياح أجمل في قرارها صوغ انتظاراتها داخل مقولة (الرخامة) وفي هذه البلاغة قوة التعبير الكاشف عن برودة الانتظار وصمت الانتظار والذي عبرت عنه الشاعرة بصمت وبرودة الرخام. قالت:
إلى وقتي الذي أعده
مقعدا على رخامة الانتظار
و تأملوا معنا هذا المقعد البارد والصامت الذي يتناسب بقوة مع الداخل المنتظر، ومع مقولة الحيرة البانية لهذه الجوانية الذاتية المُمتَحَنة في كينونتها .
ث – المثال الرابع: قصيدة (حين يخضر الزفاف)
الكينونة هنا متجلية في ضمير الأنا الضاغط على الصوغ الشعري بشكل بائن وملفت جدا. سواء تعلق الأمر بالضمير المنفصل (أنا) أو بياء المتكلم أو بياء النسبة. وهذه الأنماط تكررت في القصيدة بتراكم معجمي وصل إلى معدل ثلاثين تردّدا. وبه تجلت الكينونة وزادت تجلياً في ثنائية اليقين والشك.
ارتبط النفي بفعل الغرس وهو فعل مفتوح على مقولة الاحتمال الكثير، في حين ارتبط الشك بمكون الكف، وهي عضو ثابت ومتحول. قالت الشاعرة:
أغرس اليقين في كف الشك
و الغرس تأصيل. وأما الكف ففيها الإمساك والإرسال والقبض والبسط... أي فيها التجلي والخفاء. نفهم في سياق التأويل أن اليقين في منظور الشاعرة تجذر القناعة والإيمان بالشيء. والشيء هنا مجرد علامة للدلالة على الواقع عليه هذا اليقين سواء كان قضية أو دينا أو فلسفة أو حبّا أو عشقا... ولا نريد بذلك تشيّؤَ الموضوع وتحيّزه في المادّة. ومن ثمّة ندرك انزياح الذات إلى ترجيح كفة اليقين على كفة الشك لأن الشاعرة ألقت بهذا الأخير في قدر الكف الحاملة لثنائية الثبات والتحول عبر ثنائية القبض والبسط. والقرينة الداعمة لهذا التخريج هي موقَعَة الشاعرة ذاتها في بؤرة السماء حيث اليقين بدون منازع. قالت:
إنني أنا في سمائي
أسابق لُهاث الزمن
ألمّع الشمس
5 - الحوار بين الذات والأشياء
كانت مقاطع الأمثلة الأربعة تأويلاتٍ لبناء مدخل تمهيدي لقراءة الديوان داخل سيميائيات العلامة. ومنها هذه المحاور التي نبدؤها بمقاربة الحوار بين الذات والأشياء .
نفهم أولاً وكإجراء احترازي أن الشيئية أو التشيؤ هي بنية تحتية يُشيّدُ فوقها كل عنصر حقيقي وقيمي ودائم. ومثال ذلك أن تمثال الحرية ينطوي على عنصر الحقيقة فيما تشيؤهُ قائم على الحجر. من هنا متحَ وعيُ الشاعرة (وفاء) تعامله مع الأشياء في الديوان. وهي أشياء بسيطة لا حصر لها ولكنها تتحول إلى قيمة بفضل الصياغة الشعرية التي حوّلت الأشياء من عالم المادة إلى عالم التخييل. نأخذ على سبيل المثال عنصر الماء باعتباره تجسيدا فعليا لمفهوم الكينونة.
- الماء... من التشيؤ إلى الدلالة:
في القصيدة الثانية (أنا حقل طفولة) تستثمر الشاعرة عنصر الماء في قولها:
لا أحلام طازجة
تشرب من نهري الغائب
**
هناك في آخر الكلام
أفتح بابا للنوم
بابا للبدايات
أرتّبُني على كتف الماء
كزهرة غيم تتلمّس طريقها
إلى سنابل القمر الأخير
عين الماء أنا
والطين موطن
يُأوي عطشي
أهزّ جذع السؤال
فيولد المطر في قلبي
تنساب أحلامي
في ذاكرة الماء (8)
وقبل الخوض في مغامرة التأويل دعونا نتذكر حرص المفكر (غاستون باشلار) على تحليل فكرة الماء في كتابه (الماء والأحلام). وقد اعتبر الماء قدرا يجري في التحول الكينوني، كما اعتبر الماء هو العنصر الأكثر أنوثة في الطبيعة. والماء في نظره هو دم الأرض وحياتها وفي نفس الآن هو عنصر موتها.(9)
تبدأ محاورة الشاعرة (وفاء) عنصرَ الماء الخارج من حالة التشيؤ إلى حالة القيمة بانزياح بلاغي يعجّ بالإشارة، ولا يفضح ذاته في تلاوين العبارة. قالت الشاعرة: أنا حقل طفولة... والماء هنا حاضر على مستوى الاستتباع والتداعي. ومادام الحقل لا يستمد صفته الحقلية المقيمة في أذهاننا إلا من الماء فالتعبير هنا يصبح على لسان حال الشاعرة: أنا ماء الطفولة. من هنا نستوعب لغة الإشارة المائية في الديوان وهي تتجلى داخل محطات كثيرة نذكر منها أيضا وفي سياق آخر قول الشاعرة: أرتّبُني على كتف الماء. في عملية انزياحية يبدو فيها الماء عنصر ثقة ومحط اعتماد وسند، تضع الذات المتكلمة ثقلها كله على كتف الماء. وإذا كان الشاعر محمود درويش قد عكس الآية وأدان الماء باعتباره مكوِّناً غير قادر على دعم الذات المتكلمة – ولو أنه يلمز الخيانة العربية - في قوله:
سائرا بين التفاصيل
اتكأتُ على مياه
فانكسرتُ (10)
فإن الشاعرة وضعت ثقتها كلها في الْماء وعلى عنصر الماء. واختارت في صوغها فعلا بليغا ومعبرا وكاسحا لكل الضوء الممكن في عتصر الماء. قالت: أرتّبُني على كتف الماء. وفي الاستبدال الدلالي والمحوري يمكن أن نقول مع الشاعرة: أضعُني على كتف الماء بدل أرتّبني. ولكنها اختارت فعل (أرتّبني) بدلالة قوية تعبر عن حالة ماضوية قبل أن تكتشف قوة الماء. فالترتيب يستدعي ضمنياً حالة الفوضى قبل زمن الترتيب والتنظيم. من هنا ففعل (رتّب) أقوى وأبلغ من فعل (وضع)...
و لكن، من أين جاءت حالة الفوضى؟
جاءت من إدراك الذات المتكلمة قدر جرحها الكبير الذي تعاملت معه لا في انكسارية منهزمة ولكن في قوة واعدة يلخصها قرارها الجميل بقوة حريرية في فعل (أرتّبُني). ولعلنا نتساءل عن إمكان الاحتمال في فعل الترتيب ونقول: ماذا يحصل بعد الترتيب؟ وما نتيجته وما ثمرته. قالت الشاعرة (وفاء) :
أرتّبني على كتف الماء
كزهرة غيم
تتلمس طريقها
إلى سنابل القمر الأخير
لم تنكسر الذات المتكلمة كما انكسر (أحمد الزعتر) بل تحولت إلى زهرة، وليست مجرد زهرة تسكن في مقولات التشيؤ بل هي زهرة من غيمٍ لا من تراب تنزح من حضيض التسفل. إن سياق التوقع وانتظارية القارئ يذهبان إلى التواطؤ مع الشاعرة في محور التراب والاستنبات، فيما الشاعرة تروم تكسير هذا التوقع باستبدالها المشترك الثقافي بينها وبين المتلقي والراقد في سيناريوهات الانتظار إلى غير المتوقع، لأن الزهرة في عرفنا المتكلم والمفكِّر والمفكَّر فيه هي زهرة محكومة بقدر التراب والأرض والنهاية والذبول كلما انقطع عنها رصيد الماء. وفي تعبير الشاعرة (زهرة الغيم) توقٌ إلى اللانهاية وهي تحول الزهرة إلى حياة الغيم. أي أن الماء جزء من كينونتها ملتصق بها لا كما كان شأنها سابقا. وهي ابنة الأرض يزورها الماء عند الطلب فقط. هكذا تضعنا الشاعرة في سياق ثنائية تعجّ بالدلالة والمساءلة والنقد ويتعلق الأمر بثنائية الأرض والسماء من منظور شعري يقدم تصورا فنيا لهذا التقابل. ومنه وفيه وردتْ قرينة ارتحال الزهرة إلى القمر الأخير، وكأن كينونة الزهرة في الغيم مجرد محطّة لتشكيل الهوية (المائية) لاستكمالها في هوية النور (القمر)... إننا أمام زهرة خرافية هي نتيجة دلالية لتدرج صوغي قائم على العمليات التالية:
الإعلان عن العام - أنا حقل طفولة
توطين الذات خارج الفوضى - أرتّبُني
تشكيل الهوية - عين الماء أنا
معجمياً نقول: عين الشيء أي ذاته. فهل نقول مع الشاعرة: أنا ذات الماء أو أنا الماء ذاته؟
إن التماهي بين الذات والماء هو بداية احتمال فائض المعنى، هو قمّة التناغم بين عناصر المحاورة، بين الشاعرة والأشياء. وفيها تلغي شيئية الماء لترقى به إلى الكينونة والوجود (عين الماء أنا) .
وهذه أمثلة تفيد في رصد حركية عنصر الماء باعتباره أيقونة تخرج من حالة التشيؤ إلى حالة القيمة:
- قصيدة (فراشة على ظهر نورسة)
أكلّم البحيرات النائمة على عيني
كخلية نحل أدمنت صوتها
ثم ذهبت إلى عطش قديم (11)
**
في ماءٍ آخر
أعصر النبع والنهر
أقطّر وقتي
في قلب عوسجة
- قصيدة (نجمة شاردة) - (12)
و تجري الأنهار
من غيمة الحنين
تقتفي رائحة الماء
حيث يبتلّ اللحن
- قصيدة (ضفيرة أمي) - (13)
قلبي ينزّ
من أصابع الروح
يسيح ألوانا
على وجه الماء
إن حضور الماء في الديوان حضور أنطولوجي لا يرتبط بالبذخ الفكري أو بالترف الثقافي القائم على بهاء الزخرفة والجمالية المسطّحة... إنه حضور يرتبط بالذات في رهان كينونتها .
و نحن عندما نستحضر عنصر الماء في سياق الذات المجروحة عبر تاريخها الشخصي في محطات الألم والداء الذي لا يني يقايض الشاعرة في جوارحها، فإننا نستحضره كمعادل نفسي تنتصر فيه الذات على الموت لتمجد الحياة في ديوان (أغنيات أحفظها عن الملائكة). وكأنني بالشاعرة (وفاء) تخاطب في الماء طهرانيتَهُ كما خاطبه الراهب "سانت إيف" قائلا (أيتها الأعشاب الطيبة في المياه وأيتها المياهُ ذاتُها، ادفعي نحو الكمال كل العقاقير التي تطرد الأمراض حتى يحس جسدي آثارك السعيدة لأنعم لمدّة أطول بأشعة الشمس).
و لعل قارئاً لتراكم مقولة الشمس في ديوان (أغنيات) يدرك هذه العلاقة بين شاعرة تتغنى بالضوء وراهب يمجد الشمس .
-محور الشعر والكينونة:
حرصنا في هذا الحقل الدلالي على تجميع كل المقولات التي تمت إلى الشعر والإبداع الشعري بصلة. وأحصينا فوجدنا ما يلي:
- مفرداتٌ من قبيل اللغة والكلام والكتابة والحروف والكلمات والمجاز والشعر والقصيدة... 137 تردداً .
إضافة إلى مفردة الأغنية التي وصل ترددها في الديوان إلى 40 مرّة. المجموع إذن 177 ترددا لمقولة الشعر. وهو رقم قياسي ضاغط على الدلالة والمعنى وفائض المعنى والتأويل. وإن التراكم المعجمي هنا يسير في اتجاه تأكيد الكينونة لبلورتها عبر مفهوم الكتابة التي تميلُ إلى تمجيد الفرح وتمجيد الحياة. في مقابل الكتابات التي حاورت كينونتها داخل مفهوم القلق.
و في هذه المحطة سنتمثّل شعرية الكينونة داخل شقّيْنِ: الأول يتعلق بالتشكيل الشعري الموظف للألوان. والثاني يتعلق بمفهوم الكتابة الشعرية لدى الشاعرة .
كثيرة هي المناسبات في هذا الديوان التي يأخذ فيها اللون المبادرة لصياغة العبارة خارج منظور اللغة المألوفة. وكأن الشاعرة تدرك أن فائض المعنى قيمة وقِمّة دلالية لا تطالها اللغة في أعرافها التواصلية. من هنا انشغال الشاعرة الدائم لاستكمال المشهد الشعري للقبض ولو نسبيا على فائض المعنى. ومن أمثلة ذلك تذكر:
- الإيحاء باللون لبناء الصورة. في قولها (فنجان قهوة، يندلق على ثياب المسافات)-(14) والتركيب لا محالة يحيل إيحاءً على اللون الذي يتركه سائل البنّ على الثوب... وما بالنا بهذا اللون إذا حصل الاندلاق على ثياب المسافات؟
- التصريح باللون لبناء الصورة. في قولها (على شرفة الروح، يصدح غناء سوسنة قزحية)-(15)، ولا مجال لجدل البصر في متعيّنٍ بائن بينونة كبرى هو لون قوس قزح... وقالت الشاعرة في هذا السياق اللوني:
أقطف الفزع
من عيون المطر
حتى لا تهرم ألوان قزح
ألبسني فستان البياض
و تعانقني تلك اليد
حتى تشبع وحدتي أنسا
يلامس نبضي ضياء القمر
يختفي غبش الأصيل
ليستحم في كم احمراره (16)
**
حيث يخضرّ الزفاف
حشدٌ من الألوان (القزحي والأبيض والأحمر والأخضر) مضافةً إلى مقولتي الضياء والغبش. تكتمل الصورة التشكيلية في هذا المشهد الشعري حيث تقتلع اللغة ذاتها من مجال التخاطب إلى آفاق الانزياح. وفي هذا المقام تنقل الشاعرة المتلقي من مراتب المتخيل اللغوي إلى مراتب المتخيل البصري مرورا بتكوين الصورة الذهنية التي يساهم في بنائها اختلاف تمثل المشهد. وبالتالي نخرج إلى انتقال آخر متعلق بالدلالة والتأويل هو الانتقال من المعنى إلى فائض المعنى. وذلك عبر آليات تشغيل المخيال في مراحله المتدرجة من التلقي إلى التمثل إلى التخيل إلى بناء الصورة النهائية المفتوحة على الاحتمال بعيدا عن الأنساق الثقافية المغلقة. تظفر في تخريج الأمثلة أعلاه في مقاطع الديوان بالصورة التالية:
امرأة تلبس فستانا أبيض تركض وتقطف الفزع من عيون المطر وهي تراقب قوس قزح أن تهرم ألوانه لأنها موعودة بأزمنة الربيع حيث لقاؤها السديمي مع الفرح والخضرة .
***
نور الدين حنيف
......................
إحالات:
1 - وفاء أم حمزة اجليد: أغنيات أحفظها عن الملائكة، ديوان شعر، عن منشورات المجلس الأوروعربي للفكر والدراسات والترجمة \ بلجيكا. 2022 – الطبعة 1، ص 51
2 - أمبرتو إيكو: القارئ في الحكاية، ترجمة أنطوان أبوزيد، المركز الثقافي العربي،المغرب، ط 1 ، 1996م،ص 68
3 - وفاء أم حمزة اجليد: نْڭولْ كلمتي، ديوان زجلي، عن وراقة بلال\فاس، الطبعة الأولى، 2018
4 - ديوان أغنيات – ص 14
5 - سورة مريم آية 25
6 - عبد السلام المساوي، الموت المتخيل في شعر أدونيس، ط1 دمشق، محاكاة للدراسات والنشر والتوزيع، 2013، ص 20.
7 - ديوان أغنيات – ص 35 و36
8 - ديوان أغنيات – ص 15
9 - غاستون باشلار، الماء والأحلام، دراسة عن الخيال والمادة، ترجمة د. علي مجيب ابراهيم ، ملركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2007، ط 1، ص 58
10 - محمود درويش، كتاب أحمد الزعتر، منشورات فلسطين الحرة، واشنطن، 1976، ط 1 ، ص 7
11 - ديوان أغنيات – ص 18
12 - ديوان أغنيات – ص 22
13 - ديوان أغنيات – ص 23
14 - ديوان أغنيات – ص 58
15 - ديوان أغنيات – ص 59
16 - ديوان أغنيات – ص 13








