دراسات وبحوث
حمزة مولخنيف: البرهان والجدل في منهج ابن رشد
إعادة قراءة في تراتبية أنماط الخطاب المعرفي
تندرج مسألةُ البرهان والجدل في فلسفة ابن رشد ضمن أعمق القضايا المنهجية التي انتظمت بها بنيةُ مشروعه الفكري، لأنّها لا تتصل بمجرد التمييز بين صنفين من أصناف القول أو مستويين من مستويات الاستدلال، بقدر ما ترتبط بإعادة بناء المجال المعرفي الإسلامي على أساسٍ من ترتيب مراتب الخطاب وضبط مناهج النظر وتحديد شروط الانتقال من الظن إلى اليقين. فابن رشد في سائر نصوصه الكبرى لا يتحرك بوصفه شارحا للمنطق الأرسطي فحسب، ولا باعتباره مدافعا عن الفلسفة في وجه خصومها فحسب، بل يظهر بوصفه مفكرا في هندسة العقل ومنظّرا لتراتبية الأنماط الخطابية التي تتوزع بين البرهان والجدل والخطابة، وفق ما يقتضيه اختلاف الموضوعات وتفاوت الاستعدادات الإنسانية وتباين المقامات التعليمية والتداولية داخل المجال الديني والفلسفي والسياسي.
وتنبع أهميةُ هذا الموضوع من كون ابن رشد قد وعى بحدس الفيلسوف ودقة الأصولي وصرامة القاضي، أنّ كثيرا من أزمات الفكر الإسلامي في عصره لم تكن ناشئةً فقط عن اختلاف المذاهب أو تباين النتائج، بل كانت في أصلها الأعمق ثمرةَ اختلالٍ في الوعي بطبيعة الدليل وفسادٍ في التمييز بين مراتب القول وخلطٍ بين ما يُطلب فيه البرهان وما يُكتفى فيه بالجدل وبين ما يُقصد به التعليم وما يُراد به الإلزام أو الإقناع. وقد اتخذ مشروعه الفكري صورةَ مراجعةٍ إبستمولوجية دقيقة لحدود الصناعات القولية، قصد بها ردَّ كلّ خطابٍ إلى مجاله وكلّ أداةٍ إلى وظيفتها وكلّ نمطٍ من أنماط النظر إلى رتبته المعرفية المشروعة بما يضمن صيانة الحقيقة من التباس المناهج وصيانة الشريعة من الفوضى التأويلية، وصيانة العقل من ادعاء اليقين فيما لا يجاوز حدود المشهور أو المظنون.
وقد استمدّ ابن رشد في بناء هذا التصور كثيرا من مقوماته من المنطق الأرسطي، غير أنّه لم يقف عند حدود الشرح أو النقل، بل أعاد توطين التمييز الأرسطي بين البرهان والجدل والخطابة داخل السياق الإسلامي، محوّلا إياه من مجرد تصنيفٍ صوريٍّ للصناعات المنطقية إلى مبدأٍ ناظمٍ للعلاقة بين الفلسفة والشريعة وبين الخاصة والعامة وبين ظاهر النص وباطنه وبين علم الكلام ومقتضيات النظر البرهاني. ولذلك فإنّ دراسة البرهان والجدل في منهجه لا ينبغي أن تُختزل في مقارنةٍ تقنية بين نوعين من الحجاج، وإنما ينبغي أن تُقرأ ضمن الأفق الأوسع الذي يشتغل فيه ابن رشد على إعادة ترتيب الاقتصاد المعرفي للثقافة الإسلامية، بحيث يستعيد البرهان منزلته العليا بوصفه طريقا إلى العلم اليقيني دون أن يُلغى بذلك حضورُ الخطابات الأخرى التي تؤدي وظائف ضرورية في التعليم والمحاجة والتبليغ والتدبير المدني والديني.
ومن ثمّ فإنّ هذا المقال يروم إعادة قراءة العلاقة بين البرهان والجدل عند ابن رشد بوصفها علاقةً تأسيسيةً في مشروعه الفلسفي، تكشف عن طبيعة التراتبية التي أقامها بين أنماط الخطاب المعرفي وتُبرز الأسس المنطقية والشرعية التي اعتمدها في هذا الترتيب، كما تُبيّن كيف تحوّل نقده للمتكلمين من مجرّد اعتراضٍ على بعض النتائج الكلامية إلى نقدٍ منهجيٍّ شاملٍ لآليات الاستدلال حين تتقمّص صناعةُ الجدل هيئةَ البرهان وتدّعي لنفسها ما ليس لها من رتبةٍ معرفية. وسيسعى هذا النظر كذلك إلى إبراز أن الرشدية لا تقوم على إلغاء الجدل أو نفي الحاجة إلى الخطابة بل على ضبط حدودها ومنعها من الاستحواذ على مقام الحقيقة وإعادة وصلها بوظائفها الطبيعية داخل البنية الكلية للمعرفة.
وتتأكد راهنيةُ هذا الموضوع اليوم من أنّ سؤالَ تراتبية الخطاب ما يزال حاضرا بل أشدّ حضورا، في سياقاتٍ معاصرة اختلطت فيها مراتب القول وتداخلت فيها أشكال الإقناع والتعبئة والتحليل، وغدا التمييز بين البرهان والجدل والخطابة شرطا من شروط السلامة الفكرية والاتزان المنهجي. وتكاد تكون العودةُ إلى ابن رشد في هذه المسألة عودةً إلى أحد أكثر العقول الإسلامية وعيا بـ أخلاق الدليل وعدالة المناهج ومسؤولية القول في الحقيقة، وهي عودةٌ لا تستهدف استعادة الماضي بوصفه ماضياً، وإنما تروم استنطاقه في أفق مساءلة الحاضر واستخلاص ما ينطوي عليه من دروسٍ في تنظيم المعرفة وتحرير النظر وإعادة الاعتبار للصرامة العقلية داخل الثقافة.
وليس من قبيل المصادفة الفكرية أن يظلّ ابن رشد أحد أكثر فلاسفة الإسلام قابليةً لإعادة القراءة وأشدّهم استعصاءً على الاختزال في صورة شارحٍ لأرسطو أو قاضٍ مالكيٍّ جمع بين الفقه والفلسفة فحسب؛ ذلك أنّ الرجل لم يكن مجرّد ناقلٍ لمنطقٍ يوناني إلى فضاءٍ إسلامي، ولا مجرد مدافعٍ عن مشروعية النظر العقلي في وجه الاعتراضات الكلامية والفقهية، بل كان في العمق مهندسا دقيقا لخرائط الخطاب المعرفي، وبنّاءً لنظامٍ إبستمولوجيٍّ متكاملٍ يُعيد ترتيب طرائق القول ومراتب الإقناع وأنماط الوصول إلى الحقيقة بحسب اختلاف الموضوعات وتفاوت القابليات الإنسانية، وتمايز المقامات التداولية التي ينتظم فيها الخطاب.
إنّ النظر في العلاقة بين البرهان والجدل عنده لا ينبغي أن يُختزل في مقابلةٍ مدرسيةٍ بين يقينٍ وظنّ أو بين الفلسفة وعلم الكلام، وإنما ينبغي أن يُفهم ضمن مشروعٍ أوسع يروم إعادة بناء المجال المعرفي الإسلامي على أساس تمييزٍ دقيقٍ بين مراتب القول ودرجات التصديق، بحيث يستردّ العقل البرهاني مكانته بوصفه أداة الكشف عن الحقيقة في أعلى صورها، دون أن يُلغى بذلك وجود الخطابات الأخرى التي تضطلع بوظائف تربوية وتعليمية وجدالية وتدبيرية داخل الاجتماع الديني والسياسي.
ولقد كان ابن رشد واعيا بحدس الفيلسوف ودقة القاضي معا، بأنّ أكثر أزمات الثقافة الإسلامية في عصره لم تكن ناتجة عن غياب النصوص ولا عن انعدام النوايا الحسنة في طلب الحق، وإنما عن اختلاط مراتب الخطاب وفساد التمييز بين ما يُطلب فيه البرهان وما يُكتفى فيه بالجدل وما يُخاطَب به الخاصة وما يُلقى إلى العامة وما يكون من قبيل التعليم وما يكون من قبيل الإلزام أو الإقناع أو التخييل. وهذا الوعي العميق هو الذي يفسّر لنا لماذا اتخذ مشروعه في كثيرٍ من مواضعه شكل “تصفيةٍ منهجية” للمجال التداولي الإسلامي لا بهدف الهيمنة الفلسفية الجافة، بل بقصد ردّ كل صناعة إلى قانونها وكل خطاب إلى مرتبته وكل أداة إلى مجالها. ولعلّ هذا ما يجعل قراءة ابن رشد اليوم ضروريةً لا بوصفه صفحةً من تاريخ الفلسفة الإسلامية، بل بوصفه مفكرا في “أخلاق الخطاب المعرفي” قبل أن تتبلور هذه العبارة في الاصطلاح الحديث.
إنّ الفلسفة الرشدية ليست مجرد نظرٍ في الموجود بما هو موجود، بل هي أيضا نظرٌ في كيفيات القول في الموجود وفي الشروط التي تجعل قولا ما علما وتجعل آخر ظنا وتجعل ثالثا تمويها أو مغالطةً أو خطابا صالحا للعامة لا للخواص. إنّ سؤال البرهان والجدل في فكر ابن رشد هو في الجوهر سؤالٌ عن تراتبية العقل نفسه: كيف ينتظم العقل في مدارج؟ وكيف تتفاوت صوره بحسب الآلة والموضوع والمخاطب؟ وكيف يمكن أن يظلّ الدين مجالا للحقيقة دون أن يتحوّل إلى ساحةٍ للفوضى التأويلية؟ وكيف يمكن للفلسفة أن تظلّ بحثا عن اليقين دون أن تنقلب إلى تعالٍ نخبويٍّ منفصلٍ عن شروط المدينة والمِلّة؟ إنّ هذه الأسئلة لا تُطرح عند ابن رشد عرضا بل هي لبّ مشروعه ومن دونها لا يمكن فهم “فصل المقال” ولا “الكشف عن مناهج الأدلة” ولا “تهافت التهافت” ولا حتى شروحه المنطقية والطبيعية والميتافيزيقية التي تبدو لأول وهلةٍ منفصلةً عن السجال الديني بينما هي في العمق جزءٌ من بناء آلة البرهان نفسها.
وقد أصاب طه عبد الرحمن على الرغم من اختلافه الجذري مع النزعة الرشدية في كثيرٍ من المقامات حين جعل من سؤال المنهج مفتاحا في فهم الفلاسفة المسلمين، إذ لا تُقاس قيمة الفيلسوف فقط بما يقرّره من نتائج بل بما يقيمه من شروطٍ للقول الصحيح. ولئن كان الجابري قد رأى في ابن رشد “لحظة اكتمال العقل البرهاني في الثقافة العربية الإسلامية”، فإنّ هذا الحكم على وجاهته العامة، يحتاج إلى مزيدٍ من التدقيق؛ لأنّ ابن رشد لم يكن مجرّد ممثلٍ لـ”العقل البرهاني” في مقابل “العقل البياني” أو “العقل العرفاني”، بل كان على نحوٍ أدقّ، منظّرا للعلاقة بين الأنظمة الخطابية نفسها، وواعيا بأنّ البرهان لا يعمل في الفراغ وإنما يتحرك داخل عالمٍ مزدحمٍ بالجدل والخطابة والتخييل والسلطة والتأويل. إنّ إعادة قراءة تراتبية أنماط الخطاب المعرفي عنده لا تعني تمجيد البرهان تمجيدا ميتافيزيقيا، بل تعني فهم البنية المركبة التي تجعل البرهان ممكنا وضروريا وتجعل الجدل في الوقت نفسه محدودا ومفيدا وخطرا معا.
لقد كان أرسطو الذي شغل في تكوين ابن رشد موقع المعلم الأوّل قد ميّز بوضوح بين البرهان والجدل والخطابة، وجعل لكلٍّ منها موضوعا وغرضا وأداةً ودرجةً في إفادة التصديق. فالبرهان عنده إنما يشتغل في الضروريات ويقوم على مقدماتٍ صادقةٍ أوليةٍ أو راجعةٍ إلى أوليات ويُنتج العلم اليقيني في حين أنّ الجدل يشتغل في المشهورات والمسلّمات ويُستخدم في الامتحان والمناقشة والتدريب والدفاع، أما الخطابة فغايتها الإقناع العملي في المجال المدني، وهي تعتمد على ما يقبل الجمهور. غير أنّ ابن رشد لم يكتفِ باستعادة هذا التقسيم الأرسطي بل أعاد توطينه في فضاء الثقافة الإسلامية وجعله أداةً لفهم العلاقة بين النص الديني وعلم الكلام والفقه والفلسفة والتأويل والسياسة الشرعية. وهنا تتجلّى عبقريته الحقيقية، لقد حوّل المنطق من كونه آلةً صورية إلى كونه مبدأً لتنظيم المجال الحضاري نفسه.
وليس بخَافٍ أنّ كثيرا من سوء الفهم الذي لحق بابن رشد قديما وحديثا، إنما نبع من قراءةٍ مبتسرةٍ لتمييزه بين طبقات الناس أو بين أنماط الخطاب حتى ظُنّ أنّه يؤسس لنخبويةٍ معرفيةٍ مغلقة، أو يُقنّن احتكار الحقيقة لفئة الفلاسفة أو يضع الدين في مرتبةٍ أدنى من الفلسفة بإطلاق. والحال أنّ قراءةً متأنيةً لنصوصه تكشف أنّ الأمر أعمق وأدقّ. فهو لا يقول إنّ الحقيقة تتعدّد بتعدّد الناس بل يرى أنّ الحقيقة واحدة، لكنّ طرائق الوصول إليها وسبل التمثّل بها تختلف باختلاف الاستعدادات والوظائف والمقامات. إنّ وحدة الحقيقة عنده لا تُلغي تعدّد الخطابات كما أنّ تعدّد الخطابات لا يُجيز نسبية الحقيقة. وحدث أن كان التمييز بين البرهان والجدل والخطابة تمييزا وظيفيا وإبستمولوجيا لا عنصريا ولا طبقيا بالمعنى الاجتماعي الفجّ. فالفيلسوف ليس أفضل لأنّه “طبقة”، بل لأنّه أقدر على استعمال آلةٍ مخصوصة في مقامٍ مخصوص. وإذا عجز عن ذلك أو خلط مقاما بمقام، فسد منهجه كما يفسد منهج المتكلّم إذا ادّعى البرهان فيما ليس ببرهان.
ومن أبلغ ما يلفت النظر في المشروع الرشدي أنّه لا يهاجم الجدل من حيث هو جملةً، بل يهاجم تضخّمه حين يتقمّص هيئة البرهان. وهذه نقطةٌ دقيقةٌ كثيرا ما تُغفل. فابن رشد يدرك أنّ الجدل ضرورةٌ في حياة العلوم والملل والمدن؛ إذ به يقع الامتحان وبه تُختبر المذاهب وبه يُدفع الشغب وبه تُدبّر مناظرات العموم وبه يتحقق من التدرّب على القضايا التي لا تتيسر فيها الشروط البرهانية الكاملة. لكنه في المقابل يرى أنّ آفة المتكلمين وبعض الفقهاء وبعض المنتسبين إلى الفلسفة أنفسهم، هي أنهم يرفعون الجدل إلى مرتبة البرهان، فيستعملون المقدمات المشهورة أو المظنونة أو المسلّمة استعمال المقدمات اليقينية ثم يطالبون بنتائج قطعية. وهنا يقع الخلل المنهجي الأعظم، لأنّ فساد النتيجة لا يكون حينئذٍ فقط في مضمونها بل في ادّعائها ما ليس لها من رتبةٍ معرفية.
ولعلّ هذا هو ما يجعل من نقده للغزالي في “تهافت التهافت” نقدا منهجيا قبل أن يكون نقدا مضمونيا. فابن رشد لا يردّ على الغزالي لأنه يخالف الفلاسفة في بعض النتائج فحسب، بل لأنه يرى أنّ الغزالي كثيرا ما يتحرك بين مقاماتٍ مختلفة دون أن يصرّح بحدود كل مقام، ينتقل من الجدل إلى البرهان ومن الخطابة إلى الإلزام ومن التلبيس على الخصم إلى ادعاء الكشف عن الحقيقة، ثم يعمم ما يصلح في مقام المناظرة على مقام التعليم البرهاني. وليس مقصدي هنا الانتقاص من الغزالي وهو أحد أعظم العقول الإسلامية بلا ريب، لكنّ المقصود الإشارة إلى أنّ ابن رشد كان شديد الحساسية تجاه “نقاء الصناعات” بتعبير القدماء، أي تجاه عدم خلط أدوات المعرفة بعضها ببعض. إنّ مشروعه ليس فقط دفاعا عن الفلسفة، بل دفاعٌ عن الانضباط الإبستمولوجي نفسه.
إنّ قول أرسطو في “التحليلات الثانية” إنّ “العلم لا يكون إلا بالبرهان” يجد عند ابن رشد صدىً خاصا، لكن هذا الصدى لا يمرّ بلا تعديل. فالعلم عند ابن رشد إذا أُخذ بمعناه الدقيق الكامل نعم، لا يكون إلا بالبرهان؛ غير أنّ حياة الإنسان الدينية والسياسية والأخلاقية لا تنتظم كلها على البرهان. هنا تتدخل الحاجة إلى أنماطٍ أخرى من الخطاب، ليس لأنها مساويةٌ للبرهان في إفادة اليقين، بل لأنها لازمةٌ لتدبير الاجتماع البشري ولإيصال الحقائق إلى من لا طاقة له بتجريداتها، ولحفظ نظام الشريعة في الجمهور. لذلك فإنّ من الخطأ الفادح أن نقرأ تراتبية الخطاب عنده باعتبارها تراتبيةً إقصائية؛ إنها تراتبيةٌ تكاملية في مستوى الوظيفة وإن كانت تفاضليةً في مستوى القيمة المعرفية.
وإذا كان أفلاطون قد أبدى في “الجمهورية” نوعا من الارتياب من الشعر والخطابة لما لهما من قوةٍ على تحريك النفس بعيدا عن الحقيقة، فإنّ ابن رشد وهو الشارح العميق للتراث اليوناني، لا يتبنّى هذا الارتياب على نحوٍ مطلق بل يُبقي للخطابة والتخييل وظيفةً تربويةً وسياسيةً ودينيةً معتبرة، ما دامت منضبطةً بغرض الحق. إنّ المشكلة ليست في وجود التخييل بل في انفلاته من الحقيقة؛ وليست في الخطابة بل في ادّعائها ما ليس لها؛ وليست في الجدل بل في تحوّله إلى بديلٍ دائمٍ عن البرهان. ولذلك فإنّ “إعادة القراءة” التي يقتضيها موضوعنا لا بد أن تتحرر من الصورة المبسطة التي تجعل ابن رشد داعيةً إلى “ديكتاتورية البرهان” لأنّ نصوصه نفسها أكثر تركيبا من ذلك.
لقد قرّر ابن رشد في “فصل المقال” تقريرا بالغ الأهمية حين قال ما معناه إنّ الشريعة قد أوجبت النظر بالعقل في الموجودات، لأنّ الموجودات تدلّ على الصانع، وكلما كانت المعرفة بصنعتها أتمّ كانت المعرفة بالصانع أتمّ. وهذه العبارة على وجازتها، تؤسس لقاعدةٍ مزدوجة، أولا : إنّ النظر العقلي ليس أمرا مباحا فحسب، بل هو مطلوبٌ شرعا؛ وثانيا : إنّ هذا النظر ليس نظرا كيفيا، بل يجب أن يكون بأكمل الآلات وأصحّ المناهج. وهنا ينتقل ابن رشد من مجرد إثبات المشروعية إلى الحديث عن الأداة أي عن المنطق والبرهان. فإذا كان الشرع قد دعا إلى النظر فليس كلّ نظرٍ نظرا صحيحا، كما أنّه ليس كلّ متكلمٍ في العقائد قد أصاب حقيقة العقيدة. ومن ثمّ فإنّ الدعوة إلى البرهان عنده ليست ترفا فلسفيا، بل استكمالٌ لمقتضى الشرع نفسه.
وتكتسب عبارته الشهيرة هذا السياق دلالتها القصوى: “الحق لا يضاد الحق، بل يوافقه ويشهد له”. إنّها ليست مجرد شعارٍ تصالحيٍّ بين الفلسفة والدين، بل هي قاعدةٌ منهجية صارمة. فإذا تعارض البرهان الصحيح مع ظاهر النص فإنّ الخلل لا يكون في البرهان بل في فهمنا لظاهر النص فيلزم التأويل لمن كان من أهله. لكن التأويل هنا ليس عبثا ولا إطلاقا لعنان الباطنية، بل هو عملٌ مضبوطٌ بقواعد اللغة والشرع ومراتب الناس. ولذلك فإنّ البرهان عند ابن رشد لا يشتغل ضد النص، بل يشتغل في خدمة الفهم الأعمق للنص، مع الحفاظ على النظام التداولي الذي يمنع إشاعة التأويلات البرهانية بين من لا يطيقها. ونفهم هنا أنّ تراتبية الخطاب ليست فقط إبستمولوجية بل أيضا تداولية وأخلاقية.
ولعلّ من المفيد هنا أن نستحضر ابن خلدون الذي جاء بعد ابن رشد بقرون، حين قال في مقدمته إنّ المنطق “قانونٌ يعصم مراعاته الذهن عن الخطأ في الفكر”. هذه العبارة وإن جاءت في سياقٍ مغاير، تلخّص روح المشروع الرشدي في أحد أبعاده: فالمشكلة ليست في كثرة التفكير بل في فساد قوانينه؛ وليست في الرغبة في نصرة العقائد بل في سوء الآلات المستعملة لذلك. وقد أدرك ابن رشد أنّ كثيرا من المتكلمين، وإن قصدوا الدفاع عن الدين قد يسيئون إليه من حيث لا يشعرون حين يجعلون الظنون يقينيات أو يشيعون شبهاتٍ معقّدة بين العامة أو يخلطون بين مقتضيات الإلزام الجدلي وشروط الكشف البرهاني. ولهذا نجده في “الكشف عن مناهج الأدلة” شديد العناية ببيان أنّ الأدلة الشرعية الأصلية في باب العقائد ليست على الصورة التي بناها المتكلمون، وأنّ القرآن نفسه يعتمد أنماطا من الاستدلال أقرب إلى الفطرة وإلى الإقناع الحقّ، لا إلى تعقيدات الجدل المصطنع.
إنّ هذا الموقف من علم الكلام لا ينبغي أن يُفهم بوصفه عداءً ساذجا لهذا العلم، بل بوصفه نقدا لنسخته المتضخمة التي استبدلت صفاء الدلالة القرآنية بخصوماتٍ منطقيةٍ متشابكة لا تنتهي. لقد كان ابن رشد يرى أنّ المتكلمين في كثيرٍ من مسائلهم لا يكتفون بالردّ على الخصوم، بل يصنعون الخصومة نفسها ويولّدون أسئلةً لم تكن لازمةً للشرع ولا للفطرة، ثم يقدّمون أجوبةً جدليةً مضطربة فيختلط الأمر على الخاصة والعامة معا. وهنا يتجلى عمق عبارته الضمنية التي يمكن استخلاصها من مجموع مشروعه، ليست كلّ زيادةٍ في الكلام زيادةً في العلم، كما أنّ ليست كلّ شدةٍ في الدفاع شدةً في اليقين. وكم يشبه هذا ما قاله فتغنشتاين في أفقٍ مغايرٍ تماما، حين رأى أنّ كثيرا من المشكلات الفلسفية تنشأ من “سحر اللغة” ومن سوء استعمالها. فابن رشد بطريقته الخاصة كان يواجه أيضا سحر اللغة حين تنفلت من قوانين البرهان أو تتورّط في جدلٍ يتغذّى من نفسه.
إنّ تراتبية أنماط الخطاب عند ابن رشد لا تنفصل عن تصوره للإنسان نفسه. فالإنسان عنده ليس ذاتا متجانسةً في قواها الإدراكية، بل هو كائنٌ تتفاوت فيه الاستعدادات، فمن الناس من يبلغ حدّ النظر البرهاني ومنهم من يقف عند الجدل ومنهم من يتلقى عبر الخطابة والتمثيل. وهذه التراتبية ليست حطا من قدر أحد، بل وصفٌ لواقع التفاوت الإنساني في الملكات. وقد سبق الفارابي إلى بعض هذا المعنى حين ميّز بين طرق التعليم والتخييل ورأى أنّ المدينة الفاضلة لا تستغني عن الصور الخطابية في تبليغ الحقائق العليا إلى الجمهور. غير أنّ ابن رشد يمنح هذا التمييز صرامةً أشدّ لأنه يربطه بمسألة التأويل ومسؤولية تداول المعاني. فليس كلّ ما يصحّ في البرهان يصحّ أن يُذاع لا لأنّ الحقيقة خطرٌ في ذاتها، بل لأنّ سوء تلقيها خطرٌ على المتلقي وعلى النظام الديني معا.
وقد يبدو هذا الموقف بعيونٍ حديثة محافظا أو أبويا أو نخبويا، لكنّ الإنصاف التاريخي والفلسفي يقتضي فهمه في سياقه. فابن رشد كان يكتب في زمنٍ تتداخل فيه العقيدة بالسلطة والتعليم بالدعوة والمناظرة بالمذهب، وحيث يمكن لكلمةٍ في التأويل أن تُفضي إلى فتنةٍ دينية أو سياسية. لذلك فإنّ حرصه على ضبط التداول ليس فقط حرصا معرفيا، بل هو أيضا حرصٌ مدنيّ. ومن هنا نفهم لماذا كان يميّز بين “أهل البرهان” و”أهل الجدل” و”أهل الخطابة” من جهة القدرة والوظيفة، لا من جهة الإنسانية أو الكرامة. إنّه يوزّع أنماط الخطاب بحسب قابلية الاستفادة منها، تماما كما يوزّع الطبيب الأدوية بحسب الأجسام، لا لأنّ بعض الأجسام أشرف جوهريا، بل لأنّ الاستعدادات تختلف.
على أنّ ما يلفت الانتباه في الرؤية الرشدية هو أنّ الجدل رغم مرتبته الأدنى من البرهان، ليس مجرد خطابٍ ساقط القيمة. فالجَدل في أصله الأرسطي أداةٌ نبيلة إذا استُعملت في حدودها، به تُمحص الآراء وتُختبر المقدمات وتُربّى النفس على المناظرة ويُدفع الخصم بما يسلّم به وتُحفظ مساحة النقاش في المجال العمومي. بل إنّ البرهان نفسه قد يحتاج في مقام التعليم أو التمهيد إلى قدرٍ من الجدل. غير أنّ الكارثة تقع حين يصبح الجدل نمطا دائما للعقل، فتتحول المعرفة إلى معركةٍ لا إلى كشف، ويصير المقصود من القول قهر الخصم لا إصابة الحق. وهنا نكاد نسمع صدى قول الشافعي: “ما ناظرت أحدا إلا وددت أن يُظهر الله الحق على لسانه”. هذا الخلق المعرفي الرفيع هو في جوهره ما يدافع عنه ابن رشد وإن بلغةٍ منطقيةٍ فلسفية، وهو أن يكون المقصود من النظر هو الحقيقة لا الغلبة.
ولذلك فإنّ نقده للمتكلمين لا ينفصل عن نقده لآفةٍ إنسانيةٍ عامة، آفة تحويل الفكر إلى خصومة. وهذا ما يجعل مشروعه معاصرا على نحوٍ مدهش. ففي الأزمنة التي يعلو فيها الصخب ويختلط فيها التحليل بالتعبئة وتُرفع فيها الشعارات مقام الحجج ويُسوّق فيها الظنّ بوصفه يقينا، يعود ابن رشد ليذكّرنا بأنّ تمييز مراتب الخطاب ليس ترفا أكاديميا، بل شرطٌ من شروط السلامة الحضارية. إنّ الأمة التي لا تميّز بين البرهان والجدل والخطابة، سرعان ما تتحول فيها المعارف إلى أيديولوجيات، والأيديولوجيات إلى خصومات، والخصومات إلى انقسامات.
ولعلّ من أعمق ما ينبغي الانتباه إليه في إعادة قراءة التراتبية الرشدية أنّها لا تقوم على إلغاء الخطابات الدنيا، بل على منعها من ادّعاء السيادة في غير مجالها. فالخطيب له مقامه والفقيه له مقامه والمتكلم له مقامه والفيلسوف له مقامه؛ لكن فساد العمران العقلي يبدأ حين يتكلم الخطيب بلغة البرهان وهو لا يملكها، أو يدّعي المتكلم اليقين فيما لا يتجاوز حدود المشهور أو يستخفّ الفيلسوف بوظيفة التمثيل والتبليغ أو يتجاوز الفقيه حدّ الاستنباط إلى مصادرة النظر في الوجود من غير آلة. من حيث هذا المنحى فإنّ مشروع ابن رشد هو مشروع “عدالة معرفية” داخل المدينة الإسلامية، كلّ صناعةٍ تُعطى حقّها ولا تتعدى طورها. وقد أدرك بعض الدارسين المحدثين مثل ليو شتراوس وإن اختلفت قراءاته، أنّ النص الرشدي يشتغل على أكثر من طبقة، طبقةٍ تعليميةٍ ظاهرة وطبقةٍ منهجيةٍ أعمق وطبقةٍ تداوليةٍ تتصل بمن يجوز له أن يعلم ماذا وكيف ومتى. غير أنّ هذه القراءة لا ينبغي أن تُغري بالتأويل المفرط بحيث يتحول ابن رشد إلى صاحب “أسرار” نخبويّة مغلقة؛ فالرجل في نهاية الأمر واضحٌ في مقاصده الكبرى: يريد صون الحقيقة وصون الشرع وصون العقل من فساد الأدوات. وهذه الثلاثية هي التي تنتظم تحتها جميع تفصيلاته في البرهان والجدل والتأويل.
إنّ عبارة ديكارت الشهيرة: “لا يكفي أن يكون للمرء عقلٌ جيّد، بل المهم أن يحسن استعماله” تبدو على بُعد القرون كأنها تلخّص شيئا من الروح الرشدية وإن اختلفت الأنساق والسياقات. فالعقل عند ابن رشد ليس مجرد ملكةٍ مشتركة، بل هو ممارسةٌ منضبطةٌ بآلةٍ وقانون. ولهذا لم يكن البرهان عنده مجرّد فضيلةٍ ذهنية بل كان صناعةً لها شروطها، مقدماتٌ يقينية، ترتيبٌ صحيح، انتقالٌ مشروع وموضوعٌ قابلٌ لهذا النمط من النظر. أما الجدل فله شروط أخرى، وإذا استُعملت شروطه في مقام البرهان لم ينتج إلا التباسا مضاعفا. إنّ إعادة الاعتبار للبرهان في فكر ابن رشد ليست دعوةً إلى “عقلانية” عامة فضفاضة، بل إلى عقلانيةٍ منضبطةٍ بصرامةٍ إبستمولوجية.
إنّنا إذا أردنا أن نلج إلى صميم المشروع الرشدي في هذا الباب وجب علينا أن نتحرر من ثنائيةٍ شائعةٍ لكنها مضللة: ثنائية “الفلسفة ضد الدين” أو “العقل ضد النقل”. فابن رشد في حقيقة أمره لا يبني هذه الثنائية بل يتجاوزها عبر بناءٍ أكثر تعقيدا: “البرهان ضدّ التوهم”، “الجدل المشروع ضدّ الجدل المتضخم”، “التأويل المنضبط ضدّ العبث التأويلي”، “تعدّد طرائق التعليم مع وحدة الحقيقة”. ويترتب عن هذا أهمية إعادة قراءة تراتبية أنماط الخطاب المعرفي عنده؛ لأنّها تسمح لنا بفهم ابن رشد لا بوصفه مجرد مدافعٍ عن الفلسفة، بل بوصفه ناقدا راديكاليا لاضطراب المجال المعرفي، ومؤسسا لنوعٍ من الهندسة الدقيقة للقول الحق.
إنّ التوغّل في صميم المشروع الرشدي في مسألة البرهان والجدل يقتضي أن ننتقل من مستوى التقديم العام إلى مستوى البنية الداخلية التي ينتظم بها هذا المشروع، لأنّ ابن رشد لا يكتفي بإعلان تفضيل البرهان على الجدل، ولا يكتفي بالتصريح بأنّ الفلسفة أليق بطلب اليقين من علم الكلام، بل ينسج من وراء ذلك نظاما دقيقا من التراتب المعرفي، تتداخل فيه مبادئ المنطق الأرسطي ومقتضيات النظر الشرعي وأخلاق التعليم وحدود التأويل ووظائف الخطاب في الاجتماع الإنساني. وهذا ما يجعل مسألة البرهان والجدل عنده أقرب إلى أن تكون “نظريةً في انتظام الحقيقة” منها إلى مجرد مفاضلةٍ مدرسية بين صناعتين منطقيتين. فالحقيقة في المنظور الرشدي لا تُنال على وتيرة واحدة ولا تُلقى إلى الناس على صورة واحدة ولا تُدار في المدينة بالوسائل نفسها التي تُدار بها في حلقة البرهان. إنّ التراتبية ليست زينةً تصنيفية، بل هي ضرورةٌ أنطولوجية وإبستمولوجية وسياسية في آنٍ معا.
لقد استوعب ابن رشد الإرث الأرسطي في تقسيم الصناعات القولية استيعابا عميقا، ولم يتعامل معه تعامُل الشارح الذي يفسّر نصا سابقا وحسب، بل تعامل معه تعامُل المفكر الذي ينقل منطقا من بيئةٍ إلى بيئة ويختبر قابليته لإعادة التنظيم داخل فضاءٍ مغاير. فالبرهان في أصله الأرسطي صناعةٌ تؤدي إلى العلم، والعلم إنما هو معرفة الشيء بأسبابه على وجه الضرورة، ولذلك لا بدّ أن تكون مقدماته يقينية أولية أو راجعةً إلى أوليات ضرورية أو أكثرية لا من جهة الظنّ بل من جهة الثبات في طبيعة الموضوع. أمّا الجدل فهو صناعةٌ تقوم على المشهورات والمسلّمات، غايتها الامتحان والإلزام والمناقشة، ولا تُنتج في ذاتها يقينا، بل ترجيحا أو إلزاما بحسب ما يسلّم به الخصم. وأما الخطابة فهي أداة الإقناع العملي التي تعتمد على المقبولات العامة والصور المؤثرة. لكن ابن رشد حين يُدخل هذه الصناعات إلى الفضاء الإسلامي لا يجعلها مجرد تقسيمٍ مدرسي بل يجعلها أداةً لفهم أنماط الاستدلال في العلوم الشرعية ذاتها ووسيلةً لتمييز الصحيح من الفاسد في الممارسة الكلامية والفقهية والفلسفية.
وتظهر هنا قوة الحسّ المنهجي عنده؛ لأنّه لا ينظر إلى البرهان باعتباره فقط صناعةً أرسطيةً يونانية، بل باعتباره أكمل صورةٍ للنظر العقلي الذي أذن به الشرع بل دعا إليه. إنّ البرهان عنده لا يكتسب شرعيته من أرسطو بل من كونه أتمّ أدوات العقل في إدراك الموجودات على ما هي عليه، والشرع إنما حثّ على النظر في الموجودات من حيث دلالتها على الصانع. إنّ الاستفادة من المنطق ليست اقتباسا أجنبيا بالمعنى الثقافي الضيق، وإنما هي استعمالٌ لآلةٍ إنسانية كونية، تماما كما أنّ الفقهاء يستعملون اللغة والنحو والأصول بوصفها آلاتٍ لفهم النصوص. ولهذا كان ابن رشد شديد الوضوح حين اعتبر أنّ من منع النظر في كتب القدماء النافعة لأجل صدور بعض الضرر عن بعض الناظرين فيها يشبه من يمنع العطشان من الماء البارد لأنّ قوما شرقوا به. وهذه العبارة ليست مجرد دفاعٍ بلاغي عن الفلسفة بل إعلانٌ عن مبدأٍ منهجي، قيمة الآلة تُقاس بوجهها الصحيح لا بسوء استعمال بعض الناس لها.
وتتضح طبيعة اعتراضه على المتكلمين هنا، حيث إنّه لا يعترض على أنهم استعملوا العقل بل على نوع العقل الذي استعملوه وعلى رتبة المقدمات التي بنوا عليها وعلى ادعائهم من النتائج ما لا تسعفه مقدماتهم. فالمتكلم في أغلب صورته التي ينتقدها ابن رشد لا ينطلق من مقدماتٍ برهانية بل من مشهوراتٍ مذهبية أو مسلّماتٍ سجالية أو تقسيماتٍ ذهنية وُضعت أصلا لردّ الخصوم، ثم يُرتّب عليها نتائج يدّعي لها القطع. وبهذا يتحوّل الجدل إلى برهانٍ مزيّف أو إلى ما يمكن أن نسميه “يقينا جدليا متوهَّما”، وهو أخطر من الشكّ الصريح؛ لأنّ صاحبه يظنّ نفسه قد بلغ غاية العلم، فلا يطلب مزيدا من التمحيص. وقد كان ابن رشد يدرك أنّ أعظم الأخطار المعرفية ليست في الجهل البسيط بل في الجهل المركب الذي يلبس لباس العلم.
ولهذا فإنّ نقده لطرائق المتكلمين في إثبات الصانع وفي بناء العقائد وفي تقرير الصفات لا ينطلق فقط من اختلافٍ في النتائج بل من اختلافٍ في تصور ماهية الدليل نفسه. ففي “الكشف عن مناهج الأدلة” يسعى إلى بيان أنّ الطرق التي اعتمدها كثيرٌ من المتكلمين في تقرير العقائد ليست هي الطرق القرآنية وأنّ القرآن لا يُلزم الناس بمسالك تجريدية متكلّفة من قبيل دليل الجوهر الفرد أو امتناع حوادث لا أول لها أو غير ذلك من الأدلة التي تحوّلت إلى تراثٍ كلاميٍّ مدرسي. إنه يرى أنّ هذه الأدلة وإن أفادت بعض المتدرّبين في مجال الجدل فإنها ليست أنسب الأدلة لا للعامة ولا حتى لكثيرٍ من الخاصة، لأنّها لا تتأسس على ما هو بيّنٌ بالطبع ولا على ما هو أقرب إلى الفطرة الإنسانية في الاستدلال. وهنا يبرز تمييزه الدقيق بين “القوة الإلزامية” و”القوة الكشفية” ، فقد يكون الدليل ملزما في مقام الجدل، لكنه غير كاشفٍ في مقام الحقيقة وقد يكون صالحا لإفحام الخصم لكنه غير صالحٍ لبناء يقينٍ راسخ في النفس.
وهذا من أعمق أبعاد المشروع الرشدي؛ لأنّه يُذكّرنا بأنّ كل خطابٍ ينجح في إسكات الخصم ليس بالضرورة خطابا ينجح في تأسيس العلم. لقد انتبه ابن رشد مبكرا إلى هذا الفرق وهو فرقٌ يكاد يضيع في كثيرٍ من المناظرات الدينية والفكرية حين تختلط وظيفة “الانتصار” بوظيفة “الإبانة”. ومن هنا كان يُلحّ على أنّ الجدل له مقام، لكنه ليس مقام التعليم الأعلى. وقد سبق أرسطو إلى القول إنّ الجدل نافعٌ في التمرين وفي المحاورة وفي النظر في المبادئ، لكنّه ليس بديلاً عن البرهان في العلوم. غير أنّ ابن رشد أعاد لهذه الفكرة صرامتها داخل السياق الإسلامي حيث كان علم الكلام قد اكتسب سلطةً واسعة وصار يُقدَّم في كثيرٍ من الأحيان بوصفه الطريق الأوحد أو الأرفع في تقرير العقائد. فكان لا بدّ من زحزحة هذه المركزية الجدلية وردّها إلى حدودها الطبيعية.
على أنّ موقفه من الجدل لا ينبغي أن يُفهم على أنّه إلغاءٌ لوظيفته لأنّ الجدل في التصور الرشدي يظلّ ضروريّا من جهاتٍ عديدة. فهو ضروريٌّ في مقام المناظرة مع الخصوم الذين لا يسلّمون بالمقدمات البرهانية أو لا يحسنون فهمها؛ وهو ضروريٌّ في مقام التعليم التمهيدي إذ قد يحتاج المتعلم إلى التدرج من المشهور إلى اليقين؛ وهو ضروريٌّ في مقام حفظ النظام العام حين لا يمكن للمدينة أن تُدار كلها بلسان الفلسفة. لكن الضرورة هنا ليست مساواةً في الرتبة. إنّ ابن رشد لا يحطّ من قيمة الجدل من حيث الحاجة وإنما يحطّ من دعواه إذا تجاوز حدّه. وهذه نقطةٌ لا بدّ من التشديد عليها، لأنّ كثيرا من القراءات المعاصرة تجعل الرشدية وكأنها استبعادٌ لكلّ ما ليس برهانا، والحال أنّ نصوصه نفسها تقيم نوعا من الاقتصاد المعرفي الذي يوزّع الوظائف بدل أن ينسفها.
ومن هذا الاقتصاد المعرفي تتولّد مسألة التأويل وهي من أخطر المسائل في النسق الرشدي، بل لعلّها الحلقة التي تتجلّى فيها بأوضح صورةٍ علاقة البرهان بالجدل والخطابة. فابن رشد حين يقرّر أنّ النصوص الشرعية قد يرد فيها ما يقتضي ظاهره معنىً يخالف ما انتهى إليه البرهان القطعي، لا يرى في ذلك تناقضا حقيقيا، لأنّ الحق لا يضاد الحق. ومن ثمّ فإنّ الواجب هو حمل اللفظ على معنىً تأويليٍّ سائغ إذا كان اللسان العربي يحتمله وكان المقام يقتضيه. لكن هذا التأويل ليس مباحا على الإطلاق ولا يُذاع لكل أحد ولا يتحوّل إلى سوقٍ مفتوحٍ للتأويلات المتنازعة. إنّه عملٌ خاصّ بأهل البرهان الذين جمعوا بين العلم بالشريعة والعلم بقوانين النظر. وهنا تكتسب التراتبية الخطابية وظيفتها القصوى، فالنص الواحد قد يُتلقى خطابيا عند الجمهور وجدليا عند المتكلم وبرهانيا عند الفيلسوف دون أن يعني ذلك تعدّد الحقيقة في ذاتها، بل تعدّد سبل تمثّلها.
ولعلّ هذه النقطة هي أكثر نقاط الرشدية إثارةً للجدل في القديم والحديث. فقد رأى فيها بعضهم تأسيسا لازدواجية الحقيقة، أو على الأقل لإمكانية عيش المعنى على مستويين: مستوى ظاهرٍ للعامة ومستوى أعمق للخاصة. لكن هذا الفهم وإن كان قد راج في بعض القراءات اللاتينية الوسيطة لا يعبّر بدقة عن النص الرشدي. فابن رشد لا يقول بحقيقتين متناقضتين بل بحقيقةٍ واحدة تتفاوت طرائق عرضها وفهمها، والفرق بين الأمرين جوهري. إنّ الازدواجية تفترض إمكان صدق النقيضين في مستويين مختلفين، أما الرشدية فتفترض أنّ الظاهر إذا تعارض مع القطعي البرهاني وجب حمله على معنى يرفع التعارض. إنّها وحدةٌ في الحقيقة لا ثنائية. لكن هذه الوحدة نفسها تحتاج إلى هندسةٍ تداولية دقيقة، وإلا تحولت إلى فوضى تأويلية أو إلى باطنية منفلتة.
وقد كان ابن رشد شديد التحفّظ على إشاعة التأويلات البرهانية بين الجمهور. وهو تحفّظٌ لا يصدر عن احتقارٍ للعامة كما يتوهّم بعض المعاصرين، بل عن إدراكٍ لطبيعة الخطاب الديني في الاجتماع البشري. فالعامة لا تنتظم حياتهم الأخلاقية والعبادية والسياسية على المجردات العقلية، بل على الصور القريبة والتمثيلات المؤثرة والمواعظ البليغة والظواهر الواضحة. وإذا كُشفت لهم تأويلاتٌ لا يحسنون حملها، اختلّ في نفوسهم معنى النص وربما سقطوا بين شكٍّ بلا آلة أو إنكارٍ بلا علم أو تأويلٍ بلا ضابط. ولذلك كان كتمان بعض التأويلات عنده نوعا من السياسة التعليمية لا نوعا من الكهانة المعرفية. وقد أشار أبو حامد الغزالي نفسه على الرغم من خصومته الشهيرة مع الفلاسفة إلى شيءٍ قريب من هذا حين فرّق بين ما يجوز أن يُذكر للعامة وما ينبغي أن يُحفظ للخاصة. غير أنّ الفرق بين الرجلين أنّ الغزالي يوسّع دائرة الكشف الروحي والذوقي، بينما ابن رشد يضيّقها إلى ما يثبته البرهان المنضبط.
وإذا استحضرنا هنا الفارابي وجدنا أنّ ابن رشد يقف على مسافةٍ منه ومعه في الآن نفسه. فالفارابي كان قد بنى نظريةً متكاملة في علاقة الفلسفة بالمِلّة ورأى أنّ الملة الفاضلة تمثيلٌ تخييلي للحقائق الفلسفية وأنّ رئيس المدينة يجمع بين الحكمة والقدرة على التخييل السياسي والديني. لكن ابن رشد وإن استفاد ضمنا من هذا الأفق لا يذيب الشريعة في مجرد “تمثيل” للفلسفة كما قد يُفهم من بعض الصياغات الفارابية، بل يُبقي للنص الشرعي سلطته ومقصديته ويرى أنّه حقٌّ من عند الله وأنّ البرهان لا يكشف عن بديلٍ له بل عن باطنه الموافق للحق. فالعلاقة بين الفلسفة والشريعة عنده ليست علاقة أصلٍ وصورةٍ على نحوٍ تبسيطي، بل علاقة تواشجٍ بين مصدرين للحقيقة، الوحي من جهة والنظر البرهاني من جهة على قاعدة امتناع التضاد بينهما. ولذلك فإنّ تراتبية أنماط الخطاب عنده لا تُفهم إلا إذا وُضعت ضمن هذه الثنائية المتكاملة، ثنائية المصدر ووحدة الحقيقة. فالشريعة تخاطب الناس جميعا ومن طبيعتها أن تستوعب التفاوت البشري، ولذلك تشتمل على الظاهر الذي ينتفع به الجمهور وعلى الإشارات التي ينتفع بها أهل النظر وعلى ما يثير الخيال الصالح للعمل وعلى ما يدعو العقل إلى الاعتبار. أما البرهان فهو طريق الخاصة إلى التحقق العلمي بما تشير إليه النصوص على وجهٍ أتمّ. وأما الجدل فهو أداةٌ وسطى تصلح للمحاجة والتمرين والدفاع، لكنها لا ينبغي أن تُحتلّ بها ساحة اليقين. إنّ ابن رشد يعيد بناء هرمٍ معرفيٍّ كامل، في قمته البرهان وفي وسطه الجدل وفي قاعدته الخطابة والتخييل مع بقاء التداخل الوظيفي حيث تقتضيه الحاجة لا حيث يفضي إلى خلط الرتب.
وهذا الهرم لا يخصّ العقائد وحدها بل يمتدّ إلى صورة الإنسان العالم في الحضارة الإسلامية. فالعالم في التصور الرشدي ليس من يكثر الحفظ أو يشتدّ الجدل أو يحسن السجال، بل من يعرف رتبة قوله وحدود آلته. ولعلّ هذا من أرقى أشكال التواضع المعرفي. إنّ الفقيه الذي يقرّ بحدود الفقه في مسائل الوجود الكلي والمتكلم الذي يقرّ بحدود الجدل في إنتاج اليقين والفيلسوف الذي يقرّ بحاجة المدينة إلى الخطابة والتمثيل، كلهم أقرب إلى الحكمة من أولئك الذين يمدّون صناعاتهم إلى ما وراء طورها. وقد عبّر باسكال في سياقٍ مسيحيٍّ مختلف عن شيءٍ قريب حين قال إنّ “الهندسة” لا تصلح لكلّ شيء وإنّ “روح الهندسة” و”روح الفطنة” متمايزتان. غير أنّ ابن رشد يذهب أبعد من ذلك، ليس فقط لكلّ مجالٍ روحه بل لكلّ مجالٍ خطابه وفساد العالم يبدأ من ادّعاء خطابٍ ما أنّه كافٍ وحده لكلّ شيء. ويمكن أن نفهم انطلاقا من هذا الأساس أيضا العلاقة المعقدة بين الفقه والبرهان عند ابن رشد. فهو قاضٍ مالكيّ وصاحب “بداية المجتهد”، أي إنه ليس فيلسوفا منفصلا عن الصناعة الفقهية. لكنّ تجربته الفقهية نفسها تزيده وعيا بحدود الخطاب الفقهي. فالفقه في جانبٍ كبيرٍ منه يشتغل في دائرة الظنّ الراجح والاجتهاد العملي وتنزيل الكليات على الجزئيات، لا في دائرة اليقين البرهاني المطلق كما في بعض العلوم النظرية. ولذلك لا يطلب منه ما يُطلب من البرهان الفلسفي في كلّ موضع. ومع ذلك فإنّ الفقيه يمكن أن يستفيد من صرامة البرهان في تنظيم الاستدلال ومنع المغالطة. وتبرز هنا إحدى خصائص العبقرية الرشدية، ليست الغاية عنده صبّ جميع العلوم في قالبٍ واحد، بل إعطاء كلّ علمٍ منطقه الداخلي مع الاستفادة من قانون العقل حيث يصلح.
وقد نبه الشاطبي بعده إلى معنى قريب حين جعل الشريعة مبنيةً على مقاصد كلية وعلى مراعاة فهم المكلّفين، وأنّ التكليف لا يُناط بما يخرج عن الوسع العام. فإذا أسقطنا هذا المعنى على الرشدية أمكننا القول إنّ ابن رشد يميّز بين “الحقيقة بما هي كذلك” و”الحقيقة بما ينبغي أن تُبلَّغ”. وهذه التفرقة ليست خيانةً للحقيقة، بل من صميم الحكمة في تبليغها. وقد عبّر ابن مسكويه من قبل عن فكرةٍ قريبة حين ربط الفضيلة بحسن التدبير لا بمجرد العلم النظري. فالبرهان مهما علت مرتبته لا يُغني وحده عن فقه المقامات وابن رشد يدرك ذلك جيدا. ولذلك فإنّ مشروعه ليس عقلانيةً مجردةً معلّقةً في الفراغ بل عقلانيةٌ مدنيةٌ واعيةٌ بشروط التداول.
وإذا جئنا إلى القراءات الحديثة لابن رشد وجدنا أنّ بعضها مع ما فيه من فضلٍ كبير، قد وقع في نوعٍ من التبسيط الأيديولوجي. فمحمد عابد الجابري في مشروعه النقدي المعروف رفع من شأن ابن رشد بوصفه الممثل الأصفى لـ”العقل البرهاني” في الثقافة العربية الإسلامية، وجعل الرشدية لحظةً حاسمة في الصراع بين البيان والعرفان والبرهان. ولا ريب أنّ في هذا التشخيص قدرا معتبرا من الصواب، خصوصا من جهة إبراز مركزية البرهان في النسق الرشدي. غير أنّ هذا التأطير إذا أُخذ على إطلاقه قد يحجب الوجه الآخر من الرشدية، أعني كونها ليست مجرد انتصارٍ للبرهان بل أيضا تنظيرٌ معقدٌ لعلاقة البرهان بسائر الخطابات وإقرارٌ بوظائفها وحدودها. فابن رشد ليس فيلسوف “القطيعة” التامة مع الجدل والخطابة بل فيلسوف “الترتيب” و”الضبط” و”التوزيع”.
أما طه عبد الرحمن فعلى الرغم من نقده العميق للمشاريع التي تعيد بناء العقل العربي على أساسٍ برهانيٍّ خالص، فإنّ اعتراضاته تظلّ نافعةً في تنبيهنا إلى أنّ العقل البرهاني ليس وحده مصدر المعنى في التجربة الإنسانية وأنّ الأخلاق والذوق والائتمان عناصر لا يجوز محوها باسم البرهنة. غير أنّ هذا النقد مع وجاهته في بعض أبعاده لا ينقض الرشدية بقدر ما يدعونا إلى إعادة فهمها في حدودها الصحيحة؛ لأنّ ابن رشد نفسه لم يكن يزعم أنّ البرهان يكفي لتدبير كلّ مجالات الوجود الإنساني على الصورة نفسها بل كان يصرّ على تعدد الخطابات مع وحدة الحقيقة. نعم، هو يمنح البرهان السيادة في مقام الكشف النظري لكنه لا يلغي الخطابة في مقام التبليغ ولا الجدل في مقام المحاجة ولا الفقه في مقام العمل. ومن ثمّ فإنّ القراءة الأكثر إنصافا له هي التي ترى فيه مفكرا للتراتبية لا مجرد داعيةٍ إلى أحادية البرهان.
إنّ الحاجة إلى ابن رشد اليوم لا تكمن في استعادته بوصفه رمزا تراثيا في مواجهة خصوم الحداثة ولا في جعله أيقونةً إيديولوجية للصراع بين “العقل” و”الظلام”، كما يفعل بعض الخطاب التبسيطي بل في استعادته بوصفه معلّما في الانضباط المعرفي. لقد صار عالمنا المعاصر على اتساع أدواته أشدّ عرضةً لالتباس الرتب: تُسوَّق الآراء الخطابية بوصفها حقائق علمية وتُبنى القناعات العامة على مؤثراتٍ نفسية لا على حجج، وتُقدَّم المناظرات الإعلامية على أنّها تفكير ويُخلط بين الإثارة والبرهنة وبين الجدل الشبكيّ والبحث المعرفيّ. وهنا يبدو ابن رشد معاصرا بصورةٍ لافتة، إنّه يذكّرنا بأنّ أول شرطٍ للسلامة الفكرية هو أن نعرف أيّ نوعٍ من الخطاب نستعمل وما الذي يمكن أن ينتجه وما الذي لا يحقّ له أن يدّعيه.
إنّ أخطر ما في الجدل قديما وحديثا ليس أنه ضعيفٌ فقط بل أنه قادرٌ على محاكاة البرهان في الصورة الخارجية. فهو يستعمل اللغة نفسها تقريبا ويعتمد المقدمات والنتائج ويستعير هيئة الاستدلال، لكنه يبقى قائما على مسلّماتٍ لم تُمحَّص أو على مشهوراتٍ لم تُرتّب في مقامها الصحيح. ولذلك فإنّ الوعي بالفرق بين البرهان والجدل ليس شأنا منطقيا تقنيا فحسب، بل هو تربيةٌ على النزاهة العقلية. إنّ الإنسان البرهاني في المعنى الرشدي ليس فقط من يقدر على إقامة الدليل بل من يترفّع عن ادّعاء اليقين حيث لا يملكه. وهذا خُلُقٌ علميٌّ نادر وربما هو ما نحتاجه اليوم أكثر من أيّ وقتٍ مضى.
إنّ ابن رشد في معركته مع المتكلمين لم يكن يقاتل علم الكلام من حيث هو علم، بل كان يقاتل الاستحواذ الجدلي على مقام الحقيقة. وفي دفاعه عن الفلسفة لم يكن يطلب امتيازا طبقيا لفئةٍ من النظار، بل كان يطلب ردّ العلوم إلى قوانينها وإعادة توزيع الخطابات بحسب كفاياتها وصيانة الشريعة من عبث التأويل غير المنضبط وصيانة العقل من الغرور الذي يجعل كلّ من امتلك لسانا يظنّ نفسه قد امتلك البرهان حيث إنّ الرشدية ليست مجرد مذهبٍ فلسفيٍّ في تاريخ الإسلام بل هي درسٌ دائمٌ في أخلاق المعرفة وفي عدالة المناهج وفي حكمة القول.
إنّ البرهان والجدل في منهج ابن رشد ليسا ضدّين ميتافيزيقيين متناحرين على نحوٍ ساذج، بل هما مستويان في هندسة العقل يتكاملان حين يعرف كلٌّ منهما حدّه ويتصارعان حين يدّعي الأدنى مقام الأعلى. فالبرهان هو أفق الكشف اليقيني والجَدل هو أداة المحاورة والامتحان والدفاع، والخطابة هي وسيلة التبليغ العمومي والتربية المدنية والدينية. وإذا اختلّ هذا النسق اختلّ معه نظام الحقيقة في الثقافة. وحينئذٍ لا تعود المشكلة في مضمون الآراء فحسب بل في فساد البنية التي تُنتجها. وهذا بالضبط ما تنبّه له ابن رشد في لحظةٍ حرجةٍ من تاريخ الفكر الإسلامي حين رأى أنّ كثيرا من النزاعات لم تكن ناشئةً فقط عن اختلافاتٍ في العقائد بل عن سوء فهمٍ لطبيعة الدليل وسوء استعمالٍ لأدوات القول وخلطٍ بين ما يُقصد به التعليم وما يُقصد به الإلزام وبين ما يُطلب فيه اليقين وما يُكتفى فيه بالترجيح.
إنّ إعادة قراءة تراتبية أنماط الخطاب المعرفي عند ابن رشد لا تعني فقط أن نعيد الاعتبار للبرهان، بل أن نعيد بناء حسّنا المنهجي كله. أن نتعلم كيف نفرّق بين ما يثبت وما يُقنع، بين ما يكشف وما يحرّك، بين ما يُعلِّم وما يُغالِب، بين الحقيقة بوصفها موضوعا للعلم والحقيقة بوصفها موضوعا للتبليغ. وهذه التفرقة ليست ترفا فلسفيا، بل هي من شروط نضج الحضارات. فالحضارة التي تخلط بين الموعظة والبرهان وبين الحماسة والحجة وبين الجدل والعلم لا تلبث أن تستبدل التفكير بالاصطفاف والبحث بالتحشيد والمعرفة بالضجيج. لقد أراد ابن رشد أن يقول لنا بلغة عصره، إنّ الحقيقة لا تُهان فقط حين تُنكر بل تُهان أيضا حين يُتكلّم فيها بغير أهلية أو تُحمَل على غير قوانينها أو تُبذل في غير مقامها. وهذا هو المعنى الأعمق لتراتبية الخطاب عنده. إنّها ليست تقسيما للعقول بقدر ما هي حمايةٌ للحقيقة من الفوضى. وفي هذا تكمن حداثته الفعلية، لا في كونه “عقلانيا” بالمفهوم الشائع بل في كونه فيلسوفا للحدود، للرتب، للمقامات وللتمييزات الدقيقة التي بدونها لا يستقيم علم ولا يستقيم دين ولا تستقيم مدينة. وإذا كان بعض فلاسفة الحداثة قد جعلوا من النقد وظيفة العقل الأساسية، فإنّ ابن رشد سبق في مجاله الخاص إلى ممارسة نوعٍ رفيعٍ من النقد، نقد الأدوات قبل نقد النتائج، نقد مناهج الاستدلال قبل منازعة المقولات، نقد فساد الترتيب قبل فساد المضمون. ولهذا ظلّ حيا في الفكر الإنساني لا لأنّه قال كلّ شيء، بل لأنّه علّمنا كيف ينبغي أن يُقال الشيء وبأيّ آلة وفي أيّ مقام ولأيّ مخاطب. وهذا هو جوهر الفلسفة حين تبلغ رشدها، أن تكون بحثا عن الحقيقة وتربيةً على شروطها في الآن نفسه.
***
د. حمزة مولخنيف






