دراسات وبحوث

حمزة مولخنيف: ابن رشد وإعادة ترتيب العلاقة بين الحكمة والشريعة

نحو نظرية في التمايز الوظيفي للمعرفة

تتجلى أهمية دراسة العلاقة بين الحكمة والشريعة في إدراك ديناميكية الفكر الإنساني وقدرته على التوفيق بين المطالب العقلية والغايات الروحية. وتشكل معرفة الإنسان للكون ونفسه وحركته في الحياة محورا أساسيا للبحث الفلسفي في حين تحدد الشريعة الإطار الأخلاقي والاجتماعي الذي يوجه هذه المعرفة نحو الكمال البشري. وينظر ابن رشد إلى هذه العلاقة باعتبارها مسارا معقدا يتداخل فيه العقل مع النصوص والتأمل مع الواجبات والفكر مع القيم. ومن خلال تحليله يظهر أن الحكمة لا تتجاوز الشريعة ولا تكتفي الشريعة بإجابات جاهزة عن الأسئلة العقلية، بل يتفاعل كل منهما مع الآخر في منظومة معرفية متكاملة.

ويقدم ابن رشد تصورا دقيقا للتمايز الوظيفي للمعرفة حيث تتوزع المهام على مستويات مختلفة من الإدراك ويُحدد لكل نوع من المعرفة مجالها، من خلال التجربة العقلية إلى التأويل الشرعي وصولاً إلى الحكمة العليا التي تجمع بين الغايات الإنسانية العليا والحقائق الكونية. وهذه المقاربة تمثل جسرا بين الفكر الديني والفلسفي إذ تؤسس لمنهجية تحليلية تمكّن من فهم كيف يمكن للعقل أن يرتقي إلى مستويات الحقيقة دون الإخلال بالثوابت الدينية وكيف يمكن للشريعة أن توجه العقل دون أن تحجمه.

تنفتح هذه الأسطر المتواضعة على آفاق واسعة لدراسة العلاقة بين المعرفة والغاية، بين الحقيقة العملية والحقيقة النظرية وبين الفهم العقلي والالتزام الروحي. إن دراسة ابن رشد تتيح رؤية متعمقة للعقل البشري وقدرته على التكيف مع المبادئ الدينية وتوضح كيفية بناء نظام معرفي متوازن يحترم الوظائف المختلفة لكل نوع من المعرفة ويؤكد على التكامل بين الحكمة والشريعة كركيزتين أساسيتين للحياة الإنسانية.

وتتخذ فلسفة ابن رشد في سياق العلاقة بين الحكمة والشريعة منحىً متميزاً يعكس رؤية عقلانية عميقة تسعى إلى تجاوز التصادم الظاهري بين ما يُعرف بالعقلاني والشرعي وبين ما يُفهم تقليديا من أن الحكمة والفلسفة منفصلتان عن الدين أو أن الشريعة تحتكر الحقيقة المطلقة وتغلق الباب أمام الاجتهاد العقلي. إن هذا الفيلسوف الأندلسي لم يكتفِ بمجرد محاولة التوفيق بينهما بل أسس إطاراً مفاهيمياً جديداً يمكن أن نسميه بـ "التماثل الوظيفي للمعرفة" حيث يضع كل حقل معرفي في سياقه ومهمته الخاصة، مستنداً إلى تفريق دقيق بين مستويات الإدراك البشري ومعايير المعرفة، وهو تفريق يحدّد متى يكون للعقل الحر دور في تفسير العالم ومتى يكون للشرع سلطة التأطير الأخلاقي والاجتماعي للوجود الإنساني.

لقد سبق لابن رشد أن أعلن في مقدمته على "تهافت التهافت" عن موقفه الواضح من التصادم المزعوم بين الفلسفة والشريعة، مصرحاً بأن العقل والشريعة ليسا في صراع حتمي بل يمكن أن يتعاونا إذا فهم كل طرف دوره وحدوده. يقول ابن رشد إن "حكمة الفلاسفة هي معرفة الأمور الطبيعية بأسبابها والشريعة معرفة ما يجب على الناس من الطاعات"، وهو بهذا البيان يؤسس لتقسيم وظيفي معرفي يمكن أن نقول عنه اليوم إنه يسبق مفاهيم التفكيك الوظيفي للمعرفة. إنه يدعو إلى إدراك أن الشريعة تسعى إلى تهذيب النفس البشرية وتنظيم حياتها العملية والأخلاقية، بينما يسعى العقل الفلسفي إلى إدراك قوانين الطبيعة وحقائق الوجود بما يفيد الإنسان في فهم العالم واستثماره. هذا التمييز ليس مجرد تعريف نظري بل قاعدة منهجية عميقة تمكن من إعادة ترتيب العلاقة بين الدين والفكر، بحيث لا يصبح أحدهما تابعاً أو معارضاً للآخر.

ولعل أهم ما يميز نظرية ابن رشد في هذا السياق هو اعترافه بأن العقل الفلسفي يمتلك استقلالية معرفية حقيقية لكنه يظل ملتزماً بالحدود التي تفرضها الشريعة على ما يتعلق بالقيم والأحكام العملية. في "تهافت التهافت" و"فصل المقال"، يوضح ابن رشد أن الفلاسفة يمكنهم الوصول إلى حقائق تتجاوز ما يُفهم عادة من نصوص الشريعة الظاهرية، ولكن هذه الحقائق لا تتعارض مع الغاية الأخلاقية والدينية للشريعة إذ أن الحقيقة العلمية لا تلغي الحقائق العملية بل تؤكدها على مستوى أعمق. هذا الطرح يجعل من ابن رشد رائد ما يمكن أن نطلق عليه "التمييز الوظيفي بين المعارف"، إذ لا يلغي الشريعة العقل ولا يجعل العقل بديلاً عن الشريعة، بل كل منهما يؤدي دوراً محدداً وواضحاً.

إن هذا التصور يعيد إلى الأذهان آراء بعض المفكرين المسلمين السابقين مثل الفارابي الذي ركز على ضرورة الجمع بين الدين والفلسفة مع الحفاظ على كل مجال ضمن وظائفه وحيث إن الفلسفة وسيلة لفهم الكون والدين وسيلة لتنشئة المجتمع على الفضائل. كما يتقاطع ابن رشد مع ما ذهب إليه أبو حامد الغزالي من حيث تأكيده على دور الشريعة في تهذيب النفس والمجتمع، ولكنه أيضا يختلف معه جذرياً في تقييم قدرة العقل على إدراك الحقائق الطبيعية والميتافيزيقية. إن ابن رشد يرفض ما يسميه "تهافت التهافت" الغزالي، أي رفض العقل والتجربة العلمية بدعوى أن الشرع يكفي لتفسير كل شيء ويعيد بناء الثقة بالعقل كأداة للوصول إلى المعرفة من دون تخطي حدود الشريعة.

ويمكن النظر إلى ابن رشد باعتباره أول من حاول تأسيس نظرية متماسكة للمعرفة متعددة الوظائف، حيث لكل نوع من المعرفة دوره الخاص: المعرفة الطبيعية تتعلق بالأسباب والعلل، والمعرفة الشرعية تتعلق بالواجبات والأخلاق، والمعرفة الفلسفية تتعلق بالقيم العليا والحكمة المطلقة. إن هذا التوزيع الوظيفي للمعرفة يفسر لماذا يصر ابن رشد على أن الفلاسفة الذين يدركون الحقائق الطبيعية بطريقة عقلية دقيقة لا يمكن أن يُتهموا بالزندقة أو الخروج عن الدين، فالإسلام في منظوره يرحب بالمعرفة التي تنير العقل وتخدم الفضيلة.

ويُمكننا أيضا أن نفهم موقف ابن رشد من مسألة "تأويل النصوص"، حيث يرى أن بعض النصوص الدينية إذا أخذت على ظاهرها دون تأويل قد تتعارض مع المعرفة العقلية، في حين أن التأويل السليم يعيد التناغم بين النص والعقل. يشير ابن رشد في "فصل المقال" إلى أن "أهل التأويل والذين يدرسون الحكمة يعلمون أن الكتاب والشرع لم يأتيا لنفي العقل أو تعطيل السعي نحو الحقيقة"، وهذا يعني أن التأويل ليس رفاهية لغوية أو فنية بل هو أداة فلسفية لضمان التوافق بين مختلف مستويات المعرفة. وهنا يتضح أن ابن رشد يضع الفلسفة في خدمة فهم أعمق للشريعة، والشريعة في خدمة توجيه الفلسفة نحو غاياتها الأخلاقية، في عملية جدلية دقيقة ومعقدة تتجاوز أي محاولات للجمود العقلي أو التطرف الديني.

لقد شكّل هذا التصور لأهمية التمايز الوظيفي للمعرفة نقطة تحول في الفكر الإسلامي لأنه يرفض الاستقطاب التقليدي بين "العقل" و"النقل"، ويؤكد على إمكانية التعايش بينهما على أساس واضح من المهام والمسؤوليات. إن ابن رشد وفق هذا المنهج يفسح المجال للفلسفة للتعمق في حقائق الطبيعة ويتيح للشريعة أن تحقق وظائفها الأخلاقية والاجتماعية دون أن يكون هناك تصادم حتمي. ولعل هذه الرؤية تذكرنا بما ذهب إليه هيجل في مفهومه عن التقدم التاريخي للروح، إذ يرى أن كل مرحلة معرفية لها وظيفتها الخاصة، وأن التطور لا يتم إلا من خلال إدراك وتوظيف كل مرحلة وفق قوانينها الداخلية.

إن هذه الرؤية تؤثر مباشرة في فهم الاجتهاد، إذ يصبح الاجتهاد أداة لتنظيم العلاقة بين النصوص والواقع وبين القيم العليا والمتغيرات الطبيعية والاجتماعية. فالفقه في منظور ابن رشد ليس مجرد تطبيق حرفي للنصوص بل هو عملية عقلية منظمة تهدف إلى تحقيق الخير والعدل وفق ما يفرضه الواقع وما تتيحه المعارف العقلية، حيث إن ابن رشد يسهم في تأسيس نظرية متقدمة في أصول الفقه تقوم على التمايز الوظيفي للمعرفة ويتكامل العقل الشرعي مع العقل الفلسفي في خدمة الهدف النهائي للحياة البشرية.

هذا النهج يجعل من ابن رشد نموذجاً فريداً في التاريخ الإسلامي لأنه يقدم رؤية شاملة لإعادة ترتيب العلاقة بين الشريعة والحكمة بحيث لا تكون كل منهما معارضة أو متفوقة على الأخرى، بل كل منهما تؤدي دورها الخاص وفق إطار وظيفي محدد. ويستفاد من هذه النظرية في معالجة كثير من التحديات المعاصرة سواء في مجال العلاقة بين الدين والعلم أو في فهم الموازنة بين القيم الأخلاقية والمعرفة العلمية، إذ يقدّم ابن رشد إطاراً يسمح بالتعامل مع التعددية المعرفية دون فقدان المعايير الأخلاقية والدينية.

ولا تفوتنا هنا الإشارة إلى أن هذه الرؤية تتطلب من الإنسان التمسك بالموضوعية والقدرة على التمييز بين مختلف مستويات المعرفة، وهو ما أكده الفلاسفة الأوروبيون لاحقاً مثل ديكارت وكانط وغيرهم، اللذين شددا على ضرورة معرفة حدود العقل ومعرفة مهامه، وهو نفس المبدأ الذي ركزه ابن رشد في سياق الشريعة والحكمة. كما أن ابن رشد يبرز هنا الفرق بين ما يمكن إدراكه عقلياً وما يُفهم من النصوص مؤكدا أن تعارض الظاهر مع العقل لا يعني بالضرورة خطأ الشريعة بل يشير إلى ضرورة التأويل والفهم العميق، وهو ما يفتح المجال لحوار مستمر بين الفكر الفلسفي والتفكير الشرعي بما يعزز من قدرة الإنسان على إدراك الحقيقة الكاملة دون التنازل عن قيمه الروحية والأخلاقية.

إن ابن رشد أسس لما يمكن أن نسميه "نظرية الوظائف المتكاملة للمعرفة"، حيث يشكل التوازن بين العقل والنقل وبين الفلسفة والشريعة قاعدة لإعادة ترتيب المعرفة الإنسانية. هذه النظرية لا تلغي التعددية المعرفية بل تؤسسها على قاعدة فلسفية وأخلاقية متينة بحيث لا يكون للعقل دور سلبي على النصوص ولا للشريعة دور معيق على العقل. إنه بذلك يعيد تعريف العلاقة بين الفلسفة والدين من خلال علاقة تصادمية محتملة إلى علاقة تكاملية حقيقية، وهي رؤية تتسم بالجرأة والعمق وتفتح آفاقاً واسعة للفكر المعاصر في فهم أدوار المعرفة المختلفة في حياة الإنسان والمجتمع.

إن تحليل ابن رشد لهذه العلاقة لا يقتصر على الجانب النظري بل يمتد إلى تطبيقات عملية في مسألة التربية والتعليم، حيث يمكنه أن يشكل قاعدة لإعادة التفكير في مناهج التعليم الديني والفلسفي ويتم بذلك تعليم الطلبة قيم الشريعة وأحكامها مع تمكينهم من التفكير النقدي والفلسفي. ومن هذا المنطلق يمكن أن نرى أن ابن رشد يسهم في تأسيس نموذج معرفي مرن يستطيع التعامل مع المستجدات العلمية والفكرية دون أن يتنازل عن الثوابت الأخلاقية والدينية وهو إنجاز فلسفي عميق يعكس فهما ناضجا لطبيعة المعرفة ودور كل حقل معرفي في بناء الإنسان والمجتمع. هذا الطرح لابن رشد وهو مقاربة إعادة ترتيب العلاقة بين الحكمة والشريعة على أساس التمايز الوظيفي، يمكن أن يشكل مرجعية للنقاشات المعاصرة حول التوفيق بين العقل والدين، بين العلم والقيم وبين المعرفة النظرية والتطبيقية. كما أنه يفتح الباب أمام مراجعة العلاقة بين النصوص والفهم العقلي ويؤكد أن التعددية المعرفية ليست تهديدا للوحدة الأخلاقية أو الدينية بل هي وسيلة لإثراء الفهم وتعميق إدراك الحقيقة.

ويتضح من خلال استعراضنا لفكر ابن رشد أن دوره في إعادة ترتيب العلاقة بين الحكمة والشريعة يتجاوز مجرد معالجة التصادم الظاهر بين العقل والنقل ويصل إلى بناء رؤية شمولية للمعرفة الإنسانية. هذا البناء يشتمل على مستويات متعددة من الإدراك تمتزج فيها الطبيعة الإنسانية مع المبادئ الإلهية بحيث يتحقق تكامل معرفي متدرّج. إن إدراك هذه البنية يتطلب فهم التدرج بين معرفة الفلاسفة ومعرفة الفقهاء دون اختزال أي منهما إلى وظيفة جزئية أو ثانوية. وإن المعرفة الفلسفية بحسب ابن رشد تركز على التعمق في معرفة الأسباب والعلل، أما المعرفة الشرعية فتسهم في ضبط السلوك وتحقيق العدالة الاجتماعية والأخلاقية، في حين تشكل الحكمة العليا المجال الذي يتقاطع فيه الفكر العقلي مع الغاية النهائية للوجود، وهو إدراك الحقيقة المطلقة.

ويمكن فهم هذه الرؤية على أنها تأسيس لمنهج عقلاني أخلاقي، حيث تتكامل المعرفة التجريبية والفكرية مع المبادئ الدينية في منظومة متماسكة. فابن رشد يعالج مسألة التعددية المعرفية بمقاربة فلسفية دقيقة تعتمد على مبدأ التمايز الوظيفي بحيث يُفهم كل نوع من المعرفة ضمن سياقه الخاص ومهمته المحددة. التأمل في كتاباته يظهر أن الفكر العقلي ليس وظيفة مستقلة عن الغاية الدينية وإنما أداة لفهم الطبيعة والكون بما يخدم الإنسان في تحقيق كماله الروحي والأخلاقي. هذه الرؤية تعكس وعيا عميقا بضرورة الفصل بين المستويات النظرية والعملية للمعرفة بما يسمح بتحقيق انسجام بين التجربة العقلية والالتزام الديني.

إن التحليل المقارن لمواقف ابن رشد والفلاسفة المسلمين السابقين يكشف عن استمرار دقيق للتقليد الفلسفي الإسلامي في إطار تصحيح مسار العلاقة بين العقل والنقل. الفارابي شدد على ضرورة استخدام الفلسفة لفهم الكون وإبراز قوانين الطبيعة، بينما ركز الغزالي على وظائف الشريعة في تنظيم الحياة الروحية والاجتماعية مع تحذيره من تجاوز العقل لحدوده. إن ابن رشد يجمع بينهما بربط كل منهما بمستواه المعرفي الخاص مع توضيح أن تجاوز العقل لحدوده لا يعني رفض الدين، وإنما يعني ضرورة التدرّج في تطبيق المعارف العقلية بما يتوافق مع الغايات الأخلاقية والشرعية. وهذه المقاربة توضح قدرة الفكر الفلسفي على بناء تصورات معرفية متسقة مع الغايات الروحية وتعيد الاعتبار للعقل ضمن إطار ديني متماسك.

في سياق هذا التأويل يظهر دور التأمل العقلي في تفسير النصوص الدينية، إذ أن ابن رشد يطرح آلية لفهم ما وراء الظاهر دون انتقاص من قدسية النص. التأويل عند ابن رشد عملية منهجية دقيقة تمكّن من الوصول إلى جوهر الشريعة من خلال الفهم العميق لمقاصد النصوص مع مراعاة ما يتيحه العقل من إمكانات إدراكية.

إن هذه العملية تمثل نقطة التقاء بين الحكمة والفلسفة الدينية بحيث يسهم التأويل في الكشف عن القواعد العامة التي تؤطر سلوك الإنسان، بينما يبقى الفهم التفصيلي للظواهر الخاضعة للطبيعة في مجال العقل الفلسفي. وينبثق من هذا التصور دور الاجتهاد في الفقه، إذ يصبح الاجتهاد وسيلة لتنظيم العلاقة بين النصوص والواقع مع التأكيد على أن الهدف النهائي هو تحقيق الخير والعدل. الاجتهاد وفق رؤية ابن رشد ليس مجرد ممارسة بل هو عملية عقلية مدروسة توازن بين المبادئ الشرعية والحقائق الطبيعية وتضمن انسجامها في إطار تكاملي. ومن هذا المنطلق تتضح إمكانية بناء منظومة فقهية فلسفية تحقق تطوراً معرفياً متوازناً يواكب التغيرات الطبيعية والاجتماعية دون التنازل عن الثوابت الروحية والأخلاقية.

وتتجلى عظمة هذا الطرح عند ملاحظة قدرة ابن رشد على إدماج الفكر الفلسفي الغربي لا سيما أفلاطون وأرسطو مع المبادئ الإسلامية. إن ابن رشد يرى في الفلسفة اليونانية أداة لتوضيح الأسباب الطبيعية والميتافيزيقية مع إعادة صياغتها ضمن إطار يتوافق مع المبادئ الشرعية. هذا الدمج الفلسفي لا يشكل محاكاة أو تقليدا أعمى وإنما تحويلا واعيا للمعرفة يضعها في خدمة فهم أعمق للوجود ويتيح إعادة ترتيب العلاقة بين الشريعة والحكمة على أساس من الوضوح المنهجي والوظيفي.

ويمكن النظر إلى أثر هذا المنهج في تطوير النظرية الأخلاقية والفكرية حيث يرى ابن رشد أن المعرفة المتعددة المستويات تمكّن الإنسان من التمييز بين ما هو واجب وما هو ممكن، بين ما يمكن إدراكه بالتجربة وما يظل مرهونا بالإيمان. هذه الثنائية المعرفية تخلق رؤية فلسفية متكاملة تشجع على التعلم المستمر وتعزز من قدرة الإنسان على التعامل مع المستجدات العلمية والفكرية دون المساس بالقيم الأساسية التي تؤطر الحياة الفردية والاجتماعية.

التأمل في هذه النظرية يظهر أيضا أنها تمثل سابقة تاريخية في الفكر الإسلامي من حيث إدراك التمايز الوظيفي للمعرفة. إن ابن رشد من خلال هذه المقاربة يضع أسسا يمكن أن تلهم الفكر المعاصر في مجالات متعددة، من التعليم إلى الفقه ومن الفلسفة إلى العلوم الطبيعية. هذه النظرية تقدم نموذجا لإعادة ترتيب الأولويات المعرفية، بحيث يمكن للعقل والفلسفة والشريعة أن تتكامل في تحقيق غايات الإنسان العليا مع احترام خصوصية كل مجال وظيفي ومعرفي.

إن مساهمة ابن رشد تمتد إلى إعادة النظر في العلاقة بين الإنسان والكون وبين المعرفة والغاية. فالعقل هنا ليس مجرد أداة تحليلية بل وسيلة لفهم النظام الكوني بما يحقق انسجاما مع المبادئ الأخلاقية والدينية. الشريعة بالمقابل تشكل سياقا يوجه الفكر والمعرفة بحيث لا ينحرف الإنسان عن قيمه الروحية والأخلاقية مما يخلق انسجاما بين مستويات الإدراك المختلفة. هذا الانسجام يعكس رؤية فلسفية متقدمة تؤكد على ضرورة التوازن بين التجربة العقلية والالتزام الديني وبين المعرفة النظرية والواجبات العملية.

الجانب الأهم في هذه النظرية هو إدراك الطبيعة الوظيفية لكل نوع من المعرفة. معرفة الطبيعة تقع ضمن اختصاص العقل الفلسفي والتجربة العلمية بينما معرفة الواجبات والأحكام تقع ضمن اختصاص الشريعة. الحكمة العليا تعمل على توجيه هذه المعارف نحو غاية كونية موحدة تتمثل في إدراك الحقيقة المطلقة وتحقيق كمال الإنسان. هذا التوزيع يعيد تعريف العلاقة بين المعارف المختلفة ويبرز إمكاناتها التكاملية، وهو ما يمكن أن يشكل نموذجا لإدارة المعرفة في السياق المعاصر، حيث تتعدد مصادر المعلومات وتتباين أهدافها.

تسمح هذه الرؤية أيضا بفهم الحوار بين الثقافات المختلفة، إذ أن الفلسفة كأداة عقلية يمكن أن تتجاوز حدود الثقافات الخاصة مع الحفاظ على المبادئ الأساسية للأخلاق والدين. ابن رشد بهذا الطرح يقدم إطارا للتعامل مع الاختلافات الفكرية والثقافية من خلال التركيز على الوظائف الجوهرية للمعرفة، وليس على الصدام الظاهري بين المدارس الفكرية المختلفة.

في ضوء هذه المقالة المتواضعة يتضح أن ابن رشد أسس نموذجا معرفيا يوازن بين العقل والنقل وبين الفلسفة والشريعة، بحيث يتحقق انسجام بين مستويات الإدراك المختلفة مع مراعاة الغايات الأخلاقية والروحية. هذا النموذج يمثل رؤية متقدمة في الفكر الإسلامي ويتيح إعادة ترتيب العلاقة بين المعرفة والدين بما يعزز من قدرة الإنسان على فهم نفسه والعالم من حوله، دون المساس بالقيم الجوهرية التي تحدد هويته الروحية والأخلاقية.

وتستند مساهمة ابن رشد في إعادة ترتيب العلاقة بين الحكمة والشريعة إلى وعي عميق بدور كل نوع من المعرفة في حياة الإنسان والمجتمع. إن تبني منهج التمايز الوظيفي للمعرفة يوفر إطارا متكاملاً يسمح للعقل الفلسفي بفهم قوانين الطبيعة والوجود وللفقه والشريعة بضبط السلوك الفردي والاجتماعي وللحكمة العليا بتوجيه هذه المعارف نحو غايات كونية أخلاقية وروحية. هذا التصور يعيد الاعتبار للتعددية المعرفية ويبرز إمكانية انسجام بين مختلف مستويات الإدراك دون أن تتعرض المبادئ الأساسية للقيم للخطر.

ويقدم هذا النموذج أيضا فرصة لإعادة التفكير في دور الفلسفة والتعليم والفقه في العصر المعاصر، حيث يمكن استخدامه كأساس لبناء برامج تعليمية ومعرفية متكاملة تربط بين التفكير العقلاني والفهم الشرعي وتؤسس لثقافة حوارية مرنة بين المعرفة العلمية والفكر الديني. كما يوفر هذا النموذج قاعدة لفهم كيفية التوفيق بين التجربة العقلية والتزامات القيم بين الحقائق الطبيعية والغايات الروحية وبما يسهم في إثراء الفهم الإنساني وتوسيع آفاق الفكر.

إن رؤية ابن رشد تمثل إرثا فلسفيا عميقا يفتح أبوابا للتفكير في العلاقة بين الدين والعقل، بين الفلسفة والشريعة وبين المعرفة النظرية والتطبيقية بطريقة تراعي التمايز الوظيفي لكل حقل معرفي وتتيح استثمار كل معرفة وفق غاياتها الخاصة. هذا الإرث يقدم قاعدة صلبة للحوار المعرفي بين الماضي والحاضر ويؤسس لإعادة ترتيب المعارف الإنسانية على أسس فلسفية وأخلاقية متينة مما يجعله مرجعا خالدا في دراسة العلاقة بين الحكمة والشريعة وبين العقل والدين وبين المعرفة والغاية في الفكر الإسلامي والعالمي.

***

د. حمزة مولخنيف

في المثقف اليوم