دراسات وبحوث
حمزة مولخنيف: المسؤولية العقلية عند ابن رشد
الإنسان بين الضرورة الطبيعية والاختيار الأخلاقي
تستقرّ مسألةُ المسؤولية العقلية في قلب البناء الفلسفي الذي شاده ابن رشد لأنّها تمسّ جوهرَ التصور الذي أقامه للإنسان من حيث هو موجودٌ طبيعيٌّ وعاقلٌ مكلَّفٌ وفاعلٌ أخلاقيٌّ وعضوٌ في المدينة وخاضعٌ لنظامٍ كونيٍّ محكمٍ لا يترك مجالا للفوضى ولا يسلِّمُ في الآن نفسه بسقوط الفعل الإنساني في قبضة الجبر الماحق. وكما هو معلوم أنّ مساءلة الإنسان عند ابن رشد لا تنصرف إلى كونه ذاتا حرةً بالمعنى المتأخر الذي كرّسته فلسفات الإرادة الحديثة ولا إلى اعتباره آلةً مندفعةً تحت سلطان العلل دون نصيب من التمييز بل تنصرف إلى فهم منزلته الدقيقة بين قانون الطبيعة ومقتضى الفضيلة بين سلطان الأسباب ومجال التروّي وبين ما يَرِدُ عليه من الخارج وما يصدر عنه بعد نظرٍ وتقدير.
ولذلك تكتسب هذه القضية وزنا استثنائيا داخل النسق الرشدي لأنّها تكشف عن إحدى أكثر نقاطه إحكاما وتعقيدا، كيف يُعقَلُ ثبوتُ التكليف من غير تعطيلٍ للسببية؟ وكيف يُفهَمُ استحقاقُ المدح والذم من غير إفسادٍ للنظام الطبيعي؟ وكيف يُصانُ المعنى الأخلاقي للفعل من غير السقوط في أوهام الحرية المطلقة أو ذرائع الحتمية العمياء؟ تلك أسئلةٌ لا تقف عند حدود الجدل الكلامي حول الجبر والكسب والاستطاعة، بل تنفذ إلى البنية العميقة التي تنتظم تصوّر ابن رشد للعقل والخلق والشريعة والسياسة معا. فالرجل لا يفكّر في الفعل الإنساني من زاويةٍ لاهوتيةٍ مجرّدة ولا من أفقٍ نفسيٍّ معزول، بل يربطه بشبكةٍ واسعةٍ من المحددات، بطبائع النفس ومراتب الإدراك وأثر العادة وقوة الملكة ووظيفة التربية وسلطة القانون ومقاصد الشرع وتفاوت العقول في تلقي الحقائق والتجاوب مع مقتضياتها.
وعلى هذا الأساس تعتبر المسؤولية عند ابن رشد مفهوما مركبا لا ينعقد على مجرد إمكان الفعل بل على أهلية التمييز وسلامة التقدير ومقدار ما يبلغه الإنسان من القدرة على تدبير قواه وردّ شهواته إلى الاعتدال. فالإنسان لا يُسأل عنده لأنه يتحرك فقط بل لأنه قادرٌ على أن يُحسنَ توجيهَ حركته ولا يُؤاخذ لأنه يشتهي أو يغضب أو يتأثر بل لأنه مدعوٌّ إلى أن يجعل من العقل سلطانا ناظما لهذه القوى لا شاهدا عاجزا عليها. ومن هنا كانت الأخلاق في أفقه امتدادا طبيعيا للأنطولوجيا وكان التكليف الشرعي ترجمةً عمليةً لما تقتضيه الفطرة العاقلة وكان التشريع نفسُه جزءا من مشروع تكميل الإنسان لا مجرد نظام زجريٍّ خارجيٍّ مفروض.
إنّ قراءة المسؤولية العقلية عند ابن رشد تفتح بابا واسعا لفهم مذهبه برمّته؛ لأنّها تجمع بين ما قد يبدو متباعدا في الظاهر بين دفاعه الصارم عن السببية ضدّ المتكلمين وتمسّكه الصريح بمعنى التكليف؛ بين وفائه العميق لأرسطو وحسن إدراجه للمباحث الفقهية والكلامية ضمن أفقٍ برهانيٍّ أشمل؛ بين إقراره بتفاوت الناس في الاستعداد والمرتبة وإصراره على بقاء الإنسان محلاًّ للتهذيب والتقويم والمساءلة. وبذلك تنكشف الرشدية لا بوصفها تكرارا لميراث يونانيٍّ منقول بل بوصفها جهدا فلسفيا أصيلا سعى إلى تشييد صورةٍ متوازنةٍ للإنسان، صورةُ الكائن الذي لا يملك أن يخرج من العالم غير أنّه يملك أن يسمو داخل العالم؛ ولا يملك أن ينسخ طبعه الأوّل غير أنّه يملك أن يُهذّبَه؛ ولا يملك أن يتحرر من كل ضرورة غير أنّه يملك أن يجعل من العقل أداةً لتحويل الضرورة من قيدٍ أعمى إلى شرطٍ من شروط الفضيلة.
وتفترض هذه المقالةُ نفسها بوصفها مساءلةً فلسفيةً لموضع الإنسان بين ما يحدّه وما يرفعه، بين ما يُكرهُه وما يُلزمه، بين ما يرثه من الطبيعة وما يصنعه في ذاته عبر التروي والاعتياد والمجاهدة. فالمسؤولية العقلية عند ابن رشد ليست قضيةً جزئيةً في باب الأخلاق، بل هي مفتاحٌ لقراءة تصوره للإنسان كلّه، ذلك الكائن الذي لا يستحق كرامته إلا بقدر ما ينجح في أن يجعل من العقل ميزانا للفعل ومن الفضيلة صورةً للحياة ومن الشريعة أفقا لتكميل ما أودع الله فيه من قابلية النظر والعمل.
ليس من اليسير أن يُقارب الباحثُ مسألةَ المسؤولية العقلية عند ابن رشد من داخل جهازه المفهومي من غير أن يقع في أحد مأزقين متقابلين: مأزق القراءة الكلامية التي تُقحم الرجل في معارك المتكلمين حول الجبر والاختيار إقحاما يُفسد انتظام مشروعه الفلسفي، ومأزق القراءة الحداثية المتعجلة التي تستنطق نصوصه بمنطق الحرية الذاتية الحديثة كما تشكلت في فلسفات الإرادة والوعي والضمير. ذلك أن ابن رشد لا يفكر في الإنسان باعتباره ذاتا منغلقة على نفسها مستقلة عن العالم منشئة لمعناها من داخل قرارها الباطني، وإنما يفكر فيه باعتباره كائنا طبيعيا مدنيا عاقلا مندرجا في نظام الكون محكوما بشروط المادة والحركة والعادة والملكة ومفتوحا في الآن نفسه على أفق التكميل العقلي والتهذيب الخلقي والتشريع العملي. إن السؤال عن المسؤولية عنده لا يمكن أن يُطرح إلا داخل هذا التوتر الدقيق بين انخراط الإنسان في السببية الكونية وبين تميزه بالفعل العقلي الذي يجعله قابلا للتكليف وقادرا على الترجيح ومستحقا للمدح والذم.
إن ابن رشد وهو الشارح الأكبر لأرسطو في الحضارة الإسلامية لم يورثنا رسالة مستقلة بعنوان المسؤولية أو الحرية أو الاختيار كما فعل بعض المتكلمين في مصنفاتهم الخاصة بالكسب والقدرة والاستطاعة. غير أن هذا لا يعني أن المسألة غائبة عن فكره بل هي مبثوثة في مواضع كثيرة من شروحه لأرسطو وفي كتبه الكلامية والفقهية وبخاصة في تهافت التهافت وفصل المقال والكشف عن مناهج الأدلة وشرحه لكتاب الأخلاق إلى نيقوماخوس، بل وفي طريقته العامة في فهم العلاقة بين الشريعة والحكمة. ذلك أن المسؤولية العقلية عند ابن رشد ليست مجرد قضية جزئية في باب الأفعال الإنسانية وإنما هي أثر مباشر لتصوره للإنسان وللعقل وللنظام الطبيعي وللقانون الأخلاقي وللخطاب الشرعي. وإذا كان بعض المتكلمين قد انصرفوا إلى الدفاع عن عدل الله عبر بناء نظريات في خلق الأفعال أو كسبها فإن ابن رشد يتجه وجهة مغايرة، إنه ينقل النقاش من ميتافيزيقا الجدل الكلامي إلى أنطولوجيا الطبيعة وإتيقا الفعل وسياسة المدينة، فيصير السؤال كيف يكون الإنسان مسؤولا ما دام جزءا من الطبيعة؟ وكيف يصح التكليف ما دام الفعل لا يقع خارج سلسلة الأسباب؟ وكيف يستقيم المدح واللوم إذا كانت الأهواء والطبائع والملكات تؤثر في السلوك؟ وكيف يمكن للتشريع أن يكون عادلا ما لم يفترض في الإنسان قدرا من الإدراك والاختيار؟.
وتكتسب قضية المسؤولية العقلية عند ابن رشد قيمتها الفلسفية الكبرى لأنها تكشف عن عبقرية ذلك المسلك الذي لا يُسقط الضرورة الطبيعية باسم حرية متوهمة ولا يُبطل الاختيار الأخلاقي باسم حتمية عمياء بل يشتغل على تركيب معقد يجعل الإنسان واقعا تحت سلطان الطبيعة من جهة، وقابلا للارتقاء بالعقل والتربية والتشريع من جهة أخرى. إن هذا التركيب هو الذي يمنح الفلسفة الرشدية راهنيتها لأنه يضعنا أمام نموذج تفكير يرفض الثنائية الساذجة بين الجبر والاختيار ويبحث بدل ذلك عن شروط المسؤولية الواقعية الممكنة داخل عالم منظم بالأسباب.
لقد كان أرسطو يرى في الأخلاق النيقوماخية أن موضوع الثناء واللوم إنما هي الأفعال الإرادية، أما ما يقع بالإكراه أو الجهل المحض فليس محلا للمؤاخذة على الوجه نفسه. وقد سبق أن ميز بين ما هو بإرادة وما هو بغير إرادة، ثم ردّ الفضيلة والرذيلة إلى العادة والاعتياد والاختيار المتكرر حتى صار الإنسان في نظره صانعا لملكات نفسه من حيث هو فاعل لأفعاله المتكررة. هذه الأرضية الأرسطية هي المفتاح الأول لفهم ابن رشد لأن الرجل لا يتبنى منطق الإرادة المنفصلة عن العقل كما ستتبلور لاحقا عند بعض اللاهوتيين بل يربط الفعل الإنساني بملكة عقلية عملية تجعل الاختيار ثمرة مداولة وترجيح لا مجرد اندفاع نفسي. ولذلك كان شرحه للأخلاق الأرسطية مجالا خصبا لفهم تصوره للمسؤولية. فالفعل عنده لا يكون إنسانيا بالمعنى الدقيق إلا إذا صدر عن مبدأ داخلي مع علم بالغايات والوسائل، وإذا كان الفاعل قد أمكنه أن يختار بين الممكنات بحسب ما يظهر له أنه خير. وهنا تتأسس المسؤولية لا على مجرد القدرة الفيزيائية على الفعل بل على قابلية العقل العملي لتقدير ما ينبغي فعله. غير أن هذا الأساس لا ينفصل عند ابن رشد عن بنية كونية صارمة. فالكون عنده ليس مجالا للفوضى بل هو انتظام علّي محكم. وقد كان شديد النقد للمتكلمين الذين توسعوا في نفي السببية الطبيعية بدعوى حفظ قدرة الله المطلقة. ففي تهافت التهافت يقرر بما لا يدع مجالا للبس أن إنكار الارتباط بين الأسباب والمسببات يؤدي إلى إبطال العلم نفسه لأن العلم إنما يقوم على معرفة العلل، وإذا رُفع هذا الارتباط لم يعد ثمة موضوع حقيقي للمعرفة. ومعنى ذلك أن الإنسان لا يتحرك في فراغ وجودي بل في عالم تُحدِّد فيه الطبائعُ والأمزجةُ والظروفُ والأسبابُ الخارجيةُ كثيرا من إمكانات الفعل. وهذا الإدراك الرشدي للضرورة الطبيعية ليس عرضا هامشيا بل هو شرط أولي لأي فهم واقعي للمسؤولية؛ إذ لا مسؤولية تُفهم خارج معرفة ما يحد الفعل وما يوجهه وما يؤثر فيه.
وهنا يظهر الفرق العميق بين ابن رشد وبين كثير من معالجات المتكلمين. فالمتكلمون كانوا يتساءلون هل الله خالق أفعال العباد أم العباد خالقوها؟ هل للعبد قدرة مؤثرة أم لا؟ هل الاستطاعة قبل الفعل أم معه؟ وهذه أسئلة تنتمي إلى أفق جدلي لاهوتي يبتغي في الغالب تنزيه الباري أو حفظ العدل الإلهي. أما ابن رشد فيسأل من موقع آخر ما طبيعة الفعل الإنساني؟ كيف يتكون الاختيار؟ ما دور العقل العملي والملكة والعادة والتربية؟ ما موقع الانفعال والشهوة والغضب؟ كيف تُبنى الفضيلة؟ متى يكون اللوم معقولا؟ وهذا التحول في موضع السؤال هو نفسه تحول في معنى المسؤولية. فهي عنده ليست لغزا ميتافيزيقيا حول من يخلق الفعل بل هي وصف معياري للفعل الإنساني من حيث نسبته إلى فاعل قادر على التمييز والتروي والاعتياد.
ولئن كان ابن رشد قد انتقد الأشاعرة في بعض تصوراتهم للسببية فإن نقده لا يعني تبنيه لمذهب فلسفي يلغي الحرية الإنسانية بل إن العكس هو الصحيح، إنه يرفض إنكار الأسباب لأن ذلك يهدم إمكان المحاسبة والتدبير والتعليم. فإذا لم تكن هناك طبائع ثابتة ولا روابط معتبرة بين المقدمات والنتائج فكيف نُربي؟ وكيف نُشرّع؟ وكيف نُقوّم الأفعال؟ وكيف نفهم أثر العادة في تكوين الخلق؟ لقد فهم ابن رشد أن الدفاع عن السببية ليس خصومة مع الحرية بل هو الشرط الوحيد لفهم حرية منضبطة متدرجة قابلة للتكميل. فالحرية المطلقة التي لا تُحدها طبائع ولا أسباب ليست حرية إنسانية بل هي وهم لغوي. والإنسان لا يكون حرا إلا بقدر ما يعرف شروطه ويهذب ميوله ويُحسن استعمال ما أُعطي من قوة التمييز.
ينبغي في هذا السياق أن نستحضر أن ابن رشد بحكم تكوينه الفقهي والقضائي لم يكن ينظر إلى الإنسان نظرة نظرية مجردة. لقد كان قاضيا وفقيها قبل أن يكون شارحا لأرسطو، وكان يعرف أن المسؤولية في المجال العملي لا تُبنى على مثال تجريدي للفاعل بل على تمييز دقيق بين حالات العلم والجهل والعمد والخطأ والإكراه والاختيار والقدرة والعجز والقصد والغفلة. وهذه المعاني كلها حاضرة في الفقه الإسلامي لا باعتبارها مسائل لغوية بل باعتبارها معايير للحكم. لذلك فحين نقرأ ابن رشد في بداية المجتهد نجد ذلك الحس العملي العميق الذي يربط الأحكام بأوصاف الأفعال والنيات والقدرات والأعذار. صحيح أن بداية المجتهد كتاب فقهي مقارن لكنه يكشف عن عقلية رشديّة ترى أن التكليف لا ينفصل عن الطاقة وأن المؤاخذة لا تستقيم من غير تمييز بين الأحوال. وهو ما يلتقي مع الآية الكريمة: «لا يكلف الله نفسا إلا وسعها»، ومع الحديث المشهور: «رفع القلم عن ثلاثة». غير أن ابن رشد لا يكتفي باستحضار هذه المعاني نقلا بل يجعلها مندرجة في تصور عقلي عام للإنسان بوصفه موجودا متفاوت الاستعدادات مختلف القابليات لا يُخاطَب خطابا واحدا من غير مراعاة لمستواه العقلي والنفسي والاجتماعي.
ونفهم هنا أيضا صلته بمسألة التأويل في فصل المقال. فالتفاوت في العقول عنده ليس مجرد وصف معرفي بل له أثر أخلاقي وسياسي وتشريعي. الناس ليسوا سواء في طرق التصديق ولا في مناهج الفهم ولا في القدرة على البرهان. منهم من يقنعه الخطاب البرهاني ومنهم من يأنس بالجدل ومنهم من لا يتجاوز مرتبة الخطابة والتمثيل. وهذا التفاوت ليس ذما للإنسان من حيث هو إنسان بل اعتراف ببنية اجتماعية معرفية تقتضي تنوع الخطاب. لكن هذا التفاوت نفسه يؤثر في مفهوم المسؤولية لأن من لا يدرك البرهان لا يُطالب بما يُطالب به البرهاني من حيث دقة النظر. ومن كان أسير الخيال أو العادة لا يُعامل معاملة من استكمل ملكة التمييز. هكذا تصبح المسؤولية عند ابن رشد متدرجة لا بمعنى إسقاط التكليف بل بمعنى أن مراتب المؤاخذة مرتبطة بمراتب الإدراك والقدرة والملكة.
وقديما قال أرسطو إن «الإنسان مبدأ أفعاله»، لكن هذا المبدأ ليس مبدأ مطلقا على مثال العلة الأولى بل مبدأ نسبي داخل شبكة من العلل. وهذا المعنى الأرسطي هو الذي يتخذه ابن رشد أساسا لفهم الفعل الإنساني. فالإنسان مبدأ فعله لأنه يحمل في نفسه قوة الشهوة والغضب والتخيل والنظر ولأنه يقدر على المداولة في الوسائل المؤدية إلى الغايات. لكنه ليس مبدأ مطلقا لأنه ليس مفصولا عن الطبيعة ولا عن المجتمع ولا عن التربية ولا عن السنن. ولذلك فإن المسؤولية عنده لا تُفهم بوصفها استقلالا ميتافيزيقيا بل بوصفها نسبة الفعل إلى فاعل عاقل داخل شروط محددة. وهذا المعنى أقرب إلى ما سيعبر عنه سبينوزا بعد قرون بصيغة مغايرة حين يقول إن الناس «يظنون أنفسهم أحرارا لأنهم يشعرون بأفعالهم ويجهلون الأسباب التي تحددهم». غير أن الفرق بين الرجلين كبير؛ لأن سبينوزا يميل إلى رد الحرية إلى فهم الضرورة نفسها بينما يظل ابن رشد متمسكا بأفق أخلاقي وتشريعي يجعل الفعل الإنساني قابلا للحكم القيمي وللتقويم العملي. ومع ذلك فإن الجمع بينهما يكشف لنا أن الوعي بالأسباب ليس نقيضا للمسؤولية بل قد يكون شرطا لتعميقها.
إن الإنسان عند ابن رشد ليس جوهرا بسيطا، إنه بنية مركبة: جسم ونفس، حس وتخيل، شهوة وغضب، عقل نظري وعقل عملي، عادة وملكة. وهذه التركيبية هي التي تجعل الفعل الأخلاقي معقدا. فالذي يختار ليس العقل وحده في عزلة بل الإنسان كله بما فيه من نزوعات ومقاومات وذكريات وعوائد وتصورات. ولذلك فإن ابن رشد على خطى أرسطو يجعل تهذيب الأخلاق قائما على صناعة العادة الصالحة قبل أن يكون مجرد تلقين نظري للمبادئ. الفضيلة ليست معرفة مجردة بل ملكة راسخة تتكون من التكرار وتُقوَّم بالتربية وتُصان بالقانون. وهذا المعنى بالغ الأهمية في موضوعنا لأنه يدل على أن المسؤولية لا تبدأ عند لحظة القرار فحسب بل تتكون قبل ذلك في مسار طويل من بناء الذات. فمن اعتاد الظلم حتى صار له خلقا ليس معذورا لمجرد أن الرذيلة استحكمت فيه لأن استحكامها نفسه ثمرة أفعال سابقة قابلة للنسبة إليه. وقد قرر أرسطو هذا المعنى بوضوح حين قال إن الناس إذا صاروا ظالمين أو منحلين بسبب أفعالهم المتكررة لم يعد لهم أن يحتجوا بأنهم صاروا كذلك بالطبع. وابن رشد يلتقط هذا الجوهر الأرسطي ويُدخله في سياق إسلامي يجعل التهذيب والتشريع متساندين.
وهنا يظهر أن الضرورة الطبيعية عند ابن رشد ليست شيئا واحدا بسيطا. فهناك ضرورة تتعلق ببنية الجسد والمزاج وضرورة تتعلق بالمحيط والعادة وضرورة تتعلق بالقوانين العامة للطبيعة وضرورة تتعلق بالبنية الاجتماعية والسياسية. لكن هذه الضرورات كلها لا تُبطل إمكان التهذيب بل تجعل الحاجة إليه أشد. فالمدينة الفاضلة أو المدينة الصالحة في أفق الفكر القديم ليست مجرد تجمع للأفراد بل هي جهاز تربية وتشريع وتوزيع للوظائف وضبط للأهواء. ولذلك كان أفلاطون يرى أن العدالة في النفس والمدينة معا تتأسس على ترتيب القوى وإعطاء كل قوة موضعها، وكان أرسطو يؤكد أن المشرع هو صانع الفضائل بسن القوانين التي تعوّد الناس الخير. وابن رشد وإن لم ينسج تصورا سياسيا مستقلا في مستوى الجمهورية أو السياسة فإنه يظل وفيا لهذا المعنى، لا أخلاق من غير سياسة ولا مسؤولية من غير نظام مدني يهيئ شروطها.
ولعل من أدق المواضع التي تتجلى فيها بصيرة ابن رشد هو ربطه بين العقل العملي والاختيار. فالاختيار عنده ليس مرادفا للإرادة بمعناها المنفلت بل هو فعل يمر عبر التروي. لقد ورث من أرسطو أن الاختيار إنما يتعلق بالوسائل الممكنة المؤدية إلى غاية متصورة على أنها خير. أما الغايات العليا فترتبط بتكوين الخلق وتقدير العقل لما هو حسن في الجملة. إن الإنسان لا يختار الخير دائما اختيارا مباشرا لأن نظره قد يختل وذوقه قد يفسد وشهوته قد تغلبه وخياله قد يضلله. لكن هذا كله لا يرفع عنه المسؤولية مطلقا لأن العقل العملي لا يُختزل في لحظة حضور مجردة بل هو ملكة تُبنى وتُنمّى. فإذا أفسد المرء آلة حكمه زمنا طويلا كان مسؤولا عن فساد أحكامه اللاحقة بقدر ما كان قادرا على التدارك ولم يفعل.
ولقد أدرك الفقهاء المسلمون كل من موقعه أن مناط التكليف هو العقل، ولذلك قالوا في عباراتهم المأثورة: «لا تكليف إلا بعقل»، و«المجنون غير مكلف»، و«الخطاب الشرعي يتعلق بأفعال المكلفين». غير أن ابن رشد يمنح هذا المبدأ بعدا فلسفيا أعمق. فالعقل ليس مجرد شرط قانوني شكلي بل هو الصورة التي بها يصير الإنسان إنسانا على التمام. إن العقل هو الذي ينقل الفعل من مستوى الانفعال الطبيعي إلى مستوى الفعل المقصود. وإذا كان الحيوان يتحرك بالشهوة والخيال، فإن الإنسان يضيف إليهما التمييز والمداولة والنظر في العواقب. وقد كانت المسؤولية العقلية عند ابن رشد أخص من مجرد المسؤولية القانونية لأنها تتعلق بكون الإنسان محكوما بأن يرقى إلى ما يقتضيه نوعه. وهذا المعنى يذكرنا بما قاله الفارابي في تحصيل السعادة من أن كمال الإنسان إنما هو في أن يصير عقلا بالفعل ويذكرنا كذلك بما سيقرره كانط لاحقا وإن في أفق مغاير حين يجعل الاستقلال العقلي شرط الكرامة الأخلاقية. غير أن الفرق واضح، فكانط يؤسس المسؤولية على الإرادة العاقلة التي تشرع لنفسها، أما ابن رشد فيؤسسها على عقل عملي مندرج في نظام طبيعي ومدينة وشريعة.
ومن المسائل التي لا بد من إبرازها أن ابن رشد لا يفهم الشريعة بوصفها خصما للفلسفة بل بوصفها نظاما عمليا لتكميل الإنسان بحسب طاقته. وهذا ينعكس مباشرة على مفهوم المسؤولية. فالتكليف الشرعي عنده ليس اعتباطا ولا امتحانا منفصلا عن طبيعة الإنسان بل هو موافق لما تقتضيه الفطرة العقلية من طلب الخير ودفع الشر. وإذا كانت الشريعة تأمر وتنهى وتعد وتتوعد فلأنها تخاطب كائنا قابلا للتأثر بالموعظة وبالعقوبة وبالرجاء لا مجرد عقل محض. وهذا الاعتبار التربوي في الخطاب الشرعي يؤكد أن المسؤولية ليست فكرة نظرية صرفة بل هي بنية تربوية تستند إلى معرفة دقيقة بالنفس الإنسانية. وقد قال الغزالي رغم خصومته المعروفة مع الفلاسفة في مسائل أخرى كلاما له صلة بموضوعنا حين قرر أن العلم إذا لم يقترن بالعمل كان حجة على صاحبه. فالمعرفة تُحمّل صاحبها تبعة زائدة. وهذا المعنى لا يبعد عن الروح الرشدية، فكلما اتسع أفق الإدراك اشتدت المؤاخذة لأن الحجة تكون قد قامت على وجه أتم.
وعند هذا الحد تبرز لنا مسألة دقيقة، هل المسؤولية عند ابن رشد متساوية بين الناس؟ الجواب: لا، إذا فهمنا المساواة بمعنى التماثل التام في مقدار التبعة. نعم، من حيث الأصل العام الناس مخاطبون، لكن من حيث التفصيل تتفاوت مراتبهم بحسب العقل والملكة والقدرة والعلم والاعتياد والمقام. وهذه الفكرة ليست تمييزا تعسفيا بل هي عين العدل في التصور الرشدي. فالتسوية بين المختلفين ظلم كما أن التفريق بين المتماثلين ظلم. ولذلك كان الفقه الإسلامي حافلا بمراعاة الأحوال، الصبي غير البالغ ليس كالبالغ والناسي غير العامد والمكره غير المختار والجاهل في بعض المواطن غير العالم والمضطر غير المختار. غير أن ابن رشد يوسع هذا المعنى من الإطار الفقهي إلى الإطار الفلسفي فيجعل تفاوت المدارك جزءا من فهم الخطاب نفسه. فليس كل إنسان يخطئ في الاعتقاد أو العمل سواء في الذنب لأن الخطأ قد يكون وليد تقصير وقد يكون ثمرة قصور. وبين التقصير والقصور فرق جوهري في باب المسؤولية.
إن التقصير هو أن يترك الإنسان ما يقدر عليه من طلب الحق أو تهذيب النفس أو تحصيل العلم أو مقاومة الهوى. أما القصور فهو أن لا تتأتى له الآلة أصلا أو لا تكتمل له الشروط. وهذا التمييز بالغ الدقة ويصلح مفتاحا لقراءة كثير من مواقف ابن رشد. فالرجل لا يعذر من عطّل عقله وهو قادر على النظر ولا يساوي بين من غلبته شهوة عارضة بعد مجاهدة وبين من استسلم لها حتى صارت قانون نفسه. لكنه في الوقت ذاته لا يبني الأحكام على مثال طوباوي للإنسان الكامل بل يدرك أن البشر درجات وأن السياسة الشرعية والعقلية الرشيدة إنما تتعامل مع الممكن البشري لا مع المثال المفارق.
ولعل هذا ما يجعل مفهوم المسؤولية العقلية عنده مفهوما مركبا لا يُختزل في الحرية المجردة ولا في الحتمية الصماء. إنها مسؤولية تقوم على ثلاثة أركان متداخلة، إدراك عقلي يميز بين الممكنات وملكة خلقية تتكون بالاعتياد ونظام مدني شرعي يوجه السلوك ويقوّمه. فإذا اختل الإدراك ضعفت المسؤولية، وإذا فسدت الملكة تعقدت المؤاخذة من حيث هي ثمرة تاريخ شخصي، وإذا غاب النظام المدني اضطربت شروط الفعل نفسه. وبمقتضى هذا التصور، يصير الإنسان مجرد ضحية للضرورة ولا سيدا مطلقا عليها بل كائنا يفاوض شروطه ويشتغل على نفسه ويتدرج في التحرر النسبي من سلطان الهوى بقدر ما يزداد نصيبه من العقل.
إن ابن رشد يقدم لنا تصورا للمسؤولية أقرب إلى الحرية المُمكنة لا الحرية المطلقة. فالحرية عنده ليست نفيا للعلل بل حسنُ الانخراط فيها وتوجيهُها بقدر الطاقة. وهي ليست انفلاتا من الطبيعة بل تهذيبا للطبيعة الإنسانية حتى تصير الشهوة مطاوعة للعقل والغضب خادما للعدل والخيال عونا على الإدراك لا مصدرا للوهم. وهذه الرؤية تلتقي في بعض جوانبها مع ما قاله الرواقيون من أن الحرية الحقة هي موافقة العقل الكوني، لكنها تختلف عنهم لأن ابن رشد لا يذيب الفرد في قدر كوني صلد بل يترك مجالا حقيقيا للتربية والاختيار والتدرج واللوم والثناء.
ولذلك فإن أي قراءة تبسيطية لابن رشد تُصوره إما جبريا بحكم إيمانه بالسببية وإما تحرريا حداثيا بحكم دفاعه عن العقل وبالتالي فهي قراءة قاصرة. إن عبقريته تكمن في هذا التوازن العسير، أي الدفاع عن انتظام الطبيعة ضد العبث الكلامي والدفاع عن التكليف ضد الحتمية العمياء والدفاع عن العقل ضد الغوغائية والدفاع عن الشريعة ضد التأويل الفوضوي والدفاع عن التدرج في الخطاب ضد التسوية الساذجة بين العقول. وكل ذلك ينعكس في مفهومه للمسؤولية بوصفها فعلا عقلانيا أخلاقيا مشروطا لا مطلقا ولا معدوما.
ويصبح الإنسان عند ابن رشد واقفا في منزلة وسطى بين عالمين، عالم الضرورة الذي يشده إلى الأرض والجسد والعادة والمجتمع، وعالم الغاية الذي يدعوه إلى الخير والعدل والحكمة والاعتدال. وهذه المنزلة الوسطى ليست ضعفا بل هي عين إنسانيته. إذ لو كان ضرورة محضة لانتفى معنى الأخلاق، ولو كان حرية مطلقة لانقطع عن العالم وصار شبيها بإله صغير متوهم. أما وهو هذا الكائن المركب فإن كرامته تقوم في قدرته على أن يصنع من الضرورة مادةً للفضيلة ومن القيد طريقا إلى التهذيب ومن الطبيعة أفقا للتكميل لا سجنا مغلقا.
ويمكننا أن نفهم لماذا كان ابن رشد حريصا على أن يُبقي العلاقة بين الحكمة والشريعة علاقةَ توافق لا تناقض. لأن كلا منهما، على اختلاف المنهج واللسان يشتغل على الإنسان نفسه، ذلك الكائن الذي لا يُصلحه مجرد العلم ولا يكفيه مجرد الوعظ بل يحتاج إلى برهان يهديه وشريعة تهذبه وسياسة تقيمه وعادة ترسخه. إن المسؤولية العقلية ليست عنده مفهوما قانونيا باردا بل هي عنوان مشروع حضاري كامل قوامه أن يصير الإنسان أهلا لما أودع فيه من قوة النظر وقادرا على أن يحمل تبعة فعله في عالم لا يرحم الجاهل بقوانينه ولا يعذر من فرّط في إنسانيته.
إن الفعل الإنساني عند ابن رشد لا يصدر عن الإرادة كما تُفهم في صورها المتأخرة باعتبارها قوة سيادية مستقلة عن سائر قوى النفس بل يخرج من شبكة متكاملة تتآزر فيها الحواس والتخيل والشهوة والغضب والعقل العملي. إن الاختيار ليس قرارا فجائيا يهبط على النفس من فراغ وإنما هو ثمرة مداولة داخلية يتقدم فيها تصور الغاية ثم النظر في الوسائل ثم الترجيح ثم العزم. وهذا المعنى مأخوذ في جوهره من أخلاق أرسطو التي قرأها ابن رشد قراءة دقيقة حيث يكون الاختيار متعلقا بما هو ممكن للإنسان من الأفعال لا بما هو مستحيل ولا بما وقع وانقضى ولا بما لا سلطان له عليه. فالإنسان لا يختار أن يكون مولودا في هذا الزمان أو ذاك ولا يختار طبعه الأولي اختيارا مباشرا لكنه يختار كيف يتصرف فيما وُهب له من استعدادات وكيف يوجه ميوله وكيف يتعامل مع إمكاناته وحدوده، وهذا التمييز هو لبّ المسؤولية العقلية. إذ ليست المسؤولية عند ابن رشد متعلقة بكل ما يقع من الإنسان على جهة الإطلاق بل بما يصدر عنه بعد أن يمر بدرجة ما من التمثل والتمييز. ولذلك فإن العقل العملي عنده ليس مجرد ملكة نظرية تُصدر أحكاما في الخير والشر بل هو قوة تدبيرية تضبط الحركة بين الممكنات. وهو بهذا المعنى أقرب إلى ما سماه الفلاسفة المسلمون التعقل العملي الذي يربط المعرفة بالفعل ويجعل الحكمة ليست في أن يعرف المرء ما هو الخير فحسب بل في أن يقدر على حمل نفسه عليه. وقديما قال سقراط إن الفضيلة علم غير أن أرسطو صحح هذا القول حين بين أن العلم وحده لا يكفي لأن المرء قد يعرف الخير ولا يفعله لغلبة شهوة أو ضعف ملكة أو فساد عادة. وابن رشد ينحاز إلى هذا التعديل الأرسطي؛ فهو لا يردّ الرذيلة إلى الجهل المحض ولا الفضيلة إلى المعرفة المجردة بل يجعل بينهما مسافة تملؤها التربية والاعتياد والمجاهدة.
ويكتسب مفهوم الملكة مكانة مركزية في فهم المسؤولية. فالملكة عند ابن رشد على خطى أرسطو ليست فعلا عابرا بل هيئة راسخة تتكون بالتكرار حتى تصير للنفس طبيعة ثانية. والإنسان لا يُحاكم أخلاقيا على الأفعال المنفردة فحسب بل على ما تكشف عنه هذه الأفعال من تكوين داخلي رسخ فيه الخير أو الشر. فإذا كان قد تكرر منه العدل حتى صار سهلا عليه أو تكرر منه الظلم حتى صار مألوفا عنده فإن المؤاخذة أو الثناء يتجاوزان اللحظة المفردة إلى البناء الباطني الذي صنعه بيده. وهنا تظهر عبقرية التصور الرشدي، فالضرورة لا تُفهم فقط باعتبارها قانون الطبيعة الخارجية بل أيضا باعتبارها ما يصنعه الإنسان في نفسه من عادات حتى تصير قريبة من الضرورة. فالمدمن على الكذب أو المسترسل في الجور أو المستكين لشهواته قد يبدو بعد زمن كأنه مسلوب الإرادة غير أن هذه الحال ليست في أصلها قدرا منزلا بل نتيجة تراكم اختيارات سابقة أفضت إلى تضييق مجال اختياره اللاحق. وهذا هو المعنى العميق الذي يجعل الحرية عند ابن رشد لا تُفهم كمعطى جاهز بل كقوة تُبنى أو تُهدم.
لقد أدرك الفقهاء قبل الفلاسفة أن التكرار يغيّر الحكم على الأفعال من حيث الدلالة على القصد والاعتياد. فالزلة غير الإصرار، والخطأ العارض غير الإمعان، واللمم غير اتخاذ الذنب خُلقا. غير أن ابن رشد يرفع هذا الإدراك الفقهي إلى مستوى فلسفي أشمل، فيجعل الإنسان مسؤولا لا عن أفعاله المباشرة فقط بل عن صناعة نفسه عبر الأفعال. وهنا تلتقي الرشدية مع عبارة أرسطو الشهيرة التي تفيد أن الفضائل والرذائل تكون فينا من قبل ما نفعله مرارا. كما تلتقي مع ما قاله ابن مسكويه في تهذيب الأخلاق من أن النفس وإن كانت تقبل استعدادات مختلفة فإنها قابلة للرياضة والتقويم وأن الأخلاق ليست سجونا مغلقة لا تُبدّل. هذا المعنى هو الذي يردّ على كل قراءة تستسهل تعليق الرذائل على شماعة الطبع أو المزاج أو المجتمع وحده؛ فهذه كلها مؤثرات حقيقية لكن الإنسان يظل مع ذلك معنياً بقدر ما يستطيع من التهذيب والمقاومة وإعادة التشكيل.
وعند هذا الموضع يبرز السؤال الكلامي الكبير في خلفية المشروع كيف يمكن إثبات هذه المسؤولية من غير الوقوع في وهم الاستقلال المطلق للإنسان عن العناية الإلهية أو النظام الكوني؟ إن ابن رشد لا يدخل هذا السؤال من مدخل الأشاعرة ولا من مدخل المعتزلة وإن كان يقترب أحيانا من بعض مقاصد هؤلاء وأولئك من غير أن يتطابق معهم. فالأشاعرة في تشديدهم على عموم القدرة الإلهية انتهوا في كثير من صيغهم إلى نظرية الكسب التي تُبقي للعبد نسبةً ما إلى الفعل من غير أن تجعل له تأثيرا حقيقيا مستقلا. والمعتزلة في دفاعهم عن عدل الله وسّعوا من دائرة قدرة العبد حتى كاد الفعل يصير مضافا إليه إضافة أقوى. أما ابن رشد فإنه لا يجد نفسه مضطرا إلى هذا التقابل الحاد لأن تصوره للسببية الطبيعية ولتعدد مراتب العلل يسمح له بفهم الفعل الإنساني بوصفه واقعا داخل نظام عام مع بقائه منسوبا إلى فاعله الإنساني من حيث هو مبدأ قريب واعٍ. فالفاعل الإنساني ليس علة أولى لكنه علة قريبة معتبرة. وإذا أُلغيت هذه العلية القريبة بطل معنى التربية والتشريع والمدح واللوم.
ولهذا كان نقده للمذاهب التي تضعف السببية الطبيعية نقدا أخلاقيا بقدر ما هو معرفي. فإنكار العلل لا يُفسد العلم وحده بل يفسد كذلك فقه الإنسان بنفسه. فإذا لم تكن للشهوة آثار معلومة وللعادة سلطان مفهوم وللتربية أثر ثابت وللبيئة الاجتماعية تأثير معتبر فإن كل سياسة أخلاقية تصبح عبثا. وكيف يُطلب من المشرّع أن يُصلح ومن المعلم أن يُهذب ومن القاضي أن يُقدّر إذا كان الفعل ينبت من فراغ غير قابل للفهم؟ لقد كان ابن رشد أعمق من أن ينخدع بثنائية الجبر والاختيار في صيغتها المدرسية. إنه يدرك أن الإنسان محكوم بسلسلة من العلل لكن بعض هذه العلل داخل فيه ومنه وبها يكون محلا للتكليف. ولذلك فإن العذر عنده لا يتقرر لمجرد وجود سبب إذ لا فعل بلا سبب أصلا بل يتقرر بحسب نوع السبب، هل هو قاهر يسلب التمييز؟ أم هو باعث يمكن مقاومته؟ هل هو قصور أصلي؟ أم هو تقصير مكتسب؟ هل هو إكراه خارجي؟ أم هو هوى داخلي استُرسل معه حتى تغلّب؟.
هذا التمييز الدقيق بين القصور والتقصير هو من أنفذ المفاتيح لقراءة المسؤولية العقلية عند ابن رشد. فالقصور يتعلق بحدود التكوين والاستعداد والآلة. فقد يولد الإنسان ضعيف الحافظة أو بطيء الفهم أو شديد الانفعال أو محدود البيئة أو قليل المعين. وهذه كلها ليست في أصلها موضوعا للذم من حيث هي كذلك. أما التقصير فهو ترك ما أمكن فعله من تكميل النفس أو إهمال ما وجب طلبه من العلم أو الاستسلام للهوى مع القدرة على المجاهدة أو تعطيل العقل مع قيام دواعي النظر، وهنا يمكن أن نفهم سرّ التفاوت في المؤاخذة بين الناس عنده. فليس كل جاهل معذورا كما أنه ليس كل مخطئ ملوما على السواء. الجاهل الذي قصّر في التعلم ليس كالجاهل الذي حُرم الآلة أو المعلّم أو اللسان أو السبيل. والمخطئ بعد نظر واجتهاد ليس كالمخطئ عن هوى واستخفاف. ويلتقي ابن رشد هنا مع القاعدة الأصولية التي فرّق بها الفقهاء بين الخطأ والتفريط وبين الاجتهاد والتلاعب وبين العذر والدعوى.
ومن أظهر آثار هذا التصور أن التكليف الشرعي عند ابن رشد ليس خطابا واحدا مصمتا بل هو خطاب يراعي تفاوت المدارك. لقد كان شديد الوعي بأن الناس ليسوا سواء في طرق الإقناع والتصديق، ولذلك قرر في فصل المقال أن منهم البرهاني والجدلي والخطابي. وهذه ليست مجرد قسمة معرفية بل لها نتائج أخلاقية وتشريعية عميقة. فالذي أدرك البرهان ثم أعرض عنه عنادا ليس كالذي لم تتأهل له نفسه لهذا الطريق. والذي قامت عليه الحجة في مستوى رفيع من النظر ليس كالذي لا يتجاوز إدراكه التمثيل والخطابة. وهذا المعنى يجد صداه في التراث الشرعي في قولهم، الحكم على الشيء فرع عن تصوره وفي تقرير الأصوليين أن المشقة تجلب التيسير وأن التكليف بحسب الوسع. غير أن ابن رشد يضفي على هذه القواعد بعدا فلسفيا يجعلها متصلة بطبيعة العقل الإنساني لا بمجرد استثناءات عملية.
إن المسؤولية العقلية عنده ليست مساواة حسابية بين جميع الذوات بل عدالة تقديرية تراعي اختلاف الأنفس. وهذه العدالة ليست رخاوة ولا تفلتا بل هي عين الصرامة العقلية؛ لأن الصرامة الحقة لا تعني التسوية بين المختلفين بل وضع كل فعل في موضعه بحسب شروطه. ولذلك كان القضاء الرشدي من حيث روحه أقرب إلى فقه الملابسات منه إلى ميكانيكا النصوص الجامدة. وهو ما نلمحه في الحس المقاصدي الذي يسري في كثير من اختياراته الفقهية حين يعرض للخلافات ويكشف عللها ومآخذها.
ولا تكتمل صورة المسؤولية عند ابن رشد إلا إذا رُبطت بالمدينة. فالإنسان عنده كما عند أرسطو مدني بالطبع. ومعنى هذا أن أخلاقه لا تُصاغ في الفراغ بل داخل بنية اجتماعية وسياسية تحدد ما يُمدح وما يُذم وتُيسر بعض الفضائل وتُعسر بعضها وتُعين على العدل أو تُغري بالفساد. إن تحميل الفرد وحده كل تبعة الانحراف من غير نظر إلى فساد المدينة هو سذاجة أخلاقية. لكن العكس أيضا باطل، فإعفاء الفرد بدعوى فساد المجتمع إبطال لمعنى التهذيب الشخصي. والحق عند ابن رشد أن المسؤولية موزعة على مراتب، مسؤولية الفرد عن مجاهدة نفسه ومسؤولية المشرّع عن إقامة القوانين ومسؤولية المربّي عن صناعة الملكات ومسؤولية المدينة عن تهيئة شروط الخير العام. وهنا تتسع المسؤولية من بعدها الفردي إلى بعدها الحضاري. فالفساد الأخلاقي ليس دائما سقوطا ذاتيا معزولا بل قد يكون أثرا لبنية سياسية مختلة تُعلي من منطق المنفعة أو تُفسد الذوق العام أو تُضعف سلطان العلم والعدل. وهذا المعنى يفسر لماذا كان الفلاسفة القدماء يربطون بين الأخلاق والسياسة ربطا عضويا ولماذا لا يمكن قراءة ابن رشد قراءة فردانية حديثة تقطع الإنسان عن مدينته.
إن أعمق ما يميز التصور الرشدي في هذا الباب أنه لا يجعل العقل مجرد قاضٍ خارجي على الأفعال بل يجعله مبدأ لتحرير الإنسان تدريجيا من الضرورات الدنيا. فالعقل لا يُبطل الطبيعة لكنه يُهذّبها. لا يقتل الشهوة بل يردها إلى الاعتدال. لا يلغي الغضب بل يحوله إلى شجاعة وعدل. لا يمحو الخيال بل يُخضعه لمقتضى الحق. إن المسؤولية العقلية ليست عبئا قانونيا فحسب بل هي اسم لعملية ترقية الوجود الإنساني. وكلما ازداد الإنسان نصيبا من العقل ازداد تحررا من الانفعال الأعمى، وكلما ازداد تحررا اشتدت مسؤوليته. ولذلك كان العلماء والحكماء أشد تبعة من العامة وكان فساد العارف أقبح من خطأ الجاهل لأن الحجة عليه أتم ولأن ما في يده من آلة التمييز أقوى. وقد قال بعض السلف: «ليس العالم من يعلم الخير من الشر، ولكن العالم من يعلم خير الشرين وشر الخيرين». وهذه العبارة وإن خرجت من سياق حكمي إسلامي فهي تلتقي بعمق مع الروح الرشدية التي ترى أن العقل العملي ليس معرفة مجردة بالمبادئ بل فقه بالموازين وتقدير للعواقب وترجيح بين الممكنات في عالم لا يخلو من التعقيد.
إن المسؤولية العقلية عند ابن رشد ليست مفهوما عابرا في هوامش مشروعه بل هي نقطة التقاء كبرى بين أنطولوجيا الطبيعة وإتيقا الفضيلة وفقه التكليف وسياسة المدينة ونظرية الخطاب. والحق أن عظمة هذا التصور تكمن في أنه يرفض المزالق التي طالما أفسدت التفكير في الإنسان، مزلق التبسيط الكلامي الذي يحصر المسألة في سؤال من يخلق الفعل ومزلق الفردانية المتأخرة التي تتوهم ذاتا شفافة لنفسها مستقلة عن كل شرط ومزلق الحتمية الصماء التي تردّ السلوك إلى أسباب مادية أو اجتماعية بحيث يذوب فيه معنى اللوم والمدح. أما ابن رشد فيشق طريقا أرسخ وأدق، الإنسان محكوم بالأسباب لكنه ليس معدوما فيها، محدود بالطبيعة لكنه ليس مسلوبا أمامها، متأثر بالعادات لكنه قادر على إعادة تشكيلها، متفاوت الاستعداد لكنه غير معفى من طلب الكمال الممكن له.
إن المسؤولية عنده ليست حدثا لحظيا يُختزل في لحظة الاختيار المعزولة بل تاريخ داخلي طويل تصنع فيه النفس ملكاتها ويشتغل فيه العقل على تهذيب القوى وتتدخل فيه التربية والقانون والخطاب الشرعي والسياسة المدنية. الإنسان لا يُحاسَب فقط لأنه فعل هذا الفعل أو ذاك بل لأنه صار ما صار إليه عبر سلسلة من الأفعال والتروكات والمجاهدات والإهمالات. إن الذنب في المنظور الرشدي ليس مجرد مخالفة بل قد يكون أحيانا فشلا في صناعة النفس. والفضيلة ليست مجرد امتثال بل هي انتصار طويل للعقل العملي على فوضى الانفعال. ولذلك فالمسؤولية العقلية ليست عقوبة فحسب بل هي في جوهرها تكريم للإنسان؛ لأنها تفترض أنه قادر على أن يسمو فوق اندفاعه الأول وأن يحوّل طبيعته من مادة خام إلى صورة أخلاقية أرقى.
وإذا أردنا أن نلتقط راهنية ابن رشد في زمننا فإنها تتجلى بأشد ما تكون في هذا الباب. لقد أصبح الإنسان المعاصر محاصرا بخطابات شتى تسعى إلى تفسير سلوكه بردّه إلى الوراثة أو البنية العصبية أو الصدمات النفسية أو ضغط السوق أو هندسة الإعلام أو سلطات المجتمع. وهذه كلها عوامل لا يجوز إنكارها كما لم يكن ابن رشد لينكر أثر الأسباب. غير أن الخطر كل الخطر أن يتحول الوعي بالأسباب إلى ذريعة لإلغاء الفاعل أو أن ينقلب تفسير الإنسان إلى تبرئة شاملة له من تبعة نفسه. هنا ينهض ابن رشد شاهدا على إمكان الجمع بين الفهم والمساءلة، بين التحليل والعقاب وبين الرأفة والعدل. نفهم الإنسان في علله لكي نحسن تقويمه لا لكي نرفع عنه كل مؤاخذة. ونراعي قصوره لكي لا نظلمه، لكننا لا نغفل تقصيره لكي لا نهدم معنى الأخلاق.
ثم إن هذا التصور يحررنا من الوهم الشائع الذي يجعل الحرية نقيضا للانضباط. فالحرية عند ابن رشد ليست أن يفعل المرء ما يشاء بل أن يبلغ من تربية قواه ما يجعله لا يشاء إلا ما يليق بالإنسان العاقل. وهذا تعريف أرفع وأصعب لأنه ينقل الحرية من مستوى الرغبة إلى مستوى الاستحقاق، ومن هوى النفس إلى نظام الفضيلة. وبهذا المعنى لا يكون العقل خصما للإنسانية كما تتوهم بعض النزعات المعاصرة بل هو شرطها الأسمى. إن الإنسان لا يصير أقل إنسانية حين يحتكم إلى العقل بل يصير أكثر وفاء لحقيقته.
ولعل هذه هي الخلاصة الكبرى التي يهبها لنا ابن رشد في موضوع المسؤولية العقلية، الإنسان ليس معذورا لمجرد أنه محدود وليس مدانا لمجرد أنه أخطأ. إنما يُنظر إليه في ضوء قدرته على النظر واستعداده للتقويم وسعيه إلى الخير ومقدار ما فرّط أو جاهد ومقدار ما قامت عليه الحجة أو غابت عنه. إنها عدالة دقيقة لا تستسهل الإدانة ولا تسترخي في التبرير. عدالة تعرف أن النفس تُبتلى بطبائعها لكنها تؤمن أيضا أن العقل خُلق ليقود لا ليشهد صامتا. إن المسؤولية العقلية عند ابن رشد ليست فقط مسألة في فلسفة الأخلاق بل هي ميثاق حضاري كامل يضع الإنسان أمام نفسه، إما أن يظل أسير الضرورة الدنيا وإما أن يجعل من العقل سلما يرتقي به من الممكن الحيواني إلى الممكن الإنساني الأكرم.
***
د. حمزة مولخنيف






