تأليف: أُ. د. عبد السَّلام عبد الكريموفيتش غوسينوف
ترجمة: د. علي صغير
***
ﻓﻲ اﻟﻄَّﺒﯿﻌﺔ، يُصْبِحُ العديدُ ﻣﻦ الظَّواهر معروفًا ﺑﻌﺪ اكتشافه ﻓﻲ ﺳﯿﺮورة اﻟﻤﻌﺮﻓﺔ اﻟﻌﻠﻤﯿَّﺔ، وﻏﺎﻟﺒًﺎ ﻣﺎ ﺗﺤﻤﻞ هذه الظَّواهر اﻟﻤُﻜْﺘَﺸَﻔَﺔُ ﺣﺪﯾﺜًﺎ أﺳﻤﺎء مكتشفيها: أﻣﺒﯿﺮ، ﻓﻮﻟْﺖ، ﺟَﺪْوَل ﻣﻨﺪﻟﯿﯿﻒ، ﻣُﺬﻧَّﺐ هالي، ﺑﻮزون هيغز، ﻣُﺆﺷِّﺮ ﻣﺎﺳﻠﻮف، وإﻟﺦ. أمَّا ﻓﻲ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ، فهذا ﻧﺎدِرٌ ﺟِﺪًّا. ذلك أنَّ العلوم اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿَّﺔ ﺗﺘﻌﺎﻣﻞ، عادةً، ﻣﻊ الظَّواهر الَّتِي اجتازت المُعالَجَة اﻷوَّﻟﯿَّﺔ ﻋﻠﻰ ﻣﺴﺘﻮى اﻟﻮﻋﻲ اﻟﯿﻮﻣﻲِّ، وحصلت ﺧﻼل هذه اﻟﻤُﻌﺎﻟَﺠَﺔ ﺑﺎﻟﻔﻌﻞ ﻋﻠﻰ ﺗﺴﻤﯿﺎتها. وﻟﻜِﻦْ اﻷﻛﺜﺮ ﻗﯿﻤﺔً هُوَ ﺗﻠﻚ اﻻﺳﺘﺜﻨﺎءات الَّتِي ﺗﻜﻮن فيها اﻟﻤﻌﺮﻓﺔ اﻟﻌﻠﻤﯿَّﺔ للظَّاهرة اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿَّﺔ هِيَ، ﻓﻲ اﻟﻮﻗﺖ عينه، اكتشافًا لها، وكشفًا أوَّليًّا يميط اللّثام عنها ويفتح اﻷﻋﯿُﻦ عليها، ويحمل اﺳْﻢَ اﻟﺒﺎﺣﺚ نَفْسِه. ﻟﯿﺲ اﻟﻤﻘﺼﻮد هُنا المذاهب أو اﻟﻨَّﻈﺮﯾَّﺎت اﻟَّﺘِﻲ هِيَ إﺑﺪاﻋﺎت ﻓﺮدﯾَّﺔ، وﺑﺎﻟﺘَّﺎﻟﻲ، ﺗﺤﻤﻞ تلقائيًّا أﺳﻤﺎء مبدعيها اﻟﻌﯿﺎﻧﯿّﯿﻦ، ﻛﻤﺎ ﻓﻲ اﻟﻜﺎﻧﻄﯿَّﺔ، واﻟﻤﺎرﻛﺴﯿَّﺔ، واﻟﻔﺮوﯾﺪﯾَّﺔ،،،، وإﻟﺦ. فاﻟﺤﺪﯾﺚ إنَّما هُوَ ﻋﻦ ﺷﻲءٍ آﺧَﺮَ – ﻋﻦ الظَّواهر اﻟﻮاﻗﻌﯿَّﺔ ذاتها ﻟﻠﻤﻤﺎرﺳﺔ اﻟﺒﺸﺮﯾَّﺔ اﻟَّﺘِﻲ ﯾُﺸﺎرُ إليها ﺑﺄﺳﻤﺎء اﻷﺷﺨﺎص اﻟَّﺬِﯾﻦ عرفوها ﺑِﻌُﻤْﻖٍ ﻷوَّلِ ﻣَﺮَّةٍ ﻛﻤﻔﻜِّﺮﯾﻦ أو اﻟَّﺬِﯾﻦ خَبِروها ومارسوها بانتظامٍ ﻛﺄﻓﺮاد. وهِيَ ﺗُﺴَﻤَّﻰ بأسمائهم، لأنَّها ﻗﺒﻞ ذﻟﻚ ﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﻗﺪ مُيِّزت، وﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﻣﺮﺋﯿَّﺔً، وﻟﻢ تكن مُدرَجةً ﻓﻲ ﻓﻀﺎء اﻟﻠُّﻐﺔ، وﻟﻢ تكن لها دﻻﻟﺔٌ ﺧﺎﺻَّﺔ. وﺑﺬﻟﻚ ﺗﻜﺘﺴﺐ هذه اﻷﺳﻤﺎء ﻣﻌﻨًﻰ عامًّا غَيْرَ ﺷﺨﺼﻲٍّ، وﺗﺼﺒﺢ مفاهيم، وهذا ﻣﺎ ﯾﻤﻜﻦ اﻋﺘﺒﺎره ﻓﻲ ﺣَﺪِّ ذاته دليلًا ﻋﻠﻰ القيمة الجوهريَّة ﻟﻼﻛﺘﺸﺎﻓﺎت اﻟَّﺘِﻲ ﻗﺎم بها هؤلاء اﻷﺷﺨﺎص. هُنا ﯾﻌﻤﻞ اﻟﻤﻨﻄﻖ نَفْسُهُ الَّذِي تحمل بموجبه اﻟﺠﺰﯾﺮة اﻟﻤُﻜْﺘَﺸَﻔَﺔُ ﺣﺪﯾﺜًﺎ اِﺳْﻢَ مُكْتَشِفِها، ﻣِﻦْ مِثْلِ: اﻟﺤُﺐُّ اﻷﻓﻼطوﻧﻲُّ، اﻷﺑﯿﻘﻮرﯾَّﺔُ، اﻟﺒﻮﻧﺎﺑﺮﺗﯿَّﺔُ، اﻟﺴَّﺎدﯾَّﺔ، وغيرها. وتقع اﻟﻤﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﯿَّﺔ الَّتِي يُقصَد بها اللَّاأخلاقيَّة اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ في صفِّ هذه الفئة، وترتبط بِاِسْمٍ ﻧﯿﻜﻮﻟﻮ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ- اﻟﻤﻔﻜِّﺮ واﻟﻜﺎﺗﺐ اﻟﻤﺴﺮﺣﻲِّ والنَّاشط السِّياسيِّ اﻹﯾﻄﺎﻟﻲِّ اﻟﻌﻈﯿﻢ ﻓﻲ أواﺧﺮ اﻟﻘﺮن اﻟﺨﺎﻣﺲ ﻋَﺸَﺮ وأواﺋﻞ اﻟﻘﺮن اﻟﺴَّﺎدس ﻋَﺸَﺮ. وﻓﻲ اﻵوﻧﺔ اﻷﺧﯿﺮة، ﯾﺘﺤﺪَّﺛﻮن ﻋﻦ اﻟﻤﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﯿﺔ أﯾﻀًﺎ كنمطٍ ﻧَﻔْﺴِﻲٍّ وسُلوكيٍّ ﻣﻌﯿَّﻦ (ﺗﻼﻋﺒﻲٌّ وﻧﻔﺎﻗﻲٌّ في المبدإِ). ﻟﻜﻨَّﻨﺎ نَدَعُ هذا الشِّقَّ ﺟﺎﻧﺒًﺎ.
كانت اﻟﻤﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﯿَّﺔ ﻛﺒُﻌْﺪٍ واﻗﻌﻲٍّ ﻟﻠﺴَّﯿﺎﺳﺔ ﻣﻮﺟﻮدةً ﻗﺒﻞ ﻧﯿﻜﻮﻟﻮ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ﺑﻜﺜﯿﺮ وﺑﻤﻌﺰلٍ عنه (1)، مثلما ﻛﺎن عالَمُ اﻟﺠﺴﯿﻤﺎت الأوَّليَّة ﻣﻮﺟﻮدًا، ﻛﻤﺎ ﯾُﻔْﺘَﺮَضُ، ﻗﺒﻞ أنْ ﺗﻜﺘﺸﻒ اﻟﻔﯿﺰﯾﺎء اﻟﻤُﻌﺎﺻِﺮة هذا اﻟﻌﺎﻟَﻢ. فمكيافيللي اكتشف فقط هذا اﻟﺒُﻌْﺪَ، ووَصَفَهُ، وبَحَثَ فيه، وأسَّسَ ضرورته ﻓﻲ إطار النَّظرة اﻟﻌﻠﻤﯿَّﺔ إﻟﻰ السِّياسة. وقد ﻛﺎن هذا اﻻﻛﺘﺸﺎف، ﻣﻦ ﻧﺎﺣﯿﺔٍ، واﺿﺤًﺎ ﺟِﺪًّا، وﻣﻦ ﻧﺎﺣﯿﺔٍ أُﺧﺮى، ﻏﯿﺮ ﻣﺘﻮﻗَّﻊٍ ﺗﻤﺎﻣًﺎ، وﺻﺎدﻣًﺎ، وﺣَﺘَّﻰ مُهينًا إلى درجةٍ أنَّه ﻟﻢ توجد ﻛﻠﻤﺔٌ أُﺧﺮى للدَّلالة عليه ﻏﯿﺮ اﺳْﻢِ ﻣﻦ ﻗﺎم بهذا اﻻﻛﺘﺸﺎف، أو ﻟِﻨَﻘُﻞ ﺑﺸﻜﻞٍ أدَقَّ: ﻣَﻦْ ﺗَﺠَﺮَّأَ ﻋﻠﻰ اﻟﻘﯿﺎم به (2). السُّؤال الَّذِي أُريد طَرْحَهُ هُوَ الآتي: ﻣﺎ هِيَ حقيقةُ اﻟﻤﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﯿَّﺔ ﻓﻲ ﺗﻔﺴﯿﺮ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ نَفْسِهِ، وﻋﻠﻰ وَجْهِ اﻟﺨﺼﻮص، هَلِ اﻟﺤﺪﯾﺚُ هُوَ ﻋﻦ اللَّاأخلاقيَّة ﻓﻲ السِّياسة أمْ ﻋﻦ لاأخلاقيَّة السِّياسة ذاتها؟ اﻟﻔﺮق ﺑﯿﻦ اﻟﺼِّﯿﻐﺘﯿﻦ واﺿﺢ: اللَّاأخلاقيَّة في السِّياسة ﺗﻌﻨﻲ أنَّ اﻟﻮﺳﺎﺋﻞ اللَّاأخلاقيَّة ﺗﺪﺧﻞ ﻓﻲ ﺗﺮﺳﺎﻧﺔ السِّياسة، وﯾﺠﺐ أنْ ﺗﻜﻮن مُكوِّنًا ﻣﻦ مكوِّناتها، وأنَّها ﺣﺎﺿﺮةٌ فيها حتمًا، وإنْ ﻟﻢ ﺗﻜﻦ اﻟﻮﺣﯿﺪة؛ أﻣَّﺎ لاأخلاقيَّة السِّياسة ﻓﺘﻌﻨﻲ أنَّ السِّياسة نَفْسَها، حَسْبَ تعبير الصِّيغة الشَّائعة، هِيَ ﺷﻲءٌ ﻻأﺧﻼﻗﻲٌّ "وﻋﻤﻞٌ ﻗﺬرٌ"، وأنَّها ﻛﺬﻟﻚ ﻓﻲ اﻟﻤﻘﺎم اﻷوَّل وﻻ ﯾﻤﻜﻦ أنْ ﺗﻜﻮن ﻏَﯿْﺮَ ذﻟﻚ. وهُنا، ﺗﺒﺮز ﺣﺘﻤًﺎ ﻣﺴﺄﻟﺔٌ أﻛﺜﺮ ﻋﻤﻮﻣﯿَّﺔً تتعلَّق باﻟﻤﻘﺎم الأخلاقيِّ للسِّياسة، ومشروعيَّة ﺗﻄﺒﯿﻖ اﻟﻤﻌﺎﯾﯿﺮ الأخلاقيَّة ﻋﻠﻰ النَّشاط السِّياسيِّ. وﻓﻲ اﻟﻌِﻠْﻢِ السِّياسيِّ اﻟﻤُﻌﺎﺻِﺮ، ﺳﺎدت النَّظرة الَّتِي تُخرِجُ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ ﻣﻦ دائرة النَّقد الأخلاقيِّ. وﯾُﻌْﺘَﻘَﺪُ ﻋﻤﻮﻣًﺎ أنَّ هذه النَّظرة تعود، ﺗﺤﺪﯾﺪًا، إﻟﻰ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ (3). فَهَلْ هذا ﺻﺤﯿﺢٌ ﺣﻘًّﺎ؟ وهَلْ كان، بالفعل، فَصْلُ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ ﻋﻦ اﻷﺧﻼق و"تحريرها" ﻣﻦ التَّقييمات الأخلاقيَّة هُوَ مَرامُ مذهب مكيافيللي الدَّقيق ومعناه العميق؟
وفي الحقيقة، ﻟﻢ ﯾﻘﺘﺼﺮ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ﻋﻠﻰ ﺗﺜﺒﯿﺖ واﻗﻌﺔ اﻻﺳﺘﺨﺪام اﻟﺤﺘﻤﻲِّ ﻟﻠﻮﺳﺎﺋﻞ اللَّاأخلاقيَّة ﻓﻲ السِّياسة، ﺑَﻞْ إنَّه أقرَّ هذا اﻻﺳﺘﺨﺪام ﻧﻈﺮﯾًّﺎ، بإدراجه إﯾَّﺎه ﻛﻠﺤﻈﺔٍ مُهِمَّةٍ ﻓﻲ الفَهْمِ السَّليم للسِّياسة. يذهب ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ إﻟﻰ اﻟﻘﻮل إنَّ الرَّفض المبدئيَّ ﻟﻠﻮﺳﺎﺋﻞ اللَّاأخلاقيَّة ﺑﺴﺒﺐ طبيعتها اللَّاأخلاقيَّة، ﯾُﻌَﺪُّ مُدمِّرًا للسِّياسة، وﯾﻨﻘﻠﺐ وَبَالًا ونَكَالًا ﻋﻠﻰ الشَّعب والدَّولة. فَهُوَ ﯾﻨﻈﺮ إﻟﻰ النَّشاط السِّياسيِّ-الحكوميِّ بعيونِ المنطق الخاصِّ بهذا النَّشاط، وبحياديَّة اﻟﺒﺎﺣﺚ الموضوعيِّ، ﻣﺘﺠﺎوزًا التَّقييمات الأخلاقيَّة اﻟﻤُﺤْﺘََﻤَﻠَﺔ له، أو ﻟِﻨَﻘُﻞْ ﺑﺸﻜﻞٍ أدَقَّ: معتبرًا هذه اﻟﺘَّﻘﯿﯿﻤﺎت ﻟﺤﻈﺔً ﺗﺎﺑﻌﺔً لِلسِّياسَةِ نَفْسِها.
ﺗﺘﻌﺎرضُ هذه اﻟﻨَّﻈﺮةُ اﻟﻤُﻌﻠَﻨَﺔُ ﺑﺼﺮاﺣﺔٍ وﻗﺴﻮةٍ واﺗِّﺴﺎقٍ ﻣﻊ ﺟﻤﯿﻊ التَّصوُّرات اﻟﻤﺄﻟﻮﻓﺔ، اﻟﻘﺎدﻣﺔ ﻣُﻨْﺬُ عَهْدِ أرﺳﻄﻮ ﺣﻮل ﻋﻼﻗﺔ اﻷﺧﻼق بالسِّياسة. وﻓﻲ رأﯾﻲ، ﯾُﻤْﻜِﻨُﻨﺎ الإبانَةُ عن اﻟﺠﺪﯾﺪ اﻟﺠﺬريِّ الَّذِي ﺟﺎء به ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ﻓﻲ معرفة السِّياسة، وفَهْمِ الأُسُس اﻟَّﺘِﻲ قامت عليها هذه المعرفة، بشكلٍ أفضلَ، إذا ﻣﺎ ﻗﺎرﻧَّﺎ مَوْقِفَهُ مِنْ هذه اﻟﻤﺴﺄﻟﺔ بِمَوْقِفِ أرﺳﻄﻮ.
يُقَدِّمُ أرﺳﻄﻮ وﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ رؤﯾﺘﯿﻦ ﻣﺨﺘﻠﻔﺘﯿﻦ، ﺑَﻞْ وﻣﺘﻌﺎرﺿﺘﯿﻦ ﻓﻲ حدودهما، ﻟﻌﻼﻗﺔ اﻷﺧﻼق بالسِّياسة. ﻓﻲ اﻟﻮاﻗﻊ، ﯾﺮى أرﺳﻄﻮ ﻓﻲ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ ﺗﻌﺒﯿﺮًا عن الأخلاق وامتدادًا لها، وفضاءً أساسيًّا ﻟﻠﻮﺟﻮد اﻷﺧﻼﻗﻲِّ اﻟﻔﺎﺿﻞ ﻟﻸﻓﺮاد. وبخلاف أرسطو، يَفْصُلُ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ﺑﯿﻦ هذين اﻟﻤﺠﺎﻟﯿﻦ، ﺑَﻞْ يعارض واحدهما بالآخر، ﻋﻠﻰ اﻷﻗَﻞِّ ﺟﺰﺋﯿًّﺎ، مُعتَقِدًا أنَّ السِّياسة هِيَ ﻣﺠﺎلٌ ﻣﺴﺘﻘﻞٌّ للنَّشاط وﺗَﺨْﻀَﻊُ لِمَنْطِقِها الخاصِّ، وهذا ما ﯾُﺆدِّي ﻏﺎﻟﺒًﺎ إﻟﻰ أنْ يكون الثَّمنُ المدفوعُ لقاء اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ النَّاجحة هُوَ انتهاك اﻟﻤﻌﺎﯾﯿﺮ اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ. لكِنْ، هَلْ ﯾُﻤْﻜِﻦُ فَهْمُ هذا التَّأكيد الصَّائب بِحَدِّ ذاته للاختلاف ﺑﯿﻦ آراء مفكِّرَين ﻋﻠﻰ نَحْوٍ يبدو فيه أرﺳﻄﻮ حاملًا راية الدِّفاع ﻋﻦ اﻟﻨَّﻈﺮة الأخلاقيَّة إلى السِّياسة، ﺑﯿﻨﻤﺎ يبدو ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ﻣﻨﺎﺻﺮًا ﻟﻼأﺧﻼﻗﯿَّﺔ ﻓﻲ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ؟ ﺳﺄﺣﺎول أنْ أُﺑَﯿِّﻦَ أوَّلًا: ﻋﻠﻰ اﻟﺮَّﻏﻢ ﻣﻦ ﺟﻤﯿﻊ اﻻﺧﺘﻼﻓﺎت اﻟﻨَّﻈﺮﯾَّﺔ الجوهريَّة بين أرسطو ومكيافيللي، فإنَّ هناك أﯾﻀًﺎ ﻗﻮاﺳﻢَ ﻣُﺸْﺘَﺮَﻛَﺔً ﻓﻲ المنهجيَّة ذاتها لتحليل ﻋﻼﻗﺔ اﻷﺧﻼق ﺑﺎﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ؛ ثانيًا، عدم جواز ﺗﻔﺴﯿﺮ مذهب ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ﻓﻲ هذه اﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﺑﺮوح التَّصوُّرات الشَّائعة عن اﻟﻤﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﯿَّﺔ باعتبارها دفاعًا ﻋﻦ اللَّاأخلاقيَّة اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ.
وبالعودة إلى أرﺳﻄﻮ، يَجِدُ المنقِّبُ في روائع فلسفته الأخلاقيَّة والسِّياسيَّة ﺗﻌﺮﯾﻔﯿﻦ ﻟﻺﻧﺴﺎن ﻣﺮﺗﺒﻄﯿﻦ ارتباطًا جوهريًّا وﻻ ﯾﻤﻜﻦ فَهْمُ أحدهما بمعزلٍ عن الآخر: "اﻹﻧﺴﺎنُ هُوَ الكائن العاقل من بين كُلِّ اﻟﻜﺎﺋﻨﺎت اﻟﺤَﯿَّﺔ" (4)؛ و "اﻹﻧﺴﺎن بطبيعته ﻛﺎﺋﻦٌ ﺳﯿﺎﺳﻲٌّ" (5).
وإذ يَصْقُلُ الإنسانُ نَفْسَهُ ﻛﻜﺎﺋﻦٍ ﻋﺎﻗﻞٍ، فإنَّه يصبح فاضلًا أﺧﻼﻗﯿًّﺎ، وﯾُﻀﻔﻲ ﻋﻠﻰ أفعاله ﺻﻮرةً ﻛﺎﻣﻠﺔً، ويوجِّهها ﻧَﺤْﻮَ اﻟﺨﯿﺮ اﻷﺳﻤﻰ. فاﻟﺴِّﻤَﺔُ اﻷﺳﺎﺳﯿَّﺔُ اﻟﻘﺎﻋﺪﯾَّﺔ ﻟﻠﻔﻀﺎﺋﻞ اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ (الإطيقيَّة) – هِيَ اﺗِّﺒﺎعُ اﻹﻧﺴﺎن ﻓﻲ سُلوكه لإرشادات اﻟﻌﻘﻞ، واﻷﺣﻜﺎم اﻟﺼَّﺤﯿﺤﺔ. فاﻹﻧﺴﺎن ﯾﻜﻮن فاضلًا ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗﻨﺘﻈﻢُ أﺟﺰاءُ نَفْسِهِ اﻟﻤﺨﺘﻠﻔﺔ ﺑﻄﺮﯾﻘﺔٍ ﯾﺴﯿﻄﺮ فيها اﻟﻌﻘﻞ، وﺗَﺘَّﺒِﻊُ الشَّهوات والانفعالات توجيهاته، ﻛﻤﺎ ﯾﻄﯿﻊ اﻟﻄُّﻔﻞُ أﺑﺎهُ، وﻧﺘﯿﺠﺔً ﻟﺬﻟﻚ ﯾﺼﺒﺢ ﻗﺎدرًا ﻋﻠﻰ اﻟﻘﯿﺎم ﺑﺄﻓﻌﺎلٍ قيِّمةٍ ﻓﻲ ذاتها، ﺗﺤﻮي مقياسها ﻓﻲ داخلها.
ﻋﻨﺪﻣﺎ ﯾﺘﺼﺮَّف اﻷﻓﺮاد ﻋﻠﻰ هذا اﻟﻨَّﺤْﻮِ، أيْ ﯾﺘﺼﺮَّﻓﻮن ﺑﻔﻀﯿﻠﺔٍ، وﯾَﺠِﺪونَ ﻓﻲ ﻛُﻞِّ ﻣَﺮَّةٍ اﻟﻮﺳْﻂَ الذَّهبيَّ اﻷﻣﺜﻞ ﻓﻲ الشَّهوات واﻷﻓﻌﺎل، ﻓﺈنَّ اﻟﻨَّﺘﯿﺠﺔ اﻟﺨﺎرﺟﯿَّﺔ واﻟﻤﺠﻤﻠﺔ لنشاطهم ﺗﻜﻮن هِيَ اﻟﻤﺪﯾﻨﺔ-الدَّولة. اﻟﻤﺪﯾﻨﺔ هِيَ اﻟﻌﻘﻞ المنبسط إﻟﻰ اﻟﺨﺎرج والمتجسِّد فيه، والنَّمط العقلانيُّ للوجود اﻹﻧﺴﺎﻧﻲِّ. فاﻹﻧﺴﺎن اﻟَّﺬِي يُظهر ذاته ﺑﺸﻜﻞٍ ﻓﻌَّﺎلٍ ﻛﻜﺎﺋﻦٍ ﻋﺎﻗﻞٍ، ﯾﺼﺒﺢ ﻛﺎﺋﻨًﺎ ﻣﺪﻧﯿًّﺎ. ﻟﻜِﻦْ، ﻓﻲ الوقت نَفْسِهِ، ﻻ ﯾﻤﻜﻦ ﻟﻺﻧﺴﺎن أنْ ﯾﺼﺒﺢ فاضلًا أﺧﻼﻗﯿًّﺎ، عاقلًا ﻓﻲ سُلوكه، إلَّا بِصِفَتِهِ ﻛﺎﺋﻨًﺎ ﺳﯿﺎﺳﯿًّﺎ ﻣﺪﻧﯿًّﺎ. وليست اﻟﻤﺪﯾﻨﺔ ثمرة اﻟﻮﺟﻮد اﻟﻌﺎﻗﻞ-اﻟﻔﺎﺿﻞ ﻟﻸﻓﺮاد فقط، ﺑَﻞْ هِيَ ﻣﺼﺪره اﻟﺤﯿﻮيُّ الخلَّاق. ﻓﻔﻀﺎﺋﻞ أرﺳﻄﻮ اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ ﻟﯿﺴﺖ ﺳِﻮى ﻋﺎداتٍ اﺟﺘﻤﺎﻋﯿَّﺔٍ، وﻋﻼﻗﺎتٍ ﺗُﻤﺎرس ﻓﻲ المدينة ﺑﯿﻦ اﻟﻨَّﺎس تَشَرَّبها اﻷﻓﺮاد، فصارت لَهُمْ هيئةً نفسيَّةً راسخة، وَصِفاتٍ مُكْتَسَبَةً، ومهاراتٍ سُلوكيَّة (6).
إنَّ اﻟﻔﻀﺎﺋﻞ اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ باعتبارها النَّمط الأفضل ﻟﻠﺘَّﻔﺎﻋﻞ ﺑﯿﻦ اﻟﺠﺰء اﻟﻌﺎﻗﻞ واﻟﺠﺰء ﻏﯿﺮ اﻟﻌﺎﻗﻞ ﻣﻦ اﻟﻨَّﻔْﺲِ هِيَ، بحسب أرﺳﻄﻮ، ﺻِﻔﺎتٌ إﻧﺴﺎﻧﯿَّﺔٌ ﺑﺤﺘﺔ. ﻓﺎﻟﺤﯿﻮاﻧﺎت والآلهة ﺗﻔﺘﻘﺮ إليها، ﻷنَّ اﻷُوﻟﻰ ﺗﻔﺘﻘﺮ إﻟﻰ اﻟﻌﻘﻞ، بينما تفتقر اﻟﺜَّﺎﻧﯿﺔ إﻟﻰ الشَّهوات. وبِالمِثْلِ ﯾَﺼِﻒُ أرﺳﻄﻮ ﻣﻜﺎنة المدينة-اﻟﺪَّوﻟﺔ ﻓﻲ ﺣﯿﺎة اﻹﻧﺴﺎن: "اﻹﻧﺴﺎن.ُ.. ﺧﺎرج الدَّولة – إﻣَّﺎ ﻛﺎﺋﻦٌ ﻏﯿﺮ ﻣُﻜْﺘَﻤِﻞِ اﻟﻨُّﻤُﻮِّ ﻣﻦ اﻟﻨَّﺎﺣﯿﺔ اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ وإمَّا إﻧﺴﺎنٌ خارقٌ وﻓﻮق اﻟﻌﺎدة" (7).
إنَّ دوﻟﺔ أرﺳﻄﻮ ﻟﯿﺴﺖ أداةً ﻟﻠﻔﻀﯿﻠﺔ، ﺑَﻞْ هِيَ اﻟﻔﻀﯿﻠﺔ ﻣﺠﺴَّﺪةً بذاتها. فَهِيَ ﺗﻤﺜِّﻞ اﺗِّﺤﺎدًا للمواطنين اﻷﺣﺮار، ﺗﻨﺸﺄُ ﻓﻲ إطار سعيهم ﻧَﺤْﻮَ اﻟﺤﯿﺎة اﻟﻄَّﯿِّﺒﺔ واﻟﻮﺟﻮد اﻟﻜﺎﻣﻞ واﻟﻤﻜﺘﻔﻲ بذاته: "اﻟﺘَّﻮاﺻُﻞُ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﻲُّ... ﯾﻮﺟﺪُ ﻣِﻦْ أﺟْﻞِ العمل الفاضل، وﻟﯿﺲ ﻣِﻦْ أﺟْﻞِ اﻟﻌﯿﺶ اﻟﻤُﺸْﺘَﺮَكِ فقط" (8). فاﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﻟﯿﺴﺖ ﻓﻲ اﻻرﺗﺒﺎط ﺑﺈﻗﻠﯿﻢٍ ﻣﺸﺘﺮَكٍ، وﻻ ﻓﻲ اﻟﺠﺪران. على ما ﯾﻘﻮل أرﺳﻄﻮ، ﺑﺠﺪارٍ واﺣﺪٍ ﯾﻤﻜﻦ ﺗﺤﺼﯿﻦ ﻛُﻞِّ البيلوبونيز، لكِنَّه ﻟﻦ ﯾﺼﺒﺢ ﺑﺬﻟﻚ دوﻟﺔً، ﻛﻤﺎ أنَّ اﻟﺴُّﻮرَ ﻟﻢ ﯾﺠﻌﻞ ﺑﺎﺑﻞَ دوﻟﺔً. فاﻟﻨَّﺎس لا يتَّحِدون ﻓﻲ اﻟﺪَّوﻟﺔ ﻣﻦ أﺟْﻞِ اﻟﺤﻔﺎظ ﻋﻠﻰ اﻟﺤﯿﺎة وحمايتها فحسب، ﺑَﻞْ ﻣﻦ أﺟْﻞِ إﺿﻔﺎء ﺻِﻔَﺔِ اﻟﻜﻤﺎل ﻋﻠﻰ اﻟﺤﯿﺎة أيضًا.
السِّياسة – هِيَ اﻟﻔﻀﺎء العامُّ الَّذِي ﯾﻨﺸﺄُ ﻓﻮق اﻟﻌﻼﻗﺎت الأُسَرِيَّةِ واﻻﻗﺘﺼﺎدﯾَّﺔِ وغيرها ﻣﻦ اﻟﻌﻼﻗﺎت اﻟﻤﻮﺟﻮدة ﻣﻦ أﺟْﻞِ اﺳﺘﻤﺮار اﻟﺤﯿﺎة واﻟﺤﻔﺎظ عليها وحمايتها. إنَّها ﺗﻘﻊ ﻓﻲ ﻣﺎ وراء اﻟﺤﺎﺟﺔ، وتمثِّل تواصلًا ﺣُﺮًّا ﺑﯿﻦ المواطنين. وهِيَ تتشكَّل ﻋﻨﺪﻣﺎ يتحوَّل اﻟﺨﯿﺮ اﻷﺳﻤﻰ ﻟﻸﻓﺮاد اﻟﻤﻨﻔﺼﻠﯿﻦ إﻟﻰ ﺧﯿﺮٍ ﻣُﺸْﺘَﺮَكٍ ﻟﺠﻤﯿﻊ المواطنين، وﯾﺘﺮﺳَّﺦ اﻟﻨِّﻈﺎم اﻟﻔﺎﺿﻞ ﻟﻠﻨُّﻔﻮس اﻟﻔﺮدﯾَّﺔ ﻓﻲ اﻟﻨِّﻈﺎم اﻟﻌﺎدل للكيان-اﻟﺪَّوﻟﺔ. إذ إنَّ "الدَّولة ﻟﯿﺴﺖ ﻣﺠﺮَّد ﻣﺸﺎعٍ مشترَكٍ ﻟﻠﺴَّﻜﻦ. وﻟﻢ ﺗُﺨْﻠَﻖْ ﻷﺟْﻞِ ﻣَﻨْﻊِ الإساءات اﻟﻤﺘﺒﺎدﻟﺔ أو ﻷﺟْﻞِ تسهيل اﻟﺘَّﺒﺎدل. وﺑﺎﻟﻄَّﺒﻊ، ﯾﺠﺐ أنْ ﺗﺘﻮاﻓﺮ ﻛُﻞُّ هذه اﻟﺸُّﺮوط ﻟﻮﺟﻮد اﻟﺪَّوﻟﺔ، وﻟﻜِﻦْ، ﺣَﺘَّﻰ ﻣﻊ توافرها جميعها، ﻟﻦ تكون اﻟﺪَّوﻟﺔ ﻗﺪ وُﺟِﺪَتْ ﺑَﻌْﺪُ؛ فَهِيَ تَظْهَرُ ﻓﻘﻂ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﯾﻨﺸﺄُ ﺗﻮاﺻُﻞٌ ﺑَﯿْﻦَ اﻷُﺳَﺮِ واﻟﻌﺸﺎﺋﺮ ﻣﻦ أﺟْﻞِ اﻟﺤﯿﺎة اﻟﻄَّﯿِّﺒﺔ، ومن أجْلِ اﻟﻮﺟﻮد اﻟﻜﺎﻣﻞ اﻟﻤﻜﺘﻔﻲ والقيِّم بذاته" (9).
وهكذا، ﻓﺎﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ، ﻛﻤﺎ يفهمها أرﺳﻄﻮ، ﻟﯿﺴﺖ ﻣُﻜَﺒَّﻠَﺔً ﺑﻄﻮقٍ ﺧﺎرﺟﻲٍّ ﻣﻦ اﻟﻘﯿﻮد اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ، إنَّها أﺧﻼﻗﯿَّﺔٌ ﻓﻲ ذاتها وﺑﻘﺪر ﻣﺎ تهدف إﻟﻰ اﻟﺨﯿﺮ اﻟﻌﺎمِّ، وتُطَبِّقُ اﻟﻌﺪاﻟﺔ ﺑِﻜِﻠْﺘﺎ دﻻﻟَﺘَﻲِ اﻟﻤﺼﻄﻠﺢ اﻟﻠَّﺘَﯿْﻦِ مَيَّزَهُما أرﺳﻄﻮ – ﻛﻤﺮادفٍ ﻟﻠﻔﻀﺎﺋﻞ اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ ﺑﺎﻟﺼُّﻮرة الَّتِي تظهر بها ﻓﻲ اﻟﻌﻼﻗﺎت ﻣﻊ اﻵﺧﺮﯾﻦ (اﻟﻌﺪاﻟﺔ اﻟﻌﺎﻣَّﺔ)، وﻓﻲ اﻟﻮﻗﺖ نَفْسِهِ، ﻛﻔﻀﯿﻠﺔٍ مميَّزةٍ ﻟﻠﻤﺆﺳَّﺴﺎت الدَّولويَّة (اﻟﻌﺪاﻟﺔ اﻟﺨﺎﺻَّﺔ) اﻟَّﺘِﻲ ﺗﺤﺪِّد اﻟﻤﻘﯿﺎس اﻷﺧﻼﻗﻲَّ ﻟﺘﻮزﯾﻊ ﻣﻨﺎﻓﻊ اﻟﺤﯿﺎة اﻟﻤُﺸْﺘَﺮَﻛَﺔ ومَشاقِّها. اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ واﻷﺧﻼق، بحسب أرﺳﻄﻮ، هُما ﻓﻲ اﻷﺳﺎس الشَّيءُ نَفْسُه. وإذا ﻛﺎن ﻻ بُدَّ من تبيان ما هُوَ مصدريٌّ وأوَّليٌّ ﻓﻲ هذه اﻟﺜُّﻨﺎﺋﯿَّﺔ اﻟﻤﺘﺮاﺑﻄﺔ واﻟﻤﺘﺪاﺧﻠﺔ، فإنَّه سيكون، ﺑﻼ أدنى شَكٍّ، اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ. فاﻹﻧﺴﺎن لا ﯾﻜﻮن أﺧﻼﻗﯿًّﺎ إلَّا بِصِفَتِه مواطنًا ﻓﻲ اﻟﻤﺪﯾﻨﺔ.
ﯾُﺴَﻤِّﻲ أرﺳﻄﻮ الإطيقا ﻋِﻠْﻤًﺎ ﺳﯿﺎﺳﯿَّﺎ، ﺑَﻞْ اﻟﻌِﻠْﻢَ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﻲَّ اﻟﺮَّﺋﯿﺲ. ﻓﺎﻷﺧﻼق هِيَ اﻟﻌِﻠْﻢُ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﻲُّ اﻷﺳﻤﻰ، لأنَّها ﺗﻨﻈﺮ إﻟﻰ اﻟﻨَّﺸﺎط اﻹﻧﺴﺎﻧﻲِّ اﻟﻮاﻋﻲ ﻣﻦ ﻣﻨﻈﺎرٍ ﯾﻘﻮد إﻟﻰ اﻟﺨﯿﺮ اﻷﺳﻤﻰ. وهذا ﻣﻤﻜﻦ ﻓﻘﻂ ﺑﻘﺪر ﻣﺎ ﯾﺪﺧﻞ اﻷﻓﺮاد اﻟﺴَّﺎﻋﻮن إﻟﻰ اﻟﺨﯿﺮ اﻷﺳﻤﻰ ﻓﻲ ﺗﻮاﺻُﻞٍ بَعْضُهُمْ مع بعضٍ، وﯾﻨﻈِّﻤﻮن أنْفُسَهُمْ كمواطنين أﺣﺮار ﻓﻲ دوﻟﺔ. ﻓﻔﻲ اﻟﺪَّوﻟﺔ ﻓﻘﻂ ﯾُﻤْﻜِﻦُ أنْ ﯾﺘﺤﻘَّﻖ اﻟﻨَّﺸﺎط اﻟﻤُﻨﺎﺳِﺐ اﻟَّﺬِي ﯾُﻤَﻜِّﻦُ الأفراد ﻣﻦ مزاولة فضائلهم، وأنْ يتيسَّر تأمين فضاء الوقت الحُرِّ اﻟﻀَّﺮوريِّ لتطوير مَلَكاتِهِمْ وبلوغ كمالهم. ﻓﺎﻷﺧﻼق واﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ، وَفْقًا لأرسطو، ﻣﺮﺗﺒﻄﺘﺎن بعضهما ببعض على نَحْوٍ تتضاعف فيه اﻟﻮاﺣﺪة منهما بالأُخرى وتكون اﻣﺘﺪادًا لها. وقد لا نحيد عن جادَّة الصَّواب إنْ قُلْنا، ﻓﻲ إطار هذا الفَهْمِ، إنَّ اﻷﺧﻼق هِيَ ﺳﯿﺎﺳﺔ اﻟﺤﯿﺎة الفرديَّة، واﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ هِيَ أﺧﻼق اﻟﻮﺟﻮد اﻟﺠَﻤﺎﻋﻲِّ.
وﺑﺎﻟﻄَّﺒﻊ، فقد أدرَكَ أرسطو ﺟَﯿِّﺪًا أنَّ وﺣﺪة اﻷﺧﻼق واﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ ﻓﻲ اﻟﺘَّﺠﺮِﺑﺔ اﻟﻮاﻗﻌﯿَّﺔ ﻟﻠﺤﯿﺎة اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿَّﺔ لا تظهر إلَّا ﻋَﺒْﺮَ ﺳﻠﺴﻠﺔٍ ﻣﻦ اﻻﻧﺤﺮاﻓﺎت اﻟﺤﺘﻤﯿَّﺔ. ﻓﺎﻟﺘَّﺸﺮﯾﻌﺎت الفعليَّة للمدن اﻟﻮاﻗﻌﯿَّﺔ يمكنها فقط أنْ ﺗﻘﺘﺮب ﻣﻦ اﻟﻜﻤﺎل؛ وﻓﻲ ﺣﺎﻻتٍ ﻛﺜﯿﺮةٍ ﻻ ﺗﺘﻄﺎﺑﻖ ﻓﻀﯿﻠﺔ المواطن ﻣﻊ ﻓﻀﯿﻠﺔ اﻹﻧﺴﺎن اﻟﺼَّﺎﻟﺢ. ﻟﻜِﻦْ، ﺣَﺘَّﻰ اﻟﺘَّﺸﺮﯾﻌﺎت اﻟﻜﺎﻣﻠﺔ ﻟﯿﺴﺖ ﺿﻤﺎﻧًﺎ ﻟﻜﻤﺎل اﻟﻮﺟﻮد المدنيِّ. وذلك لأنَّ اﻟﻘﻮاﻧﯿﻦ، قبل كُلِّ شيءٍ، ﻋﺎﻣَّﺔٌ، ﺑﯿﻨﻤﺎ اﻷﻓﻌﺎل داﺋﻤًﺎ مفردة. وتاليًا، لأنَّ المدينة-الدَّولة وإنْ كانت تواصُلًا بين المواطنين اﻷﺣﺮار ﯾُﺒﻨﻰ ﻓﻮق ﻣﺠﺎل اﻟﻤﻨﺎزل اﻟﺨﺎﺻَّﺔ واﻟﻤﺼﺎﻟﺢ اﻟﻤﺮﺗﺒﻄﺔ بها، فإنَّها ليست منفصلةً عنها ﺑﺠﺪارٍ حصينٍ ﻏﯿﺮ قابلٍ للاختراق، وﯾﻤﻜﻦ أنْ تُحْدِثَ هذه المصالح فيها ﺗﺄﺛﯿﺮًا مُشَوِّهًا. وأﺧﯿﺮًا، تحمل إدارة المدينة-الدَّولة، بما تضمُّه من ﻣﻨﺎﺻﺐ ﻣﺨﺘﻠﻔﺔ وﺗﻨﻈﯿﻢٍ للسُّلطة اﻟﻌﻠﯿﺎ، ﻓﻲ طيَّاتها أﯾﻀًﺎ مخاطر تقويض التَّناسب ﺑﯿﻦ السَّيطرة واﻟﺨﻀﻮع، اﻟﻘﺎدرة ﻋﻠﻰ ﺗﺪﻣﯿﺮ المساواة بين المواطنين.
إنَّ ﻛُﻞَّ اﻷﺧﻄﺎر والتَّحدِّيات اﻟﻮاﻗﻌﯿَّﺔ ﺟِﺪًّا واﻟﻜﺜﯿﺮة ﻓﻲ طريق المدينة-الدَّولة ﻻ ﺗﻌﻨﻲ ﺳِﻮى أنَّ المدينة-الدَّولة نَفْسَها ﻻ توجد ﻛﻤﻌﻄًﻰ جاهزٍ، ﺑَﻞْ كجهودٍ ﻋﻤﻠﯿَّﺔٍ، وﺗﻮاﺻُﻞٍ ﻓﻌَّﺎلٍ ﺑِﺎﺳْﻢِ غايات سامية ونبيلة. ﺗﻤﺎﻣًﺎ ﻛﻤﺎ أنَّ اﻟﻔﻀﺎﺋﻞ اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ ﻟﻸﻓﺮاد – ليست ﺷﯿﺌًﺎ يمتلكونه في جَبْلَتِهِمْ، ﺑَﻞْ ﺷﯿﺌًﺎ يكتسبونه ويُظهرونه ﻓﻲ أفعالهم، فكذلك ليست المدينة ﺑﯿﺌَﺔً ﺧﺎرﺟﯿَّﺔً وشرطًا ﻟﻠﺤﯿﺎة اﻟﻔﺎﺿﻠﺔ، ﺑَﻞْ هِيَ اﻟﺤﯿﺎة اﻟﻔﺎﺿﻠﺔ نَفْسُها ﻓﻲ حالتها النَّاشطة. وﻋﻨﺪﻣﺎ ﯾﺘﺤﺪَّث أرسطو عن اﻟﺴَّﻌﺎدة، فإنَّه ﯾُﻤﯿِّﺰ ﺑﯿﻦ اﻟﺸُّﺮوط اﻟﺨﺎرﺟﯿَّﺔ اﻟﻀَّﺮورﯾَّﺔ لها والعمل وَﻓْﻘًﺎ ﻟﻠﻔﻀﯿﻠﺔ. وفي ما يخصُّ المدينة فقد أكَّدَ أيضًا أنَّها فضاء اﻟﺤﯿﺎة اﻟﺴَّﻌﯿﺪة ﻟﯿﺲ ﺑﺎﻟﻤﻌﻨﻰ اﻟﻤﺸﺮوط، ﺑَﻞْ ﺑﺎﻟﻤﻌﻨﻰ اﻟﻤﺒﺎﺷﺮ والتَّامِّ. فالمدينة-الدَّولة – ﻟﯿﺴﺖ ﻣﺠﻤﻮع أﻓﺮادٍ، إنَّما هِيَ عِبارَةٌ عن كيانٍ كُلِّيٍّ مُوَحَّدٍ، لكِنَّه ﻣﻦ اﻟﻨَّﻮع اﻟَّﺬِي ﻻ ﯾﺘﻨﺎﻗﺾ ﻣﻊ المواطنين الأفراد. وهِيَ من حيث أهدافها وجهودها اﻟﺠﻤﺎﻋﯿَّﺔ اﻟﻤﺘﻨﺎﻏﻤﺔ تصبو إﻟﻰ المكان نَفْسِهِ اﻟَّﺬِي يصبو إليه ﻛُﻞُّ إﻧﺴﺎن-مواطن ﻓﺎﺿﻞ. إنَّه ﯾﻤﺜِّﻞ توحيدًا لجهود اﻷﻓﺮاد اﻟﻔﺎﺿﻠﯿﻦ، ما داموا يَسْعَوْن إلى أنْ ﯾﻜﻮﻧﻮا ﻓﺎﺿﻠﯿﻦ: "ﻓﻀﯿﻠﺔ المواطنين واﻟﺤﺎﻛﻢ مُماثِلَةٌ ﻟﻔﻀﯿﻠﺔ أﻓْﻀَﻞِ إﻧﺴﺎنٍ" (10). وﻣِﺜْﻞُ هذا اﻟﺘَّﻄﺎﺑﻖ ﻣﻮﺟﻮد ﻓﻲ إطار اﻟﺪَّوﻟﺔ اﻟَّﺘِﻲ ﺗﺘﻮاﻓﻖ ﻣﻊ وظيفتها، وهذه الوظيفة واﺣﺪة "ﻋﻨﺪ أﻓْﻀَﻞِ إﻧﺴﺎنٍ، كما ﻋﻨﺪ أﻓْﻀَﻞِ ﻧﻈﺎمٍ دولويٍّ" (11). ﻟﻜِﻦَّ المُهِمَّ ﺑﺎﻟﻨِّﺴﺒﺔ إﻟﯿﻨﺎ هُوَ اﻟﺘَّﺄﻛﯿﺪ أنَّ هذا التَّطابُقَ، ﻣﻦ وجهة ﻧﻈﺮ أرﺳﻄﻮ، ﻣﻤﻜﻦٌ ﻣﻦ ﺣﯿﺚ اﻟﻤﺒﺪإِ.
وﻛﻤﺎ أشرنا آنِفًا، ﯾﺒﺤﺚ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ﻓﻲ اﻟﺪَّوﻟﺔ ﺑﻤﻮﺿﻮﻋﯿَّﺔٍ وﺣِﯿﺎدٍ؛ إذ إنَّ تحليله ﺧﺎلٍ ﻣﻦ اﻟﻘﯿﻮد واﻟﺘَّﻘﯿﯿﻤﺎت اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ، وهُوَ بهذا اﻟﻤﻌﻨﻰ واﻗﻌﻲٌّ وﻋﻠﻤﻲٌّ ﺑﺤﺖ. ﻟﻜِﻦْ ﻣﻊ ذﻟﻚ، ليست اﻟﺪَّوﻟﺔ ﺑﺎﻟﻨِّﺴﺒﺔ إليه ﻣُﺠَﺮَّدَ ﻣﻮﺿﻮعٍ، ﯾﻜﻮن هُوَ نَفْسُهُ ﻛﺒﺎﺣﺚٍ ﻣُﺮاﻗِﺒًﺎ ﺧﺎرﺟﯿًّﺎ وﻏﯿﺮ ﻣﺒﺎلٍ تُجاهها. كَلَّا، فَهِيَ ﺗﻤﺜِّﻞ ﺑﺎﻟﻨِّﺴﺒﺔ إليه ﻗﯿﻤﺔً ﻋﺎﻟﯿﺔً، ﺑَﻞْ أﻋﻠﻰ ﻗﯿﻤﺔ. وهُوَ ﻻ يبحث في اﻟﺪَّوﻟﺔ ﻓﺤﺴﺐ، ﺑَﻞْ يبحث فيها ﻣﻦ زاوﯾﺔ اﻟﺸُّﺮوط اللَّازمة لتقويتها وازدهارها. ﯾﺪرس ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ اﻟﺪَّوﻟﺔ اﻟﻘﻮﻣﯿَّﺔ ﻓﻲ أﻛﺜﺮ ﻣﺮاﺣﻞ تكوُّنها دراﻣﺎﺗﯿﻜﯿَّﺔً، وهُوَ منهمكٌ ﺑﻤﺸﻜﻠﺔ ﺗﻮﺣﯿﺪ إﯾﻄﺎﻟﯿﺎ، وتحريرها ﻣِﻦَ اﻟﺘَّﺒﻌﯿَّﺔ اﻷﺟﻨﺒﯿَّﺔ، وﻣِﻦَ اﻟﻌﺎرِ واﻟﻌﺒﻮدﯾَّﺔ، على ما ﯾﻘﻮل هُوَ نَفْسُه. وباﻋﺘﺮافه بالمقام اﻟﻘﯿﻤﻲِّ اﻟﺮَّﻓﯿﻊ ﻟﻠﺪَّوﻟﺔ، ﯾﻮاﺻﻞ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ اﻟﻨَّﻈﺮة التَّقليديَّة اﻷرﺳﻄﯿَّﺔ، لكِنَّه، وبخلاف اﻷﺧﯿﺮة، ﻻ ﯾﻌﺘﻘﺪ أﺑﺪًا أنَّ ﺧﯿﺮ اﻟﺪَّوﻟﺔ وﺧﯿﺮ اﻟﻔﺮد ﻣﺘﻄﺎﺑﻘﺎن. وهُوَ ﯾﺪرك أنَّ اﻟﺪَّوﻟﺔ هِيَ ﻛﯿﺎنٌ ﺟﻤﺎﻋﻲٌّ له منطقه وقوانينه الخاصَّة المتمايزة ﻋﻦ المنطق الفرديِّ. فَخَيْرُ الدَّولة ﻟﯿﺲ ﺗﻌﺒﯿﺮًا ﻋﻦ خير الأفراد المنفصلين أو امتدادًا له، ﺑَﻞْ ﯾﺨﺘﻠﻒ عنهم ويتعارض معهم ويعلو عليهم. إذ إنَّ الدَّولة، في نظر مكيافيللي، ﻓﻮق ﻛُﻞِّ ﺷﻲءٍ واعتبار. وفي مقام الكلام على إنقاذ الوطن وحُرِّيَّته، ﯾﺠﺐ اﻟﺘَّﺨﻠَّﻲ ﻋﻦ ﻛُﻞِّ اﻻﻋﺘﺒﺎرات اﻟﻤﺘﻌﻠِّﻘﺔ ﺑﺎﻟﻌﺪاﻟﺔ واﻟﺮَّﺣﻤﺔ، وحَتَّى ﻧﺴﯿﺎن ﻛُﻞِّ ﺷﻲءٍ آﺧﺮ عمومًا، ﺑﻤﺎ ﻓﻲ ذﻟﻚ النَّفْسُ اﻟﺨﺎﺻَّﺔ. وفي معرض وَصْفِهِ للصَّفحات اﻟﺒﻄﻮﻟﯿَّﺔ ﻣﻦ ﺗﺎرﯾﺦ ﻓﻠﻮرﻧﺴﺎ، ﯾُﺆﻛِّﺪ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ بإعجابٍ شديدٍ أنَّ "المواطنين ﻓﻲ ذﻟﻚ اﻟﻮﻗﺖ ﻛﺎﻧﻮا يهتمُّون ﺑﺈﻧﻘﺎذ الوطن أﻛﺜﺮ ﻣﻦ اهتمامهم بإنقاذ أرواحهم" (12). ﻓﻤﺎ ﯾُﺴَﻤَّﻰ باللَّاأخلاقيَّة ﻟﺪى ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ، ﯾﻨﺒﻊ ﻣﻦ التَّوجُّه اﻟﻘﯿﻤﻲِّ لفلسفته اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ اﻟَّﺬِي يؤكِّد أنَّ ﺧﯿﺮ اﻟﺪَّوﻟﺔ يعلو على ﺧﯿﺮ اﻷﺟﺰاءِ اﻟﻤُﻜَﻮِّﻧَﺔِ لها، وعلى خير المواطنين الأفراد ومجموعاتهم.
وﻣﻊ ذﻟﻚ، ﻓﺈنَّ ﺧﯿﺮ اﻟﺪَّوﻟﺔ اﻟﻤﺠﺴَّﺪ، ﻋﻠﻰ وَجْهِ اﻟﺨُﺼﻮصِ، ﻓﻲ اﻟﺤﺎﻛﻢ، ﻏﺎﻟﺒًﺎ ما يتطلَّب ﺗﺠﺎوُزَ الخطِّ اﻟﻔﺎﺻﻞ ﺑﯿﻦ اﻟﺨﯿﺮ والشَّرِّ: "وينبغي للأمير الحاكم ألَّا يخشى اﻟﺴُّﻤﻌﺔ اﻟﺴَّﯿِّﺌﺔ ﻟﺘﻠﻚ اﻟﺮَّذاﺋﻞ اﻟَّﺘِﻲ من دونها ﯾَﺼْﻌُﺐُ عليه إﻧﻘﺎذ اﻟﺪَّوﻟﺔ" (13). يَحُثُّ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ، حاشدًا اﻟﺤُﺠَﺞَ المنطقيَّة المعزَّزة، ﻗﺒﻞ ﻛُﻞِّ ﺷﻲءٍ، بوﻓﺮة اﻷﻣﺜﻠﺔ والشَّواهد اﻟﺘَّﺎرﯾﺨﯿَّﺔ، اﻟﺤﺎﻛﻢَ على ﻋﺪم اﻟﺨﻮف ﻣﻦ الاتِّهامات ﺑﺎﻟﻘﺴﻮة واﻟﺒﺨﻞ، وﻋﺪم اﻟﺨﻮف ﻣﻦ أنْ ﯾُﻮﺻَﻒَ بأنَّه ﻏَﯿْﺮُ أﻣﯿﻦٍ وﻛﺎذبٍ، ﻷنَّ هذه اﻷﻓﻌﺎل اﻟﻤﺮذوﻟﺔ ﯾﻤﻜﻦ أنْ ﺗﻜﻮن وﺳﺎﺋﻞ ﻣﻔﯿﺪةً ﻟﻠﺤﻔﺎظ ﻋﻠﻰ اﻟﺴُّﻠﻄﺔ وإنجاز ﺗﻠﻚ المَهَمَّة اﻟﺘَّﺤﺮُّرﯾَّﺔ واﻟﺘَّﻮﺣﯿﺪﯾَّﺔ القوميَّة المُكَلَّفِ بها والمُؤتَمَنِ عليها. ويُخْتَتَم ﻛﺘﺎب ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ﺑﻤﺎ يُشْبِهُ نداءً تحريريًّا، ﯾﻘﻮل فيه اﻟﻤﻔﻜِّﺮُ ﻷﺟْﻞِ أيِّ ﺷﻲءٍ، ومِنْ أيِّ ﻣﻨﻈﺎر ﻣِﻦْ ﺑَﯿْﻦِ أُﻣﻮرٍ أُﺧﺮى كان ﯾﺪﻋﻮ اﻟﺤﺎﻛﻢ إﻟﻰ اﻟﺤﺴﻢ اﻟﻘﺎدر ﻋﻠﻰ ﺗﺠﺎوُزِ اﻟﻘﯿﻮد اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ: "ﻛﻤﺎ ﻟﻮ ﻛﺎﻧﺖ مهجورةً ﻣِﻦَ اﻟﺤﯿﺎة، ﺗﻨﺘﻈﺮ إﯾﻄﺎﻟﯿﺎ ﻣَﻦْ ﯾﺴﺘﻄﯿﻊ أنْ يُداوي جراحها، وﯾﻀﻊ ﺣَﺪًّا لِنَهْبِ ﻟﻮﻣﺒﺎردﯾﺎ، وأخْذِ الإتاوات ﻓﻲ ﻧﺎﺑﻮﻟﻲ وﺗﻮﺳﻜﺎﻧﺎ، وﯾﻌﺎﻟﺞ اﻟﻘﺮوح المتقيِّحة ﻣﻨﺬ زﻣﻦٍ طويلٍ. اُﻧْﻈُﺮوا ﻛﯿﻒ ﺗﺘﻮﺳَّﻞ إﻟﻰ ﷲ أنْ ﯾُﺮْﺳِﻞَ إليها ﻣَﻦْ ينقذها ﻣِﻦْ قَسْوَةِ اﻟﺒﺮاﺑﺮة ووقاحتهم! اُﻧْﻈُﺮوا ﻛﺬﻟﻚ، ﻛﯿﻒ أنَّها ﻣُﺴْﺘَﻌِﺪَّةٌ ﺗﻤﺎﻣًﺎ ﻟﻼﻧﻀﻮاء ﺗﺤﺖ أيِّ راﯾﺔٍ، لِتَجِدَ فقط ﻣَﻦْ يرفعها" (14).
ﺑﺎﺧﺘﺼﺎر، يكمن اﻟﻮاﻗﻊ اﻟﻘﺎﺳﻲ اﻟَّﺬِي يرصده ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ويعترف به ﻧﻈﺮﯾًّﺎ، ﻓﻲ أنَّ اﻟﺨﯿﺮ من منظار غايات اﻟﻔﺮد أو اﻷﺧﻼق اﻟﻔﺮدﯾَّﺔ، واﻟﺨﯿﺮ من منظار ﻣﺼﺎﻟﺢ اﻟﺪَّوﻟﺔ واﻟﻤﺠﺘﻤﻊ، أيْ أﺧﻼق اﻟﻔﺮد وأﺧﻼق اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ واﻟﺪَّوﻟﺔ ﯾﺘﺒﺎينان بعضهما عن بعض. وﻓﻲ هذا السِّياق، لا بُدَّ من إجراء تدقيقٍ مصطلحيٍّ. ففي اﻟﻨَّﻈﺮﯾَّﺔ اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ، ﻻ ﯾﻮﺟﺪ ﺗﻘﻠﯿﺪ ﻟﻠﺘَّﻤﯿﯿﺰ ﺑﯿﻦ مفهومَيِّ اﻷﺧﻼق اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿَّﺔ وأﺧﻼق اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ. بَيْدَ أنَّ هذا اﻟﺘَّﻤﯿﯿﺰ مُهِمُّ ﺟِﺪًّا للفَهْمِ السَّليم لخصوصيَّة اﻷﺧﻼق. فاﻷﺧﻼق بطبيعتها ظاهرة اﺟﺘﻤﺎﻋﯿَّﺔ وﺗﺎرﯾﺨﯿَّﺔ. إنَّها ﻛﺬﻟﻚ ﺗﺤﺪﯾﺪًا بِصِفَتِها اﺳﺘﺮاﺗﯿﺠﯿﺎ فرديَّة مسؤولة لسُلوك اﻷﻓﺮاد اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿّﯿﻦ، ﺗُﻌَﺒِّﺮُ، مبدئيًّا، ﻋﻦ المعالم الشَّخصيَّة لوجودهم. اﻷﺧﻼق اﻟﻔﺮدﯾَّﺔ (أﺧﻼق اﻟﺸَّﺨﺼﯿَّﺔ) هِيَ اﺟﺘﻤﺎﻋﯿَّﺔ، ﻋﻠﻰ الأقَلِّ، لاعتبارين اثنين: أوَّلًا، لأنَّ خطَّ اﻟﺴُّﻠﻮك اﻟﻤُﻌﺒَّﺮ عنه ﺷﺨﺼﯿًّﺎ ليس ممكنًا إلَّا ﻓﻲ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ، وﻷنَّ اﻟﻔﺮد لا يصير ﺷﺨﺼﯿَّﺔً إلَّا ﻓﻲ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ وﺑِﻘُﻮَّةِ اﻟﻌﻤﻠﯿَّﺔ اﻟﺘَّﺎرﯾﺨﯿَّﺔ؛ وﺛﺎﻧﯿًﺎ، لأنَّها تُشكِّل ﻣﺼﺪر اﻟﻘُﻮَّة اﻟﺪَّاﺧﻠﯿَّﺔ ﻟﻠﻤﺠﺘﻤﻊ وصلابته وديناميَّته. ﯾﻤﻜﻦ اﻟﺤﺪﯾﺚ ﻋﻦ "أﺧﻼق" اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻓﻘﻂ إذا ما وضعناها ﺑﯿﻦ مُزدوجَيْنِ، وﺑﺎﻟﻤﻌﻨﻰ اﻟﻤﺸﺮوط واﻟﻤﺠﺎزيِّ ﻟﻠﻜﻠﻤﺔ. وذلك عائد إلى عدم وجود أﺷﺨﺎصٍ وﻣﺆﺳَّﺴﺎتٍ بإمكانها أنْ تكون صَوْتَهُ الأخلاقيّ. اﻟﻤﻘﺼﻮد هُوَ أنَّه لا وجود ﻓﻲ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ لأشخاصٍ وﻣﺆﺳَّﺴﺎتٍ ﺗﺘﻤﺘَّﻊ ﺑﺤﻖٍّ حصريٍّ ﻣُﻌْﺘََﺮَفٍ به (ﺑِﻐَﺾِّ اﻟﻨَّﻈﺮ ﻋﻦ ﻧﻮع اﻻﻋﺘﺮاف – أرسميًّا كان أم ﻏﯿﺮ رﺳﻤﻲٍّ) – للتَّحدُّث ﺑِﺎﺳْﻢِ اﻷﺧﻼق، ﻋﻠﻰ النَّحْوِ، مثلًا، الَّذِي تتحدَّث فيه هذه الفئة أو تلك من اﻟﻤﺘﺨﺼِّﺼﯿﻦ أو اﻟﺨﺒﺮاء، وهُمْ، ﻓﻲ اﻟﻐﺎﻟﺐ، مراجعُ مؤهَّلةٌ وحَمَلَةُ شهاداتٍ عُليا، ﺑِﺎﺳْﻢِ ذﻟﻚ اﻷﻣﺮ المُعترَفِ والمشهودِ لَهُمْ بِباعِهِمِ الطَّويلِ فيه. فلا وجود ولم يكن يومًا ثَمَّةَ وجودٍ، ﺳﻮاءٌ ﻓﻲ ﻣﺮﺣﻠﺔ اﻟﺘَّﻘﺴﯿﻢ اﻟﻌﺸﻮاﺋﻲِّ للوظائف أو ﻓﻲ اﻟﻈُّﺮوف المُعاصِرة للعقلنة المتزايدة للحياة وﺗﻘﺴﯿﻢ اﻟﻌﻤﻞ، لمتخصِّصين ﺗَﻢَّ تفويضهم اﻟﺤﻖَّ ﻓﻲ ﺗﻤﺜﯿﻞ وجهة ﻧﻈﺮ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻓﻲ ﻣﺴﺎﺋﻞ اﻷﺧﻼق، ﻋﻠﻰ النَّحْوِ، مَثَلًا، الَّذِي ﯾُﻤَﺜِّﻞُ فيه اﻟﻘُﻀﺎةُ اﻟﺪَّوﻟﺔَ ﻓﻲ ﺗﻔﺴﯿﺮ اﻟﻤﻌﺎﯾﯿﺮ اﻟﻘﺎﻧﻮﻧﯿَّﺔ، ويُمَثِّلُها اﻟﺪِّﺑﻠﻮﻣﺎﺳﯿّﻮن ﻓﻲ ﺑﻨﺎء اﻟﻌﻼﻗﺎت ﻣﻊ الدُّول واﻟﺸُّﻌﻮب الأُخرى، وإﻟﺦ. فاﻟﻘﺮارات اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ هِيَ ﻣﺴﺄﻟﺔٌ ﺷﺨﺼﯿَّﺔٌ مَحْضٌ، وﻻ ﯾﻤﻜﻦ تفويضها ﻷﺣﺪ. ﻻ ﯾﻤﻜﻦ ﻟﻠﺸَّﺨﺼﯿَّﺔ أنْ ﺗُﻮﻛِﻞَ موقفها اﻷﺧﻼﻗﻲَّ ﻷﺣَﺪٍ، ﺗﻤﺎﻣًﺎ ﻛﻤﺎ ﻻ ﯾﻤﻜﻦ ﻟﻠﻔﺮد اﻟﺤَﻲِّ أنْ ﯾﻨﻘﻞ ﺗﻨﻔﯿﺬ وظائفه الحيويَّة إلى أحد.
ﺳَﺠَّﻞَ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ التَّضارب ﺑﯿﻦ اﻟﻤﻮﻗﻒ اﻷﺧﻼﻗﻲِّ ﻟﻠﺸَّﺨﺼﯿَّﺔ واﻟﻤﻮﻗﻒ الوظيفيِّ ﻟﻠﺴِّﯿﺎﺳﻲِّ، وبَيَّنَ حتميَّته. وهذا التَّضارُب ليس ﺻﺮاعًا ﺑﯿﻦ أﻓﺮاد ﻣﺨﺘﻠﻔﯿﻦ، ﺑَﻞْ داﺧﻞ الفرد الواحد ذاته. فالسِّياسيُّ الحاكم باعتباره فاعلًا سياسيًّا وﺣﺎﻛﻤًﺎ هُوَ أﯾﻀًﺎ ﺷﺨﺼﯿَّﺔ. لذا، ﻓﻘﻂ اﻟﺘَّﺤﻠﯿﻞ غير المتحيِّز واﻟﻤُﺤﺎﯾِﺪِ أخلاقيًّا ﻟﺘﻠﻚ اﻟﻘﺮارات واﻷﻓﻌﺎل اﻟﺒﺸﺮﯾَّﺔ اﻟﻀَّﺮورﯾَّﺔ، ﻣﻦ وجهة ﻧﻈﺮ ﺧﯿﺮ اﻟﺪَّوﻟﺔ، والفاعلة وظيفيًّا ﺑﺎﻟﻨِّﺴﺒﺔ إلى السِّياسيِّ الرَّاغب ﻓﻲ أداء عمله ﺟَﯿِّﺪًا، هُوَ ما ﯾﺴﻤﺢ بِفَهْمِ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ نَفْسِها ودَوْرِ اﻷﺧﻼق فيها ﺑﺸﻜﻞٍ ﺳﻠﯿﻢٍ. وتكمن ﻣﻔﺎرﻗﺔ اﺳﺘﻨﺘﺎﺟﺎت ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ﻓﻲ أنَّ لاأخلاقيَّة اﻷﻓﻌﺎل اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ تُشَكِّل ﺟﺰءًا ﻻ ﯾﺘﺠﺰَّأ ﻣﻦ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ ذاتها المفهومة واﻟﻤﺒﻨﯿَّﺔ ﺑﺸﻜﻞٍ صحيحٍ، ﻋﻠﻰ اﻷﻗَﻞِّ، ﺑﻘﺪر ﻣﺎ تُعَدُّ فيه السِّياسة واﻟﺪَّوﻟﺔ ذاتهما أشكالًا ذات قيمةٍ وأهمٍّيَّةٍ أﺧﻼﻗﯿَّﺔٍ ﻟﻠﺤﯿﺎة اﻟﺠَﻤﺎﻋﯿَّﺔ. ومن أجْلِ فَهْمِ ﻣﻮﻗﻒ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ من هذه المسألة وتقييمه على نحوٍ دقيقٍ، لا بُدَّ من تسليط الضَّوءِ على اﻟﻨُّﻘﻄﺘﯿﻦ الآتيتين:
1- ﻻ ﯾﺘﺨﻠَّﻰ مكيافيللي ﻋﻦ مفاهيم الفضيلة والرَّذيلة، الخير والشَّرِّ ذاتها. فالصِّفات من مِثْلِ اﻟﻘﺴﻮة، واﻟﺒﺨﻞ، واﻟﺨﺪاع، واﻟﻨِّﻔﺎق ﻻ تَكُفُّ ﻋﻦ كونها ﻗﺴﻮةً، وبخلًا، وﺧﺪاﻋًﺎ، وﻧﻔﺎﻗًﺎ، أيْ أنماط ﺳُﻠﻮكٍ قبيحةً ومذمومةً أﺧﻼﻗﯿَّﺎ، ﻟِﻤُﺠَﺮَّدِ أنَّها ﺗﺨﺪم مصلحة اﻟﺪَّوﻟﺔ. والحالُ أنَّ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ﺑﻌﯿﺪٌ ﻛُﻞَّ اﻟﺒُﻌْﺪِ من إﻋﺎدة ﺗﺴﻤﯿﺔ هذه التَّحريفات اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ، وﺗﺴﻤﯿﺔ اﻟﺸَّﺮِّ ﺧﯿﺮًا. ذلك أنَّ مكيافيللي اﻟَّﺬِي يدعو اﻟﺤﺎﻛﻢ إلى ﻋﺪم اﻟﺨﻮف ﻣﻦ أنْ ﯾﻜﻮن ﻣﻨﺎﻓﻘًﺎ، هُوَ نَفْسُهُ كباحثٍ، ﺑﺮيءٌ ﻣﻦ هذه اﻟﺮَّذﯾﻠﺔ (15). ﻓﺎﻟﺸَّﺮُّ اﻷﺧﻼﻗﻲُّ يبدو قُوَّةً إيجابيَّةً ﻓﻲ ﻧﺸﺎط الأمير اﻟﺤﺎﻛﻢ بِصِفَتِهِ شرًّا أخلاقيًّا على وَجْهِ التَّحديد، مع بقائه ﻓﻲ ﺳﯿﺎق اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ اﻟﺪَّولوﯾَّﺔ وخارجها على ما هُوَ عليه بالفعل من حيث كونه رذيلةً ونمطَ ﺳُﻠﻮكٍ ﻏﯿﺮ مقبولٍ أخلاقيًّا.
وعليه، يُنظَرُ ﻓﻲ ﺳﯿﺎق اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ الدَّولويَّة (الحكوميَّة، السُّلطويَّة) ذاتها إﻟﻰ الشَّرِّ ﻋﻠﻰ أنَّه نمطُ ﻋَﻤَﻞٍ مُباحٍ وملائمٍ وضروريٍّ ﺳﯿﺎﺳﯿًّﺎ، لكِنَّهُ ليس بأيِّ ﺣﺎلٍ مرغوبًا. إذ ينبغي لنا، بحسب تعبير مكيافيللي: "ألَّا ﻧﺤﯿﺪ ﻋﻦ اﻟﺨﯿﺮ إنْ ﻛﺎن ذﻟﻚ ﻣُﻤْﻜِﻨًﺎ، ﻟﻜِﻦْ ينبغي أنْ ﻧﻌﺮف ﻛﯿﻒ ﻧﺴﻠﻚ طريق الشَّرِّ إنْ ﻛﺎن ذﻟﻚ ﺿﺮورﯾًّﺎ" (16). هذه هِيَ اﻟﺼِّﯿﻐﺔُ اﻟﻤُﺤْﻜَﻤَﺔُ والدَّقيقةُ ﻟﻤﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ اﻟَّﺘِﻲ ﺗُﺤَﺪِّدُ اﻟﻤﻌﺎﯾﯿﺮ اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ ﻟﻠﻨَّﺸﺎط اﻟﺴِّﯿﺎﺳﻲِّ. وﺑﺬﻟﻚ تؤدِّي اﻷﺧﻼق، وإنْ يكن ﺑﺸﻜﻞٍ ﻏﯿﺮ ﻣﺒﺎﺷﺮ، دورًا ضابطًا ﺗُﺠﺎه اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ، ﻣﺤﺪِّدةً ﻧﻘﺎط ضعفها وهشاشتها ﻣﻦ اﻟﻨَّﺎﺣﯿﺔ اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ. إضافةً إلى ذﻟﻚ، هناك ﺑﻌﺾ اﻟﻘﯿﻮد ﻋﻠﻰ ﻧﺸﺎط الأمير-اﻟﺤﺎﻛﻢ الَّتِي تملك بالنِّسبة إليه طابَعًا أمريًّا؛ يجب على الأمير الحاكم، وَفْقًا لمكيافيللي، أنْ ﯾﻤﺘﻨﻊ امتناعًا تامًّا ﻋﻦ اﻷﻓﻌﺎل الَّتِي ﺗُﻮَﻟِّﺪُ الكَراهِيَةَ واﻻﺣﺘﻘﺎر تُجاهه، وبخاصَّةٍ، اﻏﺘﺼﺎب ﻣﻤﺘﻠﻜﺎت الرَّعايا وسَبْيِ نِسائِهِمْ.
تُشَكِّل اﻟﺪَّوﻟﺔ واﻟﺤﯿﺎة الحكوميَّة-اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ واقعًا مستقلًّا، رغم كَوْنِها ﻣﻮﺟﻮدةً ﻓﻲ صورة ﻧﺸﺎطٍ بشريٍّ، إلَّا أنَّها ﻣﻊ ذﻟﻚ ﻻ تتوقَّف عليه، ﺑَﻞْ إنَّها ﻣﻮﺿﻮﻋﯿَّﺔٌ وﺧﺎرﺟﯿَّﺔٌ ﺑﺎﻟﻨِّﺴﺒﺔ إلى الجهود البشريَّة الواعِيَة المكوِّنة لها، وﺗَﺨْﻀَﻊُ لقوانينها وقواعدها اﻟﺨﺎﺻَّﺔ. وإذا ﻣﺎ ﺗَﺼَﻮَّرْﻧﺎ اﻟﺪَّوﻟﺔ فردًا ﯾﺴﻌﻰ إﻟﻰ ﺧﯿﺮه اﻟﺨﺎصِّ، لكان هُوَ الفرد الَّذِي يُوجَدُ ﻓﻲ اﻟﺠﺎﻧﺐ اﻵﺧﺮ ﻣﻦ اﻟﺨﯿﺮ واﻟﺸَّﺮِّ، وﻓﻮق اﻟﺨﯿﺮ واﻟﺸَّﺮِّ، ولكان، ﺑﺎﻟﺘَّﺎﻟﻲ، ﻗﺎدرًا ﻋﻠﻰ اﻟﺨﯿﺮ واﻟﺸَّﺮِّ ﻋﻠﻰ ﺣَﺪٍّ ﺳﻮاءٍ، ﺗﺒﻌًﺎ لمصلحته. ﯾﻨﻄﻠﻖ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ﻓﻲ مؤلَّفه "اﻷﻣﯿﺮ" ﻣﻦ أنَّ اﻟﺤﺎﻛﻢ هُوَ اﻹﻧﺴﺎن اﻟَّﺬِي ﯾﺠﺴِّﺪ اﻟﺪَّوﻟﺔ، ويتحدَّث بِاسْمِها وﯾﻌﻤﻞ ﻣﻦ أﺟْﻞِ خيرها. هذا هُوَ اﻟﻔﺮد اﻟَّﺬِي ﯾﺘﻄﺎﺑﻖ ﺧَﯿْﺮُهُ اﻟﺸَّﺨﺼﻲُّ ﻣﻊ ﺧﯿﺮ اﻟﺪَّوﻟﺔ، وهُوَ الَّذِي ﻻ يمكنه اﻟﻮﺟﻮد إلَّا بِصِفَتِهِ ﺣﺎﻛﻤًﺎ، ومكانه إمَّا ﻋﻠﻰ اﻟﻌﺮش وإمَّا على مِنَصَّةِ اﻹﻋﺪام. ومع أنَّ التَّطابق بين اﻟﺨﯿﺮ اﻟﺸَّﺨﺼﻲِّ وﺧﯿﺮ اﻟﺪَّوﻟﺔ، بين اﻟﺪَّواﻓﻊ اﻟﺸَّﺨﺼﯿَّﺔ واﻟﻮاﺟﺒﺎت الوظيفيَّة يَبْلُغُ ﻓﻲ ﺣﺎﻟﺔ اﻟﺤﺎﻛﻢ أقصى درجاته، لكِنَّهما ليسا اﻟﺸَّﻲءَ نَفْسَهُ، إنَّما وحدة المُخْتَلِف. فَرَجُلُ الدَّولة والفاعلُ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﻲُّ ﯾﺒﻘﻰ إﻧﺴﺎﻧًﺎ حَتَّى ولو كان حاكمًا. وهذا اﻻﺧﺘﻼف ﻓﻲ اﻟﻔﺮد اﻟﻮاﺣﺪ عينه ﺑﯿﻦ اﻟﺤﺎﻛﻢ واﻹﻧﺴﺎن اﻟﻌﺎديِّ يبقى قائمًا على الدَّوام، وﯾﻜﻮن ﺻﺎرﺧًﺎ ﺑﺸﻜﻞٍ ﺧﺎصٍّ، ومتأزِّمًا، وﺣَﺘَّﻰ ﻣﺄﺳﺎوﯾًّﺎ، ﻋﻨﺪﻣﺎ ﯾﺘﻌﻠَّﻖ اﻷﻣﺮ ﺑﺎﻷﺑﻌﺎد اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ ﻟﻸﻓﻌﺎل. يَظْهَرُ هذا الانقسام، ﺑﺸﻜﻞٍ فاضحٍ وﻣﺄﺳﺎويٍّ، ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗﺘﻌﺎرض مصالح اﻟﺪَّوﻟﺔ ﻣﻊ اﻟﻤﺸﺎﻋﺮ واﻟﻮاﺟﺒﺎت اﻟﺸَّﺨﺼﯿَّﺔ، وﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗﺸﺘﻌﻞ، ﻛﻤﺎ ﺣﺪث ﻛﺜﯿﺮًا، ﻓﻲ ﻧَﻔْﺲِ اﻹﻧﺴﺎن اﻟﻮاﺣﺪ نيرانُ المُواجَهَةِ والصِّراعِ ﺑﯿﻦ اﻟﺤﺎﻛﻢ واﻷب (17). وﻏﺎﻟﺒًﺎ ﻣﺎ ﯾﻜﻮن ﻣﻦ اﻟﺼَّﻌﺐ ﻋﻠﻰ اﻟﻔﺮد باعتباره إنسانًا، ﺑَﻞْ وﻣﻦ اﻟﻤﺴﺘﺤﯿﻞ، ﺗﺤَﻤُّﻞُ ﻣﺎ ﯾﺠﺐ عليه فعله ﻛﺤﺎﻛﻢ. وﻟﯿﺲ ﻣﻦ ﻗﺒﯿﻞ المُصادَفَةِ أنْ يدعو ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ الأميرَ إلى تَعَلُّمِ اﻟﺘَّﻐَﻠُّﺐِ ﻋﻠﻰ ما فيه مِمَّا هُوَ "إنسانيٌّ، إنسانيٌّ للغاية"، إذا ما اﺳﺘﺨﺪﻣﻨﺎ ﻋﺒﺎرة نيتشه، وأنْ يتعلَّم، ﻗﺒﻞ ﻛُﻞِّ ﺷﻲءٍ، ﺗﺠﺎوُزَ ﻣﺎ يُعَدُّ، على وَجْهِ الخصوص، ﻣُﻘَﺪَّﺳًﺎ ومُسَلَّمًا به – أيْ اﻟﻘﯿﻮد اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ ﻋﻠﻰ اﻟﻌُﻨْﻒِ واﻟﻜَﺬِبِ واﻟﻘَﺴْﻮَة.
إنَّ اﻟﺪَّوﻟﺔ ليست فقط واقعًا موضوعيًّا قائمًا بذاته، ﯾﺠﺐ ﻋﻠﻰ اﻟﻨَّﺎس اﻟَّﺬِﯾﻦ ﯾﻌﯿﺸﻮن في كَنَفِها أنْ ﯾُﺮاﻋﻮه ﺑﺎﻟﻀَّﺮورة. فَهِيَ أﯾﻀًﺎ ﺧَﯿْﺮٌ لَهُمْ (18). فاﻟﺪَّوﻟﺔ – ﻟﯿﺴﺖ ﺣﻘﯿﻘﺔً ﻗﺎﺳﯿﺔً فقط، ﺑَﻞْ هِيَ ﻗﯿﻤَﺔٌ ﻻ ﺷَﻚَّ فيها. وﻓﻲ اﻟﺪَّوﻟﺔ ﯾُﺤَﻘِّﻖُ اﻹﻧﺴﺎنُ ماهِيَّتَهُ ﻛﻜﺎﺋﻦٍ اﺟﺘﻤﺎﻋﻲٍّ. لذا، تملكُ اﻷﻓﻌﺎلُ ﺑِﺎﺳْﻢِ اﻟﺪَّوﻟﺔ ومن أجْلِ خيرها مقامًا قيميًّا إيجابيًّا بالنِّسبة إليه، وتنتمي إلى الأفعال المحمودة. وهُنا ينشأُ السُّؤال الآتي: ﻣﺎ العمل ﻋﻨﺪﻣﺎ ﯾﺘﻌﯿَّﻦ اﻟﻘﯿﺎم ﺑﺄﻓﻌﺎلٍ مُنافِيَةٍ للأخلاق ﺑِﺎﺳْﻢِ اﻟﺪَّوﻟﺔ؟ وهَلْ ﯾُﻤْﻜِﻦُ اﻋﺘﺒﺎرُ اﻷﻓﻌﺎلِ المذمومةِ أﺧﻼﻗﯿًّﺎ والمستقبَحةِ مبدئيًّا، ﻣﻘﺒﻮﻟﺔً ومستحسَنةً لِمُجَرَّدِ أنَّها تَصُبُّ في مصلحة اﻟﺪَّوﻟﺔ وخيرها؟ أو لِنَقُل ﺑﻌﺒﺎرةٍ أُﺧﺮى، هَلْ ﯾﺘﻐﯿَّﺮ المقام اﻟﻘﯿﻤﻲُّ ﻟﻠﺸَّﺮِّ اﻷﺧﻼﻗﻲِّ، لأنَّه مُجْدٍ للدَّولة ومُلائِمٍ لها؟
ﯾﻤﻜﻦ اﺧﺘﺼﺎر اﻹﺟﺎﺑﺔ ﻋﻦ هذا اﻟﺴُّﺆال ﻓﻲ إطار اﻟﻌﻠﻮم اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ اﻟﻤُﻌﺎﺻِﺮة (19)، إذا ما أغفلنا اﻻﺧﺘﻼﻓﺎت اﻟﻔﺮدﯾَّﺔ بين ﻣﻮاﻗﻒ بعض اﻟﻤﺆﻟِّﻔﯿﻦ، ﻓﻲ ﺛﻼث ﻧُﻘﺎطٍ: اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ واﻟﺪَّوﻟﺔ ﻛﺄﺷﻜﺎلٍ مُهِمَّةٍ ومُلازِمةٍ ﻟﻠﻮﺟﻮد البشريِّ هُما خيرٌ، ويحملان ﻣﻌﻨًﻰ أﺧﻼﻗﯿًّﺎ إﯾﺠﺎﺑﯿًّﺎ، وﻻ ﯾﻤﻜﻦ، بالتَّالي، اعتبارهما ﻣﻨﻄﻘﺔً ﻣﺤﺎﯾﺪةً أﺧﻼﻗﯿًّﺎ؛ وﺗَﺨْﻀَﻊُ اﻷﻓﻌﺎل اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ ﻟﻠﺘَّﻘﯿﯿﻢ طِبْقًا لمعايير ﺳﯿﺎﺳﯿَّﺔ خالصة. إذ إنَّ تقييمها الأخلاقيَّ مشروطٌ بالجدوى والمُبرِّر اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﯿﻦ، وهُوَ ﺛﺎﻧﻮيٌّ ﺑﺎﻟﻨِّﺴﺒﺔ إليهما؛ ومع ذلك، تبقى ﺗﻠﻚ اﻟﺤﺎﻻت الَّتِي ﺗﺘﻌﺎرض فيها اﻷﻓﻌﺎل اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ ﺑﺸﻜﻞٍ واﺿﺢٍ ﻣﻊ اﻟﻤﻌﺎﯾﯿﺮ اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ، وﻻ ﯾﻤﻜﻦ اعتبارها أخلاقيَّةً بذاتها خارج نطاق السِّياسة، قابلةً ﻟﻠﺘَّﺒﺮﯾﺮ ﻓﻲ ﺳﯿﺎق اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ. فاﻟﻨُّﻘﻄﺔ اﻷﺧﯿﺮة هِيَ نُقطة أساسيَّة لِفَهْمِ ﻣﺴﺄﻟﺔ العلاقة بين الأخلاق والسِّياسة: فَهِيَ تشهد ﻋﻠﻰ مَنْحِ اﻷﺧﻼق ﻣﻌﻨًﻰ أداتيًّا في علاقتها بالسِّياسة. وهُنا ﯾﺒﺮز ﺳﺆال بديهيٌّ: هَلْ ﺗﺒﻘﻰ اﻷﺧﻼقُ المُنَزَّلَةُ إﻟﻰ ﻣﺴﺘﻮى الأداة والوسيلة أخلاقًا؟ فقد كان يُنْظَرُ، على الدَّوام، إلى مكانتها المميَّزة (ضمن إطار النَّظريَّات الفلسفيَّة، وعلى مستوى الوعي اليوميِّ) ﻓﻲ ﻧﻈﺎم الغايات اﻟﺒﺸﺮﯾَّﺔ على أنَّها قيِّمَةٌ بذاتها، وﻻ يَصِحُّ بأيِّ حالٍ من الأحوال الحطُّ بها إلى دَرْكِ الوسيلة، وأنَّها تمثِّل المرجع الأعلى والأسمى لتقييم الأفعال البشريَّة.
وﻟﯿﺲ ﻣﻦ ﻗﺒﯿﻞ اﻟﻤُﺼﺎدَﻓَﺔِ أنَّه وﻓﻲ ﻛُﻞِّ ﻣَﺮَّةٍ تتخلَّى فيه اﻷﺧﻼق عن مطالبها اﻻﺳﺘﻘﻼﻟﯿَّﺔ-اﻟﻤُﻄْﻠَﻘَﺔ وتهبط إﻟﻰ مستوى الوﺳﯿﻠﺔ لغاياتٍ أُﺧﺮى، ﻓﺈنَّ هذه الأخيرة ﺗُﻌﻄَﻰ، بصورةٍ صريحةٍ أو مُضْمَرَةٍ، ﻣﻌﻨًﻰ ذا قيمةٍ كامنة (20). فموقف مكيافيللي من ﻣﺴﺄﻟﺔ اﻟﻤﻘﺎم اﻟﻘﯿﻤﻲِّ لللَّاأخلاقيَّة المُحفَّزة سياسيًّا حَمَّالُ أوجُهٍ، ويسمح ﺑﺘﻔﺴﯿﺮات ﻣﺨﺘﻠﻔﺔ. إذ ﯾﻤﻜﻦ اﻟﻌﺜﻮر ﻋﻨﺪه ﻋﻠﻰ أقوالٍ يُفْهَمُ منها أنَّ اﻷﻓﻌﺎل اللَّاأخلاقيَّة ﺗَﻔْﻘِﺪُ صِفَتَها اللَّاأخلاقيَّة إنْ ﻛﺎﻧﺖ ﺿﺮورﯾَّﺔً ﻟﺨﯿﺮ اﻟﺪَّوﻟﺔ، وﻣُﻼﺋِﻤَﺔً سياسيًّا. فَهُوَ ﯾﺘﺤﺪَّث، ﻋﻠﻰ ﺳﺒﯿﻞ اﻟﻤﺜﺎل، ﻋﻦ اﻟﻘﺴﻮة المُستخدَمة جَيِّدًا، ﻣُﺪْرِﻛًﺎ ﻛُﻞَّ اللَّامعقوليَّة المتناقضة لهذا المفهوم ومدافعًا عنها: "ﯾﻤﻜﻦ ﺗﺴﻤﯿﺔ اﻟﻘﺴﻮة المُستخدَمة ﺟَﯿِّﺪًا (إذا جاز ﻓﻘﻂ أنْ ﯾُﻘﺎل ﻋﻦ السَّيِّئ إنَّه ﺟَﯿِّﺪٌ) ﺗﻠﻚ الَّتِي ﺗُﺮﺗﻜَﺐ لمرَّةٍ واﺣﺪةٍ ﻓﻘﻂ بدافع الحاجة إلى حفظ الذَّات، من دون أنْ يتمادى في ارتكابها بعد ذلك، ﺑَﻞْ يَسْتَخْلِصُ منها كُلَّ اﻟﻔﺎﺋﺪة اﻟﻤﻤﻜﻨﺔ ﻟﻠﺮَّﻋﯿَّﺔ"، ويُتابِعُ قائلًا ﻓﻲ السِّياق نَفْسِهِ: "وبَعْدَ إظهاره، ﻓﻲ ﺣﺎﻟﺔ اﻟﻀَّﺮورة اﻟﻘﺼﻮى، ﺑﻀﻌﺔ أﻣﺜﻠﺔٍ ﻣُﺮْﻋِﺒَﺔٍ، فإنَّه ﺳﯿﻜﻮن أرﺣﻢ ﻣﻦ أوﻟﺌﻚ اﻟَّﺬِﯾﻦ ﯾﺴﻤﺤﻮن، من جَرَّاءِ تَسامُحِهِمِ اﻟﻤُﻔْﺮِطِ، بمفاقمة الفوضى والقلاقل الَّتِي تؤدِّي إﻟﻰ ﺟﺮاﺋﻢ ﻗﺘﻞٍ أو ﺳَﻠْﺐٍ تهزُّ، غالبًا، اﻟﻤﺠﺘﻤﻊَ بأكمله، ﺑﯿﻨﻤﺎ تطال اﻟﻌﻘﻮﺑﺎت اﻟَّﺘِﻲ يفرضها اﻷﻣﯿﺮ ﻓﺮدًا بعينه" (21). واللَّافتُ أنَّ مكيافيللي ﻻ ﯾُﺴَﻤِّﻲ اﻟﻘﺴﻮة رﺣﻤﺔً، وﻻ ﺣَﺘَّﻰ يُسَمِّي اﻷﻣﯿﺮ نَفْسَهُ رﺣﯿﻤًﺎ ﻓﻲ قسوته، إنَّما يقول ﻓﻘﻂ إنَّ ذﻟﻚ اﻷﻣﯿﺮ، وإنْ ﻟﻢ ﯾﻜﻦ رحيمًا في هذه الأفعال، إلَّا أنَّه أرﺣﻢ مِمَّنْ ﯾﻜﻮن ﺳﺒﺒًﺎ ﻓﻲ ﻗﺴﻮةٍ أشَدَّ ضراوةً وأوسع نطاقًا. ﻛﻤﺎ نعثر عنده أﯾﻀًﺎ على قولٍ ﯾﻤﻜﻦ أنْ يُفْهَمَ منه أنَّ الأمير-اﻟﺤﺎﻛﻢ وﺧﯿﺮ اﻟﺪَّوﻟﺔ هُما اﻟﻤﻌﯿﺎر ﻟﺘﻘﺴﯿﻢ اﻷﻓﻌﺎل اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ إﻟﻰ ﻓﺎﺿﻠﺔٍ ومرذولةٍ: "وإذا ما ﺗﺄﻣَّﻠﻨﺎ ﻛُﻞَّ ﺷﻲءٍ ﺑﺪِﻗَّﺔٍ، ﻓﺴﻨﺠﺪ ﺷﯿﺌًﺎ ﯾﺒﺪو ﻓﻀﯿﻠﺔً، وﻟﻜِﻦَّ الاقتداء به ﺳﯿﻜﻮن هلاكًا ﻟﻸﻣﯿﺮ؛ وﺳﻨﺠﺪ ﺷﯿﺌًﺎ آﺧَﺮَ ﯾﺒﺪو رذﯾﻠﺔً، وﻟﻜِﻦَّ العمل بمقتضاه يضمن للأميرِ الأمْنَ والرَّفاهِيَة" (22).
وﻣﻊ ذﻟﻚ، ﻓﺈنَّ اﻟﻤﻮﻗﻒ العامَّ اﻟَّﺬِي ﻋَﺒَّﺮَ عنه ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ﻣِﺮارًا وبِكُلِّ وﺿﻮحٍ، وسار على هُداه ﺑﺜﺒﺎتٍ هُوَ أنْ اﻷﻓﻌﺎل - اﻟﻔﺎﺿﻠﺔ منها واللَّاأخلاقيَّة على حَدٍّ سواءٍ- اﻟﻤﻨﺪرﺟﺔ ﻓﻲ ﻣﻨﻄﻖ الجدوى اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ، ﻻ ﺗَﻔْﻘِﺪُ طبيعتها اﻷﺻﻠﯿَّﺔ اﻟَّﺘِﻲ تجعلها حسنةً أو قبيحةً بذاتها. إنَّ اﻟﺠﺪﯾﺪ اﻟَّﺬِي أضافه ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ إﻟﻰ اﻟﻔﻜﺮ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﻲِّ، وافترق به ﻋﻦ اﻵراء السَّائدة، إنَّما يكمن، ﺑﺎﻟﻀَّﺒﻂ، ﻓﻲ اﻟﺪَّﻋﻮة أو اﻟﻤﻄﺎﻟﺒﺔ ﺑﺎرﺗﻜﺎب اﻟﺸَّﺮِّ لأهداف ﺳﯿﺎﺳﯿَّﺔ على أنْ تكون مصحوبةً برؤيةٍ وفَهْمٍ واضِحَيْنِ أنَّ اﻟﺤﺪﯾﺚ يجري ﻋﻦ ﻓﻌﻞٍ كان ويبقى وسيبقى، بِحَدِّ ذاته، مرفوضًا ومرذولًا من النَّاحية الأخلاقيَّة. ﻋﻠﻰ اﻷﻣﯿﺮ أنْ يتحلَّى باﻟﺸَّﺠﺎﻋﺔ ﻟﯿﺴﻠﻚ طريق اﻟﺸَّﺮِّ، وأنْ ﯾﻌﺮف ﻛﯿﻒ ﯾﻔﻌﻞ ذﻟﻚ. عليه، ﺑﺎﻟﻄَّﺒﻊ، أنْ ﯾﻌﺮف ﻛﯿﻒ ﯾُﺤﺪِث اﻧﻄﺒﺎﻋًﺎ ﺟَﯿِّﺪًا ً وﯾﺒﺪو فاضلًا، ﻟﻜِﻦْ هذا ﯾﻌﻨﻲ ﻓﻘﻂ أنَّ آفة اﻟﻨِّﻔﺎق أﯾﻀًﺎ ﺗﺪﺧﻞ ﻓﻲ ﺗﺮﺳﺎﻧﺔ وﺳﺎﺋﻞ نشاطه اﻟﻨَّﺎﺟﺢ: "ﻛﻢ ﺳﯿﻜﻮن ﺟﺪﯾﺮًا ﺑﺎﻟﺜَّﻨﺎء أنْ يفي اﻷﻣﯿﺮ بالعهد وأنْ ﯾﻜﻮن ﻣﺴﺘﻘﯿﻤًﺎ ﻓﻲ حياته، وﻻ يُراوغ، هذا ما يَفْهَمُهُ كُلُّ واحدٍ" (23). وﻣﻊ ذﻟﻚ، ﻟﯿﺲ ﻣﻦ اﻟﻀَّﺮوريِّ ﻟﻸﻣﯿﺮ أنْ يتحلَّى بهذه اﻟﻔﻀﺎﺋﻞ واقعيًّا (وﻟﯿﺲ البَتَّةَ، لأنَّ ذﻟﻚ ﺻﻌﺐٌ، بَلْ، لأنَّه يكادُ ألَّا يكون ممكنًا في صورةٍ لا غبارَ عليها)، ﺑَﻞْ ﯾﺠﺐ بالتَّأكيد أنْ ﯾﺒﺪو وكأنَّه يمتلكها حقيقةً: "زيادةً على ذلك: أﺟﺮُؤُ ﻋﻠﻰ اﻟﻘﻮل إنَّه إذا كان يمتلكها ويتصرَّف داﺋﻤًﺎ وَﻓْﻘًﺎ لها، فإنَّها ﺿﺎرَّةٌ، وإذا ﺑﺪا كما لو أنَّه يمتلكها، فإنَّها ﻣﻔﯿﺪةٌ؛ وهكذا، ﯾﺠﺐ أنْ ﯾﺒﺪو رﺣﯿﻤًﺎ ووﻓﯿًّﺎ وإﻧﺴﺎﻧﯿًّﺎ وﺻﺎدﻗًﺎ وﺗﻘﯿًّﺎ؛ وأنْ تكون بالفعل ﻛﺬﻟﻚ، ﻟﻜِﻦْ ﯾﺠﺐ أنْ تحافظ على رباطة جأشك ﺑﺤﯿﺚ تتمكَّن وتستطيع، إذا ما اقتضت الضَّرورة أنْ ﺗﺼﺒﺢ آخرًا وأنْ ﺗﺘﺤﻮَّل إﻟﻰ الضِّدِّ. وينبغي العلم بأنَّ اﻷﻣﯿﺮ، وﺧﺼﻮﺻًﺎ اﻷﻣﯿﺮ اﻟﺠﺪﯾﺪ، ﻻ ﯾﺴﺘﻄﯿﻊ مراعاة كُلِّ ﻣﺎ ﯾَﻤْﻨَﺢُ اﻟﻨَّﺎسَ مجدًا عظيمًا، لأنَّه مضطرٌّ في أغلب الأحيان، ﻣﻦ أﺟْﻞِ اﻟﺤﻔﺎظ ﻋﻠﻰ اﻟﺪَّوﻟﺔ، إﻟﻰ التَّصرُّفِ ﺿِﺪَّ اﻟﻮﻓﺎء، وضِدَّ محبَّة اﻟﻘﺮﯾﺐ، وﺿِﺪَّ اﻹﻧﺴﺎﻧﯿَّﺔ، وﺿِﺪَّ اﻟﺪِّﯾﻦِ" (24). ﯾُﻌَﻠِّﻢُ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ اﻷﻣﯿﺮَ أنْ ﯾُﻘْﺪِمَ ﻋﻠﻰ الأفعال الَّتِي تُعدُّ، طِبْقًا للمعايير الأخلاقيَّة، مذمومةً، مع فَهْمٍ واضحٍ لِما يفعله، وأنْ يُحافظ ﻋﻠﻰ رؤيةٍ ثاقبةٍ مُماثِلَةٍ تُجاهها، فلا ﯾﻨﺨﺪع بها ﻋﻨﺪﻣﺎ تتضاعف ﺑﺮذﯾﻠﺔ اﻟﻨِّﻔﺎق وترتدي ﻗﻨﺎع اﻟﺨﯿﺮ.
تجدنا هُنا أمام ﺣﺎﻟﺔ الشَّرِّ المُتعمَّد اﻟَّﺬِي يعدَّه ﺳﻘﺮاط ممتنَعًا، وﻟﻜﻦ اﻟَّﺬِي ﻟﻮ ﻛﺎن ﻣﻤﻜﻨًﺎ ﻟﻜﺎن أﻓﻀﻞ ﻣﻦ اﻟﺸِّﺮِّ اﻷﻋﻤﻰ واللَّاإراديِّ. يؤسِّس ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ﻹﻣﻜﺎﻧﯿَّﺔ المُحال.
وفي هذا السِّياق، ﻣﻦ اﻟﻤُﻨﺎﺳِﺐ إبداء الملاحظة الآتية: ﻋﻨﺪﻣﺎ ﯾﺘﺤﺪَّث مكيافيللي في العبارات المذكورة أعلاه عن ﺟﻮاز ارتكاب الحاكم أفعالًا تَتَّسِمُ باﻟﻘﺴﻮة والشَّراسة، ﻓﺈنَّه ﯾُﻮَﺿِّﺢ أنَّ اﻟﺤﺪﯾﺚ يجري ﻋﻦ ﻓﻌﻞٍ ﻟِﻤَﺮَّةٍ واﺣﺪةٍ، أو ﻋﻦ ﻋِﺪَّةِ أﻣﺜﻠﺔ. وبهذا اﻟﺘَّﻮﺿﯿﺢ يُظْهِرُ مكيافيللي ﻣﻌﺮﻓﺔً ﻋﻤﯿﻘﺔً ﺑﻄﺒﯿﻌﺔ اﻟﻔﻀﺎﺋﻞ واﻟﺮَّذاﺋﻞ اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ اﻟَّﺘِﻲ لا تتشكَّل كصفاتٍ ﻧﺘﯿﺠﺔً لأﻓﻌﺎلٍ ﻣﻨﻔﺮدةٍ، ﺑَﻞْ ﻧﺘﯿﺠﺔَ ﺳﻠﺴﻠﺔٍ ﻣﺘﺘﺎﻟﯿﺔٍ منها تؤلِّف نهجًا سُلوكيًّا. تسمح اﻟﻨَّﻈﺮة الواعية إلى حالة اﻟﺸَّﺮِّ اﻷﺧﻼﻗﻲِّ ﻓﻲ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ بصِفَتِهِ شرًّا اضطراريًّا بتقليله إﻟﻰ اﻟﺤَﺪِّ اﻷدﻧﻰ وتُبْقِي اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔَ ضمن الحقل التَّوجيهيِّ ﻟﻸﺧﻼق.
وبالاستنكاف عن إعادة إكساء اﻟﺮَّذﯾﻠﺔ حُلَّةَ الفضيلةِ أو أشباه الفضيلة لِمُجَرَّدِ أنَّها وسيلةٌ ناجعةٌ ﺑﺎﻟﻨِّﺴﺒﺔ إلى السِّياسة، يفترق مكيافيللي عن اﻟﻤﻔﻜِّﺮﯾﻦ اﻟﻤﻌﺎﺻﺮﯾﻦ ﻓﻲ الإطيقا اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ اﻟَّﺬِﯾﻦ ﯾﻌﺘﻘﺪون ذﻟﻚ، ويسمو عليهم بالمعايير العلميَّة والأخلاقيَّة على حدٍّ سواء. ﻣﻦ السَّيِّئِ ارﺗﻜﺎب أﻓﻌﺎلٍ ﻗﺎﺳﯿﺔٍ ومُضَلِّلَةٍ، واﻷﺳﻮأُ أنْ ﻧُﻐْﻤِﺾَ أﻋْﯿُﻨﻨﺎ عنها ونُسمِّيها رحمةً وﺻﺪﻗًﺎ (أو ﻏﯿﺮ ﻣﺘﻨﺎﻗﻀﺔ ﻣﻊ اﻟﺮَّﺣﻤﺔ واﻟﺼِّﺪق). ففي اﻟﺤﺎﻟﺔ اﻷُوﻟﻰ يَبْقى الأُفق مفتوحًا والفرصة متاحةً لإزالتها، وﺗﺤﺘﻔﻆ اﻷﺧﻼق باستقلاليَّتها وسيادتها في علاقتها بالسِّياسة، أﻣَّﺎ ﻓﻲ اﻟﺒﺪﯾﻞ الثَّاني، فإنَّها ﺗَﻔْﻘِﺪُ ذﻟﻚ.
2- ومع اعتراف مكيافيللي ﺑﺤﺘﻤﯿَّﺔ اللُّجوء إلى اﻟﻮﺳﺎﺋﻞ ﻏﯿﺮ اللَّائقة أﺧﻼﻗﯿًّﺎ ﻓﻲ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ، فإنَّه ﻻ يدعو ﺑﺄيِّ ﺣﺎلٍ إلى تبنِّيها والمواظبة عليها. وهُوَ لا يكتفي فقط بعدم تشجيع الأمير اﻟﺤﺎﻛﻢ ﻋﻠﻰ اﻟﺘَّﻌﺎﻣﻞ معها ﻛﻤﻤﺎرﺳﺔٍ ﺳﯿﺎﺳﯿَّﺔٍ سويَّةٍ، ﺑَﻞْ ﯾُﺤﺬِّره ﻣﻦ ذﻟﻚ. وانسجامًا مع قوله الصَّائب بأنَّ اﻟﺤﺘﻤﯿَّﺔ والمبرِّر السِّياسيَّين ﻟﻸﻓﻌﺎل اللَّاأخلاقيَّة ﻻ يُغيِّران شيئًا في طبيعتها اللَّاأخلاقيَّة، يدعو مكيافيللي إلى التَّحكُّم بها والسَّيطرة عليها. وهذا ﯾﻌﻨﻲ – اﻟﺤﻔﺎظ ﻋﻠﻰ الموقف اﻟﺴَّﻠﺒﻲِّ اﻟﻤﺤﺪَّد أخلاقيًّا منها، ﻣُﺪرِﻛًﺎ أنَّها ﺷَﺮٌّ أﺧﻼﻗﻲٌّ، وﺑﺎﻟﺘَّﺎﻟﻲ، ﯾﺠﺐ تجنُّبها. وإنْ ﺗَﻌَﺬَّرَ تجنُّبها، فالإقلال منها. إذ يجب جَعْلُها موضوعًا للاختيار العقلانيِّ وممارستها ﺑﺤﻜﻤﺔٍ، وهذا ﯾﻌﻨﻲ – مزاولتها ﻓﻘﻂ ﺑﺎﻟﺤﺪود اﻟﺪُّﻧﯿﺎ اﻟﻀَّﺮورﯾَّﺔ: "هكذا هُوَ ﻧﻈﺎم اﻷُﻣﻮر، حيث إنَّه ﻻ ﯾﻤﻜﻦ أﺑﺪًا اﻟﺴَّﻌﻲُ إلى تجنُّب ضررٍ ﻣﺎ من دون اﻟﻮﻗﻮع ﻓﻲ آﺧَﺮَ. فاﻟﺤﻜﻤﺔ ﺗﻜﻤﻦ ﻓﻲ اﻟﻘﺪرة ﻋﻠﻰ ﻣﻌﺮﻓﺔ ﺧﺼﺎﺋﺺ هذه اﻟﺼُّﻌﻮﺑﺎت، واﻋﺘﻤﺎد اﻷﻗَﻞَّ ﺳﻮءًا ﻛﺨﯿﺮ" (25).
والأرجح أنَّ مفهوم الشَّرِّ الأصغر واﻷﻗَﻞِّ ﺳﻮءًا - هُوَ المفتاح اﻟَّﺬِي ﯾﻜﺸﻒ كُنْهَ ﻣﻮﻗﻒ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ من اﻟﻤﺴﺄﻟﺔ اﻟَّﺘِﻲ تهمُّنا. فالشَّرُّ، ﻛﻤﺎ أشرنا أﻋﻼه، وكما بات معلومًا لدينا مُنْذُ زمن سُقراط، ﻻ ﯾﻤﻜﻦ أنْ ﯾﻜﻮن ﻗﺮارًا ﯾﺨﺘﺎره اﻹﻧﺴﺎن ﺑِﻮَﻋْﻲٍ. فاﻟﺸَّﺮُّ اﻟﻤُﺘَﻌَﻤَّﺪُ – ﺗﻨﺎﻗُﺾٌ ﻓﻲ اﻟﺘَّﻌﺮﯾﻒ، ﻷنَّه يرمز إﻟﻰ القطب السَّالب في إحداثيَّات الاختيار اﻟﺒﺸﺮيِّ. فَهُوَ ﯾﺸﯿﺮ إﻟﻰ ﻣﺎ يتجنَّبه اﻹﻧﺴﺎن داﺋﻤًﺎ، بقدر ما يتوقَّف اﻷﻣﺮ عليه، أيْ أنَّه ﻣﺎ ﻻ ﯾﻤﻜﻦ أنْ ﯾﻜﻮن ﻣﺘﻌﻤَّﺪًا. فاﻹﻧﺴﺎن ﯾﺨﺘﺎر اﻟﺸَّﺮَّ اﻷﻗَﻞَّ ﻟﯿﺲ لأنَّه ﺷَﺮٌّ، ﺑَﻞْ لأنَّه الأهْوَنُ واﻷﻗَﻞُّ. إذ إنَّ للشَّيطان يَدان، على ما يقول س.س. أفيرينتسيف، إنْ ﻟﻢ ﯾﻜﻦ أﻛﺜﺮ، ﻧُﻀﯿﻒُ ﻣﻦ ﻋﻨﺪﻧﺎ. فاﻟﺸَّﺮُّ اﻷﺻﻐﺮ – ﻗﺮارٌ ﻋﻘﻼﻧﻲٌّ، ﺗﺤﺪﯾﺪًا، في الأوضاع اﻟَّﺘِﻲ ﯾﺪﺧﻞ فيها الشَّيطان ﻋﻠﻰ اﻟﺨﻂِّ وتكون مِرْوَحَةُ اﻟﻘﺮارات اﻟﻤﻤﻜﻨﺔ كُلِّها ﻣُﻌﯿﺒَﺔً أﺧﻼﻗﯿًّﺎ وﺷﯿﻄﺎﻧﯿَّﺔ. فهُوَ ﯾﻤﺜِّﻞ بذاته فعلًا اضطراريًّا ﻟﻢ ﯾﻜﻦ اﻹﻧﺴﺎن (بِصِفَتِهِ ذاﺗًﺎ أﺧﻼﻗﯿَّﺔً) ﻟﯿﺨﺘﺎره أﺑﺪًا إلَّا في سياقاتٍ مُعيَّنةٍ قاهرة. وهُنا ينطوي هذا الفرق بين الشَّرِّ الأكبر والشَّرِّ الأصغر على أهمِّيَّةٍ جوهريَّةٍ ﯾﻤﻜﻦ بسببه اعتبار الأخير فعلًا ﻣﺴﻤﻮحًا به وﺣَﺘَّﻰ خيرًا نسبيًّا. ففي حالة اﻟﺸَّﺮِّ اﻷﺻﻐﺮ، ﯾﺘﻠﺨَّﺺ اﻟﺠﺎﻧﺐ اﻷﺧﻼﻗﻲُّ ﻟﻼﺧﺘﯿﺎر ﻓﻲ التَّأثير المحدود (الضَّئيل)، ويُرَدُّ اﻻﺧﺘﯿﺎر نَفْسُهُ إﻟﻰ عملية ﺣﺴﺎبٍ ﻧﻔﻌﻲٍّ ﻋﻘﻼﻧﻲٍّ ﺑَﺤْﺖٍ ﻟﻠﺨﺴﺎﺋﺮ والأضرار. وهذا أشْبَهُ ما يكون، على وَجْهِ التَّقريب، بحاكمٍ خبيثٍ ظالمٍ عَرَضَ ﻋﻠﻰ شخصٍ أنْ يختار أمرًا من اثنين: إمَّا أنْ تُبتَر يَدُهُ اليُمنى وإمَّا أنْ تُبتَر قَدَمُهُ اليُمنى؟ فاﻻﺧﺘﯿﺎر، إنْ صحَّ أصلًا استخدام هذا المفهوم ﻓﻲ هذه اﻟﺤﺎﻟﺔ، ﻻ يحتوي على أيِّ ذرَّةٍ ﻣﻦ اﻷﺧﻼق. وﻛُﻞُّ اﻟﻌَﻤَﻞِ اﻟﻔﻜﺮيِّ للشَّخصِ اﻟﻤُﺘَﺨَﯿَّﻞ، إنْ ﻟﻢ ﯾَﻔْﻘِﺪْ صوابه ﻗﺒﻞ أنْ ﯾَﻔْﻘِﺪَ ﯾَﺪَهُ أو قَدَمَهُ، سيُرَدُّ إﻟﻰ ﺣﺴﺎبٍ ذهنيٍّ ﻟﻠﺨﺴﺎﺋﺮ النَّاجمة عن ﻛُﻞِّ بديلٍ ﻣﻦ البديلَيْنِ المطروحَيْنِ. ﺑﺎﻟﻄَّﺒﻊ، ﯾﻤﻜﻦ هُنا أﯾﻀًﺎ ﺗَﻔَﺤُّﺺُ اﻟﺒﺪاﺋﻞ: إذا ﻛﺎن اﻟﻔﺮد، على سبيل المثال، ﺻﺎﺋِﻐًﺎ، فإنَّه سيُفَضِّل اﻹﺑﻘﺎء ﻋﻠﻰ ﯾﺪه سليمةً، وإذا ﻛﺎن ﺳﺎﻋﻲ ﺑﺮﯾﺪٍ، فإنَّه سَيُفَضِّل الحفاظ على سلامة قَدَمِهِ وما شابه، ﻟﻜﻦ اﻋﺘﺒﺎر ﻛُﻞِّ هذا ﺧﻄﺎﺑًﺎ "أﺧﻼﻗﯿًّﺎ" – ﻣﻌﻨﺎه ارتكاب حماقةٍ ما بعدها حماقة.
هَلْ ﯾﻤﻜﻦ أنْ ﯾﺼﺒﺢ اﻟﺤﺴﺎب ﺑﯿﻦ اﻟﺸَّﺮَّين اﻷﻛﺒﺮ واﻷﺻﻐﺮ ﻣﻮﺿﻮﻋًﺎ ﻟﻠﺘَّﺤﻠﯿﻞ اﻷﺧﻼﻗﻲِّ، وﻓﯿﻢَ ﯾﻤﻜﻦ أنْ يكمن إسهام اﻷﺧﻼق اﻟَّﺬِي ﻣﻦ شأنه أنْ ﯾﻤﻨﻊ سوء اﻻﺳﺘﺨﺪام الأخلاقيِّ ﻟﻔﻜﺮة اﻟﺸَّﺮِّ اﻷﺻﻐﺮ ذاتها؟
ﻓﻲ اﻷدبيَّات الأخلاقيَّة المُعاصِرة، يُناقَشُ ﻣﻮﺿﻮعُ اﻟﺸَّﺮِّ اﻷﺻﻐﺮ بحماسةٍ لافتةٍ وعلى نطاقٍ واسعٍ، وبخاصَّةٍ، الشِّقَّ الأخلاقيَّ منه، ﺣﯿﺚ تبلورت مقارباتٌ ورُؤًى ﻣﺨﺘﻠﻔﺔٌ، وفُرِزَتْ ﺣﺎﻻتٌ نمطيَّةٌ، وﻗُﺪِّﻣَﺖ اﺳﺘﺮاﺗﯿﺠﯿﺎتٌ وﺟﺪاولُ ﺗﻘﯿﯿﻢٍ ﻣﺘﻨﻮِّﻋﺔ (26). ومن أجْلِ فَهْمِ اﻟﻤﻼﻣﺢ اﻟﻌﺎﻣَّﺔ ﻟﻠﻤﻨﺎﻗﺸﺎت الدَّائرةِ ﺣﻮل ﻣﺸﻜﻠﺔ اﻟﺸَّﺮِّ اﻷﺻﻐﺮ، ﯾُﻌَﺪُّ اﻟﺘَّﻌﻤﯿﻢ الآتي للباحث الكَنَديِّ المتخصِّص م. إغناتييف دالًّا ومُعبِّرًا: "...إذا ما ﻟﺠﺄﻧﺎ إﻟﻰ اﻟﺸَّﺮِّ اﻷﺻﻐﺮ، ﻓﯿﺠﺐ أنْ ﻧﻔﻌﻞ ذﻟﻚ، أوَّلًا، مُدرِكين تمامًا ﺑﺄنَّ ﻣﺎ نرتكبه إنَّما هُوَ ﺷَﺮٌّ؛ ﺛﺎﻧﯿًﺎ، ﯾﺠﺐ علينا أنْ نفعله ﻓﻘﻂ ﻓﻲ ﺣﺎﻟﺔ اﻟﻀَّﺮورة اﻟﻘﺼﻮى اﻟَّﺘِﻲ ﯾﻤﻜﻦ إﺛﺒﺎت وجودها؛ ﺛﺎﻟﺜًﺎ، ﯾﺠﺐ أن ﻧﺨﺘﺎر أنماط اﻟﻔﻌﻞ اﻟﺴَّﯿِّﺌﺔ كوسيلةٍ قصوى ﻓﻘﻂ، ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗﻜﻮن ﺟﻤﯿﻊ اﻟﻮﺳﺎﺋﻞ اﻷُﺧﺮى ﻗﺪ استُنفِدت وﺟُﺮّﺑﺖ. وأﺧﯿﺮًا، ﯾﺠﺐ علينا أنْ نُنفِّذ الالتزام اﻟﺮَّاﺑﻊ: ﯾﺠﺐ علينا أنْ نُسَوِّغَ أﻓﻌﺎﻟﻨﺎ ﻋَﻠَﻨًﺎ ونعرضها ﻋﻠﻰ المواطنين ﻟﯿﺤﻜﻤﻮا ﻋﻠﻰ صِحَّتها" (27). فقط النُّقطة الأُولى تدخل ضمن نطاق صلاحيَّات الأخلاق ﺑﺎﻟﻤﻌﻨﻰ اﻟﺪَّﻗﯿﻖ واﻟﺨﺎصِّ ﻟﻠﻜﻠﻤﺔ، وﺗﺤﺪﯾﺪًا، ﺗﺼﻨﯿﻒ اﻟﺸَّﺮِّ اﻷﺻﻐﺮ ﻓﻲ إطار التَّضادِّ بين قطبيِّ اﻟﺨﯿﺮ واﻟﺸَّﺮِّ. أﻣَّﺎ ﺟﻤﯿﻊ اﻟﺸُّﺮوط (اﻟﻘﻮاﻋﺪ) اﻷُﺧﺮى اﻟَّﺘِﻲ ﯾﺠﺐ تنفيذها ﻓﻲ إطار ﻣﻨﻄﻖ اﻟﺸَّﺮِّ اﻷﺻﻐﺮ، ﻓﺘﻨﺘﻤﻲ إﻟﻰ ﻣﺠﺎل اﻟﻤﺴﺆوﻟﯿَّﺔ اﻟﺨﺎﺻَّﺔ، وهِيَ، بِحَسَبِ عبارة م.م. ﺑﺎﺧﺘﯿﻦ، ﺗﻔﺘﺮض تحليلًا عيانيًّا للموضوع، مصحوبًا ﺑﻤﻌﺎرف مِهْنيَّةٍ، وﺟﻮاﻧﺐ ﻗﺎﻧﻮﻧﯿَّﺔٍ، وﻣﻮاﻓﻘﺔٍ اﺟﺘﻤﺎﻋﯿَّﺔٍ… وإﻟﺦ. فالحديث هُنا ﻟﻢ ﯾَﻌُﺪْ حديثًا ﻋﻦ ﺑﺪء اﻟﻔﻌﻞ ﻓﻲ إطار اتِّجاه اﻟﺸَّﺮِّ اﻷﺻﻐﺮ اﻟَّﺬِي ﯾﻌﺘﻤﺪ ﻋﻠﻰ اﻟﻔﺮد اﻟﻔﺎﻋﻞ نَفْسِهِ، وﻋﻠﻰ هُوِيَّتِهِ اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔِ، إنَّما ﻋﻦ مضمونه و"مادَّته"، وعواقبه اﻟﻤُﺤْﺘَﻤَﻠَﺔِ اﻟَّﺘِﻲ ﯾﻌﺘﻤﺪ احتسابها ﻋﻠﻰ مَلَكاتِهِ العقليَّة ومهاراته المهنيَّة واﻟَّﺘِﻲ، ﺑﺎﻹﺿﺎﻓﺔ إﻟﻰ ذﻟﻚ، ﻻ ﯾﻤﻜﻦ تتبُّعها، ﻣﻦ ﺣﯿﺚ اﻟﻤﺒﺪإِ، ﺑﺎﺳﺘﯿﻔﺎءٍ ﺗﺎمٍّ. فالموقف اﻟَّﺬِي ﻋَﺒَّﺮَ عنه م. إغناتييف ﺑﻮﺿﻮحٍ، واﻟﻘﺎﺋﻞُ ﺑﺄنَّ اﻟﺸَّﺮَّ اﻷﺻﻐﺮ هُوَ ﺷﺮٌّ (ﺑﺎﻟﻤُﻨﺎﺳَﺒَﺔِ، ﻻ يتبنَّاه اﻟﻜﺜﯿﺮون، ﺑَﻞْ رُﺑَّﻤﺎ أﻏﻠﺒﯿَّﺔ اﻟﻤﺆﻟِّﻔﯿﻦ اﻟَّﺬِﯾﻦ ﯾﻜﺘﺒﻮن ﻓﻲ هذا اﻟﻤﻮﺿﻮع)، وﺣﻘﯿﻘﺔ أنَّه اﻷﻗَﻞُّ ﺑﯿﻦ ﻛُﻞِّ ﻣﺎ هُوَ ﻣﻤﻜﻦ ﻓﻲ وضعٍ ﻣﺤﺪَّدٍ، ﯾﺴﻤﺢ ﺑﺎﻋﺘﺒﺎر ﻣِﺜْﻞِ هذا اﻻﺧﺘﯿﺎر مُسَوَّغًا ﻋﻘﻼﻧﯿًّﺎ، لكِنَّهُ ﻻ ﯾُﻐَﯿِّﺮُ اﻧﺘﻤﺎءه المبدئيَّ إﻟﻰ ﻗُﻄْﺐِ اﻟﺸَّﺮِّ.
يُحدِّد هذا اﻟﺮَّأي، كونه ﻣﻼﺋﻤًﺎ لجوهر اﻷﺧﻼق ذاته، اﻟﻤﻮﻗﻒ اﻟﻘﯿﻤﻲَّ اﻟﻮﺣﯿﺪ اﻟﻤﻤﻜﻦ الموجِّه إلى اﺧﺘﯿﺎر اﻟﺸَّﺮِّ اﻷﺻﻐﺮ ﺗﺤﺪﯾﺪًا: إذا أُﺟﺒِﺮ اﻹﻧﺴﺎن ﻋﻠﻰ اﺧﺘﯿﺎر ﻣﺎ ﻟﻢ ﯾﻜﻦ ﻟﯿﺨﺘﺎره أبدًا ﻟﻮ ﻛﺎن اﻷﻣﺮ طوع يدَيه، أيْ ما يَعُدُّهُ، وَفْقًا لقناعاته، شرًّا يفضي إﻟﻰ هلاكه اﻷﺧﻼﻗﻲِّ، وأنَّه يحمل وِزْرَ اختياره هذا اﻟﻔﻌﻞ، ﻓﻤﻦ اﻟﻄَّﺒﯿﻌﻲِّ أنَّه سيسعى جاهدًا إﻟﻰ ﺗﻘﻠﯿﻞ هذا اﻟﻔﻌﻞ ذاته وعواقبه إﻟﻰ اﻟﺤَﺪِّ اﻷدﻧﻰ. واﻟﻌﻜﺲُ ﺻﺤﯿﺢٌ: اﻋﺘﺒﺎر اﻟﺸَّﺮّ اﻷﺻﻐﺮ فعلًا أﺧﻼﻗﯿًّﺎ ﻣﺴﻤﻮﺣًﺎ به ﯾﻤﺜِّﻞ ضربًا ﻣﻦ ضروب اﻟﻔﺴﺎد اﻷﺧﻼﻗﻲِّ، ﻛﻤﺎ ﻟﻮ أﻧَّﻨﺎ، ﺑِﺮَﻓْﻀِﻨﺎ اﻟﺮَّﺷﻮة ﺑﻤﺒﺎﻟﻎ ﻛﺒﯿﺮةٍ، ﺳﻤﺤﻨﺎ بها بمقادير ﺻﻐﯿﺮةٍ، أو ﺑِﺮَﻓْﻀِﻨﺎ اﻻﻋﺘﺪاءات اللُّصُوصيَّة، أﺟَﺰﻧﺎ اﻟﻤﺸﺎﺟﺮات الزُّقاقيَّة. وﺑﺎﻟﻔﻌﻞ، إذا ما أﺧﺬﻧﺎ اﻟﻤﺜﺎل اﻟﻤُﻔﻀَّﻞ والشَّائع ﻓﻲ إطار المناقشات المتعلِّقة بمشكلة اﻟﺸَّﺮِّ اﻷﺻﻐﺮ، وهُوَ ﻣﺜﺎل "اﻟﺘﺮاﻣﻮاي"، ﻓﻤﻦ اﻟﻮاﺿﺢ ﺗﻤﺎﻣًﺎ ﻷيِّ إﻧﺴﺎنٍ ﻋﺎﻗﻞٍ أنَّ ﻣﻮت ﻋَﺸَﺮَةِ أﺷﺨﺎصٍ أﺳﻮأُ بكثير من ﻣﻮت شخصٍ واﺣﺪٍ. ﻟﻜِﻦَّ اﻋﺘﺒﺎر اﻟﻔﻌﻞ اﻟَّﺬِي ﺗﻜﻮن نتيجَتُهُ (حَتَّى لو كانت ﻋَﺮَﺿِﯿَّﺔً) ﻣﻮت ﺷﺨﺺٍ واﺣﺪٍ فعلًا أﺧﻼﻗﯿًّﺎ ﻣﺴﻤﻮﺣًﺎ به، وﺑﻨﺎء ﺳﻼﺳﻞ ﻣﻨﻄﻘﯿَّﺔ ﻣُﻌَﻘَّﺪة ﻣﻦ المحاججة لتسويغ مِثْلِ هذا اﻻﺳﺘﻨﺘﺎج يُشَكِّلُ، على الأرجح، خروجًا ﻋﻦ ﺣﺪود التَّفكير السَّليم. فعلى سبيل المثال، يمكن لإنسانٍ فَقَدَ قَدَمَهُ هربًا ﻣﻦ أنْ يسحقه اﻟﺘﺮاﻣﻮاي ﺗﻤﺎﻣًﺎ، أنْ ﯾﻘﻮل: ﻣﻦ اﻟﺠَﯿِّﺪِ أﻧَّﻨﻲ ﺑﻘﯿﺖ ﺣَﯿًّﺎ. لكِنَّهُ ﻟﻦ ﯾﻘﻮل أﺑﺪًا: ﻣﻦ اﻟﺠَﯿِّﺪِ أو ﺣَﺘَّﻰ ﻟﯿﺲ ﺑﺎﻷﻣﺮ اﻟﻔﻈﯿﻊ أﻧَّﻨﻲ ﺑﻘﯿﺖ ﺑﻼ قَدَم.
ينطلق مكيافيللي متسلِّحًا بمنطق الباحث الصَّارم، لا الواعظ الأخلاقيِّ ﻣﻦ اﻟﻤﻮﻗﻒ الآتي: إنَّ الاستخدام اﻟﻤُﻨﺎﺳِﺐ (اﻟﻤُﻨﻔَّﺬ ﺑﺎﻟﺤﺪود اﻟﺪُّﻧﯿﺎ اﻟﻀَّﺮورﯾَّﺔ) ﻟﻠﻮﺳﺎﺋﻞ اللَّاأخلاقيَّة (اﺧﺘﯿﺎر اﻟﺸَّﺮِّ اﻷﺻﻐﺮ) جائزٌ ﻓﻘﻂ إنْ لازَمَهُ إدراكٌ بأنَّ الجدوى والمبرِّر السِّياسيَّين ﻟﻠﻔﻌﻞ اللَّاأخلاقيِّ ﻻ ﯾُﻐﯿِّﺮانه وﻻ يُحوِّلانه إﻟﻰ ﻓﻌﻞٍ أﺧﻼﻗﻲٍّ ﻣﺴﻤﻮحٍ به. وقد ﯾﻜﻮن ﻣﻔﺘﺎح اﻟﺘَّﻔﺴﯿﺮ اﻟﺼَّﺤﯿﺢ لموقفه، اﻟﻤُﻌﺒَّﺮُ عنه ﻓﻲ الأطروحة اﻟﻔﻠﺴﻔﯿَّﺔ-اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ "اﻷﻣﯿﺮ"، هُوَ عمله المسرحيُّ اﻟﺴَّﺎﺧﺮ "تُفَّاحَةُ الشَّيطان" (mandragora) الَّذِي وإنْ كان أﻗَﻞّ شهرةً ﻣﻦ ﻛﺘﺎب "اﻷﻣﯿﺮ"، إلَّا أنَّه يُشَكِّلُ ﻣﻊ ذﻟﻚ ﺻﻔﺤﺔً ﻣﻌﺮوﻓﺔً ﻓﻲ ﺗﺎرﯾﺦ اﻟﺪّْراﻣﺎ. وفي هذا العمل المسرحيِّ يرسم مكيافيللي صورة الرَّاهب اﻟﺠﺸﻊ الماجن ﻓﺮا ﺗﯿﻤﻮﺗﯿﯿﻮ اﻟَّﺬِي ﯾﺸﺎرك مقابل مبلغٍ مِنَ اﻟﻤﺎل ﻓﻲ مكيدةٍ ﻣﻌﻘﺪةٍ وﯾﺪﻓﻊ اﻟﺰَّوﺟﺔ اﻟﺘَّﻘﯿَّﺔ المُخْلِصة إﻟﻰ ارﺗﻜﺎب اﻟﺰِّﻧﺎ، بإقناعها بأنَّ لا معصية ولا خطيئة في ذلك إطلاقًا. ﯾُﻐﻄِّﻲ رِﯾﺎءَهُ الفَرِّيسيَّ ﺑﻤﻨﻄﻖ اﻟﺸَّﺮِّ اﻷﺻﻐﺮ: "أﻣَّﺎ في ما يخصُّ ضميركم، ﯾﺠﺐ عليكم أنْْ تأخذوا ﺑﺎﻟﻘﺎﻋﺪة اﻟﻌﺎﻣَّﺔ الَّتِي تَنُصُّ على وجوب عدم التَّخلِّي أبدًا عن الخير خوفًا من الشَّرِّ ﺣﯿﺚ ﯾﻮﺟﺪ ﺧﯿﺮٌ ﻣﺆﻛَّﺪٌ وﺷَﺮٌّ ملتبسٌ ﻏﯿﺮ ﻣﺆﻛَّﺪٍ... وفي ما يخصُّ الفعل ذاته، وكأنَّه ﺧﻄﯿﺌﺔ – فهذا ﺧﺮاﻓﺔٌ، ﻷنَّ اﻹرادة هِيَ اﻟَّﺘِﻲ ﺗُﺨْﻄِﺊُ، ﻻ اﻟﺠﺴﺪ... ﺑﺎﻹﺿﺎﻓﺔ إﻟﻰ ذﻟﻚ، إنَّ الأمر الَّذِي ﯾﺠﺐ مراعاته ﻓﻲ ﻛُﻞِّ اﻟﻈُّﺮوف هُوَ الغاية" (28). يفضح ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ زﯾﻒ اﻟﺤُﺠَّﺔ اﻷﺳﺎﺳﯿَّﺔ، اﻟﻤﺘﻤﺜِّﻠﺔ ﻓﻲ تبديل ﺻﯿﻐﺔ: "اﻟﻐﺎﯾﺔُ ﺗُﺒَﺮِّرُ اﻟﻮﺳﯿﻠﺔَ" بصيغة أُخرى: "اﻟﻐﺎﯾﺔُ تُعظِّمُ اﻟﻮﺳﯿﻠﺔَ". والحقُّ أنَّ ﻓﻜﺮ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ﯾﺨﻠﻮ ﻣﻦ الصَّرامة الميكانيكيَّة الحادَّة. فَهُوَ يُتْقِنُ فنَّ الجمع بين الأضَّداد، ويُدْرِكُ تمامًا أنَّه ﺣَﺘَّﻰ ﻟﻮ ﻛﺎﻧﺖ اﻟﻐﺎﯾﺔ ﺗﺒﺮِّر اﻟﻮﺳﯿﻠﺔ، فهذا ﻻ ﯾﻌﻨﻲ أﺑﺪًا أنَّ اﻟﻮﺳﺎﺋﻞ ﺗﺼﺒﺢ ﻏﺎﯾﺔً أو ﺗﺼﻄﻒُّ ﻓﻲ الصَّفِّ (المرتبة، المستوى) القيميِّ نَفْسِهِ. وفي هذه الحالة، لا يجري الحديث ببساطةٍ عن خَطَإٍ ﻣﻌﺮﻓﻲٍّ وغَفْلَةٍ منطقيَّة. ذلك أنَّ مآل "تطهير" اﻟﻮﺳﺎﺋﻞ اللَّاأخلاقيَّة وتبرئة ذِمَّتِها بدعوى أﺧﻼﻗﯿَّﺔ الغايات، على ما يبيِّن ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ، هُوَ تجريدُ اﻟﺸَّﺨﺼﯿَّﺔ من سلاحها الأخلاقيِّ، وتهدئة ضميرها ﻏﯿﺮ اﻟﻨَّﻘﻲّ.
لقد أدرَك ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ جَيِّدًا أنَّه لكي نستخدم اﻷﻓﻌﺎل اللَّاأخلاقيَّة ﻓﻲ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ ﺑﺤﺬرٍ وﺑﺎﻟﺤﺪود اﻟﺪُّﻧﯿﺎ اﻟﻀَّﺮورﯾَّﺔ، ﯾﺠﺐ أنْ ﻧُﻘْﺪِم عليها بِفْهْمٍ واﺿﺢٍ أنَّها ﻻأﺧﻼﻗﯿَّﺔ، وﺳﺘﻈﻞُّ ﻛﺬﻟﻚ. وﻓﻲ فلسفته اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ، تُباحُ اﻷﻓﻌﺎل اللَّاأخلاقيَّة باعتبارها شرًّا أﺻﻐﺮ ﻣﻦ وجهة ﻧﻈﺮ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ اﻟﻨَّﺎﺟﺤﺔ، وﻣﺼﺎﻟﺢ اﻟﺪَّوﻟﺔ ﻛﻜُﻞٍّ. فاﻟﻤﻌﯿﺎر هُنا هُوَ، تحديدًا، ﺧﯿﺮُ اﻟﻜُﻞِّ وﺧﯿﺮ اﻟﺪَّوﻟﺔ. وﺑﺬﻟﻚ يُنْقَلُ ﺗﺤﻠﯿﻞ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﻣﺘﻰ وإﻟﻰ أيِّ ﺣَﺪٍّ ﯾﺠﺐ إتيان اﻷﻓﻌﺎل اللَّاأخلاقيَّة إﻟﻰ ﻣﺠﺎل اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ وتصبح ﻣﻮﺿﻮﻋًﺎ ﻟﻠﺘَّﺤﻠﯿﻞ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﻲِّ ﺗﺤﺪﯾﺪًا، وﻟﯿﺲ اﻷﺧﻼﻗﻲِّ. وفي ما يتعلَّق بالأخلاق ومنظارها، فإنَّ الجدوى السِّياسيَّة ﻻ ﺗُﻐَﯿِّﺮ اﻟﺼِّﻔﺔ النَّوعيَّة اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ ﻟﻸﻓﻌﺎل: ﻓﺎﻷﻓﻌﺎل المرذولة ﺗﺒﻘﻰ مذمومةً ومرفوضةً أﺧﻼﻗﯿًّﺎ، ﺣَﺘَّﻰ ولو ﻛﺎﻧﺖ أﻓﻌﺎلًا يؤتيها الأمير ﻟﺨﯿﺮ اﻟﺪَّوﻟﺔ، وﺣَﺘَّﻰ لو ﻛﺎﻧﺖ افعالًا اضطراريَّةً أوَّلًا وثانيًا وثالثًا.
ﻻ ﯾُﻨْﻜِﺮُ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ دَوْرَ اﻷﺧﻼق ﻓﻲ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ، ﺑَﻞْ إنَّه، إذا ﺟﺎز اﻟﺘَّﻌﺒﯿﺮ، ﯾﺪﻣﺞ اﻷﺧﻼق ﻓﻲ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ، ﻣﺨﻀِﻌًﺎ اﻟﻤﻌﺎﯾﯿﺮ اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ ﻟﻠﻤﻌﺎﯾﯿﺮ اﻟﺴَّﯿﺎﺳﯿَّﺔ. وهُوَ ﯾﻨﻈﺮ إﻟﻰ اﻷﺧﻼق باعتبارها وسيلةً ﺑﺎﻟﻨِّﺴﺒﺔ إﻟﻰ الأهداف اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ. ﯾﺠﺐ ﻋﻠﻰ اﻟﺤﺎﻛﻢ اﻟَّﺬِي ﯾﺠﺴِّﺪ اﻟﺪَّوﻟﺔ في شخصه أنْ ﯾﻜﻮن ﻗﺎدرًا ﻋﻠﻰ ﺗﺠﺎوُز اﻷﺧﻼق، وألَّا ﯾﺨﺸﻰ، بِالقَدْرِ نَفْسِهِ، أنْ ﯾُﻮﺻَﻒَ ﺑﻌﺪم اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ، وأنْ ﯾﻔﻌﻞ ذﻟﻚ من أجْلِ ﺗﻘﻮﯾﺔ سُلطته فقط: "ﻋﻠﻰ اﻷﻣﯿﺮ اﻟﺮَّاﻏﺐ ﻓﻲ اﻟﺒﻘﺎء، أنْ ﯾﺘﻌﻠَّﻢ كيف يستطيع أنْ ﻻ ﯾﻜﻮن فاضلًا، وأنْ ﯾﺴﺘﺨﺪم هذا أو ﻻ يستخدمه، وَفْقًا لمقتضيات اﻟﻀَّﺮورة" (29). أنْ ﺗﺘﻌﻠَّﻢ اﻻﻧﺤﺮاف ﻋﻦ اﻟﺨﯿﺮ – ﻻ ﯾﻌﻨﻲ أنْ تصبح شرِّيرًا وﺗﻔﻘﺪ اﻟﻘﺪرة ﻋﻠﻰ أنْ ﺗﻜﻮن طيِّبًا، إنَّما ﯾﻌﻨﻲ أنْ ﺗُﻄﻮِّر ﻓﻲ ذاﺗﻚ اﻟﻘﺪرة ﻋﻠﻰ ارﺗﻜﺎب أﻓﻌﺎلٍ ﺷﺮِّﯾﺮةٍ ﻓﻲ ﺣﺎل ﻛﺎﻧﺖ ﺿﺮورﯾَّﺔً ﺳﯿﺎﺳﯿًّﺎ: "من الضَّروريِّ للأمير – على ما يقول ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ – أنْ يكون قادرًا على الاتِّصاف بطبيعة الوحش واﻹﻧﺴﺎن معًا" (30). بهذا اﻟﺘَّﺼﺮُّف ﯾﺮﺗﻔﻊ اﻟﺤﺎﻛﻢ اﻟَّﺬِي ﯾﺠﺴِّﺪ بشخصه إرادة اﻟﺪَّوﻟﺔ ﻓﻮق تضادِّ اﻟﺨﯿﺮ واﻟﺸَّﺮِّ، لكِنَّهُ ﻻ ﯾُﻠْﻐﻲ هذا التَّضادَّ نَفْسَهُ. فَهُوَ يتخطَّاه ﺑِﺎﺳْﻢِ اﻟﺪَّوﻟﺔ، لكِنَّهُ ﻻ يُعْدِمُه. وﺑﻤﺎ أنَّ الكلام هُنا هُوَ على انتهاكات للأخلاق ﺗُﺮﺗَﻜَﺐ ﺑﻌﯿﻮنٍ ﻣﻔﺘﻮﺣﺔٍ، وﺑِﻮَﻋْﻲٍ وفَهْمٍ أنَّها انتهاكاتٌ ﺗﺤﺪﯾﺪًا، ﻓﺈنَّ اﻷﺧﻼق نَفْسَها ﺗﺤﺎﻓﻆ ﻋﻠﻰ استقلاليَّتها. وهِيَ بهذا تحديدًا – بحفاظها ﻋﻠﻰ اﻻﺳﺘﻘﻼﻟﯿَّﺔ وتسميَّتها اﻟﺸَّﺮَّ ﺷﺮًّا، ﺣَﺘَّﻰ ﻟﻮ ارﺗُﻜِﺐَ ﻟﺨﯿﺮ اﻟﺪَّوﻟﺔ – تُسْهِمُ ﻓﻲ الإقلال من الشَّرِّ المُحَفَّزِ بدوافعَ سياسيَّةٍ. ﺑﺎﻟﻄَّﺒﻊ، ﻻ ﯾﻤﻜﻦ اﻋﺘﺒﺎر ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ، ﻛﻤﺎ ﯾﺰﻋﻢ بعض الباحثين، "ﻣﻌﻠِّﻤًﺎ ﻟﻠﺸَّﺮِّ"، إنْ كان مِثْلُ هذا الأمر ﻣﻤﻜﻨًﺎ أصلًا؛ ﯾﻤﻜﻦ اﻋﺘﺒﺎره ﻣُﻌﻠِّﻤًﺎ كهذا ﻓﻘﻂ بمعنى أنَّه ﯾُﻌﻠِّﻢ ارﺗﻜﺎب اﻷﻓﻌﺎل اﻟﺸِّﺮِّﯾﺮة ﻛﻮﺳﯿﻠﺔٍ اضطراريَّةٍ، ولكِنْ من غير أنْ ﯾﺼﺒﺢ اﻟﻤﺮءُ نَفْسُهُ ﺷﺮِّﯾﺮًا. وإذا ﻛﺎن ﯾُﻌﻠِّﻢ ﺷﯿﺌًﺎ ذا صلةٍ ﺑﺎﻷﻓﻌﺎل اﻟﺸِّﺮِّﯾﺮة، فَهُوَ أنْ يكون المرء ﺳﯿِّﺪَ مِثْلِ هذه اﻷﻓﻌﺎل، وأنْ يرتكبها بِفَهْمٍ واﺿﺢٍ لغاياتها وحدود ضرورتها. وﻋﻠﻰ أيِّ ﺣﺎلٍ، لا يَصِلُ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ إﻟﻰ ﺣَﺪِّ اﻋﺘﺒﺎر الجدوى (اﻟﻤﻼءﻣﺔ) اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ بذاتها ﻣﺼﺪرًا ﻟﻠﻤﺒﺎدئ اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ.
وهكذا، ﯾﻤﻜﻨﻨﺎ اﻟﺘَّﺤﺪُّث ﻋﻦ الإطيقا اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ عند مكيافيللي، وﻟﯿﺲ ﻋﻦ اللَّاأخلاقيَّة اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ، ﺑَﻞْ ﻋﻦ اﻷﺧﻼق اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ ﺗﺤﺪﯾﺪًا اﻟَّﺘِﻲ ﺗﻜﻤﻦ خصوصيَّتها ﻓﻲ كونها ذات طابَعٍ مُؤسَّسيٍّ وسياسيٍّ. هذه اﻷﺧﻼق، وإنْ ﻛﺎﻧﺖ تبيح الأفعال اللَّاأخلاقيَّة، إلَّا أنَّها ﻻ تَعُدُّها إﻟﺰاﻣﯿَّﺔً، وﺗُﺤَﺬِّر ﻣﻦ الوَهْمِ اﻟﺮِّﯾﺎﺋﻲِّ اﻟﻘﺎﺋﻞ إنَّها ما أنْ تصبح ﺿﺮورﯾَّﺔً ﺳﯿﺎﺳﯿًّﺎ حَتَّى تبطل عن كونها ﻻأﺧﻼﻗﯿَّﺔ. إضافةً إلى ذلك، يفتح هذا اﻟﺘَّﺤﺮﯾﺮ ﻟﻠﺴِّﯿﺎﺳﺔ ﻣﻦ اﻷﺧﻼق اﻟَّﺬِي يُؤسِّسُهُ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ، والمصحوب بالنَّظر إليها بوصفها مجالًا ﻟﻠﻨَّﺸﺎط الَّذِي ﯾَﺨْﻀَﻊُ لقوانينه اﻟﺨﺎﺻَّﺔ، أُفُقًا رحبًا أمام النَّقد اﻷﺧﻼﻗﻲِّ ﻟﻠﺴِّﯿﺎﺳﺔ.
ﻟﻘﺪ أﺻﺒﺢ من شِبْهِ المُسَلَّم به أنْ ﯾُﻨْﺴَﺐَ إﻟﻰ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ الرَّأي القائل بأنَّ ﻛُﻞَّ ﻣﺎ هُوَ ﻣﻔﯿﺪ ﻟﻠﺪَّوﻟﺔ وداعم لها هُوَ ﻣُﺒﺮَّر أﺧﻼﻗﯿًّﺎ. هذا ﻏﯿﺮ ﺻﺤﯿﺢ. إذ إنَّ موقف ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ﻣﺨﺘﻠﻒ: فَهُوَ يرى أنَّ اﻷﻓﻌﺎل اللَّاأخلاقيَّة تندرج في عِدادِ اﻟﻮﺳﺎﺋﻞ اﻹﻟﺰاﻣﯿَّﺔ ﻟﻠﻨَّﺸﺎط اﻟﺴِّﯿﺎﺳﻲِّ-اﻟﺪَّوﻟﻮيِّ، فضلًا عن أنَّ اﻟﺮَّﻓﺾ اﻟﻤﺒﺪﺋﻲَّ لها، وﻛﺬﻟﻚ ﻋﺪم اﻟﻘﺪرة ﻋﻠﻰ استخدامها ﺑِﻮَﻋْﻲٍ، يرتدَّان، ﺣﺘﻤًﺎ، ﻋﻠﻰ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ ﺑﻌﻮاﻗﺐ وخيمةٍ ﻣﺪﻣِّﺮة. ﻟﻘﺪ عَلَّلَ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ وأﻗَﺮَّ ﻧﻈﺮﯾًّﺎ (ﻟﻢ ﯾُﻤﺠِّﺪ، ﺑْﻞْ عَلَّلَ وأﻗَﺮَّ ﻧﻈﺮﯾًّﺎ) اللَّاأخلاقيَّة ﻓﻲ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ، لكنَّه ﻟﻢ ﯾُﻘِﺮَّ ﻻأﺧﻼﻗﯿَّﺔ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ، وﻟﻢ يحسب اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ ضربًا من ضروب اللَّاأخلاقيَّة، لأنَّه ﻟﻢ يَرَ في اﻟﻮﺳﺎﺋﻞ اللَّاأخلاقيَّة اﻟﻤﺤﺘﻮى المُهَيْمِنَ، وﻻ حَتَّى اﻟﻤﺤﺘﻮى اﻟﻮﺣﯿﺪ ﻟﻠﻤﻤﺎرﺳﺔ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ.
تُظْهِرُ اﻟﻘﺮاءةُ اﻟﻤﺘﺄﻧِّﯿﺔ للفصول ﻣﻦ ﻛﺘﺎب "اﻷﻣﯿﺮ" اﻟَّﺘِﻲ ﯾﺒﺘﻌﺪ فيها ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ، ﻛﻤﺎ ﯾُﺪرِكُ هُوَ نَفْسُهُ، أﻛﺜﺮ ﻣﺎ ﯾﻜﻮن من "آراء اﻵﺧﺮﯾﻦ"، أنَّ داﻓﻌَﯿﻦ أﺳﺎﺳﯿَّﯿﻦ يهيمنان عليها: فَهُوَ يوجِّه الأمير-اﻟﺤﺎﻛﻢ ويدعوه، أوَّلًا، إلى اﻟﺘَّﺨﻠُّﺺ ﻣﻦ الوَهْمِ اﻟﻘﺎﺋﻞ ﺑﺄنَّ ﺧﯿﺮ اﻟﺪَّوﻟﺔ يستبعد اﺳﺘﺨﺪام اﻟﻮﺳﺎﺋﻞ اللَّاأخلاقيَّة، وإلى اﻟﻨَّﻈﺮ إﻟﻰ اﻷُﻣﻮر ﺑﻮاﻗﻌﯿَّﺔٍ وﻋﺪم اﻟﺨﻮف ﻣﻦ أنْ يُنْعَتَ ﺑﺎﻟﻘﺴﻮة والخداع، أيْ إلى ﺧَﻠْﻊِ اﻟﻘﻨﺎع اﻟﻤﻌﺘﺎد ﻟﻠﻨِّﻔﺎق اﻷﺧﻼﻗﻲِّ الَّذِي ﯾُﻘَﺪَّمُ اﻟﺸَّﺮَّ ويُصوِّره ﻋﻠﻰ أنَّه ﺧﯿﺮٌ؛ وﺛﺎﻧﯿًﺎ، إﻟﻰ أنْ ﯾﻜﻮن "ﻣﻘﺘﺼﺪًا" وﻣﺘﺤﻔِّﻈًﺎ للغاية ﻓﻲ اﺳﺘﺨﺪام اﻟﻮﺳﺎﺋﻞ اللَّاأخلاقيَّة، لكي ﻻ ﯾﺘﺠﺎوز اﻟﺤَﺪَّ اﻷدﻧﻰ اﻟﻀَّﺮوريَّ ﺳﯿﺎﺳﯿًّﺎ.
وأيًّا تكن دِقَّةُ تأويلنا لموقف مكيافيللي وتمييزه ﻋﻦ التَّحريفات واﻟﺘَّﺒﺴﯿﻄﺎت المبتَذَلة اللَّاحِقَة، ﻓﺈنَّ ﺷﯿﺌًﺎ واﺣﺪًا يبقى واضحًا ﺗﻤﺎﻣًﺎ: ﻟﻘﺪ بَيَّنَ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ (سوَّغ، أﺛﺒﺖ، أﺻﺮَّ) أنَّ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ ﻣُﻘْﺘَﺮِﻧَﺔٌ باللَّاأخلاقيَّة واﻟﻌﻨﻒ واﻟﺨﺪاع. هذا هُوَ اﻟﺪَّرسُ اﻟﻨَّﻈﺮيُّ الأهَمُّ اﻟَّﺬِي قدَّمه مكيافيللي واﻟَّﺬِي، ﻓﻲ رأﯾﻲ، ﻟﻢ ﯾُﺴﺘﻮﻋَﺐ جَيِّدًا ﺣَﺘَّﻰ النِّهاية. وﻋﻨﺪﻣﺎ أﻗﻮل "ﻟﻢ ﯾُﺴﺘﻮﻋَﺐ جَيِّدًا ﺣَﺘَّﻰ النِّهاية"، ﻓﺄﻧﺎ أﻋﻨﻲ، ﻋﻠﻰ اﻷﻗَﻞِّ، ﻧﺘﯿﺠﺘﯿﻦ ﻣﺘﺮاﺑﻄﺘﯿﻦ ﺗﺘﺮﺗَّﺒﺎن ﻋﻠﻰ ذﻟﻚ. ﺗﺘﻌﻠَّﻖ الأُولى ﺑﺎﻷﺧﻼق، وتتعلَّق اﻟﺜَّﺎﻧﯿﺔ ﺑﺎﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ، وبفهمهما ومعرفة مكانتهما ﻓﻲ ﺣﯿﺎة اﻹﻧﺴﺎن واﻟﻤﺠﺘﻤﻊ.
ﻟﻤﺎذا، وَفْقًا لمكيافيللي، ﻻ ﯾﻤﻜﻦ ﺗﻄﺒﯿﻖ اﻟﻤﻌﺎﯾﯿﺮ اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ ﻟﻠﺘَّﻤﯿﯿﺰ ﺑﯿﻦ اﻟﺨﯿﺮ واﻟﺸَّﺮِّ، وﺑﯿﻦ اﻷﻓﻌﺎل الصَّالحة والأفعال الطَّالحة ﻓﻲ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ؟ لأنَّها تظهر، ﻗﺒﻞ ﻛُﻞِّ ﺷﻲءٍ، ﻓﻲ ﺻﻮرة ﻣﺒﺎدئ ﻏﯿﺮ مشروطة. وبهذه اﻟﺼُّﻮرة، يمكنها أنْ تكون مُجْدِيَةً وفعَّالةً باعتبارها قناعةً ﺷﺨﺼﯿَّﺔً فقط. أﻣَّﺎ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ فَهِيَ ﺗﻤﺜِّﻞ ﻣﺠﺎلًا للتَّفاعل المتبادل ﺑﯿﻦ اﻟﻨَّﺎس، وﻧﻮﻋًﺎ ﻣﻦ اﻟﺘَّﻮازن القائم بين قوى وﻣﺼﺎﻟﺢ ﻏﯿﺮ ﻣﺘﺠﺎﻧﺴﺔٍ؛ وﻟﯿﺴﺖ اﻟﻘﻨﺎﻋﺎت (اﻟﻤﺒﺎدئ) هِيَ الأمر المُهِمُّ فيها، ﺑَﻞْ اﻷﻓﻌﺎل ذاتها ﻓﻲ نتائجها الملموسة واﻟﻤﺮﺋﯿﺔ، اﻟﻤﺆﺛِّﺮة في اﻟﻮﺿﻊِ اﻟﻌﺎمِّ ﻟﻸُﻣﻮر. ﻟﺪى ﻓﻼدﯾﻤﯿﺮ إيليتش ﻟﯿﻨﯿﻦ اﻟَّﺬِي يُشْبِهُ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ﺟِﺪًّا ﻓﻲ ﻣﺴﺄﻟﺔ العلاقة بين اﻷﺧﻼق والسِّياسة، ﻣﻘﻮﻟﺔٌ دﻗﯿﻘﺔٌ ﺟِﺪًّا مُفادُها أنَّ اﻟﻔَﺮْقَ ﻛﺒﯿﺮٌ، من النَّاحية الشَّخصيَّة، ﺑﯿﻦ اﻟﺨﺎﺋﻦ عن غباءٍ واﻟﺨﺎﺋﻦ عن سابق إصرارٍ وتصميمٍ، ﻟﻜِﻦْ ﻻ وﺟﻮد لهذا اﻟﻔَﺮْقِ ﻣﻦ اﻟﻨَّﺎﺣﯿﺔ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ.
ﯾﺴﻤﺢ اﻟﺘَّﺤﻠﯿﻞ اﻟَّﺬِي قَدَّمَهُ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ﺣﻮل ﺳﺒﺐ ﻋﺪم جواز اللُّجوء إلى المعايير اﻷﺧﻼقيَّة ﻓﻲ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ، بِفَهْمِ طبيعة الأخيرة ذاتها. اﻟﻤﻘﺼﻮد هُوَ إﺑﺮاز خصوصيَّة اﻷﺧﻼق واﻷﻓﻌﺎل اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ ودراستها ﻣﻦ جهة تَضارُبها ﻣﻊ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ. بَيْدَ أنَّ هذا اﻻﺗِّﺠﺎه اﻟﺒﺤﺜﻲَّ الواعد واﻟﻤﺜﻤﺮ ﺟِﺪًّا ﻟﻢ ينل نصيبه الوافي من التَّطوير الكافي، ﺑَﻞْ تعرَّض لتحريفٍ ملحوظٍ. ﯾﺘﺠﻠَّﻰ التَّحريف ﻓﻲ ﻣﺤﺎوﻻت إﻋﺎدة ﺗﻔﺴﯿﺮ اللَّاأخلاقيَّة ﻓﻲ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ لتبدو وكأنَّها نمطُ أفعالٍ مقبولٌ أﺧﻼﻗﯿًّﺎ، وﻋﻨﺼﺮٌ شرعيٌّ ﻓﻲ اﻷﺧﻼق اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ. وبدلًا ﻣﻦ الغوص واﻟﺒﺤﺚ ﺑﻌﻤﻖٍ أﻛﺒﺮ ﻓﻲ ﺧﺼﻮﺻﯿَّﺔ اﻷﺧﻼق الَّتِي بسببها ﺗﺒﺪو عنصرًا متطفِّلًا وغريبًا ﻓﻲ ﻋﺎﻟَﻢ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ وﺗﺒﻘﻰ، مِنْ حَيْثُ المبدإِ، ﺳُﻠﻄﺔً ﻧﻘﺪﯾَّﺔً تُجاهها، تُقدِّم الإطيقا ﻓﻲ نُسخها اﻟﻤﺨﺘﻠﻔﺔ – اﻟﻨَّﻔﻌﯿَّﺔ واﻟﺘَّﻄﺒﯿﻘﯿَّﺔ ﻗﺒﻞ ﻛُﻞِّ ﺷﻲءٍ – ذلك الفَهْمَ للأخلاق المُلتبس اﺟﺘﻤﺎﻋﯿًّﺎ الَّذِي يُجَرِّدُها ﻣﻦ لَدْغَتِها اللَّاذعة اﻟﻤُﻄْﻠَﻘَﺔ واﻟﻔﺮدﯾَّﺔ-اﻟﺸَّﺨﺼﯿَّﺔ، ويُصالحها ﻣﻊ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ، ويُكيِّفها معها. وﻣﺎ عساها أنْ ﺗﻜﻮن ﻣﺤﺎوﻻت اﻟﺘَّﺸﻜﯿﻚ ﻓﻲ اﻟﻤﺜﺎل اﻷﺧﻼﻗﻲِّ لِلَّاعنف أو، ﻋﻠﻰ اﻷﻗَﻞِّ، إحداث صدع ﻓﻲ هذا المثال وتسفيهه بُغْيَة إفساح المجال أمام جواز اﻟﺘَّﺒﺮﯾﺮ اﻷﺧﻼﻗﻲِّ ﻟﻠﺤﺮب وأﺷﻜﺎل اﻟﻌﻨﻒ اﻷُﺧﺮى، ﺳِﻮى إفسادًا للأخلاق ذا دواﻓﻊ ﺳﯿﺎﺳﯿَّﺔ؟! وﻣﺎ عساه أنْ ﯾﻜﻮن اﻟﺴَّﻌﻲ ﻹﺛﺒﺎت الشَّرعيَّة الأخلاقيَّة ﻟﻠﺤﻖِّ ﻓﻲ اﻟﻜﺬب، ﺳِﻮى اﺳﺘﺴﻼﻣًﺎ ﻧﻈﺮﯾًّﺎ أﻣﺎم اﻟﻨِّﻔﺎق اﻟﺴِّﯿﺎﺳﻲِّ واﻟﯿﻮﻣﻲِّ؟
تحملُ ﺣﻘﯿﻘﺔُ الفصلِ المكيافيلليِّ ﺑﯿﻦ اﻷﺧﻼق واﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ ﻛﻮاﻗﻌﯿﻦ ﻣﺨﺘﻠﻔﯿﻦ ﻓﻲ طياتها فَهْمًا معيَّنًا ﻟﻸﺧﻼق. وﺑﺘﺤﺮﯾﺮه اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ ﻣﻦ اﻷﺧﻼق، ﯾَﻔْﺼُﻞ مكيافيللي، ﻓﻲ اﻟﻮﻗﺖ نَفْسِهِ، اﻷﺧﻼق ﻋﻦ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ. فَهُوَ ﯾﺮى ﻓﻲ اﻷﺧﻼق: أ) ﻣُﻄْﻠَﻘِﯿَّﺔ اﻟﻤﺒﺪإِ اﻟﻔﺎﺻﻞ ﺑﯿﻦ اﻟﺨﯿﺮ واﻟﺸَّﺮِّ الَّذِي ﺗﻜﻮن بموجبه اﻷﻓﻌﺎلُ الحسنةُ والأفعالُ القبيحةُ حسنةً أو قبيحةً ذاتها في ذاتها، وتحتوي ﻓﻲ ذاتها على ثوابها وعقابها اﻟﺨﺎﺻَّﯿﻦ؛ ب) ﻣﻮﻗﻔًﺎ ﻓﺮدﯾًّﺎ ﻟﻠﺸَّﺨﺼﯿَّﺔ (31)، ﺗﺘﺤﻤَّﻞ مسؤوليَّته أﻣﺎم نَفْسِها وأﻣﺎم ﷲ، لأنَّ الحديث، ﻓﻲ ﺣﺎﻟﺔ اﻟﺠﺎﻧﺐ اﻷﺧﻼﻗﻲِّ ﻟﻸﻓﻌﺎل، إنَّما يطال مقدار مدى وجُرْعَة استعداد الشَّخصيَّة لتأخذ على عاتقها مسؤوليَّة إثمها. إنَّ اﻷﺧﻼق المفهومة على هذا النَّحْوِ بالذَّات، وﻓﻘًﺎ ﻟﻤﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ، هِيَ اﻟﻤﻨﻔﺼﻠﺔ ﻋﻦ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ (32).
والحالُ، إنَّ فَهْمَ مكيافيللي للسِّياسة يَظْهَرُ بأوضح ما يكون في ضوء فَهْمِهِ ﻟﻸﺧﻼق. ليس المقصود السِّياسة المدنيَّة، ﺑَﻞْ ﺳﯿﺎﺳﺔ اﻟﺪُّول اﻟﻘﻮﻣﯿَّﺔ. ويكمن اﻟﻔﺮق الجوهريُّ بينهما ﻓﻲ أنَّ اﻟﺪَّوﻟﺔ اﻟﻘﻮﻣﯿَّﺔ، ﻛﺸﻜﻞٍ ﻣﻦ أﺷﻜﺎلِ اﻟﺠﻤﺎﻋﯿَّﺔ الجماهيريَّة اﻟﻜﺒﯿﺮة ﻣﻦ اﻟﻨَّﺎس، تمتلك منطقها التَّطوُّريَّ اﻟﺨﺎصَّ وهُوِيَّتَها الذَّاتيَّة، ويتوقَّف مصيرها – إﻟﻰ ﺣَﺪٍّ ﻛﺒﯿﺮٍ – على الحظِّ (fortune). زِدْ على ذﻟﻚ، أنَّ اﻷﻓﺮاد لا ينخرطون في اﻟﺪَّوﻟﺔ بوصفهم شخصيَّاتٍ ﻣﻨﻔﺮدةً، ﺑَﻞْ ﻛﺠﺰءٍ ﻣﻦ ﻣﺠﻤﻮﻋﺎتٍ اﺟﺘﻤﺎﻋﯿَّﺔٍ ذات ﻣﺼﺎﻟﺢ ﻣﺨﺘﻠﻔﺔٍ (وﻏﺎﻟﺒًﺎ ﻣﺘﻌﺎرﺿﺔً)، ﻻ ﯾﻤﻜﻦ ﻣﻦ ﺣﯿﺚ اﻟﻤﺒﺪإِ اﻟﺘَّﻮﻓﯿﻖ بينها. ﻟﺬﻟﻚ، ﻓﺈنَّ اﻟﺼِّﺮاﻋﺎت اﻟﺪَّاﺋﻤﺔ واﻟﻨَّﺎﺷﺌﺔ ﺑﺸﻜﻞٍ ﻏﯿﺮ ﻋﺸﻮاﺋﻲٍّ هِيَ رﻓﯿﻖٌ ﺣﺘﻤﻲٌّ ﻟﻠﺪَّوﻟﺔ، ودور اﻷﺧﯿﺮة هُوَ تخفيفها، وﻟﯿﺲ حَلَّها ﻓﻲ توليفةٍ مثاليَّةٍ ﻣﺎ. فالفضاء اﻟﺪَّوﻟﻮيُّ-اﻟﺴِّﯿﺎﺳﻲُّ ﻟﯿﺲ، وﻻ ﯾﻤﻜﻦ أنْ ﯾﻜﻮن، فضاءً ﻟﻠﻔﻀﯿﻠﺔ اﻹﻧﺴﺎﻧﯿَّﺔ.
إضافةً إلى ذلك، ﻓﺈنَّ اﻻﻋﺘﺮاف باللَّاأخلاقيَّة كعنصرٍ ﻋﻀﻮيٍّ ﻓﻲ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ، ﯾﻌﻨﻲ ﺑﻼ ﺷَﻚٍّ ﻣﺎ ﯾﻠﻲ: لا يمكن للنَّشاط اﻟﺴِّﯿﺎﺳﻲِّ-اﻟﺪَّوﻟﻮيِّ أنْ يتوافق مع التَّطلُّعات اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ اﻟﻤﺜﺎﻟﯿَّﺔ، وأنْ ﯾُﻨْﻈَﺮَ إليه كمسارٍ أساسيٍّ لتحقيقها. وكذلك، ﯾﺠﺐ أنْ يبقى هذا النَّشاط داﺋﻤًﺎ ﺗﺤﺖ مجهر اﻟﺸَّﻚِّ اﻷﺧﻼﻗﻲِّ وأنْ يكون ﻣﻮﺿﻮﻋًﺎ ﻟﻠﻨَّﻘﺪ اﻷﺧﻼﻗﻲِّ، وﻟﻮ ﻓﻘﻂ ﻟﺘﻘﻠﯿﻞ اللَّاأخلاقيَّة اﻟﻤﻼزﻣﺔ له إﻟﻰ اﻟﺤَﺪِّ اﻷدﻧﻰ. ويمكن لأنظمة الحُكْمِ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ بِنُخبها وقادتها أنْ تكون متباينةً ومختلفةً، وأنْ تكون هذه الاختلافات بِحَدِّ ذاتها كبيرةً ومُهِمَّةً جِدًّا ﻓﻲ ﺟﻮاﻧﺐ معيَّنة، ﻟﻜِﻦْ، ﻣﻊ ذﻟﻚ، ﻻ ﯾﻤﻜﻦ لأيٍّ منها، حَتَّى لأكثر بدائلها ﻣﺜﺎﻟﯿَّﺔً، أواقعيًّا كان أم تصوُّريًّا، أنْ يكون مطابقًا للخير الأخلاقيِّ، أو أنْْ يُعَدَّ مثالًا ﯾُﺤﺘﺬى به ﺣﺴﺐ اﻟﻤﻌﺎﯾﯿﺮ اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ. وﻻ ﺣﺎﺟﺔ إﻟﻰ اﻟﻘﻮل إنَّ هذا اﻟﺪَّرس المكيافيلليَّ ﻟﻢ ﯾُﺴﺘﻮﻋَﺐ ﺟَﯿِّﺪًا، واﻟﺪَّﻟﯿﻞ ﻋﻠﻰ ذﻟﻚ هُوَ ﺗﺠﺎرب اﻟﺸُّﻤﻮﻟﯿَّﺔ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ اﻟﻤﻠﯿﺌﺔ بالدِّيماغوجيا اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ ﻓﻲ اﻟﻘﺮن اﻟﻌﺸﺮﯾﻦ، معطوفًا عليها أﯾﻀًﺎ المَيْلُ اﻟﻤﺘﻔﺸِّﻲ ﺗﻘﺮﯾﺒًﺎ في أوساط اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿّﯿﻦ إﻟﻰ التَّحدُّث ﺑﻤﺼﻄﻠﺤﺎت اﻟﺨﯿﺮ واﻟﺸَّﺮِّ، والرِّهانات واﻵﻣﺎل اﻟﻤﻌﻘﻮدة ﻋﻠﻰ اﻟﻘﺎدة اﻟﻜﺎرﯾﺰﻣﺎﺗﯿﯿﻦ، وﻣﺎ إﻟﻰ ذﻟﻚ. وﻗﺪ ﯾﻜﻮن قول أﻟﺒﺮت ﺷﻔﺎﯾﺘﺰر ﺑﺄنَّ هلاك اﻟﺜَّﻘﺎﻓﺔ ﯾﺒﺪأ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﯾُﻔَﻮَّضُ تكوين اﻷﺧﻼق إﻟﻰ اﻟﺪَّوﻟﺔ ضربًا من المغالاة. ﻟﻜِﻦْ ﻣﻦ المؤكَّد ﺗﻤﺎﻣًﺎ أنَّ ﻓُﻘﺪان اﻷﺧﻼق ﻟﻠﻤﺴﺎﻓﺔ اﻟﻨَّﻘﺪﯾَّﺔ ﺗُﺠﺎه اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ واﻟﺪَّوﻟﺔ هُوَ اﻋﺘﺮافٌ بتدهوُرِ اﻷﺧﻼق ذاتها.
***
...........................
الهوامش والتَّعليقات:
* ﻧﺴﺨﺔٌ ﻣﻮﺳَّﻌﺔٌ ﻣﻦ ورﻗﺔٍ ﺑﺤﺜﯿَّﺔٍ ﻗُﺪِّﻣَﺖْ ﻓﻲ ﻣﺆﺗﻤﺮٍ في معهد اﻟﻔﻠﺴﻔﺔ اﻟﺘَّﺎﺑﻊ ﻟﻸﻛﺎدﯾﻤﯿَّﺔ اﻟﺮُّوﺳﯿَّﺔ ﻟﻠﻌﻠﻮم ﺑِﻤُﻨﺎﺳَﺒﺔ اﻟﺬِّﻛﺮى اﻟﻤﺌﻮﯾَّﺔ اﻟﺨﺎﻣﺴﺔ ﻟﻜﺘﺎب ﻧﯿﻜﻮﻻي ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ "اﻷﻣﯿﺮ". ﻧُﺸِﺮَتْ ﻧﺴﺨﺔٌ ﻣﺨﺘﺼَﺮةٌ عنها: ﻏﻮﺳﯿﻨﻮف ع.ع. ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ واﻟﻤﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﯿَّﺔ. مقالاتٌ في مُناسَبَةِ اﻟﺬِّﻛﺮى اﻟﻤﺌﻮﯾَّﺔ اﻟﺨﺎﻣﺴﺔ ﻟﻜﺘﺎب ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ "اﻷﻣﯿﺮُ" // نشرات الإطيقا التَّطبيقيَّة. الإصدار 43. تيومين. 2013. ص 111-124.
1) وهكذا، نجدُ، مثلًا، عند أرسطو قولًا مُفاده أنَّه من الأفضل للطَّاغية، لكي يُحافظ على قُوَّتِه وتكون سُلطته أكثر رسوخًا، أنْ يُنظِّم نشاطه بحيث لا يظهر في صورة الطَّاغية، بَلْ بمظهر القيصر، ويَلْزَمه "أنْ لا يبدو إنسانًا نذلًا بالكامل، إنَّما نصف نذل فقط". اُنظُر: أرسطو. السِّياسَةُ. / ترجمة س.أ. جيبليوف // أرسطو. المؤلَّفات في أربعة مُجلَّدات. المُجلَّد 4. موسكو. 1983. ص 565.
2) بِغَضِّ النَّظر ﻋﻦ السُّؤال اﻟﻤﺜﯿﺮ للاهتمام ﺣﻮل ﺗﺎرﯾﺦ ﻣﺼﻄﻠﺢ "اﻟﻤﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﯿَّﺔ"، ﺗﺠﺪر اﻹﺷﺎرة إﻟﻰ أنَّه ﻟﻄﺎﻟﻤﺎ ﺣﻤﻞ دﻻﻟﺔً قيميَّةً سلبيَّةً، ﺧَﻔَّﺖْ حِدَّتها ﺑﻤﺮور اﻟﺰَّﻣﻦ، واﻧﺘﻘﻠﺖ، ﻓﻲ اﻟﻮﻗﺖ نَفْسِهِ، ﻣﻦ شخصيَّة ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ إﻟﻰ الظَّاهرة ذاتها. ﻓﻲ اﻟﺒﺪاﯾﺔ، فُهمَت اﻟﻤﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﯿَّﺔ ﻋﻠﻰ أنَّها ﻧﻈﺮةٌ ﻣﻨﺤﺮﻓﺔٌ إﻟﻰ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ، ﯾُﻔْﺘَﺮَضُ أنَّها خَصلةٌ من خِصالِ اﻟﻔﻠﻮرﻧﺴﻲِّ اﻟﻤﻨﺤﺮف تُعبِّر عن سوء خُلُقه وطباعه أﻛﺜﺮ مِمَّا تعبِّر عن حقيقة اﻟﻤﻮﺿﻮع نَفْسِه. ﻧﺎلَ كتابُ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ﺷﺮف اﻟﺤﻈﺮ ﻟﻔﺘﺮةٍ طويلةٍ، ﻛﻤﺎ ﻟﻮ أنَّه ﯾُﺸَﺠِّﻊُ اﻻﻧﺤﺮاﻓﺎت اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ ﻓﻲ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ ويُرَوِّجُها، وﺑﺎﻟﺘَّﺎﻟﻲ، ﻛﺎن ﻏﯿﺮ ﻻﺋﻖٍ ﻓﻲ الفضاء العموميِّ شأنه ﻓﻲ ذﻟﻚ ﺷﺄن الألفاظ والشَّتائم اﻟﺒﺬﯾﺌﺔ. ومع ﻣﺮور اﻟﻮﻗﺖ، وﺗَﻄﻮُّر المنهج اﻟﻌﻠﻤﻲِّ في فَهْمِ الظَّواهر اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿَّﺔ، أﺻﺒﺢ ﻣﻦ اﻟﻮاﺿﺢ أنَّ اللَّاأخلاقيَّة ﻣﺮﺗﺒﻄﺔ بجوهر اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ نَفْسِها، وأﺻﺒﺤﺖ اﻟﻤﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﯿَّﺔ ﺗﺪلُّ ﻋﻠﻰ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ اللَّاأﺧﻼﻗﯿَّﺔ. وﻓﻲ اﻟﻮﻋﻲ اﻟﻌﺎمِّ وﻓﻲ اﻟﻠُّﻐﺔ اﻟﺮُّوﺳﯿَّﺔ اﻟﺪَّارﺟﺔ ينطوي هذا اﻟﻤﺼﻄﻠﺢ، إﻟﻰ ﺟﺎﻧﺐ ﻣﻌﻨﺎه اﻟﻤﺤﺪَّد اﻟﻤﺘﻤﺜِّﻞ ﻓﻲ اللَّاأخلاقيَّة ﻓﻲ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ، على معنًى أوﺳﻊ يشمل اﻟﻤﻜﺮ واﻟﺨﯿﺎﻧﺔ واﻟﻐﺪر عمومًا. وﻓﻲ ﻛﻠﺘﺎ اﻟﺤﺎﻟﺘﯿﻦ يجري الحديث ﻋﻦ الظَّواهر الواﻗﻌﯿَّﺔ الَّتِي يحتوي وجودها ذاته ﻋﻠﻰ ﻣﻮﻗﻒٍ أخلاقيٍّ-ﺳﻠﺒﻲٍّ تُجاهها.
3) "ﯾُﻔﺘَﺮَضُ أنَّ اﻷﺧﻼق واﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ ﻣﺠﺎﻻن مستقلَّان، واﻟﺨﻠﻂ بينهما ﻋﺒﺜﻲٌّ ﻧﻈﺮﯾًّﺎ ﺑﻘﺪر ﻣﺎ هو ﺿﺎرٌّ ﻋﻤﻠﯿًّﺎ. وفي الحقيقة، أصبح هذا الفَهْمُ سِمَةً مُمَيَّزَةً للنَّظريَّة السِّياسيَّة المُعاصِرة: وقد أصبح هذا الفَهْم الَّذِي عَبَّرَ عنه مكيافيللي وهوبز مُسَلَّمةً في العلوم الاجتماعيَّة المُعاصِرة". اُنظُر: Hösle V. Moral und Politik. Grundlage einer politishen Ethik für das 21. Jahrhundert. München, 1997. S.15. تُعَبِّرُ هذه النَّظرة إلى علاقة السِّياسة بالأخلاق عن المَيْلِ الأساسيِّ للنَّظريَّة السِّياسيَّة. وهِيَ، من دون شَكٍّ، النَّظرة المهيمنة في العلم السِّياسيِّ المُعاصِر، بما في ذلك نُسخَته الرُّوسيَّة، لكِنَّها ليست الوحيدة. ثَمَّةَ وجهة نظر قريبة منها لا بُدَّ من الإشارة إليها في سياق موضوعنا مُفادها أنَّ الأخلاق والسِّياسة هُما مجالان مستقلَّان، لكنَّهما يتقاطعان في بعض النُّقاط. وتكمن المسألة كُلُّها في تحديد هذه النُّقاط. وتُقتَرَحُ ههُنا حلولٌ جزئيَّةٌ بدلًا من صيغةٍ ما مُوَحَدَّة. وعلى سبيل المثال، يرى ب.غ. كابوستين أنَّ مسألة التَّفاعل المتبادل بين الأخلاق والسِّياسة تحظى بإجاباتٍ مختلفةٍ، وذلك تبعًا لِما إذا كان الحديث يدور حول الأخلاق في نسختها الكانطيَّة أم النَّفعيَّة، أو حول السِّياسة الكبرى أم السِّياسة الصُّغرى، أو حول ما إذا كان الموقف صادرًا من داخل السِّياسة ذاتها أم من خارجها (اُنظُر: كابوستين ب.غ. الأخلاقُ والسِّياسَةُ // كابوستين ب.غ. نَقْدُ الفلسفة السِّياسيَّة. مقالات مختارة. موسكو، 2010. ص 347-366). يمكن النَّظر إلى هذا النَّموذج للتَّطابق الجزئيِّ بين الأخلاق والسِّياسة كحالةٍ خاصَّةٍ من الانفصال بينهما باعتبارهما مجالين مختلفين من النَّشاط؛ يبقى ذلك الحيِّزُ القيميُّ من السِّياسة الَّذِي يتقاطع مع الأخلاق لحظةً من لحظات السِّياسة ذاتها تابعةً لمنطق الأخيرة الدَّاخليِّ وقوانينها. تُدرَجُ الأخلاق في السِّياسة بِصِفَتِها وسيلةً من وسائلها، ولحظةً من لحظات الجدوى السِّياسيَّة. وهذا ما يبدو جليًّا عند تحليل دور استخدام العنف في السِّياسة وشروطه - المسألة الأساسيَّة المولِّدة لتوترها الأخلاقيِّ. كما يبدو هذا التَّحليل خاليًا من الحِمْلِ الأخلاقيِّ ويجري في إطار التَّبرير الحكوميِّ الأوَّلي للعنف باعتباره مكوِّنًا طبيعيًّا من مكوِّنات السِّياسة السَّويَّة. وتجدر الإشارة إلى أنَّ فَصْلَ السِّياسة عن الأخلاق مرتبط عضويًّا بتبرير العنف السِّياسيِّ، ما يسمح بالافتراض أنَّ مقصود هذا الفصل هُوَ هذه الغاية بالذَّات.
لقد أصبحت نظرية العدالة لجون رولز بعد صدور كتابه الَّذِي يحمل العنوان نفسه عام 1971 علامةً فارقةً للنَّظريَّة السِّياسيَّة في عصرنا. وفي هذا الكتاب قام رولز بمحاولة لاقت صدًى واسعًا في الأوساط الأكاديميَّة لإعادة الأخلاق إلى السِّياسة. ومع ذلك، لم تُبْدِ تأثيرًا جدِّيًّا في السِّياسة الواقعيَّة الَّتِي تطوَّرت طوال هذه السَّنوات، بخاصَّة، في الرُّبع الأخير من القرن العشرين، في الاتِّجاه المضادِّ تمامًا. وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار النَّزعة السَّائدة، فإنَّنا نجد عدم المساواة يتفاقم ويتحقَّق في المقام الأوَّل (في الاتِّجاه المعاكس لبرنامج جون رولز المعياريِّ) لصالح شرائح السُّكان الأكثر ثراءً. إضافةً إلى ذلك، فقد تعرَّض موقف جون رولز لِلنَّقدِ من داخل النَّظريَّة السِّياسيَّة ذاتها، لأنَّه ينظر إلى السِّياسة بالعيون الأخلاقيَّة المجرَّدة-الشَّاملة للفرد العقلانيِّ. واللَّافتٌ في هذا الصَّدد هُوَ بَحْثُ ف. أنكِرسمت "السِّياسة الجماليَّة" (أنكِرسميت ف.ر. السِّياسة الجماليَّة. الفلسفة السِّياسيَّة في ما وراء الواقعة والقيمة/ ترجمه عن الإنجليزيَّة كراليتشكين د. تحت الإشراف العلميِّ بوريسوفا إ. موسكو. 2014). من المُهِمِّ التَّأكيد أنَّ المؤلِّف وفي مجابهته للنَّظريَّة السِّياسيَّة الموجَّهة أخلاقيًّا يلجأُ إلى التَّقاليد الموروثة عن مكيافيللي.
4) أرسطو: في النَّفْسِ / ترجمة ب. س. بابوف // أرسطو. المؤلَّفات في أربعة مُجلَّدات. المُجلَّد الأوَّل. موسكو. 1975. ص 415. (باللُّغة الرُّوسيَّة).
5) أرسطو: السِّياسَةُ. ص 378. (باللُّغة الرُّوسيَّة).
6) "النَّظريَّةُ السِّياسيَّةُ عند أرسطو هِيَ نظريَّةُ المأسَسات الأخلاقيَّة للمدينة". اُنظُر: Ritter J. Metaphysik und Politik. Studien zu Aristoteles und Hegel. Suhrkamp. Fr.a/M.,1969. S. 12
7) أرسطو. السِّياسَةُ، 1253a. ص 378. (باللُّغة الرُّوسيَّة).
8) المَصْدَرُ نَفْسُهُ. 1281a. ص 462.
9) المَصْدَرُ نَفْسُهُ. 1280b. ص 461-462.
10) المَصْدَرُ نَفْسُهُ. 1333a. ص 616.
11) المَصْدَرُ نَفْسُهُ. 1334a. ص 619.
12) مكيافيللي ن. تاريخُ فلورنسا / ترجمة ن. يا. ريكوفا. موسكو. 1987. ص 112.
13) مكيافيللي ن. الأميرُ/ ترجمة م.س. فيلدشتاين. المؤلَّفات. المُجلَّد الأوَّل. موسكو-لينينغراد. 1934. ص 278. (باللُّغة الرُّوسيَّة).
14) المَصْدَرُ نَفْسُهُ. ص 325.
15) يمكن تطبيق موقفه، المُعبَّر عنه في هذه الرِّسالة الفلسفيَّة-السِّياسيَّة على قوله الَّذِي أدلى به في مؤلَّفه التَّاريخيِّ "تاريخُ فلورنسا": "على امتداد سردي لم تكن لديَّ قَطُّ رغبةٌ في إخفاء فعلٍ قبيحٍ بِرِداءٍ جميلٍ، ولا في حَجْبِ عملٍ صالحٍ بِحُجَّة أنَّه رام غايةً مذمومةً" (مكيافيللي ن. تاريخ فلورنسا. ص 6).
16) مكيافيللي ن. الأميرُ. ص 289.
17) وفي هذا الصَّدد، يبدو مثال قيصرنا بطرس الأكبر الَّذِي أعدم ابنه بتهمة الخيانة العظمى مثالًا لافتًا. ففي كتاب "تاريخ روسيا منذ الأزمنة السَّحيقة" لمؤلِّفه س.م. سولوفيوف، نقرأ: "أمَرَ بطرس في رسائله إلى وزرائه الخارجيّين بوصف وفاة ابنه على النَّحو الآتي: بعد إعلان حكم المحكمة على وَلِيِّ العهد كنَّا نحن الأب بين نارَيِّ الشُّعور الطَّبيعيِّ بالعطف والرَّحمة من جهة، والقلق البالغ على سلامة دولتنا وأمنها المستقبليِّ من جهة أُخرى، ولم نكن قادرين بعد على اتِّخاذ قرارنا في هذه المسألة الشَّائكة والمُهمَّة. لكِنَّ الله العلي القدير الرَّحيم أراد بمشيئته وحكمه العادل أنْ يُخلِّصنا من هذا الشَّكِّ، ويخلِّص بيتنا من الخطر والعار، فقام أمسِ ( بتاريخ 27 يونيو) بإنهاء حياة ابننا اليكسي بعد إعلان هذا الحكم المتعلِّق باكتشاف تَورُّطه في جرائم ضِدَّنا، وضِدَّ الدَّولة بأسرها، الأمر الَّذِي سبَّب له مرضًا قاسيًّا كان في البداية أشبه ما يكون بالسَّكتة الدِّماغيَّة" (سولوفيوف س.م. مُؤلَّفات في 18 كتابًا. الكتاب التَّاسع. موسكو.، 1993. ص 182-183). تَغَلَّبَ منطقُ الحاكم على منطقِ الأُبُوَّةِ، على ما تجلَّى ذلك في قيام بطرس بِنَسبِ كُلٍّ من الحكم بالإعدام على الابن-الخائن وتنفيذ هذا الحكم إلى إرادة الله.
18) لقد كان هذا الاكتشاف فتحًا تاريخيًّا. كان ه. فراير مُحقًّا تمامًا عندما كتب: "قَبْلَ جيلٍ من إعادة كوبرنيكوس النَّظر في النِّظام الشَّمسيِّ، وقَبْلَ قرنٍ من ابتكار غاليليو الميكانيكا كنظريَّةٍ رياضيَّةٍ للحركة، اكتشف مكيافيللي قوانين العالَم السِّياسيِّ الطَّبيعيَّة" (فراير ه. مكيافيللي/ ترجمة د.ف. كوزنيتسين. سانت بطرسبورغ. 2011. ص 285).
19) اُنظُر: Buchbeim H. Politik und Ethik. München, 1991; Сутор Б. Малая политическая этика //Политическая и экономическая этика. М.,2001; Капустин Б. Г. Указ. соч.
20) ويمكن تتبُّع هذه الخطوة المحتومة منطقيًّا بوضوحٍ تامٍّ في مقالة ل. تروتسكي "أخلاقهم وأخلاقنا"، حيث تتبوأ المركز الأعلى للأخلاق تلك القُوَّة ذاتها الَّتِي أُنزِلت عنه بِاسْمِها. وانطلاقًا من الأطروحة القائلة بأنَّ الأخلاق تخدم المصالح الطَّبقيَّة، وإنَّ الحديث هو فقط عن مصالح أيِّ طبقة تخدمها الأخلاق، توصَّلَ تروتسكي إلى استنتاج مُفاده أنَّ الغاية التَّحريريَّة الَّتِي تؤدِّي إلى الدِّيمقراطيَّة والاشتراكيَّة "تبرِّر، في ظِلِّ ظروف معيَّنة، وسائل من مِثْلِ العنف والقتل. فما بالك بالحديث عن الكذب!". بَلْ وأكثر تحديدًا: " بالنِّسبة إلى الماركسيِّ الثَّوريِّ لا يمكن أنْ يكون هناك تَناقُضٌ بين الأخلاق الشَّخصيَّة ومصالح الحزب، لأنَّ الحزب يحيط في وعيه بأسمى مهام الإنسانيَّة وغاياتها". وبتعميمه لهذه النَّظرة صاغ "أَمْرَهُ القطعيَّ": "تتشابك قضايا الأخلاق الثَّوريَّة مع قضايا الستراتيجيا والتَّكتيك الثَّوريَّين. فالإجابة الصَّحيحة عن هذه المسائل إنَّما تُقدِّمها التَّجربة الحَيَّة للحركة في ضوء النَّظريَّة العامَّة" Троицкий Л.Д. Их мораль и наша (Памяти Льва Седова) // Этическая мысль: научно-публ. Чтения.1991. М. С. 230, 236, 240. إنَّ أقوال تروتسكي هذه المروِّعة بِحَدِّ ذاتها، لكن الصَّريحة إنسانيًّا والمتَّسقة نظريًّا، قَيِّمَةٌ، لأنَّها تفضح جوهر إفساد الأخلاق الَّذِي غالبًا ما يتوارى خَلْفَ أحكامٍ أكاديميَّةٍ رصينةٍ عن الطَّابَع الظَّرفيِّ والسِّياقيِّ للأخلاق، وعن ضرورة التَّخلِّي عن الأخلاقيَّة المُجَرَّدة، والاعتماد على التَّجربة الحَيَّة المُعاشة، والأخذ بعين الاعتبار تضارُب القيم وإلخ.
21) مكيافيللي ن. الأميرُ. ص 282.
22) المَصْدَرُ نَفْسُهُ. ص 278-279.
23) المَصْدَرُ نَفْسُهُ. ص 286.
24) المَصْدَرُ نَفْسُهُ. ص 288.
25) المَصْدَرُ نَفْسُهُ. ص 313.
26) يمكن العثور على عرض تحليليٍّ للمناقشات الخاصَّة بهذه المشكلة في مقالات ا.ف. بروكوفيف: أنظر: بروكوفيف ا.ف. اختيار الأقلِّ شرًّا ومشكلة حدود الجائز أخلاقيًّا // الفكرُ الأخلاقيُّ. الإصدار التَّاسع. موسكو. 2009. ص 122-145؛ المسؤوليَّة الأخلاقيَّة في السِّياسة: رؤية من منظار أخلاق الشَّرِّ الأصغر // المجلَّة الفلسفيَّة. 2011. العدد 1(6). ص 103-114. وإذ يتبنَّى المؤلِّف المذكور، إجمالًا، الرَّأي السَّائد في الأدبيَّات (مع الأخذ بعين الاعتبار تصويباته وإضافاته)، فإنَّه يرى في أطروحة الشَّرِّ الأصغر موقفًا مُباحًا من النَّاحية الأخلاقيَّة.
27) نقلًا عن بروكوفيف ا.ف: المسؤوليَّة الأخلاقيَّة في السِّياسة… ص 104. Ignatieff M. The lesser Evil: Political Ethics in an Age of Terror. Princeton, 2004. P.19.
28) مكيافيللي ن: تُفَّاحَةُ الشَّيطان// مكيافيللي ن. المؤلَّفات. / بإشراف ا.ك دجيفيليغوف. المُجلَّد الأوَّل. موسكو-لينينغراد. 1934. ص 449.
29) مكيافيللي ن: الأمير. ص 277.
30) المَصْدَرُ نَفْسُهُ. ص 286-287.
31) "الإطيقا السِّياسيَّة- هِيَ مبادئ معياريَّة موجِّهة للأفعال، وتحديدًا، الأفعال الجماعيَّة. أمَّا الأخلاق فَهِيَ مبادئ معياريَّة موجِّهة للتَّفكير، وتحديدًا، التَّفكير الفرديِّ" (كابوستين ب.غ. مرجع سابق. ص 350). وإذ نترك جانبًا الشُّبهة ذات التَّقاليد العريقة الَّتِي تردُّ الأخلاق إلى مجال القناعات الدَّاخليَّة وتختزلها بها (موجِّهات معياريَّة للتَّفكير) باعتبارها رأيًا مشكوكًا في صِحَّته، وذلك لأنَّ الأخلاق هِيَ مقولة من مقولات المُمارَسَة ولا وجود لها خارج الأفعال، فإنَّه ينبغي الاعتراف بِدِقَّة التَّمييز بين السِّياسة كشكلٍ جماعيٍّ والأخلاق كشكلٍ فرديٍّ للنَّشاط الإنسانيِّ.
32) "ينبغي ألَّا يُفسَّر مكيافيللي وكأنَّه يهاجم الإطيقا والأخلاق. فموقفه ليس مضادًّا للأخلاق، إنَّما هُوَ مُجاوِزٌ إيَّاها" (أنكِرسميت ف. السِّياسَةُ الجماليَّةُ. موسكو. 2014. ص 208).
ﻗﺎﺋﻤﺔ المصادر واﻟﻤﺮاﺟﻊ
- أﻧﻜِﺮﺳﻤﯿﺖ ف.ر. اﻟﺴِّﯿﺎﺳَﺔُ اﻟﺠﻤﺎﻟﯿَّﺔُ. اﻟﻔﻠﺴﻔﺔُ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔُ في ما وراء الواقعة واﻟﻘﯿﻤﺔ / ﺗﺮﺟﻤﺔ د. ﻛﺮاﻟﺘﺸﻜﯿﻦ؛ ﺗﺤﺖ اﻹﺷﺮاف اﻟﻌﻠﻤﻲِّ: إ. ﺑﻮرﯾﺴﻮﻓﺎ. ﻣﻮﺳﻜﻮ: دار ﻧﺸﺮ "اﻟﻜُﻠِّﯿَّﺔ اﻟﻌﻠﯿﺎ ﻟﻼﻗﺘﺼﺎد". 2014.
- أرسطو. ﻓﻲ اﻟﻨَّﻔْﺲِ / ﺗﺮﺟﻤﺔ ب.س. ﺑﻮﺑﻮف // أرﺳﻄﻮ. اﻷﻋﻤﺎل: ﻓﻲ 4 ﻣُﺠﻠَّﺪات. ﻣُﺠﻠَّﺪ 1. موسكو. 1976. ص 369-448.
- أرﺳﻄﻮ. اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔُ / ﺗﺮﺟﻤﺔ س.أ. جيبيلف // أرﺳﻄﻮ. اﻷﻋﻤﺎل: ﻓﻲ 4 ﻣُﺠﻠَّﺪات. ﻣُﺠﻠَّﺪ 4. ﻣﻮﺳﻜﻮ. 1983. ص 375-644.
- ﻛﺎﺑﻮﺳﺘﯿﻦ ب.غ. اﻷﺧﻼقُ واﻟﺴِّﯿﺎﺳَﺔُ // ﻛﺎﺑﻮﺳﺘﯿﻦ ب.غ. ﻧَﻘْﺪُ اﻟﻔﻠﺴﻔﺔ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ: ﻣﻘﺎﻻت ﻣﺨﺘﺎرة. ﻣﻮﺳﻜﻮ. 2010. ص 347-366.
- ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ن. اﻷﻣﯿﺮُ / ﺗﺮﺟﻤﺔ م.س. ﻓﯿﻠﺪﺷﺘﺎﯾﻦ؛ ﺗﺤﺖ إﺷﺮاف أ.ك. ﺟﯿﻔﯿﻠﯿﺠﻮف // ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ن. اﻷﻋﻤﺎل. ﻣُﺠﻠَّﺪ 1. ﻣﻮﺳﻜﻮ-ﻟﯿﻨﯿﻨﻐﺮاد. 1934. ص 211-329.
- ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ن. تفاحة الشَّيطان/ ﺗﺤﺖ إﺷﺮاف أ.ك. ﺟﯿﻔﯿﻠﯿﺠﻮف // ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ن. اﻷﻋﻤﺎل. ﻣُﺠﻠَّﺪ 1. ﻣﻮﺳﻜﻮ-ﻟﯿﻨﯿﻨﻐﺮاد. 1934. ص 409-475.
- ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ن. ﺗﺎرﯾﺦُ ﻓﻠﻮرﻧﺴﺎ / ﺗﺮﺟﻤﺔ ن.ﯾﺎ. رﯾﻜﻮﻓﺎ. اﻟﻄَّﺒﻌﺔ اﻟﺜَّﺎﻧﯿﺔ. ﻣﻮﺳﻜﻮ. دار ﻧﺎؤﻛﺎ للنَّشر. 1987.
- ﺑﺮوﻛﻮﻓﯿﻒ أ.ف. اﻻﺧﺘﯿﺎر ﻟﺼﺎﻟﺢ اﻟﺸَّﺮِّ اﻷﺻﻐﺮ ومشكلات ﺣﺪود اﻟﻤﺴﻤﻮح به أﺧﻼﻗﯿًّﺎ // اﻟﻔﻜﺮ اﻷﺧﻼﻗﻲُّ. اﻟﻌﺪد 9. ﻣﻮﺳﻜﻮ. 2009. ص 122-145.
- ﺑﺮوﻛﻮﻓﯿﻒ أ.ف. اﻟﻤﺴﺆوﻟﯿَّﺔ اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ ﻓﻲ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ: رؤية ﻣﻦ منظار أﺧﻼق اﻟﺸَّﺮِّ اﻷﺻﻐﺮ // اﻟﻤﺠﻠﺔ اﻟﻔﻠﺴﻔﯿَّﺔ. 2011. اﻟﻌﺪد 1(6). ص 103-114.
- ﺳﻮﻟﻮﻓﯿﻮف س.م. ﺗﺎرﯾﺦ روﺳﯿﺎ ﻣﻨﺬ أﻗﺪم اﻟﻌﺼﻮر // ﺳﻮﻟﻮﻓﯿﻮف س.م. المؤلَّفات ﻓﻲ 18 ﻛﺘﺎﺑًﺎ. اﻟﻜﺘﺎب 9. ﻣﻮﺳﻜﻮ. 1993.
- ﺳﻮﺗﻮر ب. الإطيقا اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ اﻟﺼُّﻐﺮى // الإطيقا اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ واﻻﻗﺘﺼﺎدﯾَّﺔ. ﻣﻮﺳﻜﻮ.2001. ص 27-174.
- ﺗﺮوﺗﺴﻜﻲ ل.د. أخلاقهم وأﺧﻼﻗﻨﺎ (ذﻛﺮى ﻟﯿﻒ ﺳﯿﺪوف) // اﻟﻔﻜﺮُ اﻷﺧﻼﻗﻲُّ: ﻗﺮاءات ﻋﻠﻤﯿَّﺔ. 1991 ﻣﻮﺳﻜﻮ. 1992. ص 212-244.
- ﻓﺮاﯾﺮ ھـ. ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ / ﺗﺮﺟﻤﺔ د.ف. ﻛﻮزﻧﯿﺘﺴﯿﻦ. ﺳﺎﻧﺖ ﺑﻄﺮﺳﺒﻮرغ: ﻓﻼدﯾﻤﯿﺮ دال. 2011.
- Buchbeim H. Politik und Ethik. München: Oldenbourg, 1991.
- Hösle V. Moral und Politik. Grundlage einer politishen Ethik für das 21. Jahrhundert. München: Beck, 1997.
- Ritter J. Metaphysik und Politik. Studien zu Aristoteles und Hegel. Fr.a/M.: Suhrkamp, 1969.








