عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

دراسات وبحوث

أحمد يعقوب: مقدمة سوسيولوجية وأنثربولوجية للسّياسة في السّودان

مقدمة نظرية: لماذا السوسيولوجيا والأنثربولوجيا السياسية؟

تطرح المُمارسة السياسية في السّودان* إشكالية جوهرية تتمثل في الارتباط المعقّد بين فلسفة الدولة الحديثة القائم على المؤسسة والقانون، وفلسفة المجتمعات القائم على الأفق القبائلي والولاءات الأولية؛ ففي بلد يظل فيه "أفق المخيال" السياسي والاجتماعي أسير البنى القبلية، تصبح المعالجة السوسيولوجية والأنثربولوجية شرطاً معرفياً مسبقاً لفهم ديناميكيات وآليات التحول، وليست فقط مجرد أداة مساعدة. إذ تستند هذه المعارف إلى منهجيات تمكننا من فك شفرات التمثّلات الرمزية للسلطة، وتفكيك أشكال التضامن العرقي والإثني وتحالفاته، وتتبّع استراتيجيات التوظيف السياسي للهويات الفرعية في لحظات الأزمات والانتقال.

إن أهمية الاستعانة بهذه المعارف تنبع من قدرتها على توفير أدوات لتفسير المُفارقة السودانية: ففي الوقت الذي تسعى فيه (الشّلة /النخبة) (1) السياسية إلى بناء مؤسسات حداثية، تظل آليات الفعل السياسي الفعلية تُدار برموز القبلية وأفق مخيالها، وحيث تتحول الدولة/ المؤسسة الحديثة إلى واجهة شكلية تخترقها شبكات الولاءات القديمة.

 وتتأسس إشكالية هذه الورقة في التناقض الجوهري بين فلسفة الدولة والمجتمعات السودانية القائمة على الأفق القبائلي والولاءات الأولية.  وحين يكون "المخيال السياسي" أسير البنى القبلية؛ تصبح القبيلة كياناً سياسياً موازياً يعيد إنتاج نفسه في قلب الحداثة. ومن هنا، فإن التحليل السوسيولوجي يكشف عن كيفية تشكّل "الدولة الموازية" في العقل الجمعي، بينما يرصد الأنثربولوجي التحولات في البنى الأسرية والعشائرية وتفاعلها مع مشاريع السلطة المركزية.

وهكذا، فإن فهم مسار التحولات السياسية في السودان؛ سواء تعلق الأمر ببناء السلام، أو صياغة الدساتير، أو إدارة الأزمات؛ يظل رهناً بقدرتنا على استيعاب أن المجتمعات لا تسلّم ولاءها للمؤسسة المجردة، بل تعيد إنتاجها وفقاً لتصوراتها القبلية (أفقها المخيالي) عن العدالة والزعامة والشرعية. لذلك، فإن إدماج الرؤية السوسيولوجية والأنثربولوجية في صلب التّخطيط السياسي ليس خياراً أكاديمياً، بل ضرورة معرفية لتجنّب فشل النماذج التنموية والسياسية المستوردة، وانتهاج مسارات تحوّلٍ تُراعي خصوصية التشكيل الاجتماعي السوداني، وتستثمر في فهم "الواقع" بدلاً من فرض "المثالي" الغربي.

إن غياب الاهتمام المنهجي بدراسة القبيلة، وتحديداً في بُعدها السوسيوسياسي والمخيالي، يخلق فراغاً معرفياً خطيراً. فهذا الغياب لا يسمح بفهم كيف تعمل الخطابات القبلية كأداة لتعبئة واستقطاب وإعادة تشكيل الوعي الجمعي، ولا بكيفية توظيف النّخب / الشّلة السياسية لهذه الخطابات لتحقيق مكاسبها، ولا بإدراك أن الخطاب القبلي لم يعد محصوراً في الأرياف، بل تسلل إلى مراكز القرار، وأصبح يؤطر المُمارسة السياسية اليومية، من تشكيل التحالفات إلى توزيع الموارد إلى إدارة الصراعات. فالقبيلة، كما تؤكد الوقائع، ليست مجرد ماضٍ يندثر، بل هي حاضر متجدد، تتخذ من الدين تارة، ومن العلمنة تارة أخرى، غطاءً لها.

إن اللامبالاة الأكاديمية بدراسة القبيلة، أو اختزالها في "عصبية" معيقة للتحديث، هو في حد ذاته موقف سياسي، يغفل عن حقيقة أن القبيلة ليست مجرد هوية اجتماعية، بل هي بنية سياسية موازية، قادرة على حشد وتعبئة وتوجيه الأفراد، وفرض مصالحها على حساب الجماعات الأخرى، خاصة في سياقات فشل الدولة وتراجع العدالة.

لذا، فإن دراسة المجتمعات السودانية من زاوية سوسيوسياسية أنثروبولوجية، تركز على أنساقها القبلية كمنظومات سياسية فاعلة، وتتتبع تحولاتها في سياقات الاستعمار والاستقلال والحكم العسكري والتحول الديمقراطي، ليست ترفاً أكاديمياً، بل ضرورة منهجية لفهم قواعد بناء الدولة في السودان. فالدولة في السودان لم تتشكل قط على أنقاض القبيلة، بل تفاوضت معها، واستوعبتها، وأعادت إنتاجها. لذلك، فإن أي مشروع لبناء الدولة اليوم، أي مشروع للسلام والمواطنة، لا يمكن أن ينجح دون أن يضع في اعتباره أن القبيلة ليست عدواً يجب هزيمته، ولا تراثاً يجب تحجيمه، بل هي واقع اجتماعي وسياسي يجب فك شفراته، وفهم ديناميكيات تحركاته، والاشتغال عليه، إما بدمجه في بنية الدولة بشكل مبتكر، أو بتفكيك أسبابه الاجتماعية والاقتصادية التي تدفع الأفراد إلى الاحتماء به. وإلا، فسيظل السودان أسير صراع أبدي بين "دولة" لا تعرف مجتمعها، و"قبيلة" لا تعترف بدولة، وهو نزاعٌ سيادي ظلّ يشهده السودان منذ ما قبل الاستقلال وما بعده؛ وتجلّى بشكل أوضح في حرب الخامس عشر من أبريل العام 2023.

إننا نعيش في جغرافيا واسعة؛ وقبائل متناثرة هنا وهُناك؛ ضُمّت قسراً تحت نظام إداري واحد؛ حيث عمل على الحفاظ على البنية المنقسمة أصلا بين المجتمعات أكثر من مساهمته في جمعها وهي الوقائع التي قد يختلف معها البعض أو يتفق، وهكذا الحال في الدولة الافريقية، حين أصطنع المستعمر حدوداً جغرافية وأعطى حتى أسماءاً لقبائل لم يكن لها وجود مُستقل خارج دائرة الاجتماع الافريقي الكبير؛ مع وضع بذرة الشقاق لتفتيتها وذلك من أجل إنجاح سياساته. واليوم لا يمكن فهم الدولة الافريقية دون الرجوع لدراسة وتفكيك البنى الاستعمارية التاريخية التي اختلقت هذه الكيانات الهشة وغذّت هذه النُظم القبلية بالفرقة والشتات.

تكتسي دراسة المجتمعات السودانية عبر المقاربة السوسيوسياسية (Political Sociology) أهمية بالغة لفك تعقيدات التّحولات السياسية في السودان، والعلاقة الجدلية بين القبيلة والدولة. لا تنظر هذه الورقة إلى القبيلة كبقايا اجتماعية، بل كفاعل سياسي وثقافي يستدعي فهم بنيته الداخلية (الأفق والمخيال) لفهم مسار الدولة ذاتها وحيث تمثل الفرضية المركزية التي تنطلق منها هذه الورقة حول أن القبيلة في السودان ليست مجرد هوية اجتماعية أو بقايا عتيقة، بل هي بنية سياسية ومعرفية فاعلة، تمتلك أفقاً مخيالياً خاصاً يتفوق على مؤسسة الدولة في توجيه الفعل السياسي، وإعادة تشكيل الوعي الجمعي، وفرض منطقها في إدارة الصراع وتوزيع الموارد. وأن هذا التفوق ليس نتيجة ضعف الدولة فحسب، بل هو نتاج لسياسات تاريخية (استعمارية وما بعد استعمارية) أعادت إنتاج القبيلة كأداة للحكم، واستمرت الشلليات الحاكمة في توظيفها لتحقيق مكاسبها، مما جعل الدولة عاجزة عن بناء مشروع وطني جامع قائم على المواطنة المتساوية. ولا تقدّم هذه الورقة إحاطة كاملة بالاجتماع السوداني بل تسعى إلى خلق إطار معرفي ومداخل منهجية من شأنها أن تساعد على قراءة وفهم المجال السوسيوسياسي السوداني.

لكن كيف نقرأ الاجتماع السوداني وخاصة في راهن الحرب هذه؟ وكيف يمكننا تعريف وصياغة الاجتماع السوداني بعد العام 1956. حيث أن الدراسات في حقلي الاجتماع والأنثروبولوجيا إن وجدت في السودان فهي تعاني ضعفاً مفاهيمياً وخللاً منهجياً واضحاً في الاستقراء والتحليل وخلق الأدوات المعرفية التي تساهم في معرفة وفهم الأفق القبائلي للبلاد السودانية. فمعظم الدراسات الأنثروبولوجية في السودان لم تتخطى الدراسة التقليدية حول الفلكلور ودراسة الانساب؛ وقد ولّت ظهرها لدراسة التفاعلات الاجتماعية ودراسة الفاعلين الاجتماعيين وكذا صناعة التعايش وبناء الانسان في وسط كيانات لا تعرف بعضها وتعرّف ذواتها كجيوب بشرية محشورة في زاوية (القبيلة).

وتأسيساً على الخطاب السياسي السائد في المشهد السوداني اليوم؛ والذي يمكن أن نجزم بأنه قبائلي البنية والثقافة بامتياز؛ فقد طفت على السطح مسألة مهمة تمثّل أساس وجوهر وبنية الصراع في السودان وهو أن السودان ليس شعب واحد بل شعوب متعددة في جغرافيا كبيرة وهو أمر تجلّى بكل ثقله في هذه الحرب المهمة! حيث أن الإصرار على تعريفه بصيغة (الشعب السوداني) هو حلمٌ أكثر مما هو واقع وللوصول لصيغة الشعب السودان يتطلب الأمر عمل ضخمٌ وكبير ومنهجي يبدأ بفهم المجتمعات السودانية والأفق الذي تنطلق منه ورؤيتها للمسألة. إن القضيتين الجوهرتين في هذه الخطاطة والتي نعتقد أنها تفسر حالة الصراع الدائم في السودان بالأمس واليوم هما القبائلية والمخيال القبائلي؛ ولقد تجنّب العقل النخبوي الأكاديمي والمثقف في السودان التفكير في الواقع السوداني وتجنب دراسة الخارطة السوسيوسياسية المؤثرة جداً والمتجذرة بعمق في بنية الممارسة السودانية؛ لأن هذا العقل ونخبه تعمل ضمن هذا الأفق القبائلي والذي يكفل لها الحماية ورأس المال الرمزي ويحوّل خطابها إلى سلطة.

تُريد هذه الكتابة أن تقرأ وتتبّع المخيال والفعل السياسي داخل الاجتماع السوداني؛ فالفاعل الحقيقي في مشهدنا السوسيوسياسي هي المجتمعات القبلية ومخيالها القبائلي، بتواطؤ من الشُّلليات/ النّخب لا أكثر ولا أقل. إذ يظهر في واقعنا فعلياً سيطرة المخيال القبائلي للمجتمعات على السّرد والفعل؛ ومعبراً عن نفسه باعتباره الأفق والمعيار الجوهري الذي يُستقي منه الفعل والممارسة.

البِنى المؤسسة للاجتماع السوداني:

إن مقاربة مسألة "المجتمع" في السودان، ليست مجرد استعراض لتركيبة ديموغرافية أو وصف لتعدد إثني، بل هي غوص في أعماق التاريخ الأنثربولوجي والسوسيولوجي لتفكيك البنى الخفية التي تشكل نسيجَه الاجتماعي، وتحدد إيقاع حركته، بل وتسبغ عليه هويته المتشظية. فـ"المجتمع السوداني"، بهذا المعنى، ليس كياناً جامداً أو معطى نهائياً، بل هو حقل متوتر من العلائق، والصراعات، والتمثلات الرمزية التي تتأسس عبر زمن طويل من التفاعل بين الإنسان والأرض، وبين الجماعة والأخرى، وبين السلطة والهوية.

من منظور سوسيولوجي تاريخي، يفرض علينا السؤال عن البنى المؤسسة لهذا المجتمع الانتقال من قراءة الأنساق الاجتماعية بوصفها مجرد أطر وظيفية، إلى قراءتها باعتبارها بنىً مخيالية، أي منظومات دلالية وسردية تنتج المعنى وتوجه الفعل. فهذه البنى ليست وليدة لحظة آنية، بل هي نتاج تراكمات تاريخية تمت صياغتها عبر أنساق ثقافية متوارثة، تجلت في القصص، والأشعار، والأمثال، والحكايات، التي شكلت معاً "نسقاً مخيالياً" ضابطاً. وهذا النسق ليس مجرد انعكاس سلبي للواقع، بل هو أداة إنتاجية للواقع نفسه؛ فهو الإطار الذي من خلاله يُدرك أفراد المجتمع ذواتهم، ويُفسرون علاقاتهم، ويشرعون ممارساتهم، ويُخضعون الآخر لسلطة رؤيتهم للعالم.

وهنا تبرز الأنثربولوجيا الفلسفية كأداة نقدية، حين تكشف لنا أن هذا "المخيال" في السياق السوداني، وفي غياب مشروع وطني جامع، قد اتخذ شكلاً قبلياً ضيقاً. فالمخيال القبائلي، لا يحمل في طياته وعوداً تحررية تتجاوز الجماعة الضيقة نحو أفق إنساني أوسع، بل هو يستدعي الماضي كصحوة أصولية، تنتج إغراء الاستعلاء، وتكرس منطق إقصاء الآخر، وتُعيد إنتاج ذات الجماعة في مواجهة "الغير" بوصفه تهديداً وجودياً. إنه مخيال يستوطن الأرض لا ليعمرها، بل ليرسم حدودها الفاصلة، ويفرض قوانينه المتسيّدة، فيتحول الفضاء الجغرافي إلى مسرح للصراع الدائم، ليس مع جيران الجماعة فحسب، بل حتى داخلها بين عشائرها المكونة، فيما يشبه "حرب الكل ضد الكل" في غياب ضابطة رمزية أو سياسية عليا.

هذه السيادة المخيالية للقبيلة، أدت إلى مفارقة تاريخية كبرى: وهي أن الدولة السودانية الحديثة، سواء في صورتها الاستعمارية أو ما بعد الاستقلال، لم تستطع الخروج من خطاب هذه الكيانات القبلية، بل ظلت أسيرة له، وتحولت في كثير من الأحيان إلى أداة سائلة في أيديها، تعكس توازنات القوة بينها، وتُكرس هيمنة الأقوى على حساب الأضعف. وهنا يبرز السؤال حول مفهوم "المدينة" في هذا السياق: فالمدينة، التي يفترض أن تكون فضاء الحداثة والتعدد والتعاقد المدني، لم تشكل في السودان بوتقة انصهار قومي حقيقي، بل لم تخرج من حالتها القبائلية الأولى؛ بل إن بعض مدنها تحولت إلى "غيتوهات" قبلية، يعيش سكانها في زمن قبائلي متجمد، يحكمه نسق ثقافي واحد، يكرس العزلة، ويرسخ دعائم الإقصاء والعنصرية بحق أي "دخيل" يهدد تماسك هذا النسق.

ومن هنا، فإن قراءة البنى المؤسسة للمجتمع السوداني، تقتضي منا تجاوز النظريات التقليدية التي تتحدث عن "الصراع بين المركز والأطراف"، إلى مقاربة أكثر عمقاً تفكك أركيولوجيا المخيال السوداني المتعدد، أي البحث في طبقاته الجيولوجية التاريخية، حيث تتراكم سرديات الانتماء، وتتشكل أنساق الهيمنة، وتُبنى شرعية السلطة. إنها محاولة لفهم كيف تحولت التنوعات الثقافية واللغوية والدينية من ثراء افتراضي إلى عامل تفكك، وكيف تم أسر الدولة في خطابات الهوية الضيقة، وكيف يمكن، انطلاقاً من هذا التشخيص، استشراف إمكانيات تعافي المجتمع من خلال إعادة بناء مخيال آخر، يتجاوز الاستعلاء والإقصاء، نحو أفق وطني تعددي قائم على الاعتراف بالآخر، ليس بوصفه تهديداً، بل بوصفه شرطاً لوجود الذات وتجددها.

وهكذا، فإن هذه الخطاطة تسعى لوضع إطار نظري وتاريخي يربط بين سوسيولوجيا البنى، وأنثروبولوجيا المخيال، وفلسفة التاريخ، لتقديم قراءة متماسكة لمشكلات المجتمع السوداني، لا تكتفي بوصف الأعراض، بل تتعقب جذورها في أعماق البنى المؤسسة، مؤملة في أن تكون مدخلاً لنقد هذه البنى، وربما لتجاوزها.

الذات السودانية بين البنية المعرفية وعصاب الهوية

إن تأمل نظرة السوداني إلى ذاته في "المرآة"، لا يمكن أن يكون مجرد استعراض انطباعي أو وصف لحالة نفسية عابرة؛ بل هو بالضرورة مقاربة إبستمولوجية تبحث في البنية المعرفية التي تشكل رؤية الذات للذات وللآخر، ضمن إطار كلي يحكم هذه التمثلات ويضبطها. حيث لا يمكن تعريف أي مجتمع بمعزل عن هذه البنية المعرفية التي تمثل الأساس الراسخ الذي تنطلق منه ماهيته وتصوراته. وهنا تكمن المفارقة المركزية في السياق السوداني: إذ يبدو أن البنية المعرفية الجامعة إما أنها غائبة، أو أنها متعددة ومتصارعة إلى درجة تجعل صورة السوداني، حين ينظر إلى نفسه في مرآة الجغرافيا والتاريخ والممارسة يجدها صورة غائمة، مشوشة، شائهة، تعكس أزمة عميقة في تكوين الذات الفردية والجمعية على حد سواء.

من منظور الأنثروبولوجيا المعرفية، تستند أي جماعة إلى مرجعية معرفية (أسطورية، دينية، تاريخية، أو فلسفية) تتيح لها استبطان وجودها، وتفسير علاقتها بالآخر، وتبرير أنماط ممارستها اليومية. وهذه المرجعية تشكل ما يمكن تسميته بـ “مرآة المجتمع" التي يرى من خلالها ذاته منتصبة، متماسكة، ذات معنى. غير أن السودان، بتعدده الإثني والثقافي واللغوي، لم يشهد حتى الآن تولد بنية معرفية وطنية جامعة تتجاوز خصوصيات المجموعات، وتستوعب تعددها في إطار كلي متسامح. وبدلاً من ذلك، تسيدت بنى معرفية متعددة ومتنافسة، كل منها تدعي أنها "الأساس الراسخ" الذي تنطلق منه الماهية، ولكنها في الواقع تعكس مخيالاً قبلياً أو جهوياً أو عرقياً ضيقاً، أن هذه التعددية، في غياب حوار معرفي حقيقي، لم تنتج تنوعاً غنياً، بل أنتجت حالة من الفوضى المرجعية، حيث أصبح السوداني يبحث عن ذاته في مرايا متعددة، لا تعكس له وجهاً واحداً، بل وجوهاً متشظية لا تلتئم.

إن غياب البنية المعرفية الجامعة، يقود بالضرورة إلى ما يمكن، استعارة بمفهوم التحليل النفسي، تسميته بـ “العصاب الهوياتي". فالسوداني يعيش حالة من عدم اليقين الذاتي، فهو غير متيقن من كيفية ظهور كينونته أمام الآخر، والآخر بدوره غير معترف بالتعريف الذي يلقاه، والعكس صحيح. وهذه الحالة تنتج توتراً دائماً يظهر في الممارسة اليومية على شكل استبسال دفاعي عن صور عرقية وثقافية شائهة، وتصلب في المواقف، وعنف رمزي أحياناً، لأن الذات، التي لا تجد انعكاساً مستقلاً لها، تضطر إلى تأكيد وجودها عبر نفي الآخر أو استعلائها عليه. ففي غياب مرآة كلية تعكس الجميع، يصبح كل فرد وجماعة مرآة الآخر، ولكن هذه المرايا مشوهة، مكسورة، لا تعكس إلا صورة الذات كما يريد لها الآخر أن تكون، أو كما تخشى الذات أن تكون؛ فالصورة التي يراها السوداني لنفسه في مرآة الحياة، هي في الغالب صورة مبنية على نظرة الآخر إليه، وليست صورة مستمدة من جوهره الذاتي المستقل.

يتجسد هذا التشوش بوضوح حين "يتجول السوداني في بقاع السودان المختلفة"، فهذا التجوال، الذي يفترض أن يكون اكتشافاً للذات عبر التنوع، يتحول إلى اختبار مستمر للهوية وسط مرايا متغيرة. ففي الشرق، ينظر إليه بوصفه "غربياً" أو "وسطياً"، وفي الغرب يوصف بوصفه "شرقياً" أو "نيلياً"، وفي الجنوب (قبل الانفصال) كان يُصنف بوصفه "شمالياً"، وفي الشمال قد يُصنف بوصفه "جنوبياً" أو "غربياً" وفي كل محطة، يعاد تشكيل صورته وفقاً لمخيال القبيلة أو الجهة المسيطرة، وكأن الذات السودانية ليست كياناً قائماً بذاته، بل هي نتاج متغير لعدسات النظر المتعددة. وهكذا، يصبح السوداني رهينة "المنظور إليه من عدسة الآخر دائماً"، يفقد السيطرة على سرديته الخاصة، ويتحول إلى موضوع يُرى ويُصنف، بدلاً من أن يكون فاعلاً يرى ويُعرف.

من منظور السوسيولوجيا السياسية، فإن هذه الأزمة المعرفية تنعكس وتتغذى في آن واحد من علاقة الدولة بالمجتمع. فالدولة السودانية، التي كان يُفترض أن تكون الصانعة للبنية المعرفية الجامعة من خلال التعليم والإعلام والسياسات العامة، تحولت هي نفسها إلى ساحة للصراع بين الهويات المتشظية. فهي لم تنجح في إنتاج "مواطن" له هوية مدنية جامعة، بل ظلت أداة في أيدي الجماعات القبلية وأسيرة للمخيال القبائلي وحيث تعكس توازنات القوة لا توازنات المعنى. وهذا الفشل السياسي في إنتاج إطار رمزي وطني، عمّق من التشوش المعرفي، وجعل السوداني ينظر إلى الدولة نفسها كمرآة مشوهة تعكس هيمنة الآخرين، لا كمرآة تعكس حقه في الوجود والمواطنة المتساوية.

ورغم هذا التشوش العميق، فإن تأمل السوداني لذاته في مرآة الحياة ليس لحظة يأس مطلق، بل يمكن أن يكون لحظة نقد ذاتي ووعي نقدي. فالاعتراف بـ “تشوه الصورة" هو الخطوة الأولى نحو إعادة بناء بنية معرفية جديدة، تقوم ليس على إنكار الاختلاف، بل على إعادة تأويله في إطار وطني تعددي. وهذا يتطلب جهداً فلسفياً وسياسياً وثقافياً لبناء مرآة جديدة، مرآة لا تكرس استعلاء مجموعة على أخرى، بل تسمح للجميع بأن يروا أنفسهم فيها، ويروا الآخرين، في آن واحد، كوجوه مكملة، وليست مهددة. إنها مهمة شاقة، تتطلب إعادة كتابة التاريخ، وتنقية الذاكرة، وتطوير تعليم ينتج وعياً وطنياً نقدياً، وسياسات تعترف بالتعدد كثراء، وليس كتهديد.

وتظل نظرة السوداني إلى ذاته في مرآة الحياة معلقة بين حاضر مشوش ومستقبل مرتجى. لكن ثمة إمكانية للخلاص، إذا ما تحول التشوش إلى فضول معرفي، وإذا ما تحول العصاب الهوياتي إلى طاقة نقدية، وإذا ما تمكن السودانيون، عبر مرآتهم المتكسرة، من رؤية بعضهم بعضاً على حقيقتهم، والبدء في بناء مرآة جديدة قادرة على احتضان كل هذه الوجوه دون أن تهشمها ولن يتم ذلك الا بالنظر إلى سلطة التاريخ ومخيالاته.

سلطة التاريخ ومخياله:

إن الحديث عن سلطة التاريخ ومخياله في السياق السوداني، يقتضي تجاوز النظرة الأحادية للتاريخ بوصفه خطاً زمنياً متصلاً (كورنولوجياً)، إلى مقاربة نقدية تبحث في آليات إنتاج التاريخ وعلاقتها بالسلطة والهوية. فالتاريخ، كما تقترح السوسيولوجيا السياسية، ليس مجرد وعاء لحفظ الوقائع، بل هو حقل للصراع الرمزي تُمارس فيه الجماعات المختلفة سلطتها في تشكيل الذاكرة الجمعية، وفرض سردياتها، وتثبيت وجودها السياسي والثقافي. وفي السياق السوداني، حيث تتشظى الذات الوطنية إلى هويات قبلية ومخيالات متعددة، يصبح التاريخ أداة مزدوجة: فهو من جهة مرآة تعكس تواريخ الجماعات المختلفة، ومن جهة أخرى هو سلاح تستخدمه النخب / الشلة لفرض سردية واحدة تكرس هيمنتها وتلغي الآخرين.

تفترض مقاربتنا الأنثروبولوجية التاريخية أن السوداني، في وعيه الجمعي، لا يمتلك تاريخاً واحداً، بل تواريخ متعددة، كل منها مرتبط بجماعته المرجعية المباشرة: قبيلته، أسلافه، تقاليده، وقصص أجداده. هذا الانقسام يقود بالضرورة إلى انقسام في التاريخ، حيث يصبح كل كيان اجتماعي هو المرجعية التاريخية لنفسه، في غياب إطار وطني جامع يُعيد تأويل هذه التواريخ في سياق واحد. وهنا تكمن الأزمة: ففي مقابل استئثار شلة السلطة بالتاريخ واحتكار السرد، تم تذكية بعض التواريخ وإخماد أخرى، بل تم اختراع تواريخ جديدة وادعاء فاعلية تاريخية لمجموعات لم تكن تعرف بأسمائها القبلية الحالية إلا في عقود متأخرة من القرن العشرين.

في هذا السياق، يمكن الحديث عن "سياسة التاريخ" باعتبارها ممارسة سلطوية تهدف إلى إعادة تشكيل الذاكرة الجمعية وفقاً لمصالح النخب/ الشلة. فالسلطة، التي تسيطر على مؤسسات التعليم والإعلام والبحث العلمي، تمتلك القدرة على تخييل تاريخ موحَّد، أو على الأقل فرض سردية تاريخية تهمش الجماعات الأخرى وتُلحقها بهامش التاريخ. ومع احتكار التاريخ وحق السرد، تم اختراع هويات جديدة وادعاء أنها فاعلة تاريخياً، في عملية تعكس ما نصفه بـ “تذكية التواريخ" أو حتى اختراعها. وهذه الممارسة، التي تجد جذورها في السياسات الاستعمارية التي عملت على تصنيف المجتمعات السودانية وتركيبها في أطر جامدة، قد استمرت في مرحلة ما بعد الاستقلال في إطار منافسة النخب / الشلة على شرعية تمثيل الوطن.

ولقد ظل مفهوم الوطن مصطلحا مشوشاً حسب النظرة السوسيولوجية والاثنوجرافية. ففي غياب تعريفات واضحة للانتماء الوطني، يصبح الوطن في المخيال الجمعي للمجتمعات القبلية المستبعدة مفهوماً غامضاً، بل أداة للهيمنة تُستخدم لتبرير سياسات التهميش والإقصاء. فبعض المجتمعات تجد نفسها غير قادرة على تفسير سبب تعرّض مناطقها للهجوم باسم "الوطن ووحدته". وهذا الغموض في مفهوم الوطن يُنتج حالة من الرفض لأي مشروع وطني رسمي، ويتحول إلى مقاومة رمزية وعنيفة في آن واحد.

وتتخذ هذه المقاومة أشكالاً متعددة؛ فمن جهة، تتمثل في رفض الانصهار في بوتقة وطنية واحدة لا تعترف بهذه المجتمعات إلا كقطيع، وهذا الرفض يتجلى في التمسك بالأنساق الثقافية الخاصة والعادات والأعراف كآليات للحفاظ على الذات في مواجهة التذويب. ومن جهة أخرى، تتخذ المقاومة شكلاً سياسياً أكثر وضوحاً، حيث تقوم هذه المجتمعات بفرض سيادتها على مناطقها، وممارسة أعمال السيادة في الرقعة التي تقطنها كما تفعل الدولة، وذلك عبر فرض قوانينها العرفية، وتحصيل الأتاوات، والقدرة على حشد قواتها للدفاع عن أراضيها في مواجهة القبائل الأخرى أو الحكومة، فيما يُعرف بـ “الفزع". وهذه الممارسات تُظهر بوضوح فشل الدولة/ المؤسسة الحديثة في اخضاع هذه المجتمعات لسلطة التاريخ المخترع، وتؤكد على استمرارية التعددية السيادية في الجغرافيا السودانية

إن استمرار هذه الحالة من تعدد التواريخ وصراع السرديات، لا يمكن فصله عن مسار تفكك الدولة السودانية. وتظهر الدراسات السوسيولوجية أن الحروب المتتابعة واستنزاف الموارد، إلى جانب انقسامات النخب الإثنية والمناطقية، قد قوضت احتكار الدولة لوسائل العنف المشروع وأدت إلى نمط تفكك هجين، تحتفظ فيه الدولة باعتراف دولي بينما تتوزع السلطة فعلياً بين شبكات قبلية/ محلية مسلحة، وهذه البنية الهجينة للسلطة هي نتاج مباشر لسياسات التاريخ التي أخفقت في إنتاج سردية وطنية جامعة، واستمرت في تكريس منطق الهيمنة والإقصاء، مما دفع المجتمعات المهمشة إلى البحث عن شرعيتها التاريخية والسياسية خارج إطار الدولة.

في مواجهة هذه الإشكالية العميقة، يصبح من الضروري التفكير في كيفية تجاوز سلطة التاريخ المخترع نحو بناء تاريخ نقدي وجامع. وهذا يتطلب، أولاً، الاعتراف بتعدد التواريخ السودانية كثراء معرفي وليس كتهديد للوحدة. وثانياً، العمل على إنتاج سردية تاريخية تتسع للاختلاف، وتعترف بمعاناة الجماعات المهمشة، وتعيد كتابة التاريخ الرسمي بعيداً عن هيمنة نخبة واحدة. وهذه المهمة، وإن كانت شاقة، تبقى ضرورية لإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع السوداني ولإنقاذ مشروع الدولة من الانهيار. فالتاريخ، عندما يتحرر من سلطة الاستئثار، يمكن أن يتحول من أداة للهيمنة إلى جسر للتواصل، ومن مرآة مشوشة إلى فضاء للاعتراف المتبادل، حيث يمكن لكل السودانيين رؤية أنفسهم وهم يشاركون في صناعة مستقبلهم، دون أن يلغى أحدهم وجود الآخر أو تاريخه.

القبيلة كدولة: أفق سياسي واجتماعي

ترى السوسيوسياسية أن القبيلة ليست مجرد هوية، بل مؤسسة سياسية واجتماعية متكاملة، وهو ما يجعلها إطارًا لفهم تحولات الدولة. حيث تعمل حسب منطقها الخاص وتعمل القبيلة بمنطق الولاء والانتماء والحماية، وهو ما يتعارض جوهريًا مع منطق الدولة القائم على القانون والمؤسسات. وعندما تضعف الدولة، يصبح هذا المنطق القبلي هو البديل الفعال وفي غياب الدولة الفاعلة، تتحول القبيلة إلى شبكة أمان اقتصادية واجتماعية توفر التضامن، وتصبح ملاذًا للأفراد الباحثين عن الأمن والانتماء ومن ثم تعيد المؤسسة القبلية إنتاج نفسها في سياقات التهميش، خاصة في الأطراف، حيث تترسخ كبديل عن الدولة الغائبة.

وتميز السوسيوسياسية بين "القبيلة" كهوية اجتماعية، و "القبائلية" كعقلية وسلوك إقصائي يتم تسيسه لأغراض سياسية فلقد وظفت النخب / الشلة الحاكمة (خاصة منذ 1989) القبائلية عمدًا لتفكيك المؤسسات الوطنية وإضعاف الدولة لصالح عصبيات أولية، مما أدى إلى تحول من "منطق الدولة" إلى "منطق الجماعة". ولم يكتفِ مشروع الإسلاميين بإضعاف الدولة، بل أعاد إنتاج المجتمع سياسيًا على أساس قبلي وأهلي مما أدى إلى تغذية الصراعات وبروز كيانات مسلحة قبلية والتي نشأت كأداة أمنية ضمن الدولة ثم تحولت إلى قوة سياسية منافسة لها؛ حيث تؤدي القبائلية إلى اختزال العلاقات الإنسانية في صراع ثنائي، مما يعمق الانقسامات ويُفشل أي مشروع وطني جامع.

ويكشف هذا الإطار عن أزمات السودان البنيوية:

حيث أدى استحواذ (الخرطوم) على السلطة والثروة إلى تهميش الأطراف، مما عزز التمسك بالهويات القبلية كبديل عن الدولة وحيث فشلت الدولة في تحقيق العدالة، مما أدى لعودة قوية للانتماءات القبلية كبحث عن الأمان في عالم متغير. وهذا يفسر تصاعد النزعات القبلية في فترات الأزمات السياسية. وأدى صراع الهوية وصراع الموارد حيث تتداخل الصراعات القبلية في مناطق مثل دارفور مع صراع على الموارد (الأرض والماء) وسياسات التهميش، حيث تحولت بعض القبائل إلى "دول داخل الدولة".

وحيث أن المخيال القبائلي انتهازي على الدوام، ولأنه منغلق على ذاته وأفقه؛ وهو اقصائي ولا يتسع إلا بقدر ما تستوعبه مصالحه وغنائمه. فالدولة / المؤسسة الحديثة؛ هي غنيمة في الأفق المخيالي القبائلي. والمخيال القبائلي متقدم على المؤسسة الحديثة في رؤيته للمصلحة وذلك من عدة وجوه:

1-  واصلت بعض المكونات القبلية في السودان بذل جهودها من أجل الحفاظ على موقعها السياسي؛ فالدولة التي تركها المستعمر، استأثرت بها كيانات محددة قامت بهندسة الوضع السياسي وفقاً لأفقها القبائلي. ولقد أعادت الشلليات الحاكمة إعادة انتاج القبيلة ضمن عملية تحالف واسعة ضمت رموز الكيانات القبلية والزعامات الدينية والمؤسسة العسكرية وكبار الموظفين مع أدوار تكميلية لبعض السياسيين في الأحزاب المعارضة والمثقفين، ولقد كان أكثر المستفيدين من هذا التحالف العريض؛ هي القبيلة وأفقها وتحول الزعماء الأهليون إلى لعب أدواراً مزدوجة؛ عبّرت عن فهم ووعي بالعمل السياسي وفقاً لتطور الوعي القبائلي وبنزعة براغماتية.

2-  إن النزعة البراغماتية للقبيلة كانت قد تراوحت دوماً بين التوحد أو الانقسام. ووفقاً لهذا الإطار؛ فانه في حالة كانت القبيلة تسعى إلى الاندماج في كيان سياسي أكبر منها أو تؤسسه فإنها تنزع في الغالب إلى ضرورة احتلال مراكز سياسية هامة لرموز القبيلة في المؤسسة/ الدولة، وتمثل الانتخابات في السودان أو تغييرات التشكيل الوزاري في الأقاليم والمحليات أمثلة حية. وحين تضعف الدولة تكون القبيلة هي الوريث الوحيد لامتلاك السّلطة والثروة أو الأكثر حظوة في استئثارها على غرار ما يحدث الان. وتتحول القبيلة إلى أداة سياسية في حالات الضعف التي يعتريها حين يحدث النزاع بينها والدولة ومؤسساتها على الغنيمة؛ وفي الحالتين فان المخيال القبائلي استطاع التعامل مع المؤسسة الحديثة بل وحافظ قوة أوراقه.

التحوّلات في البنى الأسرية والعشائرية: إعادة الإنتاج والغنيمة السياسية

وحيث لم تكن القبيلة في السودان مجرد وعاء اجتماعي جامد، كما ذكرنا آنفاً بل تحولت، عبر تفاعلها مع مشاريع السلطة المركزية، إلى كيان سياسي مرن، أعاد إنتاج نفسه في قلب المؤسسة الحديثة، مستفيداً من تحولات الدولة ذاتها. ففي غياب مشروع وطني قائم على المواطنة، ووسط هشاشة المؤسسات، أصبحت القبيلة ليس فقط ملجأً للأمن الوجودي، بل أداةً للوصول إلى السلطة والثروة، وشبكةً لتوزيع الغنائم في دولة الريع.

لقد تفاعلت البنى الأسرية والعشائرية مع مشاريع السلطة المركزية عبر آليات معقدة، لم تكن فيها القبيلة مجرد متلقٍ سلبي، بل فاعلاً براغماتياً يُعيد تشكيل تحالفاته وفقاً لتقلبات المكسب السياسي. ففي مرحلة الاستعمار، أعادت الإدارة البريطانية إنتاج القبيلة كوحدة حكم غير مباشر، مما منحها شرعية إدارية وقانونية لم تكن تمتلكها بنفس الحدة من قبل. وفي مرحلة ما بعد الاستقلال، استمرت النخب الحاكمة في توظيف الروابط العشائرية لتأمين ولاءاتها، سواء عبر تفعيل نظام الإدارة الأهلية، أو عبر توزيع المناصب والموارد على أساس قبلي، مما جعل القبيلة شريكاً في الحكم، بل ودولة موازية في المناطق المهمشة.

وتكمن المفارقة في أن الدولة التي يفترض أن تكون هي الصانعة للحداثة والمؤسسة الجامعة، تحولت إلى ساحة لتعزيز النزعات القبلية، لأن النخب الحاكمة نفسها وليدة هذا المخيال، ولم تسعَ إلى تفكيكه، بل استثمرته في معاركها السياسية، وأعادت إنتاجه في ثوب حداثي عبر خطاب التعددية والمواطنة، دون أن تترجمه إلى ممارسة. وهكذا، كسبت القبيلة سياسياً واقتصادياً من هذه التحولات: سياسياً عبر احتكار المناصب السيادية، وتشكيل تحالفات عابرة للجهات، وتحويل الصراع على السلطة إلى صراع على تمثيل القبائل؛ واقتصادياً عبر التحكم في الموارد الطبيعية، وتحصيل الأتاوات، والاستفادة من شبكات الفزع في النزاعات المسلحة التي أصبحت، في كثير من الأحيان، أدوات للابتزاز السياسي والاقتصادي؛ وهو ما يحدث الآن.

لكن هذا الكسب القبلي لم يكن بلا ثمن؛ إذ عمّق الانقسامات الوطنية، وأضعف مؤسسات الدولة، وجعلها أسيرة لصراعات لا نهائية بين القبائل، وكرس منطق الغنيمة على حساب المواطنة. وهكذا، تحولت البنى الأسرية والعشائرية من إطار للتضامن الاجتماعي إلى أداة للهيمنة والإقصاء، وأصبحت الدولة نفسها رهينة للمخيال القبائلي، غير قادرة على تجاوزه، لأنها، وهي تسعى لامتلاكه، كانت تمتلكه هي ذاتها.

المخيال القبائلي: في تفوق الأفق القبائلي على مؤسسة الدولة:

نعرّف "المخيال القبائلي" بأنه نسق معرفي كلي، يضبط علاقة الجماعة بالذات وبالآخر وبالأرض والتاريخ، ويمنح الأفراد شعوراً بالوجود والمعنى في غياب أي إطار وطني بديل؛ فهو بنية معرفية تُنتج المعنى وتُوجه الفعل، وتتكون عبر تراكمات تاريخية وثقافية (قصص، أشعار، أمثال، أنساب)، وتعمل كمرجعية معرفية تُفسر من خلالها الجماعة ذاتها وعلاقتها بالعالم.

 أما في الإطار السياسي فان المخيال القبائلي هو أفق سياسي واجتماعي يضبط حركة المجتمع وينظم علاقته بالسلطة، ويتسلل إلى خطابات النخبة وممارسات الحكم وبنية الصراع المسلح، وهو إطار يسبق المؤسسة الحديثة في رؤيته للمصلحة، ويعمل كـ "دولة موازية" في العقل الجمعي، حيث تتحول الدولة/المؤسسة في نظره إلى غنيمة يجب اقتسامها، وليس إلى إطار جامع للتعاقد المدني. ويعمل المخيال القبائلي أنثروبولوجياً كمنظومة دلالية وسردية تنتج المعنى وتوجه الفعل، وتتخذ من الماضي صحوة أصولية، تنتج إغراء الاستعلاء، وتكرس منطق إقصاء الآخر، وتعيد إنتاج ذات الجماعة في مواجهة 'الغير' بوصفه تهديداً وجودياً، وهو مخيال يستوطن الأرض لا ليعمرها، بل ليرسم حدودها الفاصلة، ويفرض قوانينه المتسيدة، مما يحول الفضاء الجغرافي إلى مسرح للصراع الدائم، والمدن إلى "غيتوهات قبلية".

ونخلص إلى أن المخيال القبائلي هو الإطار الذي من خلاله يُدرك أفراد المجتمع ذواتهم، ويُفسرون علاقاتهم، ويشرّعون ممارساتهم، ويُخضعون الآخر لسلطة رؤيتهم للعالم، ويتجلى عملياً عبر: آليات "الفزع" (الحشد القبلي للدفاع)، فرض القوانين العرفية، تحصيل الأتاوات، استيراد مقاتلين من شبكات عابرة للحدود واحتكار المناصب السياسية في مؤسسات الدولة لصالح رموز القبيلة مع فرض نموذج ثقافي يمثل هذا المخيال القبائلي.

إن ظاهرة القبائلية في السودان تتجاوز في جوهرها مجرد وحدة العرق أو الأرض أو الأشكال الثقافية الظاهرة، لتشكل ما يمكن وصفه، في إطار السوسيولوجيا السياسية والأنثربولوجيا المعرفية، بـ “أفق مخيالي" يضبط حركة المجتمع ويفرض منطقاً خاصاً في التعامل مع الذات والآخر والدولة. فالقبائلية، كما يرى الباحثون، ليست بقايا عتيقة من الماضي، بل هي بنية نفسية وثقافية نشطة تؤطر أنماط السلوك، بما في ذلك السلوك السياسي، وتؤثر بعمق في العملية السياسية بأسرها. وهذا الأفق المخيالي الذي يتشكل ليس مجرد وعي زائف، بل هو حاجة لا واعية لدى الجماعة لإكمال شعور بالنقص أو البحث عن معنى يعتري ذاتها، مما يفسر التمجيد المبالغ للعرق والصفات، والاعتقاد بأن هذه الصفات منحصرة في جماعة بعينها، وكأنها جوهرها المتفرد الذي لا يشاركها فيه أحد.

لا يمكن فهم سيادة المخيال القبائلي في السودان دون العودة إلى السياسات الاستعمارية التي أسست لهذا المنطق وجعلته محوراً للهوية السياسية. فقد عملت الإدارة البريطانية، منذ مطلع القرن العشرين وبشكل متزايد في العشرينيات، على "قبلنة" السودان، من خلال إقامة حواجز قانونية ومادية بين جماعات كانت تتداخل على الرغم من اختلافاتها الثقافية، وإخضاعها لنظام حكم قبلي مخترع من قبل الإداريين الاستعماريين، بهدف منع تطور تضامنات تتجاوز القبيلة. وهذا يعني أن الاستعمار لم يخترع الاختلافات الثقافية والمرجعية التي كانت قائمة أصلاً، بل استثمرها سياسياً وحولها إلى حدود للسلطة ومرجعيات للحكم. وتعمقت هذه السياسة في ظل حكم الشلة/ النخبة، مما رسخ انقساماً بنيوياً في الأمن والمجتمع.

في هذا السياق، يظهر المشهد السوداني كميدان يتجلى فيه تفوق المخيال القبائلي على أفق الدولة الحديثة، وهو تفوق يتسم بطابع انتهازي من الجانبين. فالدولة، تمتلك الأدوات والمؤسسات، لكنها لا تمتلك المخيال أو الأفق المؤسسي القادر على استدامة سلطتها؛ إنها محرومة من حق السرد العام، وتفتقر إلى إطار فكري وبِنى معرفية للتعامل مع الحالات التي تهدد بقاء مؤسساتها. وهنا تبرز انتهازية الدولة المزدوجة: فهي، في لحظات الأزمات الكبرى كالحروب ونزاعات الأراضي والقضايا القانونية والموارد، تلجأ إلى الأفق القبائلي لتسوية إشكالاتها، معتبرة إياه أداةً للسيطرة، لكنها في الوقت نفسه واقعة في تأثيره عبر من يديرونها، الذين هم أنفسهم وليدوا هذا المخيال. وهذا ما تؤكده الدراسات التي تشير إلى أن القبيلة، رغم مظاهر التنمية والحداثة في المدن الكبرى، لا تزال تحتفظ بوضعها كبنية نفسية وثقافية تؤطر السلوك السياسي.

هذا التفوق الفكري للمخيال القبائلي، وهو تفوق مدركٌ من قبل الطرفين، يجعل الدولة عاجزة عن تجاوز الأطر التاريخية التي شكلته، لأنها هي نفسها واقعة في أسره، والمؤسسة الحديثة مجرد استيراد شكلي لا يتوافق مع عمق البنى الاجتماعية القائمة. وتكمن المأساة: فحتى تعليم النخب الحاكمة لم يساهم في تحررها من هذا المخيال، بل زادها خضوعاً لسلطته، مقابل الامتيازات التي تتلقاها من إدارة المؤسسة الحديثة التي تخدم في النهاية منطق القبيلة.

إن هذه الحالة من العُصاب، التي اجتاحت المجتمعات السودانية، تجعل فكرة تأسيس وحدة وجدانية منتجة لمعنى التعايش بين مجتمعات متعددة، دون إعادة قراءة علمية ومنطقية لحالة الاجتماع السوداني، ثم قيام المؤسسة الحديثة باستحداث أنظمة تخضع فيها هذه المجتمعات لمنطق تشكيل الدولة ومفهوم المواطنة، تبدو صعبة المنال، بل شبه مستحيلة. ففي غياب هذه القراءة، يظل الصراع محتدماً بين أطراف لا تجمعها رؤية مشتركة للمستقبل، وتظل الدولة رهينةً للمخيال القبائلي الذي تسنّم الرأس في الفكر والممارسة، متفوقاً على مؤسساتها، ومستمراً في إعادة إنتاج ذاته عبر آليات الفزع، وفرض القوانين العرفية، وتحصيل الأتاوات، وأحياناً عبر استيراد مقاتلين من شبكات عابرة للحدود، كما نرى في تفعيل العصبية القبلية في النزاع المسلح الذي يدور الان.

ولا يمكن فهم استمرار المخيال القبائلي وتفوقه دون ربطه باقتصاد الريع والموارد، حيث أن الدولة، في غياب إنتاج حقيقي، تحولت إلى آلة لتوزيع الغنائم، وأصبحت القبيلة هي الوعاء الأكثر كفاءة للوصول إلى هذه الغنائم. فالصراع القبلي ليس صراع هويات محض، بل هو صراع على الأرض، والماء، والثروة، والمناصب، والسلطة، في إطار اقتصاد ريعي جعل الدولة مجرد "كعكة" يتنافس عليها النخب/ الشلة باسم القبائل. ولا يمكن عزل السودان عن محيطه الإقليمي والدولي، حيث أن تدخلات القوى الخارجية، سواء الاستعمارية القديمة أو الجديدة، لعبت دوراً محورياً في تغذية الانقسامات القبلية، وتسليح الميليشيات، ودعم بعض الكيانات القبلية على حساب أخرى، بهدف الحفاظ على مصالحها في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي وحوض النيل. فالصراع السوداني لم يكن يوماً صراعاً داخلياً خالصاً، بل هو ساحة لتنافس إقليمي ودولي يعيد إنتاج القبلية كأداة للهيمنة.

الدولة بعيون المخيال القبائلي:

إن فهم طبيعة الدولة السودانية، في تشكلها التاريخي ومعضلاتها المعاصرة، يقتضي مقاربة تنظر إلى القبيلة ليس باعتبارها بقايا قبلية من عصور مضت، بل باعتبارها فعل وفاعلين حيث تعمل على ضبط حركة المجتمع وتنظم علاقاته بالسلطة، وتتسلل إلى خطابات الشلة/ النخبة وممارسات الحكم وبنية الصراع المسلح. فالدولة في السودان، منذ نشأتها الحديثة، لم تكن كياناً جامداً مفروضاً من أعلى، بل كانت نتاجاً لتفاعل متوتر بين ثلاثة أضلاع رئيسية شكلت مثلث التماسك الهش: الزعامات القبلية، الزعامات الدينية، والنخبة الحديثة/الشلة الحاكمة. وقد ظل هذا المثلث، في أحايين كثيرة، هو الضامن الوحيد لوحدة الدولة، لكن هشاشته تكمن في أن استمراريته مرتبطة بمصالح أطرافه، وأي اختلال في توازن هذه المصالح، وخصوصاً الصراع بين الدولة والقبيلة، يقود إلى انهيار المؤسسة الحديثة وإعادة إنتاج الفوضى.

لم تأت القبيلة في السودان ككيان سياسي فارغ من التاريخ؛ إذ كانت الكيانات القبلية تمتلك، قبل الحكم الثنائي وما قبله، مؤسساتها الحاكمة للإدارة والحكم، وعاشت في حالة أشبه بالاستقلال الذاتي. فهذه الكيانات كانت تمارس السيادة في رقعتها الجغرافية، وتفرض قوانينها العرفية، وتدير علاقاتها مع الجوار. وحتى عند الحديث عن نماذج متقدمة مثل " سنار" والذي ويوصف في بعض الكتابات ب " دولة سنار"، فإنها كانت في جوهرها حلفاً قبلياً أُديرت أجهزة حكمها بمخيال قبائلي، مما يؤكد أن القبيلة لم تكن يوماً نقيضاً للدولة بقدر ما كانت هي الدولة في صورتها الأولى. وقد حمل التاريخ في ثناياه أدلة واضحة على مقاومة هذه الكيانات القبلية للغزو الخارجي، وكذلك لمحاولات المهدية بسط نفوذها عليها، مما يشير إلى وعي قبلي متجذر بالاستقلالية الذاتية.

ومع مجيء الحكم الثنائي البريطاني (1899-1956)، لم يتم تجاهل هذه البنى القبلية، بل أعيد إنتاجها وتوظيفها في إطار ما عُرف بـ “الإدارة الأهلية". ففي عام 1922، تم الشروع في تنظيم السلطة "العرفية" للزعماء من مختلف الاتجاهات، وهو ما تحول إلى أيديولوجية حكم غير مباشر شملت شمال السودان وجنوبه لاحقاً. ولم تكن هذه السياسة مجرد تسهيل لحكم المستعمر، بل جاءت كنتيجة للشد والجذب بين الكيانات القبلية والسلطة الاستعمارية، فلو كانت هذه الكيانات متحدة ومتماسكة، لأصبح حكمها أشبه بالمستحيل. وقد عمل الاستعمار على "قبلنة" السودان من خلال إقامة حواجز قانونية ومادية بين جماعات كانت تتداخل فيما بينها رغم اختلافاتها الثقافية، وإخضاعها لنظام حكم قبلي مخترع، لمنع تطور تضامنات تتجاوز القبيل كما ذكرنا أنفاً.

وظلت الدولة السودانية، بعد الاستقلال، أسيرة لهذا الميراث الاستعماري، حيث لم تستوعب السياقات الفكرية والممارسية للدولة التاريخ السوسياسي للكيانات القبلية، والتي ظلت تحتفظ باستقلاليتها النسبية. وهكذا، لم تنجح المؤسسة الحديثة في استحداث أنظمة تخضع هذه المجتمعات لمنطق تشكيل الدولة ومفهوم المواطنة، بل ظلت مجرد أداة في أيدي النخب الحاكمة، تعكس هيمنة جماعات على أخرى. ولعل المفارقة الأعمق هي أن الدولة عندما تواجه أزماتها الكبرى كالحروب ونزاعات الأراضي والقضايا القانونية، تلجأ إلى الأفق القبائلي لحلها، عاجزة عن تطوير إطار فكري مؤسسي للتعامل معها. هذا التفوق الفكري للمخيال القبائلي، وهو تفوق مدرك من الطرفين، يجعل الدولة محرومة من حق السرد العام، وتظل رهينة لانتهازية واعية: فهي تمتلك الأدوات لكنها لا تمتلك المخيال أو أفق الدولة الحديثة لاستدامة سلطتها.

وهنا نصل إلى جوهر الأزمة: فالدولة والمؤسسة الحديثة في السودان ليستا ساحة لتجاوز القبيلة، بل هي ساحة لإعادة إنتاجها في ثوب حداثي. وحيث لا يزال السؤال عن "الدولة" في السودان سؤالاً مفتوحاً على إشكالاته التاريخية والمعاصرة، بل تحول إلى أزمة وجودية تطال مفهوم الوطن ذاته. فبينما تتساقط النماذج المركزية للدولة الحديثة الواحدة، يعود المشهد القبلي ليفرض نفسه بقوة، ليس بوصفه رواسب قبلية، بل بوصفه وعاءً سياسياً واجتماعياً أعاد إنتاج نفسه في قلب الحداثة، وتسلل إلى خطابات النخبة وممارسات الحكم وبنية الصراع المسلح. وهذا الواقع يطرح سؤالاً منهجياً جوهرياً: كيف يمكن فهم الدولة السودانية من دون تفكيك البنية القبلية التي تشكل، في آن واحد، أداة للهيمنة وملجأ للمقاومة ووعاء للولاءات المتقاطعة.

عجز وعود المؤسسة الحديثة/ الدولة: في إشكالية المؤسسة والمواطنة

إن الحديث عن عجز الدولة السودانية عن الوفاء بوعودها، سواء تلك المتعلقة بالوحدة الوطنية أو العدالة الاجتماعية أو بناء مجتمع المواطنة، يقتضي مقاربة نقدية تبحث في البنى العميقة التي شكّلت هذه الدولة، وفي طبيعة العلاقة بين المؤسسة الحديثة والمخيال القبائلي المهيمن. فالعجز، كما ترى الأنثربولوجيا السياسية، ليس مجرد فشل إداري أو سوء تدبير، بل هو نتاج لتناقض بنيوي بين شكل الدولة المستورد ومضمون المجتمع القبائلي، وبين خطاب الحداثة الوطني وممارسة السلطة القبلية. وهذا التناقض، الذي يتجلى في غياب المؤسسة المستقلة عن شخص الحاكم، وفي استمرار تفوق الولاء القبائلي على الولاء الوطني، هو ما جعل الدولة عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها، وتحولت وعودها إلى مجرد خطاب لا يجد طريقه إلى الممارسة.

لعل أبرز مظاهر عجز الدولة يتمثل في عدم تطورها كمؤسسة مستقلة عن شخصية الحاكم. فالدولة في السودان ظلت أداة في قبضة الحاكم يفعل بها ما يشاء، وهو ما يعكس استمرارية النمط التقليدي للحكم القبائلي حيث السلطة شخصية وليست مؤسسية. وهذا ما تؤكده الدراسات المعاصرة التي تشير إلى أن المشكلة؛ تكمن في فشل دول ما بعد الاستقلال في بناء دولة وطنية قائمة على المواطنة، تحترم تعدد الأعراق والأديان والثقافات، وتقوم على سيادة القانون والحكم المدني. وقد أدى غياب المؤسسة المستقلة إلى تحول الدولة إلى غنيمة يتنافس عليها النخب، وإلى أداة في أيدي الجماعات القوية لفرض هيمنتها، وهو ما يفسر استمرار الصراع على السلطة وتفكك مؤسسات الدولة.

وفي الوقت نفسه، لم تتغير منظومة العلاقات الاجتماعية التقليدية، حيث ظل الولاء للقبيلة يتفوق على الولاء للدولة، وأعضاء القبيلة لم يتبلور لديهم الشعور الوطني. حيث لا يزال العديد من السودانيين يشعرون بأن القبيلة هي التي تحدد وجودهم الرمزي والمخيالي في المجتمع، وأن الإحساس بقيمتهم كذوات لا يتم إلا عبرها. وهذه الحالة، التي تتغذى على سياسات الاستعمار التي أعادت تشكيل البنى القبلية وأخضعتها لمنطق الحكم غير المباشر، تجعل من الصعب بناء مجتمع مواطنة حديث دون تفكيك هذا المخيال القبائلي وإخضاعه لإطار الدولة المؤسسي.

لم تسع الدولة وشلتها الحاكمة إلى إيجاد مشروع وطني يخضع الأفق المخيالي القبائلي لإطار الدولة المؤسسي، حين تكون المواطنة هي الأساس لتعريف الذوات. بل على العكس، ظلت الدولة تعيد إنتاج القبيلة وقيمها بشكل مقصود مع حقنها داخل النظام، لأنها مستفيدة من هذا المخيال في الحفاظ على نفوذها. وقد تجلى ذلك في إعادة تفعيل نظم الإدارة الأهلية، كما حدث في عهد حكومة الإنقاذ التي أعادت تفعيل نظام يشبه الإدارة الأهلية من خلال السماح بوجود زعامات تقليدية في الخرطوم، كإستراتيجية لإنتاج الموافقة على هيمنة الدولة وإضعاف المعارضة عبر توظيف الروابط القبلية. وهذه الانتهازية الواعية من قبل الدولة، التي تظهر بوضوح في لجوئها إلى الأطر القبلية لحل الأزمات، تثبت أن الدولة ليست فاعلاً مستقلاً يسعى لتجاوز القبيلة، بل هي وعاء لإعادة إنتاجها في ثوب حداثي. وقد سادت سياسة الأحادية ثقافياً، بدلاً من الإقرار بمبدأ التنوع والتعدد، كما سادت سياسة الوحدانية السياسية التي أبرزت أهم مشكل في بناء مجتمع المواطنة الحديث: ضعف إطار الدولة المؤسسي والقانوني

وتأسيساً على ذلك فقد شهد الخطاب السياسي السوداني منذ العام 2005 نشاطاً مكثفاً في تحديث أطره ومفرداته الخطابية، حيث تغذى على مفاهيم ومصطلحات التعدد والتنوع والمواطنة والسودان الجديد والعدالة والمساواة. وقد كان هذا الخطاب، الذي تجسد في رؤية "السودان الجديد" التي أطلقها جون قرنق، يهدف إلى بناء دولة موحدة علمانية ديمقراطية قائمة على المواطنة المتساوية. غير أن هذا الخطاب ظل حبيس الشعارات دون أن يخطو خطوة واحدة تجاه الممارسة. والمفارقة أن هذا الخطاب استمرت في ترديده كافة الكيانات السياسية في الحكم والمعارضة وبشكل كبير اليوم، بينما ظل الواقع يشهد تعمق الأزمات: انفصال الجنوب، حروب دارفور، الصراع المسلح الحالي.

وهذه الفجوة بين الخطاب والممارسة تعكس أزمة عميقة في طبيعة الدولة نفسها، التي ظلت عاجزة عن ترجمة وعودها إلى مؤسسات وإجراءات، لأنها لم تستطع تحرير نفسها من أسر المخيال القبائلي، ولم تستطع بناء إطار قانوني ومؤسسي قادر على استيعاب التنوع وإدارة الصراعات. وكما يشير الباحثون، فإن الخروج من هذه الحلقة المفرغة يتطلب تحولاً جذرياً في وعي النخب والمجتمع على حد سواء، من الخضوع لسلطة الفرد إلى الإيمان بسيادة المؤسسات ويبقى عجز الدولة السودانية عن الوفاء بوعودها نتيجة حتمية لفشلها في بناء مشروع وطني جامع، واستمرارها في إعادة إنتاج منطق الهيمنة القبلية، واكتفائها بخطاب المواطنة والتعدد دون ممارسته. وهذا العجز، الذي تحول إلى أزمة وجودية تطال مفهوم الوطن ذاته، يطرح سؤالاً مصيرياً حول إمكانية تجاوز هذا المأزق، وإمكانية بناء دولة حقيقية قائمة على المؤسسة والمواطنة، قادرة على الوفاء بالتزاماتها تجاه جميع مكونات المجتمع السوداني.

خاتمة:

في ختام هذه القراءة السوسيولوجية والأنثربولوجية للبنى القبائلية السودانية، وبعد تتبع أركيولوجيا المخيال القبائلي وتفكيك آليات سلطة التاريخ وعجز الدولة عن الوفاء بوعودها، نصل إلى حقيقة جوهرية مفادها أن إشكالية السودان ليست إشكالية تنمية أو إدارة أو صراع على موارد فحسب، بل هي إشكالية وجود ومعرفة وكينونة، تتعلق بكيفية تشكل الذات الجمعية، وكيفية إنتاج المعنى، وكيفية توزيع السلطة الرمزية في فضاء سياسي واجتماعي ظل أسيراً لتناقض بنيوي بين أفق الدولة الحديثة ومخيال القبيلة المتجذر.

لقد كشفت لنا السوسيولوجيا السياسية أن الدولة في السودان لم تكن يوماً كياناً مستقلاً قادراً على إنتاج مواطنة جامعة، بل ظلت أداةً سائلة في أيدي النخب/الشلة، تعكس توازنات القوة القبلية لا توازنات الحقوق المدنية. وهي، في انتهازيها الواعية، لم تسعَ إلى هدم المخيال القبائلي الاقصائي، بل أعادت إنتاجه وحقنته في مؤسساتها، لأنها مستفيدة منه، ولأنها هو نفسه في جوهرها. وهذا ما جعل الدولة عاجزة عن الوفاء بوعودها، وخطاب المواطنة والتعدد مجرد غطاء إيديولوجي لممارسة هيمنة جماعات على أخرى، وحلم الوحدة الوطنية يتبدد كلما اصطدم بواقع العصبية القبلية التي لا تعرف من الوطن إلا ما يكفل لها الغنيمة والموقع. وحيث تقوم الشلة بدور وسيط بين الدولة والقبيلة، في توظيف الخطابات القبلية كأداة لتعبئة واستقطاب وإعادة تشكيل الوعي الجمعي وإعادة إنتاج القبيلة ضمن تحالفات واسعة تضم رموز الكيانات القبلية والزعامات الدينية والمؤسسة العسكرية وكبار الموظفين. وتستفيد من المخيال القبائلي في الحفاظ على نفوذها، بدلاً من العمل على تفكيكه أو تجاوزه حيث تتحكم بسياسة التاريخ، وتحتكر السرد، وتُذكي بعض التواريخ وتخمد أخرى، بل تخترع تواريخ جديدة لخدمة مصالحها.

ومن جهة فإن المخيال القبائلي ليس مجرد وعي زائف أو بقايا عتيقة من الماضي، بل هو نسق معرفي كلي، يضبط علاقة الجماعة بالذات وبالآخر وبالأرض والتاريخ، ويمنح الأفراد شعوراً بالوجود والمعنى في غياب أي إطار وطني بديل ويعيد إنتاج ذاته في كل لحظة أزمة، محولاً الجغرافيا إلى مسرح صراع دائم، والمدن إلى غيتوهات قبلية، والتاريخ إلى ساحة لتزكية السرديات واحتكارها واختراع هويات لا وجود لها إلا في خدمة السلطة.

إن ما نعيشه في السودان اليوم، وخصوصاً في رحم الحرب الراهنة التي تجلت فيها كل التناقضات، ليس سوى انكشاف للحقيقة المرة: أن السودان ليس شعباً واحداً يجمعهم حلم وطني واحد، بل هو شعوب متعددة في جغرافيا واحدة، يجمعهم فقط نظام إداري استعماري اصطنع حدوداً ووحدات وأسماءً لم تكن موجودة، ثم ظلت النخب /الشلة السودانية تعيد إنتاج هذا الاصطناع دون جرأة التفكير في بناء مشروع وطني جديد يقوم على الاعتراف بالتعدد والاختلاف، وإنتاج مخيال آخر يتجاوز الاستعلاء والإقصاء نحو أفق تعددي قائم على المواطنة المتساوية والعدالة.

وتكمن المفارقة الكبرى: فالسوداني، في غياب مرآة جامعة تعكس له ذاته، يظل معلقاً بين مرايا الآخرين المتكسرة، لا يرى نفسه إلا كما يراه الآخرون، فيتشوش وعيه، ويستبسل في الدفاع عن صور شائهة للعرق والثقافة، لأنه لا يجد أي معنى آخر يمنح وجوده قيمة. وهذه الحالة من العصاب الهوياتي، التي تغذيها سلطة التاريخ وسياسات التهميش، تجعل الخروج من المأزق شبه مستحيل دون إعادة بناء بنية معرفية جديدة، تقوم على نقد الذات ونقد التاريخ، والاعتراف بأن الآخر ليس تهديداً، بل شرطاً لوجود الذات وتجددها.

إن مهمة هذه الكتابة أن تقدم إطاراً معرفياً نقدياً لفهم الاجتماع السوداني، لا تكتفي فيه بوصف الأعراض، بل تتعقب الجذور في أعماق البنى المؤسسة: المخيال القبائلي، سلطة التاريخ، عجز الدولة، تشوش الذات.

في النهاية، تبقى هذه الكتابة محاولة لفك شفرات الواقع السوداني، ودعوة مفتوحة لإعادة التفكير في كل المسلمات التي قامت عليها الدولة والمجتمع والهوية. فالسودان، إن أراد لنفسه خلاصاً، يحتاج إلى ثورة معرفية وثقافية قبل أن تكون ثورة سياسية، يحتاج إلى إنتاج مخيال جديد، يؤسس لوطن يقوم على الاعتراف بالآخر، والاعتراف بالخطأ التاريخي، والاعتراف بأن وحدة السودان ليست في إنكار تعددياته، بل في احتضانها ضمن إطار مدني ديمقراطي عادل. وإلا، فسيظل السودان أسير صراع أبدي بين دولة لا تعرف مجتمعها، وقبيلة لا تعترف بدولتها، وكما تجلت هذه الحقيقة بوحشية في حرب الخامس عشر من أبريل 2023، ستتجلى مرة تلو الأخرى، ما لم يتغير جوهر الرؤية ذاتها.

خلاصة القول، إن دراسة المجتمعات السودانية عبر السوسيوسياسية الأنثربولوجية تتيح لنا تجاوز القراءات السطحية للصراع، لنرى في القبيلة ليس عائقًا للحداثة فحسب، بل نتاجًا لسياسات الدولة ذاتها وإخفاقاتها. إن فهم "أفق" القبيلة و"مخيالها" يفسر كيف يمكن للولاءات الأولية أن تعيد تشكيل الدولة، وكيف يمكن لسياسات التهميش والتمكين أن تحول المجتمع إلى ساحة صراع قبلي، وهذه المقاربة أداة لا غنى عنها لفهم ماضي السودان وحاضره ومستقبله.

***

د. أحمد يعقوب

....................

هوامش:

* هذه الورقة هي الأولى ضمن مشروعنا الذي يهدف إلى مساءلة البنى المعرفية التي تؤطر عمل الفعل والفاعليين واتجاه جديد لقراءة الصراع في السودان عبر أدوات القبائلية والمخيال القبائلي كمنتج سوسيولوجي وانثروبولوجي من داخل البيئة السودانية. حيث ندرس الفاعليين الحقيقيين ونحاجج البِنى التي تشكل وتؤطر التفكير والممارسة.

1-  الشلة" مصطلح نشير به إلى النخب السياسية والحاكمة في السودان، والتي تتميز بكونها جماعة ضيقة ومغلقة، تتقاسم المصالح والامتيازات، وتعمل ضمن إطار المخيال القبائلي، وتستخدم مؤسسات الدولة لخدمة أغراضها الفئوية، بدلاً من أن تكون نخبة وطنية جامعة تسعى لبناء دولة المواطنة والمؤسسات. وتعمل "الشلة" ضمن "الأفق القبائلي" ذاته الذي تفترض أنها تسعى لتجاوزه. فالنخب الحاكمة، رغم تعليمها الحديث وامتلاكها أدوات الدولة، تظل أسيرة للمخيال القبائلي، ولم يساهم تعليمها في تحررها منه، بل زادها خضوعاً له، مقابل الامتيازات التي تتلقاها من إدارة المؤسسة الحديثة التي تخدم في النهاية منطق القبيلة ونستخدم الشلة بدل النخبة لنوضح أن هذه الفئات لم تصل بعد إلى مرحلة النخبوية أي أنها مجموعة  منغلقة تجاه مصالحها ولم تتجاوزها لتشكّل نخبة تتطلع إلى كامل مصلحة البلاد بعد.

مراجع:

1.  2.  Musa, A. M. (2018). The Tribal Impact on Political Stability in Sudan. Contemporary Arab Affairs, 11(1-2), 163-184.

2.  Al-Rahim, M. A. (1970). Arabism, Africanism, and Self Identification in the Sudan. Journal of Modern African Studies, 8(2), 233-249.

3.  Zain, M. E. (1996). Tribe and Religion in the Sudan. Review of African Political Economy, 23(70), 523-529.

4.  Galaleldeen, A. (2025). The Sudanese Identity in the Mirror of Colonial and Post-Independence History. The Journal of Social Encounters, 9(2), 268-280.

5.  Akbaba, S. (2024). Post-Partition and Sudanese Nationalisms: Rethinking What It Means to be a Northerner and a Southerner.Politik Ekonomik Kuram, 8(3), 834-847.

6.  Şan, M. K., Ali, H. A. M., & Tzampaz, S. (2026). Who Owns the State? A Qualitative Inquiry of the Failed Construction of National Identity in Postcolonial Sudan. Nations and Nationalism.

7.  Ahmed, A. G. M. (1979). 'Tribal' elite: a base for social stratification in the Sudan. In Toward a Marxist anthropology: problems and perspectives (pp. 321-335).

8.  Tribal Reawakening and the Future of State-Building in Kuwait and Qatar لمريم الكواري (2025)

9.  Tribes and State Formation in the Middle East (تحرير: فيليب خوري وجوزيف كوستينر، 1991)

 

في المثقف اليوم