عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

دراسات وبحوث

هند خليل: القرابين البشرية في الصين القديمة

ابان عهد اسرة شانغ (1600-1046) قبل الميلاد

 الجذور الاولى لفكرة تقديم القرابين البشرية

ويرى كثير من علماء التاريخ والمتخصصين في الحضارات القديمة، ان تنوع العقائد والطقوس في الديانات الوضعية القديمة فلكل من هذه العقائد والطقوس متطلبات متنوعة ومختلفة وهي في الغالب عادات ة تقاليد موروثة من السلف ومنها ما يصل الى ممارسة تقديم القرابين البشرية او التضحية بالنفس من قبل الشخص نفسه وهذه الممارسات الدينية تعد ظاهرة تاريخية ارتبطت بمرحلة من مراحل نشوء الوعي البشري وتطوره.

 فقد شكل تاريخ البشرية عبر مراحله القديمة صورا عديدة لأداء طقوس القربان او الاضاحي او الفداء من اجل التقرب الى الإلهة وكسب ودها او الى الاسلاف المقدسيين او الامبراطور كونه سليل الإلهة والمفوض عنها في ادارة البلاد، وذلك نابع من اعتقادهم في الروح وما ترمز اليه من معاني فلسفية فالروح محور الديانات الوضعية باعتبارها القوة المسيطرة على الكون والبشر وهي في حالة استمرارية وتجدد حتى بعد موت الشخص تصبح روحه مقدسة لذلك قدس الصينيون ارواح اجدادهم وقدموا لهم القرابين ومنها القرابين البشرية.3103 chaina

تطورت فكرة تقديم القرابين وتغيرت في اشكالها ومضمونا والمعنى المراد من تقديمها وحتى كانت المبالغة في نوعية القربان فأصبحت القرابين البشرية نوعا مهما من الاضاحي في الحضارة الصينية فيتم استخدام اجساد البشر ودماؤهم لأغراض شعائرية من اجل التواصل مع الإلهة في معابد الاسلاف وهذه ابرز سمة في سلالة شانغ.

 فقد كانت الدوافع من وراء هذه الاضاحي او القرابين هو بالأساس الخوف من غضب الهه الطبيعة وما تسببه من اخطار متمثلة بالعواصف، والزلازلَ، والفيضانات التي كان بعضها يجرف الزرع، او حلول المجاعة وغيرها من الظواهر الاخرى التي دفعت بني البشر الى الحماية من هذه الكوارث الطبيعية عن طريق فكرة تقديم القرابين لكي ترضى الإلهة او الاسلاف او الاباطرة وهذه الفكرة جزء من عقيدتهم الدينية الني كانت لاتزال تؤدي عند شعب الهاكا الذين يختلفون في ثقافاتهم عن باقي سكان الصين الاخرين ويعيشون في قرية توفانغ بمقاطعة فوجيان شرق الصين اذ كانوا يضحون بالأطفال من اجل الحماية من غضب الشياطين حتى وقت قريب من الغاء هذا الطقس الوحشي.3104 chaina

 فقد كانت هذه الفكرة هي وليدة منذ مهد الحضارة الصينية، اومن الدوافع الاخرى هي عدم فهم ماهية الوجود واصله، من قبل الانسان القديم والتسليم بوجود قوة خارقة، أو إله عظيم غير مشخص (مجهول)، شكل سببًا آخر من أسباب انتشار ممارسات التقرب للآلهة عن طريق القرابين التي عدت كمنح وعطايا مهما غلا ثمنها ومهما كانت تلك العطايا عزيزة على الفرد حتى ان كانت بعض أبنائهم وبناتهم تقدم لتلك الإلهة لتشكل هذه الفكرة وسيلة تفاهم بين البشر والإلهة ، فالتضحية ببعض سكان التجمع خير من فَناء التجمع كله، وخراب العمران بسبب غضب الإلهة، وكان التقرب بالأضحية يتم عبْرَ طقوس خاصة، وفي محافل مقدسة، وفي اوقات معينة، وبهذا تعد شكلًا من أشكال تأكيد الإيمان بقوة الآلهة او الاجداد الاسلاف او الاباطرة وسلطتهم، وتحاشيًا لغضبهم، وردًّا لشرور الطبيعة والارواح المؤذية، ويأملً الفرد الاستجابة للدعوات او المطالب، او الحصول على المعرفة، وإطالة العمر.3105 chaina

القرابين في عهد سلالة شانغ (1600_1046) قبل الميلاد

 تعد سلالة شانغ من اهم السلالات الاولى في تاريخ الصين لأنها سلالة فاتحة للعصور التاريخية اذ بدا التدوين في عهد هذه السلالة واليها يعود الفضل في معرفة اصل الكتابة واشكالها اضافة الى تدوين تاريخ هذه الحضارة ومنجزاتها وكذلك معرفة الحياة الدينية في الصين والفكر الديني بما فيه من طقوس ومعتقدات بعضها مازال سائدا الى الان.

 بفضل نظام التدوين القديم في الحضارة الصينية، تم تزويدنا بالكثير من المعلومات عن تفاصيل المجتمع الصيني والطقوس القديمة وخاصة في عهد أسرة شانغ (1600-1046) قبل الميلاد ومن هذه الكتابات ما يعرف باسم "مخطوطات الكهانة العظمية" ينظر شكل (1) التي كانت تستخدم لاتخاذ القرارات المصيرية وخاصة تلك القرارات التي تخص الأسرة الامبراطورية وشؤون البلاد.

فقد كان يتم التدوين على العظام واصداف السلاحف ثم ترق فيما بعد من اجل الكشف عن ماهية تلك الشقوق والخطوط التي تنتج بعد حرق تلك العظام وكذلك اكتشفت بعض التنقيبات الاثرية في موقع في الصين القديمة شظية من جمجمة بشرية للكتابة عليها من أجل الكهانة وهو ما قد يشير إلى احتمالية وجود التضحيات البشرية منذ عهد مبكر في الصين يعود غالبا الى عهد اسرة شانغ ؛وما يؤكد هذا الاحتمال وجود بعض النصوص محفوظة برموز منقوشة على العظام تشير الى التضحيات البشرية بكل وضوح، وخاصة انشطة التضحية في الجنائز الملكية ومن هذه النصوص "هل يُضحى بألف رأس من الماشية وألف إنسان؟". وتسجل مخطوطة أخرى "كيف أن 9 آلاف إنسان جرت التضحية بهم". وبحسب المخطوطات يلاحظ ان هناك نوعان رئيسيان من التضحيات البشرية، أحدهما إعدام الخدم والعبيد بأعداد هائلة بعد وفاة أي حاكم، فيُجبرون على اللحاق بهم عند وفاتهم، أو يفعلون ذلك طوعاً، وتتضمن التضحية الأخرى قتل أسرى الحرب لإرضاء الآلهة وإنهاء مجاعة ما.3106 chaina

ومن جانب اخر قام علماء الآثار من معهد مقاطعة خنان للآثار الثقافية والآثار وفريق الآثار الثقافية أثناء عمليات التنقيب في موقع تشاي تشوانغ في جييوان، جييوان بحفر 6000 متر مربع من الموقع منذ عام 2019 ووجدوا الأن مستوطنة تشاي تشوانغ القديمة كانت تغطي مساحة 300 ألف متر مربع. والتي تم العثور فيها على المنازل والآبار وحفر الرماد والطرق والألعاب النارية في الموقع، إلى جانب مجموعة من الآثار بما في ذلك الفخار والحجر والعظام البشرية والحيوانية واليشم ، ينظر شكل (2)، وايضا وجدوا عددًا كبيرًا من المقابر تعود أواخر أسرة شانغ، ينظر شكل (3)، مما قدمت هذه الاكتشافات أدلة واضحة لدراسة الثقافات الاجتماعية بما تحتويه من عادات وتقاليد وكذلك دراسة الافكار الدينية بما تحتويه من طقوس وشعائر القديمة ومنها ما يخص طقوس الاضاحي الجنائزية التي يتم التضحية خلالها قرابين بشرية احيانا تشمل التضحية بعائلة كاملة، وما ثبتته صحة وجود طقس الاضحية البشرية في سلالة شانغ هو العثور على البقايا العظمية البشرية في المواقع الاثارية اذ وجد ما يقارب 300_500 هيكل عظمي بشر ي في احدى مقابر شانغ الملكية وكذلك في مقبرة اخرى اكتشف 1000 حفرة في كل واحدة عثر على 12 هيكل عظمي بشري بدون رؤوس قد وزعت هذه الحفر ين صفوف المقابر الملكية ينظر شكل (4)، وقد ضمت هذه المقابر عظام بشرية في وضع ركوع في حفرة أضاحي يعود تاريخها إلى أواخر عهد أسرة شانغ في مقاطعة خنان بوسط الصين، وأن الذبيحة البشرية التي تم ذبحها، وجدت بعضها وهي مواجهه الى اتجاه الشمال وركعت في الحفرة وكانت يديها متقاطعتين أمامها وقال ليانغ فاوي، رئيس مشروع التنقيب في موقع تشاي تشوانغ: " إن هذا العظم البشري المحفوظ جيداً يشبه رمز " كان " من رموز أوراكل ولفت ليانغ انه وفقا لدراسة تسجيلات الرموز المنقوشة على درع السلحفاة وعظم الحيوانات في أطلال يين، سادت ثقافة التضحية في أسرة شانغ. ينظر شكل (5).

اما البعض الاخر من الاضاحي البشرية المكتشفة تكون في الغالب في وضع الرقود وافترض الخبراء أن طريقة الأضحية المسجلة في الهيروغليفية الصينية "كان" تشير إلى أسلوب دفن في وضع مستقيم والذي يجب أن يكون أكثر انتشارا من وضع الرقود. ينظر شكل (6).

 ويقدر العلماء أنه على مدى نحو 200 سنة، تم التضحية بأكثر من 13000 شخص في ينكسوفي خنان قرب العاصمة انيانغ ( ينكسو: موقع قبيلة ينكسو التي ضمت 24 مقبرة تابعة لقبيلة ينكسو التي رمز لها بالحرفين ce تبعا للنقوش التي وجدت على اثارها من حجر ويشم وبرونزيات لذلك اطلق عليها قبيلة سي التي تعد من اكبر المقابر في شانغ) وهؤلاء الاضاحي عادة من الذكور الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و35 عاما، وكانت أكبر تضحية وجدت حتى الآن ما لا يقل عن 339 شخصا، وكذلك عثر في الموقع نفسه على عدد من هياكل لجنود وخيول وسائقي العربات والمرافقون لهم التي يعتقد علماء الاثار انها هذا الاكتشاف يشير الى دفن هؤلاء الجنود ومعداتهم مع الحاكم كقربان له وهذا حدث في عام 1500 قبل الميلاد.3107 chaina

وأشار الباحثون، إلى أن التضحيات البشرية كانت تتم من اجل اسلاف الحاكم أو الآلهة، ويقول كريستينا تشيونج، عالم علم الأحياء الحيوية في جامعة سيمون فريزر في برنابي بكندا: "إن هذا الموقع يعتبر من المواقع المذهلة، فقد تضمن القطع الأثرية البرونزية، وتحف العظام مذهلة، وحجم الهياكل المعمارية. ينظر شكل (7).

وسُجّلت تفاصيل التضحيات البشرية خلال هذه الفترة كنحت على القطع الأثرية المعروفة باسم عظام أوراكل. وتحمل هذه القطع المسطحة من عظام الحيوانات أقدم دليل على الكتابة في الصين. ووفقا للمكتبة البريطانية، سيفسر العرافون الأنماط في الشقوق للعثور على إجابات لأسئلتهم وقد اعتمدت اقامة هذه الطقوس على فكرة مفادها وجود علاقة بين عالم الاحياء وعالم الاموات اذ يقوم الخدم او الجنود او الاسرى بخدمة سيدهم واسرته بعد وفاته كما كانوا يخدمونهم في الدنيا وهم احياء وهذه احد اساليب تقديم الاضاحي البشرية في الصين القديمة.

ومن الاساليب الاخرى هي ذبح الفتاة العذراء بعد اختيار الكهنة لهن بعناية فائقة وطلبها من والديها مما يجعل العائلة تفرح بطلب ابنتهم وتقديمها كقربان اذ توضع على دكة المذبح للإله بوذا اثناء راس السنة الصينية ضمن احتفال طقسي في اليوم الرابع والعشرين من شهر فبراير من كل عام بعد ان تغسل وتطهر كالذبائح الحيوانية ومن ثم تقييد اليدين والرجليين وتنحر لتجمع دماؤها لشربها كجزء مهم من معتقداتهم الدينية.

اما في مقاطعة التبت الصينية يتم الاضاحي البشرية من خلال تقطيع جسم الانسان بعد وفاته الى قطع صغيرة توضع على قمة جبل لكي تأكلها الجوارح وتتعرض لعوامل الطبيعية وقد اطلق على هذا الاسلوب من الاضاحي الوب الدفن في السماء او اعطاء الوعاء للطيور وحسب فكرهم الديني والعقائدي خذا الطقس هو بمثابته تكريم للميت لان الجسد فاني والروح تبقى ملازمة لعالم الاحياء لذلك تعد الروح مقدسة ينظر شكل (8).

نستنتج مما تقدم

ان القرابين وسيلة يستخدمها الحكام لإظهار مدى قوة سلطتهم السياسية وبث الرعب والرهبة في النفوس لذلك لا تعد مجرد طقس ديني.

كانت الصين كباقي الحضارات القديمة تؤمن ان هناك حياة بعد الموت وعلى الخدم والاسرى ان يقدموا خدماتهم لسيدهم في العالم الاخر لذلك تتم التضحية بهم، كما ان هذا التحيز للطبقات الضعيفة بجعلنا نلاحظ النظام الاجتماعي الطبقي الصارم المتبع في الصين القديمة والمقدرة والقوة العسكرية التي تمتعت بها سلالات الصين بما جلب لهم عدد من الاسرى الذين تتم التضحية بهم.

تعد التضحية البشرية وسيلة من اجل الحصول على رضا ارواح الاجداد والاسلاف ومن اجل نيل البركة للحياء وحماية الدولة وهذا يعني ارضاء القوى الخفية والارواح مقابل تلك الحماية ومدى ضعف البشر امام القدرات العليا والطبيعة منذ القدم.

***

م. م هند خليل العبودي

في المثقف اليوم