كم مِنَّا سمعَ مصطلحات مثل: «الثوابت»، و «المعلوم من الدين بالضرورة»، تترددُ في الأوساط الدينية والفكرية؟ إنها مصطلحاتٌ مِن أكثرِ المصطلحاتِ المُستَخدَمَةِ مِن قِبَلِ «رجال الدين»؛ حيث يصدِّرونها في وجهِ كلِّ مَن أرادَ أن يسْلكَ طريقَ الاجتهادِ والتجديد، ولكن المصطلحَ -الثوابت- شديدُ الميوعة والسيولة؛ وهذا ما دفعني إلى أن أكتبَ في تفكيك هذا الادِّعاء، الذي دائمًا ما تتلقفه آذانُنا ليلَ نهار.
إن من أهم النقاط في طريق «المنهجية»: تحرير المصطلحات، وبيان ما تنطوي عليه من مضمون، وفي هذا السياق نسأل عدة أسئلة تتعلق بإشكالية «الثوابت»:
هل مصطلح «الثوابت» يعبِّر بالفعل عن المضمون الذي يُروَّج له من كون الثوابت أمورًا قطعية لا خلافَ عليها؟
ثم: مَن الذي يُحدِّدُ هذه الثوابت؟ وهل عند اختبار هذا الادعاء نجد تطابقًا بينه وبين الواقع؟ وما مقدار هذه الثوابت؟ ومعيار تحديدها؟
كل هذه أسئلة تتولد عن إطلاق مصطلح «الثوابت» ومشتقاته، ولنبدأ بتوجيه سؤال محوري لمَن يطلقون هذا المصطلح: أي ثوابت تَعنُون؟ أتريدون بهذه الثواب -على سبيل المثال- «نص» القرآن الكريم بالنسبةِ للمسلمين؟ «إن» كان هذا مقصودكم من إطلاق كلمة ثوابت؛ فعلى الرَّحْبِ والسعة، ولكن الإشكال أن أغلب المرددين لهذا المصطلح يطلقونه على نطاقٍ واسعٍ، يشملُ عددًا غير قليل من القضايا المذهبية، التي تنتمي إلى مذهبهم فقط، ثم يقولون إنها من ثوابت الدين.
فتعالَ أسوقُ لك، على سبيل المثال لا الحصر، بعضَ القضايا؛ حتى نرى: أفيها اتفاق وثوابت أم لا؟
ولنبدأ بقضية «الإمامة»، تلك القضية الكبرى التي دارَ حولها خلافٌ طاحنٌ في تاريخنا الفكري، هل هناك اتفاقٌ حدثَ على الإمامةِ وتصورها مثلًا حتى ندَّعِي بعد ذلك أنها من «القطعيات» و «الثوابت»؟ يقول الشهرستاني فيما يتعلق بالخلاف حول الإمامة: «وأعظمُ خلافٍ بين الأمةِ خلافُ الإمامة؛ إذ ما سُلَّ سيفٌ في الإسلامِ على قاعدةٍ دينيةٍ مثل ما سُلَّ على الإمامة»(١).
وها هو ينص الشهرستاني على: لا وقوع الخلاف فقط حول الإمامة؛ بل يصفه بأنه أعظم خلاف حدثَ بين المسلمين، منذ بواكير الإسلام، وبين الصحابةِ الكبار أنفسهم، وبهذا سيصبح من نافلة القول عدم وجود شِبْه اتفاق على الإمامة، ولا أي من تفاصيلها.
ولنتطرقْ إلى قضية أخرى، وهي:
القطعي والظَّنِّي في القرآن، أو: المُحكَم والمتشابه.
هل يوجد اتفاقٌ أصلًا على «القطعيات» والمُحْكَمَات التي وردت في القرآن الكريم؟
لو نزَلنا إلى ميدان التطبيق؛ سنجد أن «كل واحدٍ مِن أصحابِ المذاهب يدَّعي أن الآيات الموافقة لمذهبِهِ مُحْكَمَة، والآيات الموافقة لمذهبِ الخصمِ متشابهة؛ فالمعتزلي يقول: إن قوله تعالى: «فَمَن شَاۤءَ فَلۡیُؤۡمِن وَمَن شَاۤءَ فَلۡیَكۡفُرۡۚ». [سورة الكهف، مِن الآية: ٢٩]، مُحْكَمَة، وقوله: «وَمَا تَشَاۤءُونَ إِلَّاۤ أَن یَشَاۤءَ ٱللَّهُۚ». [سورة الإنسان، مِن الآية: ٣٠] مُتشابهة، والسُّنِّيُّ يَقْلِبُ القضيةَ في هذا الباب، والأمثلة كثيرة»(٢).
والنصُّ السابق يشرحُ نفسه، وينطقُ بأن كل مذهبٍ يبتكرُ معيارًا من عنده للمُحْكَمِ والمتشابه؛ ومِن ثَمَّ ينعدمُ أي اتفاق على هذا الأمر فضلًا عن أنْ يكون من الثوابت أو القطعيات، وهذا يمسُّ سؤالًا طرحناه في بدايةِ هذه المقالة، والذي يقول: مَن الذي يحدِّدُ هذه الثوابت؟ والنصُّ السابقُ الذي عرَضناه للفخر الرازي كافٍ في الإجابة، وهي أن الذي يحدِّدُ هو «الهوى المذهبي»، ولا معيار في هذا الصددِ سوى الهوى.
ولننتقل إلى قضية أخرى، وهي: الانتساب إلى «أهل السُّنَّةِ والجماعة»، هل هناك معيارٌ «غير مذهبي»، أو مجموعة قواعد نلجأ إليها لتخبرنا أن شخصًا ما يندرج تحت «أهل السُّنة»، وغيره يُعَد من المحرومين من هذا الاندراج؟
في هذه النقطة أيضًا سنجد «الهوى» هو الذي يحدِّدُ، ولا يوجد معيار مُتَّفَقٌ عليه نحتكمُ إليه في هذا الاختلاف، ولقد وصَّفَ الزمخشريُّ هذا الأمرَ خير توصيفٍ حين قال: لَجَمَاعةٌ سمُّوا «هواهم» سُنَّةً وجماعة(٣)، أي حتى هذه القضية لا يوجد معيار فيها؛ وإنما المعيار على طريقةِ قول القائل: كُلٌّ يَدَّعي وَصْلًا بِلَيْلَى.
ولقد تطرَّفَ أحدُهُم فيما له تعلق بالثوابت، وزعَمَ أن مَن يتكلم بالنقْد عن حديثٍ وردَ في صحيح البخاري؛ فهو بذلك ينقضُ وينقد «ثوابت» الدين(٤)، مع أن صحيح البخاري ليس عليه اتفاق بين الفِرَق الإسلامية، وإنما هو محل تبجيل ممن ينتسبون إلى «أهل السُّنة»، بل وحتى داخل أهل السنة، هناك مَن تعرضَ بالنقد لبعض الأحاديث التي وردت في صحيح البخاري، مثل حديث «سِحْر النبي» صلى الله عليه وسلم، والذي قال عنه أبو بكر الجصاص: إنه مِن وَضْع الملحدين(٥)، فكيف بعد ذلك يَزعم أحدهم ويتوهم أن مَن يتعرض لحديث في صحيح البخاري بالنقد؛ فهو بذلك ينقض وينقد ثوابت الدين؟ الظاهر أنه يقصد الثوابت التي على هواه، فليس هناك ثوابت مُتَّفَقٌ عليها أصلًا فيما نعرضه حتى تُنْقَض.
ثم ننتقلُ إلى قضية أخرى: وهي: «تأويل القرآن» وتفسيره، هل اتفقتْ كلمةُ المسلمين على تفسير القرآن؟ الإجابة لا، وحتى الذين دائمًا يقولون إن القرآن هو المعيار، عقولهم هو قولٌ عام، يصدرونه بحيث لا يستطيع المتلقي الاعتراضَ عليه، وإلا تم تكفيره، ولكننا إذا قمنا بتفكيك أقوالٍ محدَّدةٍ، من قبيل: «الاحتكام إلى القرآن» و «القرآن هو المعيار»، و «الرأي الصحيح هو ما وافقَ القرآن»؛ سنجد أن كل هذه العبارات عبارات بها نوع من السيولة، تُساق في مقام التخويف أو التدليس، لأن القرآن من حيث هو «نص» لا نتكلم فيه، وإنما الكلام عن «تفسير وتأويل» النص، وبالتالي، فإن مَن يقول لك: القول الصحيح هو ما نطقَ به القرآن؛ قل له فورًا: بأي تفسير للقرآن؟ تفسير السُّني أم المعتزلي أم الشيعي أم الخارجي أم الأشعري...إلخ مِن التفسيرات؟ فإطلاق المصطلح هكذا خادعٌ، وينطوي على قدر من إرهاب المتلقي؛ إذ عندما يُقال له «إن الحق ما وافقَ القرآن»؛ بناء على ظاهر هذه العبارة لن يجرؤ على الاعتراض؛ وإلا لَعُدَّ أنه يَعترض على القرآن، بينما القائل للعبارة الخادعة -في هذا السياق- «إن الحق ما وافق القرآن، أو ما وافق القرآنَ والسُّنة» يَقْصد أن الحق هو ما وافقَ «هواه» و «تفسيره للقرآن» لا «للقرآن» ذاته؛ فكما قال الإمامُ علي بن أبي طالب -عليه السلام-: القرآنُ بين دفَّتَي المصحفِ لا يتكلم؛ وإنما يَنطقُ به الرجالُ.
وإذا كانت أكبرُ القضايا -كما عرضناها سابقًا- لم يَحدُثْ عليها شِبْه اتفاق، وإنما الاختلاف متجذُّر في كل تفاصيلها، فما الأمرُ في الذين يَلُوكُون مصطلحات: «الثوابت»، و «القطعيات»، و «المعلوم من الدين بالضرورة» والتي على شاكلتها؟ وإذا كان الاختلافُ واقعًا في هذه القضايا الكبرى، فما بالنا بما هو أقل وأصغر منها؟ وسيتضحُ لنا حينئذ أنها مصطلحات -في الغالب- خالية مِن أي مضمون؛ وإنما يتم ترديدها مِن قبيل «تخويف» المُتلَقِّي، الذي ارتبطَ في ذهنِهِ أن الثوابت هذه أمورٌ لا تقبل النقاشَ ولا المَسَاسَ، وأن الاقتراب منها يُفضي لا محالةَ إلى تكفيرِهِ، وربما استحلال دمه، بينما حقيقة الأمر أن كلَّ -أو أغلب؛ لخطر «التعميم» من الناحية المنطقيةِ- ما يُزْعَمُ أنه من الثوابت، ليس مِن الثوابت في شيء، فالاختلاف واقع في كل القضايا الكبرى التي عرضناها، وكذلك الصغرى من باب أولى، وعلى هذا؛ يتبين لنا مدى التدليس الذي يُمارَسُ على الناس، من خلال إيهامهم بثوابت وقطعيات، بينما هي آراء شخصية وأيديولوجيات، يروُّجها أصحابُها على أنها القول الفصل والنهائي.
ولا يجب علينا أن نستهينَ بخطر هذا التدليس؛ إذ هذا التفكيك ليس من قبيل الترف الفكري؛ وإنما جاء تحليلي النقدي لهذه القضية؛ لِمَا يترتبُ عليها من إرهاب لكل مختلِف مع رجال الدين، بل وتهديد لحياة الشخص نفسه إذا ما صدَّقَ المجتمعُ أن هذا الشخصَ قد خالفَ ثوابت الدين وقطعياته، كما يقول رجال الدين، وسأضربُ مثالًا تطبيقيًّا على هذه القضية وما تمثله من خطورة، وهي لشخص تعرضَ للاتهام بمخالفة الثوابت والقطعيات، ثم بُني على هذا الاتهام أذى كبير لنفسه ولأسرته وحياته، وهذا الشخص هو: الدكتور نصر حامد أبو زيد. في قضيته الشهيرة في تسعينيات القرن الماضي، تم اتهامه بالرِّدَّة عن الإسلام، وبناء على ذلك؛ حُكِمَ بالتفريق بينه وبين زوجته الدكتورة ابتهال يونس، ومِن ضمن المسوِّغات التي اعتُمِدَ عليها هذا في هذا الحُكْم: ذلك الاتهام الذي ساقه عبد الصبور شاهين في حق الدكتور نصر حامد أبو زيد؛ إذ اتهمَه بأنه «يُنكِر معلومًا من الدين بالضرورة»، وأنه يتهجم على «الغيب» الذي هو أساس الإيمان(٦)، مع أن نصر حامد أبو زيد يفرِّقُ بوضوح بين «الدين» و «الفكر الديني»؛ فالدين مُقدَّسٌ، بينما الفكر الديني ما هو إلا اجتهادات بشرية لا يمكن أن تأخذ صفةَ القداسةِ التي هي للدين ذاته(٧).
وهذا الذي أشرنا إليه سابقًا، من أن رجال الدين يظنون أن هواهم وآراءهم قطعيات وثوابت ليس بينها وبين الدين أي فرق يُذكر؛ ودليل ذلك ما ذكرناه من أن نصر حامد أبو زيد يفرق بوضوح بين الدين والفكر الديني، ودليل آخر: يتمثل في أن عنوان كتابه «نقْد الخطاب الديني» يكفي لإبطال أي تصور من كونه يوجه نقده للدين أو «المعلوم من الدين بالضرورة» كما يتهمه عبد الصبور شاهين، فعنوان الكتاب كاشفٌ بنفسه ونصه على أن النقد موجَّهٌ «للخطاب الديني» وليس «للدين» ذاته.
أرأينا خطورة الأمر؟ وأن التلاعبَ بالمصطلحاتِ وتصديرها دون مضمون حقيقي تحتها كان كفيلًا بأن يتسبب في اتهام شخص بريء بأنه مرتدٌ عن الدين؛ بل والتجاوز إلى ما هو أبعد من ذلك، بالتفريق بينه وبين زوجته! أي أن الأذى تعدى الأمر الفكري، ليقتحم الأسرة نفسها، ويسعى إلى تفكيكها وتدميرها.
***
بِقَلَم: محمد خليفة أحمد ـ باحث دكتوراة بكليةِ دارِ العلوم.
........................
هوامشُ المقالةِ:
(١) الشهرستاني، «المِلَلُ والنِّحَل»، تحقيق: أمير علي مهنا ـ علي حسن فاعور، (ط٣، بيروت، دار المعرفة، ١٩٩٣م)، ص ٣١.
(٢) الفخر الرازي، «تأسيس التقديس»، عُني به: أنس محمد عدنان ـ أحمد محمد خير، (ط١، بيروت، دار نور الصباح، ٢٠١١م)، ص ٢٢٧.
(٣) الزمخشري، «الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل». عُني به: خليل مأمون شيما، (ط٣، بيروت، دار المعرفة، ٢٠٠٩م)، ص ٣٨٦.
(٤) ڤيديو بعنوان: «كريمة والتلميذ»، على يوتيوب، الدقيقة ٧: https://youtu.be/-aNgPRwBAOw?si=EXnLYZ4-BXrIgpeD
(٥) أبو بكر الجَصَّاص، «أحكام القرآن»، تحقيق: محمد الصادق قمحاوي، (ط١، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ١٩٩٢م)، ١/٦٠.
(٦) د. نصر حامد أبو زيد، «نقْد الخطاب الديني»، (ط٢، القاهرة، دار سينا للنشر، ١٩٩٤م)، ص ١٥.
(٧) د. نصر حامد أبو زيد، «نقْد الخطاب الديني»، ص ١٢.








