عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

دراسات وبحوث

حكيم السلطاني: الوطنية والدين في الفكر الشيعي المعاصر

مقدمة: لم تعد العلاقة بين الوطنية والدين في الفكر الشيعي المعاصر مسألة نظرية محضة، ولا ترفًا مفهوميًا يمكن عزله عن تحولات الواقع العراقي بعد عام 2003، بل غدت واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا؛ لأنها تتصل بسؤال الدولة، وموقع المرجعية، وحدود الانتماء، ومعنى المواطنة، وطبيعة العلاقة بين العقيدة بوصفها أفقًا عابرًا للحدود، والوطن بوصفه إطارًا للسيادة والحقوق والواجبات. فالسؤال لم يعد: هل يحبّ المؤمن وطنه؟ بل صار: كيف يمكن للمؤمن أن يجمع بين انتمائه الديني الواسع والتزامه الوطني الخاص، من غير أن يتحول الدين إلى أداة لإلغاء الوطن، أو تتحول الوطنية إلى عصبية مغلقة تصادر أفق الدين وقيمه الإنسانية؟

إنّ الخلل في هذه المسألة لا ينشأ غالبًا من طبيعة الدين ولا من حقيقة الوطن، بل من الرثاثة المفهومية التي تصيب الخطاب حين يدخل في حقل الصراع السياسي، فتتحول الألفاظ من أدوات بيان إلى أدوات تعبئة واتهام. ومن هنا تنشأ الحاجة إلى تحرير المفهوم من حمولاته المتكلّسة: فالوطنية ليست قطيعة مع الأمة، والمواطنة ليست عقيدة بديلة عن الدين، والامتداد المذهبي لا يعني التبعية السياسية، كما أن نصرة المظلوم لا تعني بالضرورة جعل الوطن الخاص ساحة مفتوحة لمشاريع الآخرين.

أولًا: المواطنة عقدٌ ناظم لا عقيدة بديلة

المواطنة في معناها الرصين ليست عاطفة سائبة تجاه الأرض، ولا شعارًا يُرفع عند الحاجة، بل هي علاقة منظمة بين الفرد والدولة، تقوم على الحقوق والواجبات والانتماء والمشاركة والمسؤولية. وقد عُرّفت بأنها (صفة المواطن الذي يتمتع بالحقوق ويلتزم بالواجبات التي يفرضها عليه انتماؤه إلى الوطن)[1].

وهذا التعريف يخرج المواطنة من حقل الانفعال إلى حقل العقد. فهي تفترض وطنًا، ودولة، وقانونًا، ومواطنين، وحقوقًا، وواجبات. ولا معنى لمواطنة بلا وطن، كما لا معنى لوطن بلا مواطنين يشعرون بأنهم شركاء في مصيره، لا مجرد جماعات متجاورة داخل جغرافيا واحدة.

ومن هنا يمكن النظر إلى المواطنة، بلغة الفقه الاجتماعي، بوصفها من شؤون العقود والمواثيق العقلائية التي تحفظ النظام العام. فهي ليست أصلًا اعتقاديًا في قبال التوحيد أو النبوة أو الإمامة، وليست دينًا وضعيًا يريد أن يحلّ محل الدين الإلهي، وإنما هي عنوان تنظيمي يضبط علاقة الإنسان بالدولة، ويحدد موقعه من المال العام، والقانون، والسيادة، والانتخاب، والدفاع، والحقوق المدنية والسياسية.

ولا يكفي للرد على المواطنة القول إنها مصطلح حديث أو وافد؛ فكثير من صيغ التنظيم الحديثة لم تكن موجودة بألفاظها وأشكالها في القرون الأولى، مثل الدستور، والجامعة، والوزارة، والجنسية، وجواز السفر، والانتخابات، والحدود الإدارية الحديثة. والعبرة ليست بتاريخ المصطلح وحده، بل بمضمونه وآثاره: هل يحفظ الحقوق أم يضيّعها؟ هل يمنع الفوضى أم ينتجها؟ هل يصون اجتماع الناس أم يمزقه؟

ولذلك قيل إن الحاجة إلى ترسيخ المواطنة في المجتمعات الإسلامية تأتي (كسبيل للتكامل والوحدة الوطنية والانسجام الاجتماعي والسلم المجتمعي، ولتقوية العلاقة بين الوطن ومواطنيه، باعتبارها مقصدًا من مقاصد الدين)[2]. وهذه العبارة تنقل المواطنة من حقل المصطلح السياسي إلى حقل المقاصد الاجتماعية؛ لأن حفظ النفس والمال والعرض والنظام والعدل لا يمكن أن يتحقق في مجتمع مفكك الولاءات، متنازع المرجعيات، عاجز عن إنتاج ميثاق جامع.

ثانيًا: الوطن في النص الإسلامي: الديار والأمن والعيش المشترك

إنّ الرجوع إلى النصوص الإسلامية الكبرى يكشف أن فكرة الوطن ليست غريبة عن الحس الديني، وإن لم تكن الدولة الوطنية الحديثة قائمة بشكلها الراهن في الأزمنة الأولى. فالقرآن الكريم تحدّث عن الديار، والإخراج منها، والأمن فيها، والدفاع عنها، وجعل مفارقة الديار قسرًا من صور الابتلاء الكبرى.

قال تعالى: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ﴾[3]، وقال أيضًا: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾[4]. وليس عبثًا أن يقترن الإخراج من الديار في السياق القرآني بأشدّ صور الابتلاء، لأن الديار ليست ترابًا محايدًا، بل هي محلّ الأمن والذاكرة والاجتماع والكرامة.

كما جاء في القرآن ما يدل على أن الدفاع عن الديار قد يدخل في سبيل الله حين يكون دفاعًا عن الحق والوجود، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾[5]. وفي دعاء إبراهيم عليه السلام: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾[6]، اقتران واضح بين التوحيد والأمن المكاني؛ إذ لا يستقر التدين في فضاء الخوف، ولا تقوم العبادة في مجتمع مستباح.

وتبلغ وثيقة المدينة أهميتها في هذا السياق لأنها جمعت المختلفين دينيًا في إطار سياسي واحد، من غير أن تلغي خصوصياتهم العقدية. وقد ورد فيها: (يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم)[7]. وهذا النص يؤسس لفكرة دقيقة: يمكن أن تكون هناك أمة دينية بالمعنى العقدي، وأمة سياسية بالمعنى المدني، بحيث يشترك المختلفون دينيًا في حفظ كيان سياسي واحد.

ومن هنا لا تقتضي المواطنة ذوبان العقائد، ولا إلغاء الخصوصيات، ولا مصادرة الفوارق الدينية، بل تعني أن أهل الوطن الواحد، مع اختلاف أديانهم ومذاهبهم، يشتركون في حفظ الدولة، والعيش العام، والحقوق والواجبات. وهذا قريب مما قرره السيد محمد باقر السيستاني في الحديث عن (المواطنة التي يشترك فيها المسلم وغير المسلم ويلتزم من خلال الانتماء إلى الوطن ميثاقًا اجتماعيًا بين أهله)[8].

ثالثًا: الوطنية بوصفها أفقا شيعيا

لم يكن الدفاع عن الوطنية في المجال الشيعي المعاصر طارئًا على الفكر الإمامي، ولا استجابة متأخرة لضغط الدولة الحديثة فحسب، بل وجد له امتدادًا واضحًا في خطاب عدد من المفكرين والفقهاء الشيعة الذين أدركوا مبكرًا أن الجماعة الدينية لا تستطيع أن تعيش خارج الدولة، ولا أن تحمي خصوصيتها بتحويل نفسها إلى جالية سياسية عابرة للحدود. ومن هنا تبرز أهمية ثلاثة أسماء لبنانية شيعية ذات أثر واسع في هذا الباب: السيد موسى الصدر، والشيخ محمد مهدي شمس الدين، والسيد هاني فحص؛ إذ تجمع بينهم، على اختلاف مواقعهم ومبانيهم وتجاربهم، فكرة مركزية واحدة، هي أن الدين لا يُلغِي الوطن، وأن الهوية الشيعية لا تكون أكثر صدقًا حين تنفصل عن الاجتماع الوطني، بل قد تكون أكثر وعيًا بذاتها حين تدخل الوطن بوصفه مجالًا للعدل والمشاركة وحفظ الإنسان.

فالسيد موسى الصدر لم يتعامل مع الوطن بوصفه وعاءً عابرًا أو جغرافيا صامتة، بل نظر إليه بوصفه شرطًا من شروط الوجود الإنساني المعاصر. وقد نُقل عنه قوله (لا حياة للوطن بدون الإحساس بالمواطنية والمشاركة، وهذا الإحساس يجب أن يبرز بصورة واضحة وسريعة ودائمة في ترفعكم عن العائليات والإقليميات والطائفيات والحزبيات)[9]، وهذا النص يكشف أن المواطنة عنده ليست ترفًا سياسيًا، بل شرط لبقاء الوطن وحصانته، وأن غيابها يفتح المجال لكل أشكال الاختراق الخارجي والتمزق الداخلي.

وفي موضع آخر يقدّم السيد الصدر صياغة بالغة الدلالة حين يقول (الإنسان لا معنى لوجوده في هذا العصر دون وطن) [10]، هذه العبارة ترفع الوطن من مستوى العاطفة إلى مستوى الشرط الوجودي والاجتماعي. فالوطن، في هذا الفهم، ليس منافسًا للدين، بل هو المجال الذي يحفظ الإنسان وكرامته وحريته وقدرته على الفعل.

أما الشيخ محمد مهدي شمس الدين فقد ذهب أبعد في معالجة الإشكال الشيعي - الوطني، ولا سيما في وصاياه المتعلقة بالشيعة العرب (رسالتي أن أجعل الشيعة مقبولين داخل مجتمعاتهم وداخل الأمة، وأريدهم أن يكونوا مقبولين لذاتهم، لا لأنهم يمثلون (محمية) لدولةٍ أخرى، يعني أن أكون مقبولاً لأن إيران تحميني! هذه أنا لا أريدها. أنا (هنا في لبنان) صيرورة تاريخية موجودة منذ عهد الرسول – سلام الله عليه – وسأبقى إلى عهد ظهور الإمام المهدي. أنا أحمل جنسية بلدٍ معيَّن وأريد أن أكون مقبولاً لذاتي، لأني مقبول في محيطي وفي مجتمعي، لا لأني أمثّل حالة سياسية تنشر الرعب ويُجامِلُها الآخرون)[11]. وقد جاء في النص المنشور عنه تأكيده أن وحدة المجتمع السياسي الوطني أولوية عظمى تتقدم أي خصوصية، وأن اللبنانيين الشيعة، وكذلك الشيعة في أوطانهم العربية، هم جزء من الاجتماع الوطني العام وجزء من الاجتماع العربي العام، إضافة إلى كونهم جزءًا من الاجتماع الإسلامي العام.

وهذا النص بالغ الأهمية؛ لأنه لا ينفي الانتماء الإسلامي، ولا يلغي الخصوصية الشيعية، لكنه يعيد ترتيب المقامات: فالشيعي، في السياسة والمصالح العامة، ابن وطنه أولًا، لا بمعنى الخروج من المذهب، بل بمعنى أن المذهب لا يمنحه حق الانفصال عن المجتمع السياسي الذي يعيش فيه. وهذا هو جوهر ما يحتاجه الفكر الشيعي المعاصر بعد 2003: أن يميز بين التشيع بوصفه عقيدة وهوية روحية عابرة للحدود، وبين تحويل التشيع إلى مشروع سياسي يعلو على الدولة ويصادر قرارها.

وقد ازدادت أهمية كلام شمس الدين بعد نشر حواره المطوّل الذي أجراه عام 1997، إذ جاء فيه تحذير مبكر من أن تتحول علاقة الشيعة بإيران إلى علاقة تماهٍ سياسي يلغي خصوصياتهم الوطنية. وقد لُخّص موقفه بعبارة واضحة (إيران ليست قطب استتباع، لا بالنسبة إلى الشيعة العرب ولا بالنسبة إلى غير العرب منهم. وهذا الأمر أنا أرى فيه مصلحة الشيعة. قد يكون خلاف مصلحة إيران)[12]، وأن إيران دولة لها مصالحها، وليست مرجعًا سياسيًا عامًا لكل شيعة العالم. والمهم هنا أن هذا الموقف لا يقوم على عداء لإيران، بل على ضبط مفهومي للعلاقة بين الدولة والمذهب؛ فإيران دولة، والدولة تتحرك وفق مصالحها وحساباتها، أما التشيع فليس ملكًا لدولة واحدة، ولا يجوز أن تتحول مصلحة دولة إلى معيار عقدي لولاء جميع الشيعة.

ومن زاوية البحث، يلتقي شمس الدين مع الفكرة التي يقررها المقال في نقد الخلط بين الهوية الدينية والمشروع السياسي العابر للوطن. فإذا كان التشيع «عقيدة فوق وطنية» لا ترتبط بذاتها بوجود الدولة الوطنية أو عدمها، فإن الشيعوية السياسية العابرة للدولة ليست لازمًا من لوازم التشيع، بل قراءة أيديولوجية مخصوصة يمكن نقدها ومساءلتها من داخل الفكر الإمامي نفسه.

أما السيد هاني فحص فيمنح هذا النقاش بعدًا ثقافيًا وإنسانيًا مختلفًا؛ لأنه لم يكن يتحدث عن الوطنية بوصفها جدارًا مغلقًا، بل بوصفها فضاءً للهوية المركبة والحوار مع الآخر. ومن أجمل ما نُقل عنه قوله (أنا هاني فحص من قرية جبشي، في جنوب لبنان، لبناني، مسلم عربي شيعي، إنساني)[13]، وهذه الجملة، على بساطتها الظاهرة، تمثل بيانًا مكثفًا في ترتيب طبقات الهوية؛ فهي لا تلغي القرية لحساب الوطن، ولا الوطن لحساب الأمة، ولا العروبة لحساب التشيع، ولا التشيع لحساب الإنسانية، بل تجعل الهوية بناءً مركبًا لا يكتمل إلا بتعدد طبقاته.

ويضيف فحص أن (الآخر المختلف هو ساكن ومقيم في عقلي، ومقيم في قلبي، هو سؤال يلزمني يوميا أن أتعرف إلى ذاتي، وأن أفكك الصورة النمطية لذاتي عن ذاتي، وأن أؤهلها لأن تصبح شرطا للآخر؛ فهذه هي الهوية المركبة، وهذه هي مصدر الحيوية)[14]. فالمواطن لا يعيش وحده، ولا يبني وطنًا من صورته وحدها، بل يبني الوطن مع المختلف عنه، دينيًا ومذهبيًا وقوميًا وثقافيًا.

وبهذا يكون هاني فحص قريبًا من جوهر وثيقة المدينة التي جمعت المختلفين في أمة سياسية واحدة مع بقاء أديانهم، وقريبًا من فكرة المواطنة بوصفها ميثاقًا اجتماعيًا يشترك فيه المسلم وغير المسلم داخل الوطن الواحد. فالوطن، في هذا المعنى، ليس فضاءً لإلغاء الفروق، بل لإدارتها أخلاقيًا وقانونيًا وسياسيًا.

تكشف نصوص موسى الصدر وشمس الدين وهاني فحص أن في الفكر الشيعي المعاصر خطًا واضحًا حاول أن يحمي الدين من التوظيف الذي يلغي الوطن، وأن يحمي الوطن من العصبية التي تلغي الدين. فموسى الصدر جعل المواطنية شرطًا لبقاء الوطن، ورأى أن الالتزام بالوطن لا يناقض الانتماءات الدينية والقومية والأممية، بل يكملها. وشمس الدين جعل اندماج الشيعة في أوطانهم شرطًا لحفظهم، محذرًا من تحويلهم إلى جماعات عابرة للحدود تُعرّف مصالحها من خارج أوطانها. أما هاني فحص فقد قدّم الهوية الشيعية في صيغة مركبة، تبدأ من القرية والوطن، وتمر بالعروبة والإسلام والتشيع، وتنفتح على الإنسان والآخر المختلف. وبذلك لا تعود الوطنية في هذا الخط الفكري خصمًا للعقيدة، بل تصبح الإطار الذي يمنع العقيدة من التحول إلى أداة صراع أهلي أو تبعية سياسية، كما يمنع الوطن من الانحدار إلى عصبية مغلقة أو دولة بلا روح.

رابعًا: المرجعية والهوية الوطنية في العراق

العراق من أكثر البلدان حاجة إلى إعادة التفكير في العلاقة بين الدين والهوية الوطنية؛ لأنه نشأ بوصفه دولة متعددة القوميات والمذاهب والأديان، وعاش تاريخًا طويلًا من التنازع بين الهويات الفرعية والهويات فوق الوطنية. ومن هنا لم تكن أزمة الهوية الوطنية العراقية أزمة لفظية، بل أزمة بنائية تتصل بطريقة تشكل الدولة، وطبيعة السلطة، وذاكرة المظلومية، وتدخلات الخارج، وضعف العقد السياسي الجامع.

وقد نُقل عن الملك فيصل الأول في مذكرته الشهيرة أن العراق يفتقد (الوحدة الفكرية والملية الوطنية والدينية)[15]، وأنه لا يوجد في اعتقاده (شعب عراق بل توجد كتلات بشرية خالية من أي فكرة وطنية)[16]. وعلى قسوة العبارة، فإنها تكشف عمق الإشكال الذي رافق بناء الدولة منذ بداياتها.

لقد تعاقبت على العراق أيديولوجيات فوق وطنية متعددة: القومية العربية، والأممية الشيوعية، والإسلام السياسي، والامتدادات المذهبية. وكل واحدة منها قدّمت نفسها بوصفها هوية أوسع من الدولة. وفي المقابل، عجزت الدولة العراقية في مراحل كثيرة عن بناء مواطنة عادلة يشعر فيها الجميع أنهم شركاء في المصير. وحين تفشل الدولة في العدل، تضعف الوطنية، وتنهض الهويات البديلة.

غير أن هذا لا يعني أن الوطنية العراقية مستحيلة، أو أن الدولة الوطنية مجرد صناعة استعمارية لا روح فيها. فالدولة، مع الزمن، تصنع ذاكرة ومصالح ومؤسسات وعلاقات وانتماءات. لأن أكثر من قرن من عمر هذه الدولة أنتج شعورًا بالانتماء إليها، وإن لم يترجم دائمًا باندماج مجتمعي كامل .

ومن هنا يكون المطلوب ليس نقض الدولة الوطنية، بل إصلاحها. وليس إلغاء الدين، بل توجيه طاقته الأخلاقية والاجتماعية نحو بناء عقد وطني أوسع.

وتمتلك المرجعية النجفية خصوصية نادرة؛ فهي مؤسسة دينية ذات امتداد فوق وطني، لكنها في لحظات الخطر العراقي الكبرى تصرفت بوصفها قوة وطنية جامعة. وهذه الثنائية لا ينبغي فهمها تناقضًا، بل توازنًا دقيقًا بين الوظيفة الدينية العامة والوظيفة الاجتماعية الوطنية عند الضرورة.

وفي فتوى الدفاع الكفائي سنة 2014 ظهر هذا التوازن بأوضح صوره. فالخطر الذي مثّله تنظيم داعش لم يكن خطرًا على طائفة واحدة فحسب، بل كان خطرًا على الدولة والمجتمع والمقدسات والتعدد العراقي كله. لذلك صدر الخطاب المرجعي بلغة جامعة؛ فقد جاء في خطبة ممثل المرجعية ((إنّ العراق وشعبه يواجه تحديًا كبيرًا وخطرًا عظيمًا وإن الإرهابيين ... يستهدفون كل العراقيين وفي جميع مناطقهم، ومن هنا فإن مسؤولية التصدي لهم ومقاتلتهم هي مسؤولية الجميع ولا يختص بطائفة دون أخرى أو بطرف دون آخر))[17].

ثم جاء النص الأوضح: (إن المواطنين الذين يتمكنون من حمل السلاح ومقاتلة الإرهابيين دفاعًا عن بلدهم وشعبهم ومقدساتهم عليهم التطوع للانخراط في القوات الأمنية)[18].

هذه العبارة ينبغي أن تُقرأ بصرامة مفهومية. فهي تقول: المواطنون، لا أبناء الطائفة فقط. وتقول: دفاعًا عن بلدهم وشعبهم ومقدساتهم، لا دفاعًا عن محور أو دولة أخرى. وتقول: الانخراط في القوات الأمنية، لا تشكيل قرار عسكري موازٍ للدولة. وبذلك أنتج الخطاب المرجعي نموذجًا في تديين الوطنية، لا بمعنى جعل الوطن وثنًا، بل بمعنى جعل الدفاع عن الوطن تكليفًا شرعيًا حين يصبح الوطن مهددًا في وجوده.

ويمكن وصف أثر هذه الفتوى بأنها حركت المشاعر الدينية تجاه هدف وطني، وأن المرجعية أعادت بعث الروح الوطنية على أسس دينية منفتحة على الوطن. وهذا هو المعنى الذي ينبغي تثبيته في الفكر الشيعي المعاصر: الدين لا يُستدعى لإلغاء الوطن، بل لحفظه حين يصبح حفظه حفظًا للناس والمقدسات والنظام والكرامة.

إذا كانت فتوى الدفاع الكفائي قد كشفت قدرة المرجعية على استنهاض الدين لحفظ الوطن عند الخطر الوجودي، فإن خطب المرجعية ومواقفها اللاحقة كشفت أن السيادة الوطنية ليست عندها شعارًا عابرًا، بل ثابت من ثوابت الاجتماع السياسي العراقي.

وقد ورد في خطبة السيد أحمد الصافي بتاريخ 24/1/2020: (إنّ المرجعية الدينية تؤكد موقفها المبدئي من ضرورة احترام سيادة العراق واستقلال قراره السياسي ووحدته أرضًا وشعبًا، ورفضها القاطع لما يمسّ هذه الثوابت الوطنية من أي طرف كان وتحت أي ذريعة، وللمواطنين كامل الحرية في التعبير ـ بالطرق السلمية ـ عن توجهاتهم بهذا الشأن والمطالبة بما يجدونه ضروريًا لصيانة السيادة الوطنية بعيدًا عن الإملاءات الخارجية)[19].

هذا النص يؤسس لفقه وطني واضح؛ لأنه يجمع مفاهيم حاكمة: السيادة، استقلال القرار، وحدة الأرض والشعب، رفض الإملاءات الخارجية، وحق المواطنين في التعبير. وهي مفاهيم لا تصدر هنا عن خطاب علماني مضاد للدين، بل عن خطاب مرجعي ديني نجفي. وهذا وحده كافٍ لإبطال الدعوى التي تجعل الوطنية تهمة أو ضعفًا في الولاء العقدي.

وعبارة (من أي طرف كان وتحت أي ذريعة) تمنع الانتقائية؛ فالمساس بالسيادة مرفوض سواء جاء من عدو بعيد أو حليف قريب، من قوة غربية أو شرقية، من دولة تختلف مذهبيًا أو تتفق مذهبيًا. فالسيادة لا تُجزأ بحسب هوية المتدخل، والوطن لا يفقد حرمته إذا كان المتدخل يحمل شعارًا قريبًا من وجداننا الديني.

ومن زاوية تحليل الخطاب، يعيد هذا النص تموضع المواطن في مركز المعادلة: (للمواطنين كامل الحرية). فالمواطن ليس تابعًا، ولا كتلة صامتة، ولا جمهورًا يُطلب منه الامتثال لشعارات كبرى بلا سؤال، بل له حق المطالبة بصيانة السيادة. وهكذا يصبح الدفاع عن استقلال القرار الوطني ممارسة لحق مشروع، لا خروجًا من الجماعة المؤمنة.

خامسا: ولاية الفقيه والمرجعية النجفية من سلطة الدولة إلى إرشاد الأمة

يكشف النموذج الإيراني مفارقة كبرى في العلاقة بين الدين والوطن؛ فهو يرفع خطابًا إسلاميًا عابرًا للحدود، ويتبنى ولاية الفقيه بوصفها صيغة لقيادة دينية سياسية، لكنه في بنيته العملية لا يلغي الدولة الإيرانية، ولا المصلحة الإيرانية، ولا مركزية المواطن الإيراني.

وقد قيل إن انتصار الثورة الإيرانية دفع الفكر الشيعي الحركي إلى تبني ولاية الفقيه (بما يعنيه ذلك من مزج بين السلطتين السياسية والدينية، أو جعل الديني قناة لتشكيل السياسي)[20]، وإن العودة إلى مركزية الديني تعني، نظريًا، تراجعًا عن مركزية الوطني .

غير أن الممارسة الإيرانية تكشف أن الوطني لم يغب، فقد ذُكر أن (معظم الخطب التي كان يدلي بها الخميني اتجه إلى نقد نظام الشاه وطريقة حكمه وفساده؛ أي إنّ هذه الخطب كانت مسكونة بقوة بالهاجس الإيراني، وكذلك كانت الثورة التي قادها الخميني؛ فهي إيرانية الطابع قبل أن تكون إسلامية)[21]. فالثورة الايرانية إبان انطلاقها لم تكن إسلامية صرفة والدليل تكليف مهدي بازركان بإدارة الحكومة المؤقتة وهو من العلمانيين الليبراليين.

وكذلك الدستور الإيراني يشترط في رئيس الجمهورية أن يكون إيراني الأصل، مؤمنًا بمبادئ الجمهورية الإسلامية وبالمذهب الرسمي للبلاد مادة 115. وهذا يعني أن الإسلام أو التشيع لا يكفيان وحدهما لتولي هذا المنصب الرفيع، بل لا بد من الانتماء الوطني الإيراني. وخير مثال على ذلك ما حصل مع جلال الدين الفارسي، أحد المرشحين البارزين في بدايات الجمهورية الإسلامية، إذ أُثيرت قضية أصله الأفغاني، فاستُبعد من مسار الرئاسة لأن شرط الأصل الإيراني كان حاضرًا بقوة في فهم الدولة لمنصبها الأعلى بعد موقع القيادة.

وتتضح هذه الفكرة أكثر عند المقارنة بين الإيراني غير المسلم والمسلم غير الإيراني. فاليهودي الإيراني، أو المسيحي الإيراني، أو الزرادشتي الإيراني، مع اختلافه الديني عن المذهب الرسمي، يبقى جزءًا من الجماعة الوطنية الإيرانية، وله اعتراف دستوري بوصفه مواطنًا داخل الدولة. وكذلك السني الإيراني، كالكردي أو البلوشي أو التركماني، يبقى مواطنًا إيرانيًا من حيث الأصل، وإن كانت هناك قيود دستورية أو مذهبية على بعض المناصب العليا. فالمعيار الأول هنا ليس مجرد القرب المذهبي، بل الانتماء إلى العقد الوطني الإيراني.

في المقابل، فإن الشيعي العراقي أو الأفغاني أو الباكستاني، مهما كان قريبًا مذهبيًا من إيران، لا يصبح بمجرد هذا القرب مساويًا للمواطن الإيراني في الحقوق. فهو في نظر القانون الإيراني أجنبي، أو مقيم، أو لاجئ، أو صاحب وضع قانوني خاص. وهذا يعني أن الدولة تميّز بوضوح بين من هو داخل عقد المواطنة، ومن هو خارج هذا العقد.

وهنا تتشكل المفارقة: إذا كانت الوطنية مشروعة حين تكون إيرانية، فلماذا تتحول إلى تهمة حين تكون عراقية؟ وإذا كان من حق الإيراني أن يقول: استقلال إيران ومصلحة إيران وكرامة إيران، فلماذا لا يكون من حق العراقي أن يقول: استقلال العراق ومصلحة العراق وكرامة العراق؟

إنّ الإشكال لا يكمن في أن تكون لإيران مصالح؛ فهذا شأن كل دولة. الإشكال أن تُديَّن هذه المصالح، وأن يُقال للشيعي غير الإيراني إن الالتزام بها جزء من صدق الولاء. فإيران دولة محترمة لها شعبها ودستورها ومصالحها وحدودها، لكنها ليست هي التشيع كله، ولا يصح أن تكون مصلحتها الوطنية تعريفًا دائمًا لمصالح الشيعة في العراق ولبنان والخليج وأذربيجان وأفغانستان وباكستان.

ويمكن تلخيص الفرق بين نهج المرجعية النجفية ونهج ولاية الفقيه العابر للوطن بالقول: إن الأول يحافظ على الامتداد الديني فوق الوطني للمرجعية، لكنه لا يحوله إلى سلطة سياسية عابرة تلغي الدولة، بينما يميل الثاني إلى تحويل الرابطة الدينية إلى مركز سياسي يتجاوز حدود الدولة الوطنية.

وقد قيل إن المرجعية الدينية (بطبيعتها، مؤسسة فوق وطنية، وُجدت وتشكّل معظمُ تقاليدها قبل ظهور الدولة الوطنية، لكنها تكيّفت مع هذا الظهور، عبر التحول إلى فاعل وطني تارة، والانعزال عن الشأن السياسي تجنبًا للصدام المباشر بين قيمها فوق الوطنية وقيم الدولة الوطنية تارة أخرى)[22].

فالنجف لا تنكر بعدها العابر للأوطان؛ فهي حوزة ومرجعية ومدينة علمية يقصدها الناس من بلدان متعددة. لكنها لا تسعى، في الوقت نفسه، إلى أن تكون دولة فوق الدولة، ولا إلى تحويل العراق إلى ذراع سياسي لمؤسسة دينية. إنها تتدخل حين يكون النظام العام مهددًا، وحين تتعرض السيادة للخطر، وحين ينهار الأمن، لكنها لا تستبدل الدولة ولا تصادر المجتمع.

وقد قيل عن السيد السيستاني (دام ظله) إنه (ينحدر من مدرسة متشككة في هذا النهج، لا تميل إلى فرض هيمنتها المطلقة على الدولة، بل إنها تميل إلى الحفاظ على مسافة آمنة من الدولة، وإلى التدخل لحماية النظام، أو منع تعسف تلك الدولة عند الضرورة)[23].

فالمدرسة النجفية تضع مسافة آمنة من الدولة، لا عداء للدولة؛ تدخل عند الضرورة، لا حكم دائم باسم الفقيه؛ حماية للنظام العام، لا هيمنة على المجتمع؛ منع لتعسف الدولة، لا تحويل المرجعية إلى سلطة تنفيذية.

خاتمة

إنّ الوطنية والدين في الفكر الشيعي المعاصر لا ينبغي أن يُقرآ بوصفهما ضدين متنافرين. فالدين يمنح الوطنية بعدها الأخلاقي، والوطن يمنح الدين مجاله الاجتماعي والسياسي الآمن. وإذا كان الدين بلا وطن قد يتحول إلى تجريد لا يحمي الإنسان في معاشه وأمنه وحقوقه، فإن الوطن بلا قيم قد يتحول إلى سلطة عمياء لا تضبطها العدالة ولا الرحمة ولا حرمة الإنسان.

والتجربة العراقية تكشف أن الحاجة ليست إلى إلغاء الدين من المجال الوطني، ولا إلى إلغاء الوطن باسم الدين، بل إلى صيغة راشدة تضع كل مفهوم في مقامه: العقيدة في مقام الهداية، والمواطنة في مقام الحقوق والواجبات، والمرجعية في مقام الإرشاد والحفظ، والدولة في مقام السيادة والنظام، والنصرة في مقامها الأخلاقي والشرعي المنضبط، لا في مقام التبعية السياسية المفتوحة.

ومن مجموع ذلك يمكن تثبيت عدة أفكار مركزية: أن المواطنة عقد عقلائي لا عقيدة بديلة؛ وأن الوطنية ليست عصبية؛ وأن التشيع فوق الوطني دينيًا لا يستلزم مشروعًا سياسيًا عابرًا للدولة؛ وأن المرجعية النجفية قدّمت نموذجًا متوازنًا في حفظ الدين والوطن معًا؛ وأن النموذج الإيراني نفسه يثبت أن الدول لا تتخلى عن مصالحها الوطنية حتى وهي ترفع خطابًا أمميًا؛ وأن ضعف الدولة الوطنية هو البيئة الأخصب لصعود المشاريع العابرة.

وعليه، فإن الدفاع عن الوطنية العراقية لا يعني العداء لإيران، ولا التنكر لفلسطين، ولا الخروج من قضايا الأمة، ولا ضعف الارتباط بأهل البيت عليهم السلام. إنما يعني أن العراق وطن له حرمة، وشعب له حقوق، ودولة لها سيادة، ومجتمع له مصلحة، ومرجعية نجفية طالما أكدت أن السيادة والاستقلال ووحدة الأرض والشعب من الثوابت الوطنية.

فمن أراد نصرة الدين، فليحفظ المجتمع الذي يتدين فيه الناس. ومن أراد خدمة المذهب، فليحفظ الوطن الذي يعيش فيه أتباع المذهب مع شركائهم في الإنسانية والوطن. ومن أراد نصرة الأمة، فلا يبدأ بهدم دولته.

والخلاصة: دينٌ يهدي الوطن ولا يلغيه، ووطنٌ يحفظ الدين ولا يصادره، ومواطنةٌ تجمع المختلفين في ميثاق الحقوق والواجبات، ومرجعيةٌ ترشد ولا تبتلع الدولة، وسيادةٌ وطنية لا تعادي الأمة، لكنها تمنع أن يتحول الوطن إلى هامش في مشاريع الآخرين.

***

أ. د. حكيم سلمان السلطاني

جامعة الكوفة كلية التربية الأساسية

.......................

[1] عبد الوهاب الكيالي وآخرون، موسوعة السياسة، المجلد 5، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط 3، 1996، ص313.

[2] خالد حواص، مفهوم الموطنة بين الفكر الغربي والفكر العربي الإسلامي وأثرها في المجتمع الإسلامي المعاصر، مجلة النوازل الفقهية والقانونية، المجلد 6، العدد 3، السنة 2022، ص149.

[3] سورة البقرة، الآية 84.

[4] سورة النساء، الآية 66.

[5] سورة البقرة، الآية 246.

[6] سورة البقرة، الآية 126.

[7] ابن هشام، السيرة النبوية، مؤسسة المعارف، بيروت، ط1، 2004، ص 255-254.

[8] السيد محمد باقر السيستاني، اتجاه الدين في مناحي الحياة، ط2، 2018.

[9] مخطوطة للإمام موسى الصدر بمناسبة عيد الفطر بتاريخ 10-12-1969، من محفوظات مركز الإمام موسى الصدر للأبحاث والدراسات.

[10] المواطنية والانتماء في فكر الإمام "ندوة لحركة أمل – اقليم جبل عامل في رميش سلامة، مركز الإمام موسى الصدر للأبحاث والدراسات.

[11] أحاديث شفوية للعلامة الراحل محمد مهدي شمس الدين عام 1997 مع أعضاء مقربين من بيئة حزب الله وهو على سرير المستشفي في باريس، سجلها له ابنه إبراهيم ومن ثم قام بتفريغها ونشرها بعد 25 سنة من وفاته، نشرته جريدة الشرق الأوسط.

[12] م. ن.

[13] حوار مع سماحة السيد هاني فحص: التعدد قانون كوني، وليس العيب فيه، أجراه معه د. نادر الحمامي، مؤسسة مؤمنون بلا حدود.

[14] م.ن.

[15] خيري عبد الرزاق جاسم، إشكالية الهوية الوطنية في العراق وسبل ترسيخها، مجلة حمورابي، العدد ٣٠، السنة السابعة، ٢٠١٩، ص۱۹۳.

[16] م. ن.

[17] خطبة الجمعة لممثل المرجعية الدينية العليا في كربلاء المقدسة الشيخ عبد المهدي الكربلائي في (14/ شعبان /1435هـ) الموافق (13/6/2014م)، الموقع الرسمي لمكتب سماحة المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله).

[18] م. ن.

[19] نص الخطبة الثانية التي ألقاها ممثل المرجعية الدينية العليا فضيلة العلاّمة السيد أحمد الصافي في يوم الجمعة (28/جمادى الأولى/1441هـ) الموافق (24/1/2020)، الموقع الرسمي.

[20] حارث حسن، سياسات عربية، العدد 34، أيلول 2018، ص30.

[21] م.ن.

[22] حارث حسن، سياسات عربية، العدد 34، أيلول 2018، ص31.

[23] م.ن 32.

في المثقف اليوم