ترجمات أدبية

مارغريت دوراس: أفعى البوا

جرت الأحداث في بلدة كبيرة من مستعمرة فرنسية، حوالي عام 1928. في بعد الظهيرة من يوم الأحد، رغبت بعض بنات مدرسة باربيه الداخلية بالخروج. تلك البنات - تلك البنات اللواتي لديهن 'أوصياء' في البلدة. وعدن أدراجهن في المساء، منتشيات بالسينما، وبحفلة الشاي في 'الباغودا'، وبالسباحة في المسبح، وبالرحلة في السيارة، وبلعبة التنس. لم يكن لي وصي. لذلك كنت أمكث مع ميلي باربيه طيلة الأسبوع وفي أيام الآحاد. وكنا نزور الحدائق النباتية. فهي بالمجان، وتسمح للآنسة باربيه أن تطلب من أمي نفقات إضافية تحت اسم "نزهات الأحد".  وكنا نحب أن نشاهد أفعى البوا وهي تبتلع دجاجات يوم الأحد. خلال أيام الأسبوع لا تتناول الأفعى وجبتها. كان يقدم لها اللحم الميت والدجاج المريض. ولكن في الآحاد كان الدجاج جيدا وحيا، لأن البقية يفضلونه بتلك الطريقة. وكنا أيضا نزور التماسيح الآسيوية. قبل عشرين عاما، تمساح آخر - عم كبير أو ربما والد أولئك الذين كانوا هناك في عام 1928 - قطع ساق ضابط في القوات الاستعمارية. قطعها من جذورها، وهكذا أفسد مستقبل هذا العسكري المسكين، الذي غامر ولمس فمه بساقه، دون أن يفهم أن التمساح إذا لعب فهو يلعب معك بدم بارد. منذئذ، تم إضافة سور حول بركة التماسيح، وبمقدور الإنسان أن يراها الآن تنعم بالأمان، نائمة بعيون نصف مغلقة وتحلم بكل جناياتها وجرائمها السابقة. كنا نحب أيضا أن نرى قرود الجيبون وهي تمارس العادة السرية، أو الفهود السود القادمة من مستنقعات المانغروف، وهي تعاني وتحترق على الأرض الإسمنتية، دون أن تنظر  من خلال السور الحديدي بوجوه الرجال المستمتعين بمعاناتها على نحو سادي، وعوضا عن ذلك تفضل رؤية دلتا الأنهار الآسيوية الخضراء التي يزيد بهاؤها بوجود القرود. وإذا وصلنا متأخرتين، نشاهد أفعى البوا نائمة على فراش من ريش الدجاج. وهكذا نقف لفترة طويلة أمام قفصها. لم يكن هناك شيء نراه، ولكننا نعلم بما حصل قبل دقيقة من الوقت، فتقف كلتانا أمام البوا، ضائعتين في زحام أفكارنا. هذا الهدوء بعد تلك الجريمة. هذه الجريمة المروعة، التي ترتكب بين الثلوج الحارة لذلك الريش، والذي يضفي لمسة حقيقية فاتنة على براءة الدجاج. جريمة بدون دم، من غير أي أثر للدم المراق، وبلا أي ندم. هذا الهدوء، بعد تلك الكارثة، يسوده سلام في غرفة الجريمة. فنرى البو ملتفة حول نفسها، سوداء، تلمع بقطر ندى أنقى من الندى المترسب على زهور الهوثورن، بشكلها الذي يأسر الإعجاب، ممتلئة ومستديرة، وناعمة لكن مدعومة بالعضلات، مثل عمود من الرخام، ثم تتدحرج فجأة بسبب الكسل والتعب، ثم تلتف أخيرا حول نفسها، قبل أن تهمل كبرياءها الثقيل، وتزحف متموجة ببطء وبقوة حلزونية، وهكذا تبتلع الدجاجة وتهضمها بيسر تتحكم به، مثلما يفعل رمل الصحراء المحترق حين يمتص الماء، شكل من أشكال تحويل المادة وهو يتحقق بهدوء إلهي. في هذا الصمت المهيب والمخيم، تدخل الدجاجة في الثعبان. وببهجة تسبب النعاس، يتدفق جسمها الأسطواني زاحفا، على شكل أنبوب طويل ومستمر. شكل لا يشبه سواه، مستدير ويسبب الحيرة، بدون قبضة مرئية على جوانبه، ومع ذلك يكون محسوسا أكثر من أي مخلب، أو يد، أو ظفر، أو قرن أو ناب، عدا أنه أعزل كالماء ولا يشبه بعريه أي نوع من بقية الأنواع. لم تهتم الآنسة باربيه بالبوا بسبب عمرها والحالة المتقدمة لعذريتها. شخصيا كان لها تأثير ملحوظ علي. أصبح مرآها شغلي الشاغل. وبما أنني أنعم بذهن نبيه ومهذب وبروح تهتم بالتفاصيل وبقلب عطوف وكبير أعتقد انها ألهمتني أن أعيد التعرف على الرب الخالق والقسمة التامة للعالم بين قوى الشر وقوى الخير، فكلاهما صفة أبدية، والتعرف على النزاع ببنهما، والذي تجده في أصل كل الأشياء. أو بالاستطراد لرفض ازدراء الجرائم وتقدير البراءة. حينما عدنا إلى المدرسة الداخلية، بأسرع مما كنت أفضل كالعادة دائما، كان بانتظارنا في غرفة نوم الآنسة باربيه كوب شاي وموزة. أكلنا بصمت. ثم ذهبنا إلى غرفتي. وبعد قليل من الوقت دعتني الآنسة باربيه إليها. لم أرد فورا. فألحت بقولها: "تعالي لحظة وشاهدي...". كنت أعقد عزمي. عليها أن تأتي لتصحبني. ولكن كنت أعود إلى غرفة نوم الآنسة باربيه. ودائما أجدها في نفس المكان، أمام نافذتها، مبتسمة، بثوب خفيف زهري، وكتفاها عاريان. فأقف قبالتها وأنظر إليها كما يفترض أن أفعل، ونتفق إذا كانت حالتها طيبة أن تأخذني لمشاهدة البوا.

قالت لي الآنسة باربيه: "كما ترين. هذا ثوب داخلي ممتاز...".

قلت: "أرى ذلك. هو ثوب داخلي فعلا. أنا أرى ذلك..".

تنهدت وقالت: "اشتريته بالأمس. أحب الثياب الداخلية الرقيقة. كلما كبرت بالعمر، زاد حبي لها...".

نصبت قامتها أمامي لأبدي إعجابي به، وخفضت نظرتها التي تفيض بالإعجاب لمرآها. كانت نصف عارية. لم تعرض نفسها هكذا أمام أحد في حياتها، باستثنائي. كان الوقت متأخرا جدا. فهي في الخامسة والسبعين من العمر، ولا يسعها أن تكشف نفسها لأي شخص آخر عداي. كانت تكشف نفسها لي في كل أرجاء المكان، ودائما بعد الظهيرة من يوم الأحد، حينما تكون جميع المقيمات في الخارج، وبعد زيارة حديقة الحيوان. وكنت أنظر إليها بقدر ما تسمح لي.

قالت: "لماذا أنا متعلقة بها هكذا. عما قريب سينفد طعامي وأجوع..".

من جسم الآنسة باربيه تفوح رائحة فظيعة.  لا يمكنك أن تخطئيها. أول مرة كشفت نفسها لي عرفت سر تلك الرائحة الفظيعة التي عمت في أرجاء المكان، وتعرفت عليها، وهي رائحة تأتي من عبير القرنفل الذي تغرق نفسها به، رائحة تجتاح الخزانة، وتختلط مع رطوبة الحمامات، والتي تلسع بعدائية وتحمل آثار روائح عشرين عاما، داخل ممرات المدرسة، وفي وقت الراحة، تتدفق كأنها تعبر من بوابات أحد السدود المفتوحة. ومن خلال بلوزة دانتيلا أسود ترتديها الآنسة باربيه، كلما سقطت بالنوم في غرفة المعيشة بعد الغداء.

"الثياب الداخلية الجيدة شيء مهم. افهمي هذا. أنا أدركت الأمر بوقت متأخر جدا".

فهمتها مباشرة. كان كل البيت يفوح برائحة الموت. العذرية المدنية للآنسة باربيه.

"لمن أعرض ثيابي الداخلية إن لم يكن عليك؟ عليك أنت التي تفهمينني؟".

"فهمت".

ناحت تقول: "لكن تأخر الوقت".

لم أرد. انتظرت لحظة، ولكن لم أتمكن من الرد.

انتظرت لحظة وأضافت: "أضعت وقتي. لأنه لم يأت أبدا...".

فتك بها ذلك الغياب، غياب الذي لم يأت أبدا. غطاها الثوب الزهري الخفيف، المدبج بدانتيلا "ثمينة"، وكأنه كفن، ونفخها كالبالون، وضغط على وسطها بالمشد. كنت الوحيدة التي كشفت لها هذا الجسم المستنزف. الأخريات ستخبرن آباءهن. بالنسبة لي، حتى لو أخبرت أمي، لن يهمها الأمر. فالآنسة باربيه قبلتني في مدرستها على سبيل المنة لأن أمي ألحت كثيرا. لن يوافق أحد في البلدة على قبول ابنة معلمة محلية خشية الإساءة لمدارسهم. لدى الآنسة باربيه قلب طيب. كنا متفاهمتين، هي وأنا. لم أنطق بكلمة. وهي لم تذكر أن والدتي كانت ترتدي نفس الثوب لعامين، وأنها ترتدي الجوارب القطنية، وأنها باعت مجوهراتها لتغطي أقساطي السنوية. وهكذا، وبما أننا لم نقابل أمي أبدا، وبما أنني لم أناقش برنامج يوم الأحد - تلك النزهات المجانية التي أصبحت مدفوعة القيمة ليوم الأحد - وبما أنني لم أكن أشتكي، أصبحت بنظر الآنسة باربيه بمكانة أعلى.

"الحمد لله أنك هنا...". 

كتمت أنفاسي. ومع ذلك كان لديها قلب طيب. انتشرت سمعتها في البلدة، وكانت مثالية على شاكلة عذرية حياتها. قلت ذلك لنفسي، وقلت لنفسي إنها عجوز. ولم يصنع ذلك أي فرق. فكتمت تنفسي.

تنهدت تقول: "يا له من وجود..".

لأنتهي من الموضوع، سأخبرها أنه رفيع المستوى، أنه ثوب داخلي رائع وبالنسبة للأخريات، قد لا يكون مهما، كما هي تظن الآن، وأنه لا يسبب الندم.. لم ترد. تنهدت بعمق وارتدت بلوزتها السوداء الدانتيلا، والتي كانت طيلة الأسبوع دليلا على الاحترام. تحركت ببطء. وعندما أكملت ارتداء أكمام بلوزتها، علمت أن الموضوع انتهى. وأنني سأعيش بسلام لمدة أسبوع. وسأعود إلى غرفة نومي. وسأجلس على الشرفة في الخارج. وسأتنفس. تتابعت هاتان المشاهدتان، زيارة حديقة الحيوان وتأملات الآنسة باربيه، وأشعلت بالضرورة في داخلي نوعا من الحماسة السلبية.

امتلأ الشارع بأشعة الشمس وألقت أشجار التمر الهندي بظلالها الضخمة على البيوت وشاحا واسعا من العبير الأخضر. مر بنا جنود من القوات الاستعمارية. ابتسمت لهم على أمل أن يميل أحدهم لي، ويأتيني، ويطلب مني أن أتبعه. لكن انتظرت هناك لفترة طويلة. أحيانا يبتسم لي جندي، ولكن لم يقترب مني أحد. وحينما يأتي المساء، أعود إلى ذلك البيت وأنا أشعر بالدوار والمرض من رائحة الندم الفاسد. هذا شيء مؤلم. لم ينجذب أي رجل لي بعد. شيء مؤلم. بلغت الثالثة عشرة، استغرقت وقتا طويلا جدا قبل أن أغادر ذلك المكان. ما أن عدت إلى غرفتي، حتى حبست نفسي فيها، وتخليت عن بلوزتي، ونظرت إلى نفسي بالمرآة. كان صدري ناعما وأبيض. وذلك هو الشيء الوحيد الذي كنت أستمتع برؤيته خلال حياتي في ذلك المنزل. خارج المنزل، استمتعت بالبوا، لكن هنا يوجد صدري. بكيت. وفكرت بجسم أمي، التي أشقت نفسها، واعتاش على تعبها أربع أولاد، وفاحت منها رائحة الفانيلا، مثل كل بوصة من أمي الملتفة بثيابها. كانت الوالدة تخبرني أنها تفضل الموت على أن تراني أعاني من طفولة مريعة مثل طفولتها، وأن تجد لي زوجا وتتفهمه، وأن أكون قادرة على عزف البيانو، وأن أتقن عدة لغات، وأن أتقن التصرف في الصالونات، لكن كانت الآنسة باربيه بوضع أفضل منها ومؤهلة لتعلمني تلك الأشياء. آمنت بوالدتي. كنت أتناول طعامي أمام الآنسة باربيه ثم أسرع بالصعود إلى غرفتي لأتفادى العودة مع بقية الطالبات. وأفكر بالبرقية التي سأرسلها في اليوم التالي للوالدة وأخبرها فيها أنني أحبها. ومع ذلك لم أرسل تلك البرقية أبدا. وهكذا مكثت في بيت الآنسة باربيه لعامين، بمحاولة للمصالحة بين ربع ما تدفعه أمي مع ظروف عذرية تلك المرأة السبعينية، حتى جاء اليوم الرائع، حينما وجدت أمي نفسها غير قادرة على المتابعة مع التكلفة الشهرية، فجاءت يدفعها اليأس، لأرافقها، وهي مقتنعة أن الانقطاع عن التعليم قد يعني البقاء معها طيلة حياتها. استمر ذلك لعامين. كل يوم أحد. ولعامين، مرة في الأسبوع، كنت أعتز أنني أول من تشاهد افتراسا عنيفا، بأطواره التي تسبب الدوار، وبتضاريسه الدقيقة، ثم الافتراس الآخر، وهذا بطيء، وبدون شكل، وأسود. كل ذلك بين عامي الثالث عشر وعامي الخامس عشر. وقد تطلب مني الأمر أن أكون موجودة في التوقيتين، كنت أشعر بالألم لأنني لا أتلقى التعليم المناسب، ولأنني "أقترب من سقوطي وسقوط أمي"، ولا سيما أنني لن أجد زوجا مناسبا، إلخ...

كانت الأفعى تفترس وتهضم الدجاجة، بينما الأسف يفترس ويهضم الآنسة باربيه، وهذان الافتراسان كان أحدهما يتبع الآخر، ويأخذ في عيني معنى جديدا، وبالضبط لأن أحدهما يلي الآخر دوما. وبما أنني كنت أواجه الأول كمشاهدة، وهو مشهد الدجاجة والبوا، اعتبرت دائما أن البوا مسؤولة بمرارة مرعبة عن العذاب الذي يجب تحمله، بخيالي، وأنا أضع نفسي بمكان الدجاجة. هذا احتمال. وبالمثل بما أنني كنت أرى الآنسة باربيه وحدها، كنت أدرك بدون شك: أن الحياة البشرية حافلة بالبؤس الثقيل، الذي لا مهرب منه، كما هي حافلة بعدم التوازن في نظام المجتمع، والأشكال المتداخلة من الهوان الناجم عن ذلك. ولكن كلا. كنت أنظر للمسألتين باستثناءات نادرة فقط، الواحد بعد الآخر، وفي نفس اليوم، ودائما بنفس الترتيب. وبسبب هذا الترتيب، مرأى الآنسة باربيه أعادني إلى ذكرى البوا، البوا الجميلة، والتي كانت برائعة النهار، وبصحة متوحشة، تفترس الدجاجة، وبالمقارنة، كانت الحادثة تجري بترتيب مدهش وبساطة ساطعة وبراعة أصلية.

تماما كما تحولت الآنسة باربيه —بعد أن رأيت البوا— إلى تجسيد للرعب المطلق؛ رعب أسود، باطني، ومخادع. لم يكن المرء يرى افتراس براءتها وهي تحدث، بل كان يرى آثارها فقط ويشم رائحتها؛ المرعبة والخبيثة، المضللة، والجبانة، وقبل كل شيء، المترعة بالغرور. كيف كان لي أن أبقى غير مبالية بتتابع هذين المشهدين اللذين ربطت بينهما بدافع قدر مجهول؟ كنت ألهث يائسة، عاجزة عن الهروب من عالم الآنسة باربيه المغلق، ذلك الوحش الليلي، ودون أن أتمكن من بلوغ العالم الذي أحسست على نحو غامض بفضل البوا، ذلك الوحش النهاري. تخيلت هذا العالم الحر والقاسي، وتصورت أنه حديقة نباتية شاسعة، وفيها وسط النافورات والبرك المنعشة، وفي ظلال أشجار التمر هندي الكثيفة التي تتخللها بقع الضوء الساطعة، تجري مبادلات جسدية لا حصر لها؛ تتراوح ببن الالتهام والهضم، مع قران يجمع بين الصخب والهدوء — ذلك الهدوء الذي يغلف الأشياء تحت الشمس وفي قلب الضوء، بهدوء وصفاء ورعشة بسيطة مذهلة.  وكنت انتظر على شرفتي، وامكث عند التقاء هذين الحدين الأخلاقيين، وأبتسم لعساكر القوات الاستعمارية الذين كانوا الرجال الوحيدين المتواجدين دوماً حول قفص البوا، لأن ذلك لم يكن يكلفهم شيئاً، هم الذين لم يكونوا يملكون أي شيء أيضاً. لذا كنت أبتسم، مثل عصفور يختبر جناحيه دون دراية، مؤمنا أن هذه هي الطريقة الصحيحة للوصول إلى الفردوس الأخضر لتلك البوا المجرمة. هكذا استطاعت تلك البوا، التي كانت ترعبني أيضا، أن تعيد لي وحدها جرأتي وجسارتي. لقد تدخلت في حياتي مثل مبدأ تربوي يطبق بانتظام، أو إذا فضلت، بدقة حاسمة تشبه "رنّة الشوكة الرنانة" حيال الرعب؛ مما جعلني لا أشعر بنفور حقيقي إلا أمام نوع معين من الرعب، يمكن وصفه بالرعب الأخلاقي: رعب الأفكار الخفية، والرذائل المستترة، وأيضا المرض غير المعترف به، وكل ما يحمل خجلا وفي عزلة. وفي المقابل، لم أشعر بالرعب تجاه القتلة مثلا؛ بل على العكس، كنت أتألم لأولئك الذين أُودعوا السجن منهم، لا من أجل كيانهم الجسدي تماما، بل من أجل طبعهم السخي المغمور الذي توقف في مساراته المهلكة. فكيف لي ألا أعزو إلى "البوا" هذا الميل الذي كان لدي للاعتراف بالجانب القاتل في الطباع، وهي التي كانت في عيني التجسيد الكامل لذلك؟ التي بدت لي جميعها كضرورة سيمفونية، لدرجة أن فقدان نوع واحد منها كان كفيلا بتشويه الكل بشكل لا يمكن إصلاحه. صرت أرتاب بالأشخاص الذين يملكون الجرأة على إطلاق أحكام على تلك الأنواع التي تعتبر "فظيعة"، وعلى الثعابين "الباردة والصامتة"، والقطط "المنافقة والقاسية"، وما إلى ذلك... فئة واحدة فقط من البشر بدت لي أنها تنتمي حقاً إلى هذا المفهوم الذي شكلته عن "النوع"، وهن بالطبع المومسات. تماما مثل القتلة، كانت المومسات (اللواتي تخيلتهن مشتتات عبر غابة العواصم الكبرى، يطاردن فرائسهن ويلتهمنها بذاك الكبرياء والتبجح اللذين يصاحبان الطبائع القدرية) يثرن في الإعجاب ذاته، وكنت أتألم لأجلهن أيضا بسبب الجهل الذي يحطن به. وعندما أعلنت أمي أنها لا تعتقد أنها ستجد من يتزوجني، مثلت "الآنسة باربيه" أمام عيني فورا، فواسيت نفسي بفكرة أنه لا يزال هناك "الماخور"، الذي ولحسن الحظ سيبقى موجوداً دائماً إذا تطلب الأمر. تخيلته كنوع من "معبد فض البكارة" حيث تذهب الفتيات اللواتي في مثل وضعي، واللواتي لم يكتب لهن الزواج، ليكشفن عن أجسادهن لغرباء، لرجال من صنفهن نفسه، وذلك بمنتهى النقاء (إذ لم أفهم الجانب التجاري للبغاء إلا لاحقا). كنوع من معبد التبجح، كان على الماخور أن يكون صامتا، لا يتحدث فيه أحد، حيث يتم ترتيب كل شيء بحيث لا يكون هناك سبب لنطق ولو كلمة واحدة؛ غمر مقدس للأسماء. وتخيلت أن الفتيات يضعن أقنعة على وجوههن للدخول إلى هناك، بلا شك لاكتساب مجهولية نوعهن، محاكاة للغياب المطلق لـ "الشخصية" لدى البوا (تلك النموذجية التي ترتدي قناعا عاريا وعذريا)، حيث يتحمل نوعهن ببراءة وحده كل مسؤولية الجريمة، تلك الجريمة التي تخرج ببساطة من الجسد كما تخرج الزهرة من النبتة. هذا الماخور، المطلي باللون الأخضر، بذات الخضرة الطبيعية التي تكتنف افتراس "البوا"، وبخضرة أشجار التمر الهندي العالية التي  تغمر شرفة يأسي بظلالها، بصفوف غرفه المتجاذبة حيث تمنح المرأة نفسها للرجال، كان يشبه نوعا من أحواض السباحة التي يذهب المرء إليها ليغتسل، ليتطهر من عذريته، وليُنزع شبح الوحدة عن جسده. يجب أن أتحدث الآن عن ذكرى من طفولتي لم تزد هذا المنظور للأمور إلا ترسيخا. حين كنت في الثامنة على ما أظن، سألني أخي، الذي كان في العاشرة، يوما أن أريه "كيف" يبدو الأمر. رفضت، فأعلن بغضب أن الفتيات "قد يمتن من عدم استخدامه، وأن إخفاءه يسبب الاختناق وأمراضا خطيرة جدا". لم أطاوعه، لكني عشت لسنوات في شكّ مضن، زاد من وطأته أني لم أفض بسري لأحد. وعندما تجلت لي "الآنسة باربيه" بحالها ذاك، رأيت فيها تأكيدا لما قاله لي أخي. صرت واثقة أن "الآنسة باربيه" لم تكن عجوزا إلا لهذا السبب، لأنها لم تكن يوما ذات نفع، لا للأطفال الذين بوسعهم الرضاعة من هناك، ولا للرجل الذي يكشف عنه. لقد كان "تآكلا للوحدة" يتجنبه المرء بلا شك عبر الكشف عن جسده. إن ما جرى استخدامه، استخدامه لأي شيء – ليكون مَحطا للأنظار مثلا – كان مصونا. ففي اللحظة التي يصبح فيها الثدي ذا نفع لرجل، حتى ولو لمجرد السماح له بالنظر إليه، وتأمل شكله واستدارته وقوامه، في اللحظة التي يشعل فيها هذا الثدي رغبة الرجل، فإنه ينجو من ذلك التحلل. ومن هنا نبع الأمل الكبير الذي علقته على "الماخور"، بوصفه المكان الأسمى لتجلي الأجساد وانكشافها. ولم تكن "البوا" لتؤكد هذا الاعتقاد بأقل من هذا الشكل الباهر. بالطبع، كانت البوا ترعبني بافتراسها، تماما كما كان يرعبني ذلك الافتراس الآخر الذي وقعت "الآنسة باربيه" فريسة له، لكن البوا لم تكن تملك إلا أن تلتهم الدجاجة بتلك الطريقة. وبالمثل، لم تكن المومسات يملكن إلا أن يكشفن عن أجسادهن. أما "الآنسة باربيه" فقد مدت بؤسها إلى حقيقة أنها تهربت من هذا القانون القاهر، وفشلت في الفهم، فشلت في – كشف – جسدها. وهكذا، انفتح العالم، ومعه حياتي، على ممر مزدوج شكل خيارا جليا: فمن جهة، كان هناك عالم "الآنسة باربيه"؛ ومن جهة أخرى، كان هناك العالم القاهر، العالم الفتاك، ذاك الذي يعتبر نوعا من القدر، وهو عالم المستقبل المشرق والمحترق، الصاخب والمنادي، ذو الجمال العسير الذي كان لزاما على المرء أن يعتاد قسوته كي يبلغه، تماما كما كان لزاما عليه أن يعتاد مشهد افتراس الأفاعي. ورأيت عالم حياتي المستقبلية يرتفع أمامي، المستقبل الوحيد الممكن لحياة ما؛ رأيته ينفتح بنغمية وطهر أفعى تنفرد طياتها، وبدا لي أنني حين أعرفه أخيرا، وف يظهر لي هكذا، في امتداد من الاستمرارية المهيبة، حيث ستقبض حياتي وتقبض من جديد، وتقاد إلى منتهاها، في نوبات من الرعب، والنشوة، بلا راحة، وبلا كلل.

***

.......................

* ترجمها إلى الإنكليزية ويل ماكموران  Will McMorran.

* مارغريت دوراس Marguerite Duras   روائية فرنسية حازت على الغونكور عن روايتها "العاشق". من أعلام الرواية الفرنسية الجديدة.

* تمت الاستعانة جزئيا ببرامج الترجمة الآلية. اقتضى التنويه.

في نصوص اليوم