أقلام ثقافية

منى الصالح: على ضفاف الرافدين.. حين يصبح الشاي فلسفة

هناك مدن كلما زرتها، وأخذتك قدماك بطرقها وشِعابها، كلما ازددت حبًا وتعلّقًا؛ تتعتّق فيك كعطرٍ أصيل، كلما قَدِم زادت قيمته، كبخور العود يعلَق بك وتحمله ثناياك، فيشاركك أمسياتك المعطّرة، وينثال على أحلامك، ينتشل بقايا ألمك، ويُشافي جروحًا طال مكوثها.

كيف لبلدٍ فيه كل هذه الجروح، يئنّ تحت وطأة سنين من الجهل والعبودية، لا مكان للهواء فيه، تخطّته الحداثة بقرون، فبات يلهث خلفها بفوضى تفقده التركيز؟

مدنٌ بكل هذا الضجيج، بكل هذا التلوّث العجيب على كل الأصعدة، ما زالت قادرة على أن تتغزّل بي على ضفاف دجلة والفرات كطفلةٍ لم تعرف أبجدياتها إلا على رمال شواطئه، فتعزف ما بين الكرخ والرصافة أجمل الألحان.

مع كل الصراعات والحروب التي مزّقته وتركته أشلاءً يصعب لملمتها، ما زال رحمًا ولودًا بمئات المفكّرين وأصحاب العقول المميّزة؛ هناك، في أزقّته (درابينه)، تولد الأسئلة الصعبة، وعلى صوت استكانة شاي يولد ألف موّال، فإذا بحضيري أبو عزيز:

مكتوب نمشي العمر

لو نرضه لو نلومه

هو إحنا نمشيه

لو هو الماشينا؟

ليصبح شرب الشاي فكرةً فلسفية.

وعند عتبة شارع المتنبي تتيه بين نازك وهي تتغنّى:

«لن أنسى هواك،

ولو طال بي الزمنُ، ولو ناءت خُطاي»،

والسيّاب يشدو:

«عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السَّحر»،

لتجد نفسك بين ألف نازكٍ وسيّاب.

مآذنها شامخة رغم كل الانكسارات، تذكّرك أن هاهنا كانت حضاراتٌ حيّة؛ فالسومرية والبابلية ما زالتا توقظان في الذهن دهشة الاستفهام وبهجة المغامرة.

وما بين النهرين تصرخ كالجواهري:

«أنا العراقُ لساني قلبُهُ

ودمي فراتُهُ وكياني منه أشطار»

فتعرف أنك في بلاد الرافدين، حيث تُطعِم الحبّ فيغرد البيان.

***

منى الصالح

 

في المثقف اليوم