أقلام ثقافية

احمد عابر: البحر الاسود ليلا.. الخط الذي يمر عبر قلب الانسان

لو كان الامر بهذه البساطة. لو كان هناك ببساطة اناس اشرار في مكان ما يرتكبون اعمالا شريرة بخبث وكان يكفي فقط فصلهم عنا وتدميرهم.. لكن الخط الذي يفصل بين الخير والشر يمر عبر قلب كل انسان. ومن هو الذي يستطيع ان يدمر جزءا من قلبه؟... الكسندر سولجينتسين – ارخبيل غولاغ2547 ahmad

تحمل هذه الكلمات ثقلا فلسفيا عميقا ينعكس بصورة مدهشة في اجواء لوحة ايفان ايفازوفسكي الليلية. فقول سولجينتسين يذكرنا بان الشر ليس شيئا خارجيا يمكن عزله بسهولة عن العالم، بل هو صراع داخلي يسكن قلب الانسان نفسه. هذا التوتر بين النور والظلمة يبدو حاضرا بوضوح في اللوحة. فالبحر يغرق في ظلام كثيف، بينما يشق ضوء القمر طريقه عبر الغيوم ليترك خيطا فضيا فوق سطح الماء.

كأن اللوحة تقدم استعارة بصرية لفكرة سولجينتسين: داخل العتمة العميقة يظل هناك ضوء خافت، تماما كما يظل في قلب الانسان احتمال الخير حتى في لحظات الظلمة. القارب الصغير في قلب المشهد ليس مجرد عنصر بصري في لوحة بحرية، بل يكاد يكون صورة مكثفة للانسان نفسه: كائن هش يبحر في ظلمة لا يعرف حدودها، ويتحرك بصمت بين امكانية النور واحتمال الغرق في العتمة.

من الناحية البصرية تقوم اللوحة على تباين قوي بين الضوء والظلال. يحتل القمر مركز السماء تقريبا، محاطا بكتل كثيفة من الغيوم الداكنة التي تبدو كأنها تتحرك ببطء حوله. ومن هذا المركز المضيء ينساب الضوء ليعكس نفسه فوق سطح البحر في خط لامع يمتد نحو الافق، كأنه طريق فضي مفتوح وسط العتمة.

الامواج تبدو هادئة في ظاهرها، لكنها مفعمة بالحياة، تلتقط انعكاسات الضوء في ومضات متناثرة فوق الماء. وفي قلب هذا الامتداد الهائل يظهر قارب شراعي صغير يكاد يضيع بين البحر والسماء.

هنا تتجلى عبقرية ايفازوفسكي في خلق احساس بالمسافة والحجم، حيث يبدو العالم الطبيعي واسعا ومهيبا بينما يظل حضور الانسان دقيقا وهشا. تنتقل عين المشاهد من القمر الى انعكاسه على الماء ثم الى القارب الصغير، فتتشكل بذلك قصة صامتة عن العزلة وعن انسان يقف وحيدا امام اتساع الطبيعة وغموضها.

ولد ايفان ايفازوفسكي عام ١٨١٧ وكان واحدا من اعظم رسامي البحر في القرن التاسع عشر. نشا في مدينة فيودوسيا على ساحل البحر الاسود، ولذلك ظل البحر طوال حياته المصدر الاكبر لالهامه الفني. ينتمي ايفازوفسكي الى تقاليد المدرسة الرومانسية في الفن الاوروبي، وهي مدرسة سعت الى تصوير عظمة الطبيعة وقدرتها على اثارة رهبة وتأمل عميقين في نفس الانسان. وقد اشتهر بقدرته الاستثنائية على رسم الضوء، خصوصا ضوء القمر والفجر، حتى بدا البحر في كثير من اعماله كأنه كائن حي يتنفس ويتحرك.

ولم يكن البحر في لوحاته مجرد منظر طبيعي، بل فضاء رمزيا يعكس الحالة النفسية والروحية للانسان امام اتساع العالم وقوة الطبيعة وما يثيره ذلك من شعور بالرهبة والتأمل.

ومن زاوية اخرى نجد ان هذه الازدواجية بين النور والظلمة تاخذ بعدا اكثر عمقا عند محيي الدين بن عربي. فالعلاقة بين الخير والشر، او بين النور والظلمة، ليست عنده علاقة ثنائية بسيطة ينتصر فيها احد الطرفين على الاخر، بل هي علاقة جدلية معقدة تشكل نسيج الوجود نفسه.

ففي رؤيته يصبح الخلق برزخا بين النور والظلمة، اي مجالا تتداخل فيه المعاني وتتقاطع فيه المستويات. فالكائنات ليست خيرا خالصا ولا شرا خالصا، بل تحمل في باطنها منظورا الهيا خفيا وفي ظاهرها منظورا ماديا محدودا. وكما ينعكس ضوء القمر في لوحة ايفازوفسكي على سطح البحر ليخلق مساحات من النور وسط العتمة، كذلك قلب الانسان هو ذلك البرزخ الذي يتوسط بين النور الالهي وظلمة المادة.

ويصل هذا المعنى عند ابن عربي الى ذروته في رمزية ما سماه بعض الشراح النور الاسود، حيث يكون الحضور الالهي شديدا الى درجة يبدو معها محتجبا خلف ظلمة، فيتجلى كضوء لا تدركه الابصار بسهولة. هنا لا تصبح الظلمة مجرد غياب للنور، بل وجها اخر لحضور اعمق لا تستطيع الحواس المحدودة ان تحيط به.

وفي سياق معاصر يقدم الصديق و المفكر العراقي عبدالجبار الرفاعي قراءة اخرى لهذا الصراع الاخلاقي الداخلي. فهو يرى ان مشكلة الانسان المعاصر ليست في وجود قوى شريرة خارجة عنه فحسب، بل في اغترابه عن ذاته وعن هويته الانسانية.

فالانسان الذي لا يعرف نفسه ولا يعي اعماقه يصبح اكثر استعدادا لان يتحول الى اداة للشر دون ان يدرك ذلك. ومن هذا المنظور لا يمر الخط الفاصل بين الخير والشر عبر العالم الخارجي فقط، بل عبر درجة وعي الانسان بذاته.

فالانسان الذي يمتلك وعيا عميقا بكرامته الانسانية وبقيم العدالة والمحبة يكون اكثر قدرة على مقاومة الظلمة الكامنة فيه.

اما الانسان المغترب عن ذاته فيصبح اكثر عرضة لتضخم الانا التي تبرر كل شيء باسم حقيقة مطلقة يتوهم امتلاكها. وفي ضوء هذا المعنى يمكن النظر مرة اخرى الى القارب الصغير في لوحة ايفازوفسكي بوصفه رمزا للانسان الذي يحاول، وسط بحر مظلم واسع، ان يحافظ على بوصلته الاخلاقية وهو يمضي في رحلة لا يعرف نهايتها.

وهكذا تعود بنا الفكرة الى حيث بدات، الى عبارة الكسندر سولجينتسين التي تقول ان الخط الذي يفصل بين الخير والشر لا يمر عبر الدول ولا عبر الطبقات ولا عبر الاحزاب ، بل عبر قلب كل انسان.

ففي النهاية، سواء عبر ضوء القمر المنعكس على البحر في لوحة ايفازوفسكي، او عبر مفهوم البرزخ عند ابن عربي، او عبر نقد الاغتراب عند الرفاعي، يبقى السؤال موجها الى كل واحد منا:

هل نحن مستعدون لان نواجه ذلك الجزء من قلوبنا الذي قد يكون مظلما؟

وهل يمكن للانسان ان يعيش هذا التوتر بين النور والظلمة دون ان يحاول انكار احدهما؟

وربما لهذا تبدو تلك السفينة الصغيرة في قلب اللوحة مألوفة لنا جميعا، لانها صورة مكثفة لرحلة الانسان نفسه وهو يبحر بصمت في بحر الوجود، باحثا عن ضوء قد يكون في الافق، وقد يكون في اعماق قلبه.

***

د. احمد عابر

 

في المثقف اليوم