عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

زينة لعجيمي: علامة مسجلة

من أمتع أوقاتي وأكثرها صفاء وراحة نفسية، تلك التي أقضيها بين دفتي كتاب راقني، أو حين أتصفح المواقع، فأتعثر صدفة بنصوص مميزة لكتاب مشهورين كانوا أو مغمورين، تشدني إليها من الوهلة الأولى، فتوقظ فيَّ تلك القارئة من سباتها، لتسترد شيئا من نهمها وشغفها بالقراءة، كتّاب حين أقرأ لهم، أكاد أنسى تماما أني كاتبة، رغم مُكنتي على مجاراة نصوصهم تلك، وربما التفوق عليهم، إلا أنني أقرأ لهم باستمتاع وشغف كبيرين، وهذا ما أعتبره من سمات الكاتب الحقيقي، أي أن هذا الأخير يملك مقدرة جعل أقرانه من الكُتّاب قُرّاءً له، ربما القاسم المشترك بين أصحاب هذه الأقلام أن القارئ يذعن لهم طواعية، فيسترسل بالقراءة لهم دون كلل أو ملل، وكلما تنقل بين كلماتهم وسطورهم تلمّس صدقا كبيرا، وتلقائية لافتة، هم كُتّاب لا يلوون عنق اللغة ليستعرضوا عضلاتهم، ومكنتهم البلاغية، أو ليتفاخروا بسحر البيان والبنان، ولا يتفيقهون في كل حدث ومسألة لمجرد التواجد في بقعة الضوء، هذه الفئة من الكُتّاب لا يحاولون البتة تقليد أحد، ولا يسعون لأن يكونوا أشخاصا آخرين غير أنفسهم، ببساطة هم كتاب صادقون مع ذواتهم وأقلامهم، أصحاب بصمة متفردة ومميزة، تستشف ذلك وأنت تقرأ لهم، فيتبين لك فعليا أنك أمام كتّاب حقيقيين بأتم معنى الكلمة، حينما يكتبون هم يتنفسون الكتابة! لا يمارسونها بل يعيشونها ويعشقون تفاصيلها، حد التماهي مع نبضهم، حروفهم ليست مجرد مداد منثور، بل أجزاء من ذواتهم، وقبس من أرواحهم تقبع على الورق وتتخفى مابين السطور.

بالنسبة لي تلك الأقلام هي "علامة مسجلة" وفارقة في عالم الأدب، تستحق بجدارة الاحتفاء بها، كتّاب لا يتكلّفون الكتابة ولا يصطنعونها، بل يتماهون معها ويذوبون فيها وكأنما قد ولدوا كُتّابًا!

أعتقد أن الكتابة بالتحديد ليست حرفة أو مهنة يتعلمها المرء أو يسعى إليها، بل هي بصمة روح لا مجرد بوح أو حبر يسيل ليغزو بياض الورق!

أعتقد يقينا أن الكتابة ما وُجدت إلا لتجعلنا أرقى وأنقى عاطفيا، وأكثر وعيا وعمقا فكريا ومعرفيا، لا يمكنني إلا أن أرى الكتابة رسالة نبيلة، ذات تأثير بالغ على الكاتب وبيئته، وأداة فعالة للتغيير الإيجابي، كما أعتبرها مسؤولية كبيرة على عاتق الكاتب، فإما أن يكون أهلا لها أو يدعها لمن هو جدير بها.

أؤمن جدا أن الكتابة فعل تأثير، وصنعة الفاعلين والمؤثرين من أصحاب الفكر والثقافة، هي هبّة وعي وسط ضجيج الجهل وزحام السطحية والتفاهة، كما أنها فسحة للمشاعر الإنسانية، ومساحة فسيحة تحوي وتحتوي الإنسان بكُلّيته فكرا ووجدانا.

***

بقلمي: زينة لعجيمي -الجزائر