عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

حسن لمين: متاهات روائية.. حينما يتيه القارئ

في لحظة ما من القراءة، يكتشف القارئ أنه لم يعد يسير فوق أرض صلبة، بل داخل ممرات متشابكة، تتفرع دون إنذار، وتعود لتلتقي أو لتفترق في صمتٍ مريب. هناك يتحول النص إلى متاهة تُعاش. متاهة لا جدران لها سوى اللغة، ولا أبواب سوى التأويل، ولا مخرج مضمون سوى ما يصنعه القارئ بنفسه..

لقد غيّر السرد المعاصر موقع القارئ من متلقٍّ إيجابي إلى كائن تائه، يجرّب ويخمن ويضلّ الطريق. لم يعد النص الروائي يقدّم نفسه باعتباره عالماً مغلقاً متماسكاً، بل كفضاء مفتوح، تتقاطع فيه الأزمنة، وتتناسل فيه الأصوات، وتتشظى فيه الذوات. في هذا السياق، تصبح القراءة تجربة قلق، حيث لا يقود الخيط دائماً إلى الخروج، بل قد يلتف حول عنق المعنى نفسه..

في المتاهة الروائية، يُعاد ترتيب الزمن خارج منطقه المألوف. الماضي لا يأتي بعد الحاضر، بل قد يسبقه أو يتداخل معه، وقد يُروى الحدث الواحد من زوايا متعددة، فتتعدد الحقيقة أو تتبخر. هنا، لا يملك القارئ يقيناً واحداً، بل يعيش داخل احتمالات، كل منها يبدو مقنعاً بقدر ما هو قابل للانهيار. إن الزمن في هذه النصوص ليس خطاً، بل شبكة، وكل عقدة فيها تُفضي إلى تأويل مختلف.

أما الشخصية، فليست أقل تيهاً من القارئ. إنها كائن متشظٍ، فاقد للثبات، تتنازعه هويات متعددة، ويصعب الإمساك بجوهره. قد يكون الراوي نفسه موضع شك، وقد يتحول إلى قناع يخفي أكثر مما يكشف. وهنا، يُدفع القارئ إلى التساؤل: من يتكلم؟ ومن يروي؟ وهل ما يُقال حقيقة أم بناء متخيَّل يتقن لعبة الإيهام؟

تتعقد المتاهة أكثر حين يصبح النص واعياً بذاته، يلتفت إلى كونه نصاً، ويكشف آلياته، ويشكك في سلطته. في هذا المستوى، لا يعود السرد مجرد تمثيل للعالم، بل مساءلة له، ولأدوات تمثيله. ينهار الجدار بين الكاتب والنص والقارئ، وتُفتح لعبة مرايا لا تنتهي. القارئ هنا لا يقرأ فقط، بل يُقرأ أيضاً، إذ يجد نفسه داخل شبكة من الإشارات التي تستدعي خبرته وثقافته وحدوده.

ولعل من أبرز ما يميز هذه المتاهات الروائية أنها لا تمنح لذة سهلة، بل لذة مؤجلة، تتشكل عبر الجهد والتعثر وإعادة القراءة. إنها نصوص تقاوم الاستهلاك السريع، وتطالب قارئها بالصبر واليقظة. قد يشعر القارئ بالضياع، بل بالإحباط أحياناً، لكنه ضياع منتج، لأنه يفتح أفقاً جديداً للفهم، ويحرر القراءة من سكونها.

غير أن هذا التيه ليس غاية في ذاته، بل هو استراتيجية جمالية ومعرفية. فالمتاهة الروائية تعكس تعقيد العالم المعاصر، حيث لم تعد الحقائق بسيطة، ولا الهويات مستقرة، ولا السرديات الكبرى قادرة على احتواء التجربة الإنسانية. إن تيه القارئ هو صدى لتيه الإنسان في واقع متشظٍ، متعدد، ومربك.

وهكذا، حين يتيه القارئ، لا يكون قد فشل في القراءة، بل يكون قد دخلها حقاً. لأن القراءة، في أعمق مستوياتها، ليست بحثاً عن مخرج، بل إقامة داخل المتاهة، والقبول بأن المعنى ليس نقطة وصول، بل رحلة لا تنتهي.

***

حسن لمين - كاتب مغربي