أقلام ثقافية
خليل الحمداني: مجلس الغائبين الحاضرين
نص سريالي في احتجاج مؤجَّل
أولاً: الاستدعاء
في الليلة التي تحوّل فيها نهر دجلة إلى حبر أسود، وفي الساعة التي لا تُعدّ ولا تُحسب، تلك الفجوة السائلة بين منتصف الليل ومطلع الفجر، شهد جسر الجمهورية ظاهرةً لم تُسجَّل في أي تقرير رسمي ولم يُشِر إليها أي مراسل: إذ بدأت الأعمدة الحجرية تنبض كما تنبض الأوردة، وارتفع من شقوق الإسفلت دخانٌ بلون العتب القديم.
كان الليل عراقياً بامتياز: حاراً وثقيلاً ومعطَّلاً، كأنه هو الآخر موظفٌ في دائرة حكومية نسيها الإصلاح.
جاء الأول من ضباب اللوح الطيني، مشياً على قدمين لم تُعرَف لهما راحة منذ أن سقطت أوروك. كان جلجامش يحمل تحت إبطه الأيسر لوحاً سومرياً وعليه مكتوب بخط مسماري متذمِّر: "طلبنا لجنة تقصي الحقيقة منذ أربعة آلاف سنة، وما زالت القضية قيد الدراسة." وعلى إبطه الأيمن، كان يتكئ كائنٌ نصفه بشر ونصفه وثيقة رسمية، تتساقط منه أختام دوائر الدولة كما تتساقط أوراق الخريف في بلد لا خريف فيه.
قال جلجامش بصوت يشبه صوت المطر على أرض طينية: "بحثتُ عن الخلود فوجدتُ المحاصصة."
ثانياً: المجلس ينعقد
في ساحة التحرير، ذلك الفضاء الذي تعلّم أن يحمل أكثر مما يطيق، نصب الغائبون خيمةً من ضوء القمر وخيبة الأمل المكتملة. لم تكن الخيمة محسوبةً على أي كتلة، لأن اللاكتلة وحدها لا تمتلك خيماً.
جلس حمورابي على حجر من بابل القديمة، يتأمل شريعته المنقوشة، ويقرأ في وجوه الحاضرين ما لم يكتبه: "كتبتُ أن الأقوى لا يظلم الضعيف. فما الذي حدث؟ من بدّل الشريعة؟ من استبدل العدل بمعادلة توزيع الحقائب؟"
لم يُجبه أحد، لأن الجواب كان معلقاً كلافتةٍ انتخابية فوق رأس كل شارع، ضخمة ومُلوَّنة وفارغة.
في الجانب الآخر من الخيمة، كان المنصور الخليفة العباسي يمشي ذهاباً وإياباً، يرسم بخطاه مخطط مدينة مستديرة لن تُبنى. كان يتحدث بصوت منخفض كالبطانة: "بنيتُ مدينة السلام على التقاء النهرين، وها هم يبنون المنطقة الخضراء على التقاء الخوف والمنفعة." ثم توقف فجأة، نظر إلى السماء وقال بنبرة من يكتشف معادلة: "الفارق هو أن مدينتي كانت دائرية لأن الكمال دائري. ومنطقتهم دائرية لأن الجدار يجب أن يُحيط من كل الجهات."
ثالثاً: الشعراء يشهدون
وصل أبو نواس متأخراً كعادته، يحمل قنينة لا شراب فيها بل دموع ضائعة، من تلك الدموع التي تبكيها المدن على نفسها ولا يراها أحد. جلس القرفصاء أمام تمثاله الذي يعرفه ولا يعرفه، ذلك التمثال الذي احتضن احتجاجات تشرين كما يحتضن الأب ولداً مذعوراً، وقال:
"في زماني شربنا خمر السلطة فسكرنا وأنشدنا وكنا نعرف أننا سكارى. أما هؤلاء فيشربون ولا يعرفون، ويحكمون وهم لا يعرفون أنهم لا يعرفون، وهذا هو المسكر الحقيقي: أن تفقد صحوتك وتظن نفسك صاحياً."
قفز الجواهري من الرقعة الأخرى من الليل، شيخاً ومتقداً في آنٍ واحد، ينشد بصوت كصوت نهر يرفض أن يجفّ:
"يا دجلةَ الخيرِ، يا أمَّ البساتينِ، ماذا فعلوا بكِ يا أمَّ المظلومينِ؟ قسّموا مياهكِ بالكوتا، بالطائفةِ، وأعطوا الأعماقَ لأصحابِ الحصَّةِ، وتركوا السطحَ للشعبِ يسبحُ، يغرقُ، بين بياناتٍ رنّانةٍ وحقائقَ تعرقُ."
ثم جلس مُنهَكاً، لأن اليأس المتكرر يُجهِد حتى الأموات.
رابعاً: الحلاج يعود
لم يأتِ الحسين بن منصور الحلاج من بوابة. جاء من داخل الساحة نفسها، كأنه كان هناك دائماً، متجذّراً في بلاطها كجذر شجرة في صحراء. كان لا يزال يحمل آثار المشنقة كوسام لا كعار، ويتحدث كمن يُتمّ جملةً بدأها منذ ألف عام:
"قلتُ أنا الحق فصلبوني. هؤلاء يقولون نحن الحق، نحن الدولة، نحن الشعب، نحن التاريخ، فمن يصلبهم؟"
التفت إلى الجمهور الغائب وأضاف بصوت هادئ كصوت من لا يخشى شيئاً بعد أن خسر كل شيء: "الفارق بيني وبينهم هو أنني صدّقتُ ما قلتُ، وهم لا يصدّقون ما يقولون. ولذلك أنا المجنون وهم العقلاء. ولذلك أنا الميت وهم الأحياء. ولذلك أنا الخاسر وهم... ولذلك أنا الخاسر."
خامساً: مشهد المحاصصة
على المسرح الذي لم يبنه أحد في وسط الساحة، دار تمثيلٌ لم يكتبه أحد:
دخل ثلاثة رجال، كل واحد يحمل صندوقاً. الصناديق متساوية الحجم، متساوية اللون، ولكن مكتوبٌ على كل منها باسمٍ طائفيٍّ مختلف. وضعوا الصناديق على الطاولة وبدأوا يتفاوضون.
قال الأول: "الصندوق الأول لي." قال الثاني: "الصندوق الثاني لي." قال الثالث: "الصندوق الثالث لي."
ثم بدأوا يتفاوضون على محتويات الصناديق. فُتح الأول فخرجت منه وزارة المال. فُتح الثاني فخرجت منه وزارة النفط. فُتح الثالث فخرجت منه رئاسة الجمهورية. ثم بحثوا عن صندوق رابع للشعب، فلم يجدوه، لأن الشعب لم يُذكَر في جدول أعمال الجلسة.
أشار جلجامش إلى هذا المشهد وقال بهدوء متحجَّر: "في أسطورة الطوفان، نجا من نجا بالسفينة. هنا، يبنون سفينةً ولكنها مُفرَّغة الهيكل، جميلة من الخارج، ويحجزون فيها كل الكراسي لأنفسهم ثم يتساءلون لماذا لا يتحرك الفلك."
سادساً: بابل تعيد ترتيب نفسها
في الساعة الثالثة من ذلك الليل المعلَّق، بدأت المدينة تُعيد ترتيب جغرافيتها من تلقاء نفسها. ذابت المنطقة الخضراء ببطء كجليد في صيف بغدادي، وبدلاً منها نما برجٌ يشبه برج بابل القديم، إلا أن كل طابق كان يتكلم لغة مختلفة لا يفهمها الطابق الذي تحته: الطابق الأعلى يتحدث لغة الميليشيات، والذي يليه يتحدث لغة العقود النفطية، والذي تحته لغة المناصب، والذي في الأسفل لغة الشعارات الانتخابية، والأرضي الذي لا يعدّه أحد: الصمت المعمّى للمواطن.
رأى حمورابي البرج فقال: "في المرة الأولى، أراد الناس أن يصلوا إلى السماء فتشتت ألسنتهم. في هذه المرة، تشتتت ألسنتهم فبنوا برجاً يصل إلى السماء لكنه لا يصل إلى الناس. التسلسل معكوس والنتيجة واحدة: الفوضى."
من بعيد، من الجهة التي كانت فيها مدينة أور قبل أن يبتلعها التاريخ والرمل، جاء صوت لا يُحدَّد مصدره: "كلما أردنا بناء دولة، بنينا دويلات. كلما أردنا دستوراً، كتبنا مقدمةً له ثم تركناه للتفسير."
سابعاً: عبد الكريم قاسم يحمل الملف
جاء الزعيم بمعطفه العسكري المنزوع النجوم، لا لأنه خُلع منه بل لأنه خلعها بنفسه في تلك اللحظة السريالية، إذ لا معنى للنجوم في مكانٍ لا تُضيء فيه. كان يحمل ملفاً وورقياً ثقيلاً بما تراكم فيه من عقود.
قال بنبرة الرجل الذي يُقرأ في كلامه حزنٌ لا يُقال: "أردتُ للعراق أن يكون لكل العراقيين. قالوا إن هذا وهم. الوهم هو الذي يبقى ويحكم وها هم يقولون إن العراق لكل العراقيين، في كل خطاب، في كل منبر، في كل موسم انتخابي. أما في الممارسة فالعراق لكل العراقيين الذين ينتمون إلى الكتلة المناسبة، الطائفة المناسبة، الرجل المناسب، المحفظة المناسبة."
ثم فتح الملف فخرج منه ليس وثائق بل مواطنون مصغَّرون، بحجم إبهام الكف، يمشون في كل الاتجاهات ولا يجدون من يستقبلهم في أي منها. نظر إليهم بحنو من فقد رهانه الكبير وقال: "الشعب موجود. دائماً موجود. فقط لا أحد يراه إلا في أوراق الإحصاءات وصناديق الاقتراع وقوائم الشهداء."
ثامناً: دجلة يُدلي بشهادته
في لحظة لم يتوقعها أحد، حتى النص نفسه، بدأ النهر يتكلم.
لم يكن الكلام مسموعاً بالأذن بل بنوع آخر من الحواس، تلك التي تتشكّل فقط في الأماكن التي تتقاطع فيها اليأس الكافي بالأمل الكافي. قال دجلة:
"أنا أقدم منكم جميعاً. رأيتُ السومريين يروون حقولهم وروّى أحفادُهم البيروقراطيةَ بالإهمال. رأيتُ العباسيين يبنون حضارة من ورق ومن ماء ومن نقاش وجدل، ثم رأيتُهم يسقطون حين صار الجدل مراسيم لا جدلاً. رأيتُ دماءً كثيرة تُصبّ فيّ حتى لوّنتْ مياهي وبات الناس يقولون إنني أحمر. أنا لستُ أحمر. أنا مثقل.
والآن أرى ما يُسمّى إدارةً للموارد المائية فيجدون في محاضرهم نسبي السنوية، حصصي الطائفية، مناسيبي الحزبية. حتى الماء في هذا البلد صار له كوتا."
صمت النهر وعاد إلى تدفقه، والصمت كان أبلغ من الكلام.
تاسعاً: الخريطة تعترض
على الجدار الذي لا يُرى ولكنه موجود، ذلك الجدار الذي بين ما هو ومما ينبغي أن يكون، رُسمت خريطة العراق تلقائياً، كما تُرسم الأحلام: باليد وبالروح وبدون أدوات.
لكن الخريطة التي رُسمت لم تكن هي التي نعرفها. كانت مُجزَّأة إلى مناطق ذات ألوان مختلفة، وعلى كل منطقة كُتب اسم لم يكن اسم محافظة بل اسم مجموعة نفوذ: "منطقة العقد"، "منطقة التعيينات"، "منطقة المشاريع المتوقفة"، "منطقة الاتفاقيات السرية"، "منطقة حدود النفوذ القابلة للتفاوض".
في الوسط، مكان بغداد، لم يكن اسماً بل علامة استفهام كبيرة، مصنوعة من أسلاك الكهرباء المتقطعة.
قال المنصور العباسي بصوت يشبه صوت من يقرأ نعيه في حياته: "بنيتُها مدينة السلام. لأن السلام كان المشروع. أما الآن فالمشروع هو الاستمرار، والاستمرار بأي ثمن، والثمن يُدفع دائماً من رصيد المواطن الذي لم يسألوه إن كان يقبل المعادلة."
عاشراً: المحاكمة التي لا تنتهي
في مكانٍ آخر من الساحة، انعقدت محكمة بدون بناء. القاضي كان عدلاً مجرّداً، بلا ملامح، بلا جنسية، بلا طائفة. المتهمون كانوا يجلسون ولا يجلسون، لأن التهم كانت كثيرة لدرجة أنهم لم يجدوا مقاعد كافية لها.
قُرئت لائحة الاتهام وكانت طويلة حتى سقطت أطرافها خارج النص:
"بتهمة تحويل الحكم من فعل إلى موقع؛ بتهمة إدارة الأزمات بالحد الأدنى الكافي للاستمرار لا بالحد الأقصى الممكن للإصلاح؛ بتهمة أن الكهرباء في بلد النفط لا تصمد اثنتي عشرة ساعة والمواطن يصبر وحده في الحر؛ بتهمة توريث المناصب في جمهوريات لا يورّث فيها قانونياً شيء إلا الفقر؛ بتهمة استخدام خطاب الهوية وقوداً لمحرك الغنيمة؛ بتهمة أن الشهيد يُذكر في الخطاب وتُنسى وصيته في الممارسة."
لم يُنطَق بحكم. لأن المحكمة كانت تعرف ما تعرفه المحاكم السريالية: أن الحكم لن يُنفَّذ ما دام من يُفترض أن ينفّذه هو المتهم نفسه.
حادي عشر: الفجر يتراجع
حين بدأت السماء تُفاوض الليل على بعض الضوء، تهيّأ الغائبون الحاضرون للعودة إلى أزمنتهم. إلا أنهم تأخروا قليلاً، تلك الدقائق التي يطول فيها الوداع لأن ما يتركونه وراءهم أثقل مما يحملونه معهم.
قال جلجامش وهو يلفّ لوحه الطيني: "بحثتُ عن الخلود في كل مكان ولم أجده. العراق وجده: نظام المحاصصة لا يموت. يتحوّل، يتكيّف، يتبدّل الأسماء والوجوه، ويبقى الهيكل."
ودّع الحلاج الجمع بإشارة يدٍ لم تكن يداً بل سؤالاً: "متى تُصبح 'الدولة' فعلاً لا اسماً؟ متى تُصبح المؤسسة مؤسسةً لا إطاراً فارغاً مزيَّناً بالبيروقراطية؟ أسئلة لمن يملكون الجواب ولا يملكون الإرادة لقوله."
نظر الجواهري للأخير إلى دجلة، ذلك النهر الذي يعرفه كما يعرف أصابعه، وقال بصوت يهدأ كما تهدأ عاصفة أخيرة:
"يا دجلة الخير، أنتَ شاهد ولستَ قاضياً. كتبتُ فيك ما كتبتُ، وما زال الحبر يجري. ولكنَّ الحبر وحده لا يُغيِّر. يُوثِّق. والتوثيق كذلك فعلٌ يأتي ثماره في زمن آخر، لجيل ربما يُحسن القراءة أكثر مما أحسن أسلافه الحكم."
ثم رحلوا جميعاً، لا بالخطوات بل بالتلاشي التدريجي الذي تتلاشى به الحقائق الكبيرة في النهار الرسمي: ببطء، بهدوء، وبشيء يشبه الاحتجاج الصامت على حتمية نسيانها.
خاتمة: ما تبقّى
في الصباح، حين عاد الناس إلى الساحة بقهوتهم وهواتفهم وآمالهم المقنَّنة، لم يجدوا أثراً لما جرى. إلا شيئاً واحداً: على بلاط ساحة التحرير، بخط أثري لا يُعرف عمره بالدقة، كانت مكتوبة جملة واحدة بثلاث لغات قديمة ومعناها واحد في جميعها:
"الشعب الذي لا يُدار بل يُستهلَك، يستيقظ ببطء. لكنه حين يستيقظ، لا ينسى."
لم يُفسَّر الخط في أي تقرير رسمي. لأن التفسير كان سيستلزم اعترافاً، والاعتراف كان سيستلزم مساءلة، والمساءلة كانت مرتبطة بطابور انتظار لم تُحدَّد لها موعد بعد.
***
خليل إبراهيم كاظم الحمداني
......................
* هذا النص لم يكتبه أحد. أو ربما كتبه كل من مرّ بالعراق وفيه وعليه، من زمن الطين إلى زمن الإسفلت، ومن لغة المسمار إلى لغة البيانات، دون أن يتغيّر السؤال الجوهري: لمن هذا البلد؟







