عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

عماد خالد رحمة: «كم» في العربية.. بين الاستفهام والخبر

دراسة نحوية ودلالية في ضوء آراء البصريين والكوفيين

تُعَدُّ اللغة العربية من أكثر اللغات ثراءً في أدواتها التعبيرية، إذ تتجاوز الكلمة فيها حدود الدلالة المعجمية المباشرة لتغدو أداةً لصناعة المعنى وبناء المقاصد البلاغية والنحوية معاً. ومن هذه الأدوات التي استوقفت النحاة والبلاغيين واللغويين قديماً وحديثاً أداة «كم»؛ لما تنطوي عليه من طاقة دلالية واسعة تجمع بين السؤال والإخبار، وبين طلب المعرفة والإفصاح عن الكثرة أو القلة.

وقد أفاض علماء العربية في بحثها وتحليل وظائفها، فتناولها البصريون والكوفيون وفقهاء اللغة من زوايا متعددة، تتصل بالإعراب والدلالة والتركيب والبلاغة، حتى أصبحت «كم» نموذجاً بارزاً للتفاعل بين النحو والمعنى في اللسان العربي.

«كم» في أصلها اللغوي

يرى اللغويون أن «كم» اسمٌ موضوعٌ للدلالة على العدد المبهم، فهي لا تحدد مقداراً بعينه، وإنما تشير إلى عدد مجهول يحتاج إلى تفسير أو بيان.

قال ابن فارس في مقاييس اللغة: إن مادتها تدور حول معنى المقدار والعدد، ومنها جاء الاستفهام عن الكمّية، أي عن مقدار الشيء وعدده.

ومن هنا كانت «كم» أداةً ذات طبيعة عددية، غير أن السياق هو الذي يحدد وظيفتها: أهي للاستفهام أم للإخبار.

أولاً: «كم» الاستفهامية

هي التي يُستفهَم بها عن عدد مجهول يراد العلم به.

فنقول:

كم كتاباً قرأتَ؟

كم يوماً أقمتَ؟

كم طالباً حضر الدرس؟

فالغاية هنا طلب معرفة العدد.

رأي البصريين:

ذهب نحاة البصرة، وفي مقدمتهم سيبويه والمبرّد والزجاج، إلى أن تمييز «كم» الاستفهامية يكون في الأصل منصوباً؛ لأنها تشبه الأعداد المركبة التي تحتاج إلى مفسِّر يرفع إبهامها.

ومن أمثلتهم:

كم رجلاً رأيتَ؟

كم كتاباً اشتريتَ؟

فـ«رجلاً» و«كتاباً» تمييزان منصوبان.

ويرى البصريون أن النصب هو الأصل، أما الجر بـ«من» فأسلوب فرعي نحو:

كم من رجلٍ لقيتَ؟

حيث دخلت «من» على التمييز فجرّته لفظاً.

رأي الكوفيين:

أما الكوفيون، وعلى رأسهم الكسائي والفراء، فقد توسعوا في أحكام التمييز، وأجازوا بعض الاستعمالات التي ضيقها البصريون، وعدّوا الجر بعد «كم» أكثر شيوعاً في بعض لهجات العرب.

واستدلوا بالسماع الكثير من كلام العرب الذي ورد فيه التمييز مجروراً بواسطة «من».

وقد كان منهج الكوفيين عموماً أقرب إلى الاحتجاج بالمنقول من كلام العرب، بينما كان البصريون أكثر ميلاً إلى التقعيد والقياس.

ثانياً: «كم» الخبرية

وهي التي يُراد بها الإخبار عن كثرة الشيء أو قلته دون طلب جواب.

نقول:

كم عالمٍ أفاد البشرية!

كم مدينةٍ زرتُ!

كم كتابٍ قرأتُ في شبابي!

فالمتكلم لا يسأل عن العدد، بل يخبر عن كثرته.

موقف البصريين من «كم» الخبرية

يرى البصريون أن تمييز «كم» الخبرية يكون مجروراً بالإضافة أو بـ«من» الزائدة.

مثل:

كم رجلٍ قابلتُ.

كم من عالمٍ أفاد الناس.

والسر في ذلك أن «كم» الخبرية عندهم أقرب إلى أسماء الكثرة، ولذلك يجيء التمييز بعدها مجروراً.

وقد شبّهها بعضهم بالمضاف، فجعلوا ما بعدها بمنزلة المضاف إليه.

موقف الكوفيين

وافق الكوفيون البصريين في أكثر أحكام «كم» الخبرية، غير أنهم كانوا أكثر مرونة في توجيه بعض الشواهد الشعرية التي خرجت عن المشهور.

فإذا ورد نصب التمييز في بعض الأشعار حملوه على الضرورة الشعرية أو على لهجة من لهجات العرب.

ومن هنا تظهر السمة العامة للمدرسة الكوفية في اتساعها للرواية واحتفائها بالسماع.

الفرق بين «كم» الاستفهامية و«كم» الخبرية

تقوم بينهما فروق دقيقة تمثل جوهر المسألة النحوية والدلالية.

وجه المقارنة

كم الاستفهامية

كم الخبرية

المعنى

السؤال عن العدد

الإخبار عن الكثرة

الجواب

تحتاج إلى جواب

لا تحتاج إلى جواب

التمييز

منصوب غالباً

مجرور غالباً

النبرة

استفهامية

خبرية تعجبية

مثال تطبيقي

كم كتاباً قرأتَ؟

سؤال ينتظر جواباً.

كم كتابٍ قرأتُ!

إخبار يفيد كثرة القراءة.

فالكلمة ذاتها بقيت كما هي، لكن اختلاف المقصد غيّر الإعراب والدلالة معاً.

«كم» في القرآن الكريم

وردت «كم» الخبرية في مواضع كثيرة من القرآن الكريم للدلالة على التكثير والاعتبار.

قال تعالى:

﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾.

فالمعنى: تركوا جناتٍ وعيوناً كثيرة.

وقال تعالى:

﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾.

فـ«كم» هنا خبرية تفيد التكثير والتنبيه إلى سنن التاريخ ومصائر الأمم.

أما الاستفهامية فقد وردت في سياقات السؤال والتقرير، كما في قوله تعالى:

﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾.

«كم» في الرؤية البلاغية

لم يقف البلاغيون عند حدود الإعراب، بل تجاوزوا ذلك إلى استكشاف أثر «كم» في صناعة المعنى.

فـ«كم» الخبرية ليست مجرد أداة عدد، بل هي أداة تصوير وتكثيف شعوري.

حين يقول الشاعر:

كم ليلةٍ سهرتُ في شوقٍ إليكِ

فهو لا يريد إحصاء الليالي، بل يريد تصوير طول المعاناة وامتداد الحنين.

وكذلك قول المتنبي:

وكم ذا بمصر من المضحكاتِ

ولكنه ضحكٌ كالبكاءِ

فـ«كم» هنا تحولت إلى أداة نقد اجتماعي وسياسي، تحمل في طياتها معنى السخرية والأسى معاً.

رؤية فقهاء اللغة

يرى فقهاء اللغة أن «كم» تمثل نموذجاً فريداً لما يسمى الاقتصاد اللغوي؛ إذ تؤدي بكلمة واحدة وظائف متعددة:

الاستفهام.

التكثير.

التعجب.

التهويل.

التحقير أحياناً بحسب السياق.

وهذا من أسرار العربية التي تجعل الأداة الواحدة قادرة على حمل شبكة واسعة من الدلالات دون أن تفقد وضوحها أو جمالها.

خاتمة

إن دراسة «كم» تكشف عن عمق الفكر اللغوي العربي ودقته؛ فهذه الأداة الصغيرة ظاهراً تختزن وراءها منظومة كاملة من الأحكام النحوية والدلالية والبلاغية. وقد أظهر البصريون ميلهم إلى إحكام القواعد والقياس، بينما اتجه الكوفيون إلى توسيع دائرة الاحتجاج بالسماع والرواية، فأسهم الفريقان معاً في بناء صرح النحو العربي.

وهكذا تظل «كم» شاهداً على أن العربية ليست لغة ألفاظ فحسب، بل لغة معانٍ تتشكل فيها الدلالة من تآزر النحو والسياق والبلاغة، حتى تغدو الأداة الواحدة عالماً لغوياً قائماً بذاته، يفيض ثراءً ودقةً وجمالاً.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين