أقلام فكرية
حاتم حميد محسن: التفسير الماركسي لسقوط الامبراطوريات

هناك عدد هائل من النظريات التي تفسر سقوط الدول الامبراطورية لكن واحدة من أهم تلك النظريات والاكثر انتشارا هي النظرية الماركسية. كتب ماركس عن تناقضات الرأسمالية الناتجة عن عدم قدرة المنتجين في المجتمع على شراء منتجاتهم وما يتبع ذلك حتماً من دورات للكساد والانحدار الاقتصادي. هذه التناقضات تنطبق على جميع المجتمعات التاريخية عندما تستحوذ الطبقة الحاكمة او النخبة على حصة من الموارد المتوفرة أكثر مما ينبغي. عندما تأخذ النخبة القسم الاكبر من الموارد، فان عامة الناس يصبحون غير قادرين على استهلاك منتجات الصناعة. هذه النظرية تصف وبشكل ملائم – وان بشكل تدريجي أحيانا – الكيفية التي سقطت بها الامبراطوريات السابقة في الفوضى، وتحطمت ليس بقوى خارجية وانما بفعل ممارساتها الإستغلالية. هذا قاد الى مصاعب داخلية وكساد وتمرّد ومن ثم الى غزو خارجي محتمل.
العنصر الأساسي لتكوين وبقاء وانحدار كل المجتمعات التاريخية هو استعمالها للدخل الفائض والموارد. بدون ان تتمكن النخبة من استخلاص فائض المنتج للاحتياجات الفورية – على شكل طعام وأسلحة وسلع الترفيه، وبضائع اخرى وخدمات يتم انتاجها بواسطة الفلاحين والحرفيين والتجار والخدم –، فسوف لن يكون المجتمع قادرا على تقديم الحماية والقانون والنظام والادارة والدفاع والاستشارات الروحية والخدمات الشخصية والانتاج الثقافي والاصول الاخرى الضرورية لوجوده.
ثلاث طرق رئيسية
هناك ثلاث طرق رئيسية يتم بها استخلاص فائض الدخل والموارد.
1- السياسية /العسكرية و 2- التجارية الاقتصادية و 3- الثقافية الاجتماعية. وهكذا، هناك ثلاثة انواع مختلفة من النخب. في الشكل السياسي العسكري، هناك المحاربون والفاتحون والمافيا المحلية. في النوع التجاري هناك التجار والصناعيين والرأسماليين. اما في ظل النموذج السوشيوثقافي يأتي الكاريزميون والقساوسة والبيروقراط والمحامون.
نجاح أي من هذه الانواع في السيطرة على أي مجتمع وتأسيس الحق في الاستخراج يعتمد على التاريخ الخاص بالمجتمع وما يمكن ان تقدمه النخبة بالمقابل. هذا سيكون حماية داخلية ودفاع خارجي وحصة في زيادة الثروة والدخل او ديني او شخصي او خدمات ادارية.
بالنهاية، جميع النخب تواجه إغراء تحويل الاستخراج الى استغلال. حالما يتأسس نظام للاستخراج، تتحفز النخبة لتأخذ الكثير وهي تعتقد ان السلطة اللامحدودة والثروة والراحة هي حق لها. تركيز الثروة يبدأ بالظهور متجاوزا الحاجات الحقيقية للنخبة واكثر مما يستطيع المجتمع تقديمه. هذا التركيز ربما يكون على شكل قصور ملكية او بيوت ارستقراطية مليئة بالخدم او نقل خاص وحراس شخصيين. سننظر هنا في أعلى مستوى للاستغلال مارسته عدد من الامبراطوريات الكبرى. الاستغلال هو في الحقيقة عامل مساهم في سقوطها النهائي.
سقوط الامبراطورية الرومانية الغربية الأخيرة
مع بدايات حكم نيرون (54-68م)، ثبت من الدليل بان الحاجة الى الايرادات قادت الى تخفيض قيمة العملة. النقود كانت مطلوبة لتغطية التكاليف المتزايدة للدفاع وتضخم البيروقراطية. لكن بدلا من زيادة الضرائب، قام نيرون والاباطرة الذين أعقبوه بتخفيض قيمة العملة عبر تقليل كمية المعدن الثمين في محتوى العملة. هذا في الحقيقة كان شكلا من الضرائب: ضريبة على الأرصدة النقدية.
طوال تاريخ معظم الامبراطوريات، كانت الوحدات الاساسية للعملة الرومانية هي العملة الذهبية والدينار الفضي والنحاس والعملة البرونزية. العملة الذهبية لم تكن في تداول واسع. وهكذا كان تخفيض العملة محدودا جدا. نيرون قلل من محتوى الفضة في الدينار الى 90% وخفض قليلا من حجم العملة الذهبية. اما ترجان Trajan (98-117م) فقد خفّض محتوى الفضة الى 85% لكنه كان قادرا على الحفاظ على النسبة بسبب التدفق الواسع للذهب.
استمر تخفيض العملة تحت حكم ماركوس ايرليوس (161-180م)، الذي قلل محتوى الفضة في الدينار الى 75%، ثم خُفض اكثر في عهد سيبتيموس سيفيروس الى 50%. وفي اواسط القرن الثالث الميلادي، بلغ محتوى الفضة في الدينار فقط 5%.
هذا التخفيض المستمر في قيمة العملة لم يحسّن موقف الامبراطورية النقدي. بدلا من ذلك، الناس اكتنزوا العملات ذات المحتوى العالي من الفضة ودفعوا ضرائبهم بتلك العملة ذات المحتوى القليل .في الحقيقة، عوائد الحكومات وبالتالي العائدات الواقعية للامبراطورية انخفضت فعلا. في البدء كانت الحكومة قادرة على توفير أموال اضافية من بيع ممتلكات الدولة ولكن لاحقا، قام المزيد من الاباطرة الفاسدين مثل دوميتيان (81-96م) باختراع تهماً لمصادرة اصول الأثرياء. هم ايضا اختلقوا الأعذار للمطالبة بالجزية من المقاطعات والاثرياء. رغم ان الضرائب على الرومانيين العاديين لم ترتفع، لكن المواطنة جرى توسيعها لجلب مزيد من الناس لصافي الضريبة. الضرائب على الاغنياء ارتفعت بشكل حاد وخاصة ضرائب التركات والتحرير (تحرير العبيد). معظم الاباطرة استمروا بسياسة تخفيض العملة وزيادة الضرائب الثقيلة على الاغنياء خصيصا. ومع المصادرة البطيئة للثروة الخاصة بالامبراطورية او فرض الضرائب عليها، ادى ذلك الى تباطؤ النمو الاقتصادي الى حد التوقف. حالما لم يعد الاغنياء قادرين على دفع فواتير الدولة، فان العبء وقع على الطبقات الدنيا لدرجة ان متوسط الناس عانوا ايضا من تدهور الظروف الاقتصادية.
في هذه الفترة، في القرن الثالث الميلادي، انهار الاقتصاد النقدي بالكامل، لكن الطلبات العسكرية للدولة بقيت مرتفعة. كانت حدود روما تحت ضغط مستمر من القبائل الالمانية في الشمال ومن الفرس في الشرق.
ومع انهيار الاقتصاد النقدي، توقف ايضا نظام الضرائب العادي عن العمل. هذا أجبر الدولة على الاستيلاء المباشر على أية موارد تحتاجها اينما كانت. الطعام والماشية، مثلا، نُقلت مباشرة من المزارعين. منتجون آخرون كانوا ايضا مسؤولين عن توفير كل ما يحتاجه الجيش. هذه الزيادة في الضرائب واستغلال الشعب الروماني جعل الناس غير مبالين ببقاء الدولة، والدفاع تُرك للمرتزقة الالمان الذين بالنهاية اطاحوا بالحكومة واغتصبوا سلطة الامبراطور.
الامبريالية الأثنية واستغلال الحلف الديلي Delian League
تأسس اتحاد ديلي ويُعرف ايضا بالامبراطورية الاثنية بعد حرب الفرس عام 478 ق.م كـحلف عسكري بين المدن اليونانية (يضم حوالي 150 الى 330 مدينة). الحلف كان بقيادة اثينا التي دافعت عن كل الاعضاء غير القادرين على حماية انفسهم بما تمتلكه من اسطول بحري قوي وكبير. اعضاء حلف ديلي كانوا ملزمين تحت القسم للولاء للحلف وساهموا نقديا لكنهم في بعض الحالات تبرعوا بالسفن او اشياء اخرى. كان الامر كذلك بالنسبة للعديد من الاعضاء الديمقراطيين في التحالف الذين حصلوا على حريتهم من الحكم الاوليغارتي او الاستبدادي في اثينا.
كان تاثير المدن كبيرا جدا لدرجة انه في عام 454 ق.م قام بيركلس بنقل خزانة حلف ديلي من جزيرة ديلوس الى بارثينون في أعلى الاكروبوليس في اثينا بزعم حمايتها من الفرس. مع ذلك، وحسب المؤرخ بلوتارخ ان العديد من منافسي بيركليس رأوا عملية النقل الى اثينا كإغتصاب للموارد النقدية لتمويل مشاريع خاصة. اثينا ايضا غيرت سياستها حول التبرع في السفن والرجال والأسلحة من أعضاء الحلف وبدلا من ذلك قبلت بالنقود فقط.
ومع التدفق الواسع للنقد المقدم الى اثينا عبر استغلال 150 الى 330 عضوا في التحالف، تكون المدينة في الحقيقة استعملت النقود لتعزيز قوة اسطولها ووضع المتبقي من النقود للعمل في فنون المدينة وبنائها المعماري. ولكي تحافظ على موقفها، بدأت اثينا استعمال قوتها العسكرية الهائلة لتعزيز العضوية في التحالف. مدن مثل ميتيليني ومليوس اللتان رغبتا بمغادرة الحلف تعرضتا للعقوبة بقوة. الاستغلال المفرط للطبقات الدنيا – المدن الأقل ثراءً – سوف يقود للتمرد. وذلك ما حدث بالفعل. اول عضو في الحلف حاول الانفصال كان جزيرة ناكسوس سنة 471 ق.م. وبعد هزيمتها اُجبرت ناكسوس على هدم أسوارها فخسرت اسطولها وصوتها في الحلف.
تمرد آخر جرى تنظيمه من قبل ثاسوس الذي اعتبر تأسيس اثينا لمستعمرة امفيبوليس على نهر ستروما تهديدا لمصالحها في مناجم جبل بانجايون. وبهذا، انشقت ثاسوس العضو في الحلف وانضمت الى الفرس. ولاحقا طلبت المدينة مساعدة من سبارطا لكن لم تنل ذلك لأن سبارطة كانت ضد تمرد الهيلوت (اعداد كبيرة من العبيد او العمال الزراعين يعملون في اسبارطة) وهو أكبر تمرد آنذاك.
بعد اكثر من سنتين من الحصار اُجبرت ثاسوس على الاستسلام لقائد اثيني (اريستيدس) واعيد بها مجددا الى الحلف. أسوار ثاسوس المحصنة هُدمت وفُرض عليها دفع جزية سنوية وغرامات. علاوة على ذلك، تمت مصادرة اراضيها واسطولها البحري والمناجم التي فيها من جانب اثينا. حصار ثاسوس يمثل تحولا لحلف ديلي من تحالف الى ما اسماه ثوسيديديس بالهيمنة.
الخزانة الجديدة في اثينا استُعملت لعدة أغراض، ليست كلها مرتبطة بالدفاع عن أعضاء الحلف. جرى استمال الجزية المدفوعة (من الاعضاء) الى الخزانة في بناء البارثينون في الاكروبوليس واستُبدل المعبد القديم الى جانب العديد من النفقات الباهظة الاخرى الغير مرتبطة بالدفاع.
امبراطورية المغول
بنى المغول واحدة من أعظم الامبراطوريات آنذاك واستمر تأثيرها في التاريخ والثقافة الهندية. كان للسلالة تأثيرا استمر اكثر من قرنين من الحكم الفعال لأجزاء واسعة جدا من الهند بسبب مهارتهم في الحكم وتنظيمهم الاداري. أباطرة المغول عززوا الفن والتعليم وبالذات فن العمارة الشهير بتناغمه وجماله. لكن وحسب الرؤية الماركسية، كانت قصور ومساجد هؤلاء الاباطرة رموزا اسلامية للقمع الذي مارسه المسلمون ضد السكان الهندوس الى جانب الاستغلال المفرط للفلاحين من جانب الأغنياء والذي أخمد الرغبة لمساعدة النظام، وهو ما قاد بالنهاية الى انهيار السلالة.
أباطرة المغول في البدء عُرفوا بالمساواة بين الناس الذين يحتلونهم حيث يتم استيعابهم في الحكومة والجيش، لكن في العقود الاخيرة مالت الامبراطورية نحو الاوتوقراطية واللاتسامح. جرى التعامل مع الهندوس والجماعات الاخرى بدونية واستُبعدوا من محاكم المغول وتعرضوا الى ضرائب ثقيلة.
عدم التسامح الديني قاد الى الاضطهاد الذي اتخذ شكل تحطيم معابد ومدارس الهنود والسيخ. هذه الافعال خلقت استياءً واسعا ضد المغول، مزق مملكتهم وأضعف حكمهم كثيرا. واثناء حكم اورنجزيب Aurangzeb (1658-1707)، بدأ اقتصاد امبراطورية المغول بالانحدار. الضرائب الثقيلة المفروضة ادت الى تحطيم كامل للسكان الزراعيين، وفي نفس الوقت، كان هناك اضمحلالا مستمرا لكنه متدرج في نوعية حكومة المغول. الاباطرة اللاحقون أبدوا رغبة قليلة في حكم او في استثمار نقودهم في الزراعة والتكنلوجيا او في الجيش. بعض الاباطرة كبحوا الازدهار الاقتصادي خائفين من ان الاغنياء ربما يستجمعون جيوشهم الخاصة. في النهاية ثار القادة المحليون وأعلنوا استقلالهم عن الحكومة المركزية. هذا بدوره عجّل من تدهور الامبراطورية ومن ثم السقوط.
سقوط الامبراطورية العثمانية
بعد سلسلة من الصراعات الفئوية اثناء القرنين 1500 و 1600 على السلطة بين الصدر الاعظم وسلطنة الحريم من جهة، والأغوات وضباط الانكشارية من جهة اخرى، بدا الامر كأنه لا فرق في ذلك بصرف النظر عن منْ يسيطر على أجهزة الحكومة . كان هناك شلل متزايد في الادارة في كل انحاء الامبراطورية، وتسارع للفوضى وسوء الحكم، وانقسام في المجتمع الى فئات واتساع الكراهية بين الجاليات.
وسط هذه الاضطرابات، اصبح من الحتمي ان لا تستطيع الحكومة العثمانية مواجهة المشاكل المتسارعة التي ضربت الامبراطورية. التحديات الاقتصادية بدأت تنمو في اواخر القرن السادس عشر عندما قطعت هولندا وبريطانيا خطوط التجارة الدولية القديمة عبر الشرق الاوسط. وبالتالي، تلاشت ثروة مقاطعات المنطقة. الاقتصاد العثماني اهتز بالتضخم الناتج عن تدفق المعادن الثمينة الى اوربا من امريكا، وبسبب تنامي اللاتوازن في التجارة بين الشرق والغرب . وعندما فقدت الخزينة عائداتها بدأت بتلبية التزاماتها – كما فعلت الامبراطورية الرومانية – عبر تخفيض قيمة العملة وزيادة حادة في الضرائب واللجوء الى مصادرة الاملاك. كل هذا فاقم الموقف. الناس المعتمدون على الرواتب وجدوا انفسهم يتقاضون اجورا قليلة، مما ادى الى المزيد من السرقة والافراط في الضرائب والفساد. مالكوا الاراضي العثمانية ومزارع الضرائب بدأوا يستعملونها كمصدر للايرادات تُستغل بأسرع ما يمكن بدلا من ان تكون ممتلكات طويلة الأجل تعطي مردودا في المستقبل.
النفوذ السياسي والفساد سمح لاولئك المالكين بتحويل تلك الملكيات الى ملكية خاصة اما كممتلكات او أوقاف دينية دون أي التزامات اخرى للدولة. التضخم أنهك الصناعات التقليدية والتجارة. النقابات التي كانت تعمل تحت تنظيم صارم للاسعار اصبحت غير قادرة على توفير سلع جيدة بأسعار تستطيع منافسة السلع الاوربية الرخيصة التي دخلت الامبراطورية بدون قيود بسبب مختلف اتفاقيات الاستسلام.
وبالتالي، سقطت الصناعات التقليدية للامبراطورية العثمانية في هبوط سريع. الرعايا المسيحيون والدبلوماسيون الاجانب والتجار الذين تمت حمايتهم بموجب اتفاقيات الاستسلام، دفعوا مسلمو السلطنة واليهود خارج الصناعة والتجارة نحو الفقر واليأس.
امثلة اخرى على الاستغلال وتراكم الثروة التي قادت الى الانحدار
حتى على مستوى المنحوتات والنصب التذكارية، كان للاستغلال عواقبه. آلهة الحجر الغامض في جزيرة الفصح (ايستر) تمثل استخراجا للعمالة من السكان العبيد والذي قاد، اعتمادا على الدليل الاثري، الى الثورة والاطاحة بالنخب الحاكمة. المعابد الفارسية والمصرية كانت تغري الاسكندر الاكبر في مقدونيا، ولاحقا الرومان والمماليك والعرب والاتراك. الشعب الخاضع لم يكن متحفزا جدا للدفاع عن هذه المعابد والآثار.
ان بناء كنيسة القديس بطرس في روما وما رافقها من أعمال فنية والتي تم تمويلها من بيع صكوك الغفران بالاضافة لإسلوب الحياة الباذخ للبابوية، كانت سببا مباشرا للاصلاح الديني.
***
حاتم حميد محسن
............................
How Empires fall: The Marxist Perspective, GreekReporter, Aug 22, 2055