أقلام فكرية
حاتم حميد محسن: مشكلات الاستدلال على المعرفة
الاستقراء مقابل الاستنتاج
ما هي أفضل طريقة للحصول على المعرفة؟ وما هي نقاط القوة والضعف في كل من الاستدلال الاستقرائي والاستدلال الاستنتاجي؟ حاول الناس دائما توسيع وتنقيح معرفتهم، يدرسون ويستطلعون ويجمعون تجارب جديدة، ويوسعون نطاق المعرفة طوال التاريخ. هذا قاد الى تحقيقات أخرى حول طبيعة المعرفة وحول إمكانية ضمان صحتها. حدد الفلاسفة والعلماء والباحثون عن المعرفة طريقتين للحصول على المعرفة: وهما الاستقراء والاستنتاج. الاثنين لهما مظاهر قوة وضعف مما يجعلهما لا غنى عنهما للقضية ولكنهما أيضا قد يكونان غير موثوقين او غير حاسمين.
كل شخص لديه معرفة. فمثلا، نحن نعرف اذا كانت السماء رمادية وغائمة، فانها يُحتمل ان تمطر فورا. الجاكيت الصوف يمنح الدفء بينما القميص القطني يعطي البرودة. اذا كان هذا اليوم سبت، فان غدا هو احد. الساعة تساوي 60 دقيقة، وهكذا. بما لدينا من معرفة، نحن ملزمون بالتحقق من المعلومات من أين تأتي وكيف توصلنا الى انها صحيحة.
الفلاسفة والعلماء الذين درسوا مشكلة المعرفة حددوا نظامين نحن نستعملهما باستمرار للحصول على المعرفة وتأكيدها. هاذان النظامان في الفلسفة يُعرفان بالاستدلال الاستقرائي والاستدلال الاستنتاجي. كلاهما أثار نقاشا ساخنا في الفلسفة الغربية عبر القرون . الاستدال الاستقرائي inductive reasoning يُعتبر لا غنى عنه نظرا لإنتاجيته، كونه يسمح للمرء بعمل تنبؤات لامحدودة. ومن جهة أخرى، الاستدلال الاستنتاجي deductive reasoning له قيمة أعلى بسبب موثوقيته. العملية التي يتم من خلالها خلق تنبؤات جديدة تصبح خاضعة للمساءلة بشكل كبير. لذلك، تساءل العديد من الناس ما اذا كان احد الاستدلالين متفوقا على الآخر. سوف نوضح لماذا نقاط القوة والضعف فيهما تجعل من المفيد اعتبارهما مكملان لبعضهما.
نظرة على الاستدلال الاستقرائي
الاستدلال الاستقرائي هو اكثر إبداعية وانتاجا لإشتقاق المعرفة. هذه الطريقة تُستعمل في الحقول العلمية. الاستدلال الاستقرائي هو نظام يتم العمل به عندما نطور بيانا او ادّعاءً نقوم بتعميمه من عدد هائل من الملاحظات الفردية والمستقلة حول الظاهرة. لو تخيلنا، مثلا، رؤية دخان. عند مرورك قرب الدخان، انت تشاهد نارا تبدو انها مصدر الدخان. في اليوم التالي، انت ترى دخانا مرة أخرى وتكرر العملية بمشاهدة المصدر هو النار. ثم تستمر تكرر العملية كل يوم لمدة شهر، تستنتج ان في كل مرة يرى فيها المرء دخانا، يجب ان يكون نتج بسبب نار. عبر الاستدلال بهذه الطريقة، المرء لم يلاحظ كل حالات الدخان في العالم التي نتجت عن نار، لذلك، فان الدعوة بان النار مصدر الدخان لا تدعمها ملاحظات حقيقية ودليل ميداني وانما بسبب وجود ارتباط بين الدخان والنار لأننا ، طبقا لمشاهداتنا كل مرة يُرى فيها الدخان، يكون مصدره النار.
لذلك، الاستدلال الاستقرائي يمكن وصفه يشتق ادّعاءً عالميا عاما حول العالم من سلسلة مشاهدات خاصة ومستقلة حول الظاهرة. من المهم جدا ملاحظة ان لا شيء في المشاهدات الفردية يقترح ارتباطا بين الاحداث المشاهدة (في مثالنا الدخان والنار) عدى هاذين الحدثين اللذين لوحظا دائما في تزامن. لذلك، فان الإحصاءات تقترح احتمالية وجود ارتباط بين الاحداث.
نظرة في الاستنتاج
بعد ان اوضحنا وظيفة الاستدلال الاستقرائي، نستطيع الان النظر في الاستدلال الاستنتاجي كعملية معاكسة. هو يتعلق أيضا باشتقاق المعرفة، لكن العملية التي تتم في هذا الاشتقاق تتبع خطا معاكسا من التفكير. يتألف الاستدلال الاستنتاجي الذي يعود اصله للمنطق الارسطي، من استعمال مقدمات صحيحة – او مقدمات يمكن اختبار صحتها – لإشتقاق منطقي لإستنتاج صحيح. توضيح عملي للعملية كالتالي: حيث 1 و 2 يتألفان من المقدمتين و 3 تتألف من الاستنتاج:
1- كل البشر فانون
2- سقراط كائن بشري
اذن
3- سقراط فان.
حالما يتأسس ان المقدمتين 1 و 2 صحيحتان، فان القيمة الحقيقية لـ 3 تتبع منطقيا. لا يمكن انكارها بدون تحمل العواقب الطبيعية لإنكار صحة المقدمتين 1 و 2. البراهين الاستنتاجية تعطينا استنتاجات تضمن اليقين نظرا لصحة المقدمات. لذلك، يعمل الاستنتاج في الاتجاه المضاد للاستقراء. انه يستلزم اعتماد مقدمات عامة وصحيحة تحدد شيئا حول العالم ويتبع منطقيا منها بيانا حول ظاهرة معينة ومتفردة. لذلك، نستطيع تلخيص المسألة بالقول ان الاستدلال الاستقرائي يعمل من الخاص (مشاهدات مستقلة) الى العام (ادّعاء عالمي). بالمقابل، الاستدلال الاستنتاجي يبدأ من ادّعاءات عامة /عالمية الى اشتقاق منطقي لمعلومات معينة، تعمل في الاتجاه المضاد.
مشكلة الاستقراء
ان اشتقاق المعرفة من خلال الاستدلال الاستقرائي والاستنتاجي جرى نقاشه في الفلسفة بشكل مكثف. كلا النظامين له محدداته لكنهما أيضا أداتان لا غنى عنها للبحث عن المعرفة. مشاكل الاستدلال الاستقرائي معروفة جيدا وتُناقش على نطاق واسع بين الفلاسفة. اول صياغة لمشكلة الاستقراء تُنسب للفيلسوف الاسكتلندي ديفد هيوم مع ان العديد من الفلاسفة بعده حاولوا ايجاد حل لها واكدوا صلاحيته. هيوم كان اول من جادل بان المعرفة المكتسبة من خلال الاستدلال الاستقرائي هي غير موثوقة. ادّعاء عالمي وعام يُشتق من خلال الاستقراء – مثلما يتولد الدخان من نار – يتأسس على وجود ارتباط بين حدثين. لكن لا وجود لحدثين في الطبيعة، مثل الدخان والنار، يشير الى وجود هذا الارتباط، وان الادّعاء بان الدخان تولّد من نار هو ببساطة تأسس على حقيقة ان مشاهدات المرء دائما أفادت بصحة ذلك.
لذلك، لمعرفة مدى جاذبية الاستدلال الاستقرائي يجب على المرء مواجهة استحالة اثبات وجود الارتباطات التي يقوم عليها الاستقراء. حقيقة ان هذه الارتباطات لا يمكن تأكيدها يجعل كل المعرفة المتحصلة من خلال الاستقراء هي بالنهاية غير موثوقة.
مشكلة الاستنتاج
كذلك، الاستنتاج أيضا يثير إشكالية ابستمية. كانط في نقد العقل المحض، جادل ان الاقتناع بالاستدلال الاستنتاجي لإشتقاق معرفة ابستمية لن يكون مثمرا. هو يناقش عملية الاستنتاج وفي نفس الوقت يميز بين الاحكام التحليلية والاحكام التركيبية، حيث ان الحكم التحليلي يمكن فهمه كحكم يُكتسب من خلال الاستنتاج. حول هذه المسألة، هو يقول ان الاحكام المتحصلة من خلال الاستنتاج (تحليلية) يمكن تعريفها كـ "أحكام توضيحية" طالما هي لا تضيف أي شيء لمفهوم الموضوع، وانما فقط تقوم بتفكيكها الى عناصر المفهوم باستعمال التحليل، والتي كانت موجودة فيه سلفا .
لذلك، فان الاستنتاج يسمح للمرء باشتقاق معرفة من مقدمات صادقة عبر عملية لا تنتج معرفة جديدة وانما تشتق استنتاجات جديدة من المعرفة المتحصلة سلفا.
لهذا، فان الاعتماد حصريا على الاستدلال الاستنتاجي، يساعد في توضيح اكثر للمعرفة التي يحوزها الفرد سلفا، لكن، لا معرفة جديدة يمكن توليدها. فمثلا، عند النظر في الاستنتاج التالي:
1- كل البشر فانون
2- سقراط كائن بشري
لذلك
3- سقراط فان
حقيقة ان سقراط فان ليست اضافة جديدة متحصلة من المعلومات وانما هي حالة معينة لمقدمات يتم توضيحها وتفصيلها.
يتبع ذلك ان الاستدلال الاستنتاجي مع انه قادر على ضمان يقين ابستمي حول المعرفة التي يشتقها، يبقى غير كاف كنظرية لإشتقاق المعرفة. انه ليس منتجا وانما فقط يوضح المعرفة الموجودة سلفا. ولذلك، بينما الاستنتاج يمكنه لعب دور في ضمان الصلاحية الابستمية لمعرفة معينة ويوضحها أكثر، لكن لا يمكنه العمل كوسيلة وحيدة للحصول على المعرفة بسبب افتقاره للانتاجية.
طريقة مكملة للمعرفة
بعد عرض التحديات التي يواجها كل من الاستقراء والاستنتاج، اصبح واضحا ان قوة احدهما مكملة لعيوب الآخر. فمن جهة، الاستقراء يواجه معارضة في كونه غير موثوق به ابستيمولوجيا. لكن انتاجيته لا غبار عليها. الاستدلال الاستقرائي يسمح باشتقاق معرفة جديدة عبر إيجاد ارتباطات بين حالات فردية لمشاهدات تجريبية بطريقة يُحتمل ان تكون لا متناهية. بفضل استعمال الاستدلال الاستقرائي، معظم الاكتشافات العلمية التي تمت طوال التاريخ كانت ممكنة. لذلك، ليس غريبا ان الطريقة العلمية ذاتها تتأسس على استدلال استقرائي.
من جهة أخرى، الاستدلال الاستنتاجي يواجه فقراً شديدا في الإنتاجية كونه يعمل لصالح غرض توضيحي مهم لكنه غير كاف تماما للمعرفة الموجودة سلفا. مع ذلك، يجب اعتبار ان كل المعرفة المشتقة من خلال الاستنتاج يمكن ان تتمتع بمستوى ابستمي موثوق لا يمكن نسبته ابدا الى أي قطعة من المعلومات المتحصلة من خلال الاستدلال الاستقرائي. الاستنتاجات هي مواقف لإدّعاء عام حول العالم تم التأكد منه سلفا، لذلك، ورغم ان كل ما يُشتق عبر هذا النظام ربما لا يكون جديدا، لكن خلافا للمعلومات المتحصلة من خلال الاستقراء – هذه المعلومات مؤكدة وموثوق بها. يتبع ذلك، بينما الإنتاجية مستحيلة دون الاستفادة من الاستدلال الاستقرائي، فان موثوقية ابستمية مضمونة ستكون مفقودة في حالة رفض الاستدلال الاستنتاجي. وبهذا، فان محاولة اشتقاق كل المعرفة من خلال احد النظامين او محاولة ادّعاء أفضلية احدهما على الاخر يُعتبر ضارا بالبحث. لا احد منهما يمكن الاستفادة منه كمصدر فريد لإشتقاق المعرفة، بل، فقط عبر جهد تعاوني من الاثنين يمكن تلبية متطلبات الدقة والإنتاجية التي يسعى لها الباحثون عن المعرفة.
***
حاتم حميد محسن
...........................
المصدر:
1- The collector, January 21,2026






