أقلام فكرية
حمزة مولخنيف: مدرسة ابن رشد في الغرب الإسلامي
أثرها وحدودها في الفكر الفلسفي والفقهي
يشكّل تاريخ الفكر في الغرب الإسلامي إحدى أكثر الحقول المعرفية تعقيدا وغنىً في التراث الفلسفي والفقهي الإسلامي، إذ تتقاطع فيه مسارات متعددة من التكوين الثقافي، مسار الفقه المالكي بوصفه النظام التشريعي الغالب، ومسار التصوف بما يحمله من أفق روحي وتأويلي، ومسار الفلسفة العقلية التي بلغت في الأندلس والمغرب ذروة من النضج النظري مع أعمال القاضي الفيلسوف ابن رشد. غير أن النظر المتأني في هذه اللحظة الفكرية يكشف أن حضور ابن رشد لم يكن مجرد حضور شخصي لفيلسوف كبير، بل كان بداية لتشكّل تيار فكري يمكن وصفه ـ على نحو من التحفظ المنهجي ـ بمدرسة رشدية في الغرب الإسلامي، مدرسة حاولت أن تعيد ترتيب العلاقة بين العقل والنص، وبين الحكمة والشريعة وبين النظر الفلسفي والاجتهاد الفقهي. ومع ذلك فإن هذا التيار لم يتطور في بيئة فكرية محايدة، بل نشأ في سياق حضاري معقد تحكمه اعتبارات دينية وسياسية ومذهبية، الأمر الذي جعل أثره يتخذ أشكالا متباينة بين الامتداد والانكماش، وبين التأثير العميق والاحتواء الفقهي.
لقد كان الغرب الإسلامي في القرون الوسطى، فضاءً فكريا تتجاور فيه تقاليد معرفية متعددة، وكان الفقه المالكي منذ القرن الثالث الهجري الإطار المرجعي الذي تنتظم داخله معظم أنماط التفكير الشرعي. وفي مثل هذا الاتجاه لم يكن للفلسفة أن تتخذ موقعها بسهولة، خصوصا بعد الجدل الذي أثارته كتابات أبي حامد الغزالي في نقد الفلاسفة، حين أعلن في كتابه الشهير تهافت الفلاسفة أن «مذهبهم في الإلهيات مشتمل على الكفر والبدعة». ومع ذلك فإن هذا النقد لم ينهِ حضور الفلسفة في المجال الإسلامي، بل دفعها إلى إعادة صياغة أدواتها ومفاهيمها، وهو ما سيجد تعبيره الأكثر نضجا في مشروع ابن رشد الذي نهض بمهمة الدفاع عن الفلسفة بوصفها شكلاً من أشكال النظر العقلي المشروع داخل الأفق الشرعي نفسه.
لقد أوجد ابن رشد في عمق مشروعه مصالحة معرفية بين الحكمة والشريعة، أو بتعبيره الشهير في كتاب فصل المقال: «إن الحكمة هي صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة لها». وهي عبارة تكشف عن تصور إبستمولوجي عميق يرى أن الحقيقة واحدة وإن اختلفت طرق الوصول إليها. فالنص الديني يخاطب جمهور المؤمنين بلغة البيان والتمثيل، بينما يخاطب البرهان الفلسفي الخاصة من أهل النظر. إن التعارض الظاهري بين النص والعقل ليس إلا تعارضا في الفهم لا في الحقيقة ذاتها. هذه الفكرة ستصبح أحد الأسس النظرية لما يمكن تسميته بالمدرسة الرشدية في الغرب الإسلامي، لأنها تفتح المجال أمام تأويل النصوص الدينية في ضوء البرهان العقلي دون أن يعني ذلك إبطالها أو تجاوزها.
غير أن مشروع ابن رشد لم يكن مجرد دفاع نظري عن الفلسفة، بل كان أيضا محاولة لإعادة بناء منهج التفكير الفقهي نفسه على أساس عقلاني أكثر صرامة. فالقاضي القرطبي لم يكن فيلسوفا منعزلا عن الحياة العلمية للمجتمع، بل كان فقيها مالكيا وقاضي قضاة، وهو ما أتاح له أن يختبر إمكانات العقل البرهاني داخل المجال التشريعي. وقد انعكس ذلك في كتابه الفقهي الكبير بداية المجتهد ونهاية المقتصد، حيث سعى إلى تحليل اختلاف الفقهاء لا بوصفه مجرد تعدد في الآراء، بل بوصفه نتيجة لاختلاف في الأصول الاستدلالية والمقدمات المنهجية. يقول في مقدمة الكتاب: «إن أكثر اختلاف العلماء إنما هو لاختلافهم في الطرق التي منها تُستنبط الأحكام». هذه العبارة تكشف عن وعي منهجي عميق بطبيعة الخلاف الفقهي، وهو وعي يكاد يوازي في دقته التحليل الفلسفي للمقدمات البرهانية.
لقد كان هذا المنهج التحليلي في دراسة الخلاف الفقهي خطوة متقدمة في تاريخ الفكر الأصولي، لأنه ينقل النقاش من مستوى عرض الأقوال إلى مستوى تحليل بنيتها المنطقية. إن أثر المدرسة الرشدية في الغرب الإسلامي لم يقتصر على المجال الفلسفي، بل امتد إلى مجال الفقه وأصوله، حيث أصبح التفكير في علل الأحكام ومقاصد الشريعة جزءا من النقاش العلمي. وليس من قبيل المصادفة أن يلاحظ بعض الباحثين المعاصرين أن روح التحليل المقاصدي عند فقهاء لاحقين قد وجدت في أعمال ابن رشد أحد منابعها المبكرة، حتى وإن لم يُصغِ الفيلسوف نفسه نظرية مكتملة في المقاصد.
إن النظر إلى المدرسة الرشدية في الغرب الإسلامي يقتضي إدراك أن هذه المدرسة لم تكن مؤسسة تعليمية بالمعنى الحرفي، بل كانت بالأحرى تيارا فكريا تشكّل حول جملة من المبادئ المنهجية. ومن أبرز هذه المبادئ الإيمان بقدرة العقل على إدراك النظام الكوني، والاعتقاد بأن البرهان المنطقي هو الطريق الأوثق إلى الحقيقة، والقول بإمكان التوفيق بين الحكمة والشريعة. وهذه المبادئ تعود في جزء كبير منها إلى التأثر العميق بالفلسفة اليونانية، وخصوصا فلسفة أرسطو، الذي كان ابن رشد يرى فيه «المعلم الأول» الذي بلغ الغاية القصوى في صناعة البرهان. وقد كتب في أحد تعليقاته الشهيرة: «إن هذا الرجل قد بلغ من الكمال في هذه الصناعة ما لم يبلغه أحد قبله ولا بعده».
غير أن استقبال الفكر الأرسطي في الغرب الإسلامي لم يكن عملية نقل بسيطة، بل كان إعادة بناء داخل سياق ثقافي جديد. فقد كان على الفيلسوف الأندلسي أن يبرهن على أن النظر العقلي لا يناقض الشريعة الإسلامية، وأن الفلسفة ليست علما دخيلا يهدد العقيدة، بل هي وسيلة لفهم نظام الخلق. ومن هنا جاء مشروعه الشهير في الرد على الغزالي بكتاب تهافت التهافت، حيث حاول أن يبيّن أن كثيرا من اعتراضات المتكلمين على الفلاسفة التي تقوم على سوء فهم للبرهان الفلسفي. حيث يقول في هذا السياق: «إن الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له».
وقد أدرك عدد من المفكرين اللاحقين أهمية هذا المشروع في تاريخ الفكر الإنساني. فقد كتب إرنست رينان في دراسته الشهيرة عن ابن رشد أن هذا الفيلسوف «يمثل أسمى تعبير عن العقلانية في الحضارة الإسلامية». وعلى الرغم من أن هذا التوصيف لا يخلو من مبالغة، فإنه يعكس إدراكا واسعا للدور الذي لعبه الفكر الرشدي في الدفاع عن قيمة العقل داخل الثقافة الدينية.
لكن المدرسة الرشدية في الغرب الإسلامي لم تنشأ في فراغ، بل ظهرت في ظل تحولات سياسية وثقافية عميقة عرفتها الأندلس في القرن السادس الهجري. فقد كان العصر الموحدي الذي عاش فيه ابن رشد، عصرا يتسم بمحاولة الجمع بين السلطة السياسية والمشروع الفكري الإصلاحي. وقد أبدى بعض الخلفاء الموحدين اهتماما بالفلسفة والعلوم العقلية، الأمر الذي أتاح للفيلسوف الأندلسي مجالا واسعا للعمل والتأليف. ومع ذلك فإن هذا المناخ لم يكن مستقرا، إذ سرعان ما تبدلت الظروف السياسية وانقلبت موازين القوى الفكرية، فتعرضت الفلسفة لنوع من التضييق انتهى بنفي ابن رشد في أواخر حياته.
إن هذه الحادثة تكشف عن أحد الحدود التاريخية التي واجهتها المدرسة الرشدية في الغرب الإسلامي. فالفلسفة على الرغم من عمقها النظري لم تستطع أن تتحول إلى تيار اجتماعي واسع داخل الثقافة الإسلامية الغربية، بل بقيت محصورة في دائرة محدودة من العلماء. وقد لاحظ عبد الله العروي أن الفكر الفلسفي في المغرب والأندلس ظل غالبا «فكر نخبة»، لم يتحول إلى تقليد معرفي مستقر كما حدث في أوروبا اللاتينية.
إن أثر الرشدية لم يتوقف عند حدود الأندلس والمغرب، بل وجد طريقه إلى أوروبا عبر الترجمات اللاتينية التي انتشرت في الجامعات الوسيطة. وهناك تحولت شروح ابن رشد على أرسطو إلى مرجع أساسي للفلاسفة المدرسيين، حتى قال بعضهم إن أرسطو أصبح يُفهم في الغرب «من خلال ابن رشد». وقد بلغ تأثير هذا التيار حدّ ظهور ما عرف في التاريخ الفكري الأوروبي بـ«الرشدية اللاتينية»، وهي حركة فكرية تبنت كثيرا من أفكار فيلسوفنا الأندلسي حول العلاقة بين العقل والدين.
غير أن المفارقة التاريخية تكمن في أن الرشدية التي ازدهرت في أوروبا لم تجد الامتداد نفسه في موطنها الأصلي. فالثقافة الفقهية في الغرب الإسلامي كانت أكثر ميلاً إلى الاحتياط تجاه الفلسفة، خصوصا بعد أن ترسخت سلطة التقليد المذهبي. وقد عبّر بعض الفقهاء عن هذا الموقف بوضوح حين اعتبروا الاشتغال بالفلسفة بابا من أبواب الشبهات. إن هذا الموقف لم يكن مطلقا إذ ظل هناك علماء حاولوا الاستفادة من أدوات التحليل العقلي دون تبني المشروع الفلسفي بكامله.
إن دراسة المدرسة الرشدية في الغرب الإسلامي تكشف في مجملها عن جدلية معقدة بين العقل والنقل، بين الفلسفة والفقه، بين الانفتاح المعرفي والحذر العقدي. وهي جدلية لا يمكن فهمها إلا بوضعها في سياقها التاريخي والثقافي. فالفكر الإسلامي / العقل العربي كما قال محمد عابد الجابري ليس مجرد تراكم للنصوص، بل هو «نظام معرفي يتشكل داخل شروط تاريخية محددة». إن المدرسة الرشدية كانت محاولة لإعادة تشكيل هذا النظام على أساس عقلاني لكنها واجهت حدودا فرضتها البنية الثقافية السائدة.
إن الأثر العميق لهذا المشروع لا يمكن إنكاره لأنه أعاد طرح السؤال الفلسفي في قلب الثقافة الإسلامية: ما حدود العقل؟ وكيف يمكن التوفيق بين البرهان والوحي؟ وما موقع الفلسفة داخل المجتمع الديني؟ هذه الأسئلة التي أثارها ابن رشد ما تزال إلى اليوم جزءا من النقاش الفكري المعاصر، وهو ما يدل على أن المدرسة الرشدية لم تكن مجرد لحظة عابرة في تاريخ الفكر، بل كانت بداية أفق معرفي لم يستنفد إمكاناته بعد.
إذا كان حضور الفكر الرشدي في الغرب الإسلامي قد ارتبط أساسا بمحاولة إعادة الاعتبار للعقل البرهاني داخل الثقافة الدينية، فإن فهم حدود هذا الحضور يقتضي النظر في طبيعة البيئة الفكرية التي نشأ فيها هذا المشروع. ذلك أن الثقافة العلمية في المغرب والأندلس منذ القرون الأولى للإسلام، كانت محكومة بتوازن دقيق بين علوم النقل وعلوم العقل، غير أن الغلبة العملية كانت تميل غالبا إلى العلوم الشرعية، وفي مقدمتها الفقه المالكي الذي أصبح منذ القرن الثالث الهجري الإطار المعرفي الذي تنتظم داخله أنماط التفكير الديني والاجتماعي. وفي مثل هذا السياق لم يكن من السهل أن تتحول الفلسفة إلى تقليد معرفي مستقر، لأنه كان ينظر إليها غالبا بوصفها علما وافدا، يرتبط بأصول يونانية قد لا تنسجم دائما مع الحس العقدي العام للمجتمع.
غير أن ابن رشد لم يتعامل مع هذه الإشكالية من زاوية دفاعية محضة، بل حاول أن يعيد تعريف العلاقة بين الفلسفة والشريعة على نحو يجعل الفلسفة جزءا من النظام المعرفي الإسلامي نفسه. ففي كتابه فصل المقال يقرر أن النظر العقلي واجب شرعا على من توفرت فيه شروطه، لأن الشريعة نفسها تدعو إلى التأمل في الكون واستخدام العقل في فهم آيات الله. ويقول في عبارة أصبحت من أشهر العبارات في تاريخ الفكر الإسلامي: «إن الشرع دعا إلى اعتبار الموجودات بالعقل، وطلب معرفتها به». هذه العبارة تختزل جوهر المشروع الرشدي، إذ تجعل البرهان العقلي امتدادا للأمر الشرعي لا خروجا عليه.
وقد كان لهذا التصور أثر عميق في إعادة صياغة مفهوم التأويل داخل الفكر الإسلامي. فالتأويل عند ابن رشد ليس مجرد أداة لغوية لتفسير النصوص، بل هو عملية معرفية تقوم على التمييز بين مستويات الخطاب الديني. فهناك خطاب موجه إلى الجمهور يعتمد على التمثيل والبلاغة، وهناك خطاب خاص بأهل البرهان يعتمد على القياس العقلي الدقيق.
إن التعارض الظاهري بين النص والعقل ليس تعارضا حقيقيا، بل هو نتيجة لاختلاف طرق الفهم. وقد عبّر عن هذا المعنى بقوله: «إذا أدى البرهان إلى معنى يخالف ظاهر الشرع، وجب تأويل الظاهر بما يوافق البرهان». وهي فكرة تكشف عن جرأة فلسفية واضحة، لأنها تمنح العقل البرهاني سلطة تأويلية داخل المجال الديني.
غير أن هذا التصور لم يكن موضع قبول واسع داخل الثقافة الفقهية في الغرب الإسلامي. فقد كان كثير من العلماء يرون أن فتح باب التأويل العقلي على هذا النحو قد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار العقدي للمجتمع. وهنا ظهرت اتجاهات فكرية تميل إلى الاحتياط في التعامل مع الفلسفة، معتبرة أن الاشتغال بها قد يوقع في الشبهات. وقد عبّر بعض الفقهاء عن هذا الموقف بعبارات حادة، معتبرين أن علوم الفلسفة «علوم لا ثمرة لها في الدين». ومع ذلك فإن هذا الرفض لم يكن مطلقا، إذ ظل هناك عدد من العلماء الذين حاولوا الإفادة من أدوات التحليل العقلي دون الانخراط الكامل في المشروع الفلسفي.
ومن المثير للاهتمام أن أثر المدرسة الرشدية في الغرب الإسلامي ظهر بوضوح أكبر في مجال المنهج الفقهي أكثر مما ظهر في مجال الفلسفة النظرية. فقد كان كتاب بداية المجتهد ونهاية المقتصد مثالا فريدا على محاولة تطبيق المنهج التحليلي في دراسة الخلاف الفقهي. فبدل أن يكتفي بعرض أقوال المذاهب، سعى ابن رشد إلى تحليل الأسباب التي أدت إلى اختلاف الفقهاء، مبينا أن هذا الاختلاف يعود غالبا إلى تباين في فهم النصوص أو في القواعد الأصولية التي يعتمدها كل مذهب. وقد كتب في مقدمة كتابه: «إن المقصود في هذا الكتاب أن نذكر المسائل المتفق عليها والمختلف فيها، ونبيّن أسباب الاختلاف». هذا التوجه التحليلي جعل الكتاب أقرب إلى دراسة إبستمولوجية للفقه منه إلى مجرد مصنف في الفروع.
وقد لاحظ عدد من الدارسين والمهتمين بتراثه أن هذا المنهج يفتح أفقا جديدا في مسارات التفكير الفقهي، لأنه يربط الأحكام الشرعية بالبنية العقلية التي أنتجتها. فالفقيه هنا لا يكتفي بنقل الأقوال، بل يحاول فهم منطقها الداخلي. وهذا ما جعل بعض المفكرين المعاصرين يرون في ابن رشد أحد الرواد المبكرين لما يمكن تسميته بالعقلانية الفقهية. وقد أشار محمد عابد الجابري إلى أن الفكر الرشدي يمثل «اللحظة التي بلغ فيها العقل البرهاني في الثقافة العربية الإسلامية أعلى درجات نضجه».
غير أن هذه اللحظة لم تستمر طويلا في الغرب الإسلامي، لأن التحولات السياسية والاجتماعية التي عرفتها المنطقة في القرون اللاحقة أدت إلى تغير في أولويات الثقافة العلمية. فقد أصبحت الحاجة إلى الحفاظ على وحدة المجتمع الديني أكثر إلحاحا من الانفتاح على النقاشات الفلسفية المعقدة. ومن هنا أخذت العلوم الشرعية تتجه نحو مزيد من التخصص والتقنين، بينما تراجعت الفلسفة إلى هامش الحياة العلمية.
إن الأفكار الرشدية لم تختفِ تماما من المجال الفكري الإسلامي، بل استمرت في الظهور بطرق غير مباشرة. فقد أثرت في بعض الاتجاهات الأصولية التي اهتمت بتحليل علل الأحكام ومقاصد الشريعة، كما تركت أثرا في بعض المناقشات الكلامية حول طبيعة العقل ودوره في فهم النصوص. إن الرشدية تحولت في هذا المنحى من مدرسة فلسفية واضحة المعالم إلى روح منهجية تسكن بعض أنماط التفكير العلمي.
أما في أوروبا فقد كان مسار الرشدية مختلفا تماما. فحين وصلت شروح ابن رشد على كتب أرسطو إلى الجامعات الأوروبية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر، وجدت هناك بيئة فكرية مستعدة لاستقبالها. وقد أصبح اسم ابن رشد في تلك الجامعات مرادفا لشرح أرسطو، حتى إن بعض الأساتذة كانوا يشيرون إليه ببساطة باسم «المفسر». وقد كتب توما الأكويني أن ابن رشد هو «أعظم شارحي أرسطو». وعلى الرغم من أن الأكويني خالفه في عدد من القضايا الميتافيزيقية، فإن هذا التقدير يكشف عن المكانة التي احتلها الفكر الرشدي في الفلسفة المدرسية.
وقد أدى انتشار الشروح الرشدية إلى ظهور تيار فكري عرف في التاريخ الأوروبي باسم «الرشدية اللاتينية». وكان هذا التيار يميل إلى تبني بعض الأفكار الجريئة في فلسفة ابن رشد، مثل القول باستقلال العقل الفلسفي عن السلطة اللاهوتية. وقد أثار هذا الاتجاه جدلا واسعا داخل الجامعات الأوروبية، حتى إن بعض الكنائس اعتبرته تهديدا للعقيدة المسيحية. ومع ذلك فإن هذا الجدل نفسه كان علامة على الحيوية الفكرية التي أثارتها الرشدية في الغرب.
إن هذه المفارقة التاريخية – ازدهار الرشدية في أوروبا مقابل انحسارها في الغرب الإسلامي – دفعت عددا من المؤرخين إلى طرح أسئلة عميقة حول طبيعة التطور الفكري في الحضارات المختلفة. وقد حاول إرنست رينان تفسير هذه الظاهرة بالقول إن العقلانية الرشدية لم تجد في العالم الإسلامي الظروف الاجتماعية التي تسمح لها بالازدهار. غير أن هذا التفسير على الرغم من انتشاره يبقى تبسيطا مفرطا للتاريخ، لأن الفكر الإسلامي لم يكن خاليا من النزعات العقلانية، بل كان يعرف أشكالا متعددة من التفاعل بين العقل والنقل.
إن النظر الدقيق في حدود المدرسة الرشدية ينبغي أن يتجنب الأحكام التعميمية، وأن يركز بدل ذلك على فهم البنية الثقافية التي حددت مسار هذا التيار. فالفكر في الغرب الإسلامي كان يتشكل داخل شبكة معقدة من المؤسسات العلمية والدينية، وكان للفقهاء دور أساسي في توجيه الحياة الفكرية. وقد أدى هذا الدور إلى نوع من التوازن بين الانفتاح المعرفي والحفاظ على الاستقرار الديني. وفي مثل هذا التوازن كان من الطبيعي أن تبقى الفلسفة نشاطا نخبويا محدود الانتشار.
إن القيمة التاريخية للفكر الرشدي لا تكمن في حجم تأثيره الاجتماعي بقدر ما تكمن في نوعية الأسئلة التي طرحها. فقد كان ابن رشد أحد أوائل المفكرين في الحضارة الإسلامية الذين حاولوا بناء نظرية متكاملة في العلاقة بين العقل والوحي. وقد أدرك أن هذه العلاقة ليست مجرد مسألة لاهوتية، بل هي مسألة معرفية تتعلق بطبيعة الحقيقة نفسها. ولهذا كتب في إحدى عباراته العميقة: «إن الموجودات إنما تدل على الصانع من جهة ما فيها من الصنعة». وهذه العبارة تكشف عن رؤية فلسفية ترى في الكون نظاما عقلانيا يمكن للعقل البشري أن يفهمه.
وقد وجد هذا التصور صدى لدى عدد من المفكرين المعاصرين الذين رأوا في الرشدية إمكانا لإحياء العقل النقدي في الثقافة الإسلامية. ففي كتاباته حول العقل والحداثة يشير عبد الله العروي إلى فكرة قريبة جدا من هذا المعنى، حيث اعتبر أن ابن رشد يمثل «أفقا لم يكتمل في تاريخ الفكر العربي». وهذه العبارة تعكس فكرة أن المشروع الرشدي لم يستنفد إمكاناته بعد، وأن إعادة قراءته قد تفتح آفاقا جديدة للتفكير الفلسفي المعاصر.
إن المدرسة الرشدية في الغرب الإسلامي إذا نظرنا إليها من منظور تاريخ الفكر، تمثل لحظة فريدة التقت فيها الفلسفة بالفقه في محاولة لبناء عقلانية إسلامية متماسكة. فقد كان ابن رشد فيلسوفا وقاضيا في آن واحد، وهو ما جعله قادرا على رؤية العلاقة بين النظر العقلي والتشريع الديني من داخل التجربة العلمية نفسها. ومن هنا جاءت كتاباته مزيجا فريدا من التحليل الفلسفي والدقة الفقهية.
غير أن هذه المحاولة واجهت حدودا تاريخية وثقافية حالت دون تحولها إلى تيار واسع داخل المجتمع. فقد بقيت الفلسفة في الغرب الإسلامي وفق نشاط اتسم او اتخذ طابع المحدودية، بينما استمرت العلوم الشرعية في احتلال الموقع المركزي في الحياة العلمية. ومع ذلك فإن الأفكار التي طرحها ابن رشد ظلت حاضرة في الذاكرة الفكرية للحضارة الإسلامية حتى وإن تغيرت أشكال حضورها عبر العصور.
إن تجربة ابن رشد تكشف عن واحدة من أهم الإشكالات في تاريخ الفكر الإسلامي، إشكالية العلاقة بين العقل والنص. فقد حاول فيلسوفنا الأندلسي أن يبرهن على أن هذه العلاقة ليست علاقة صراع بل علاقة تكامل، وأن الحقيقة لا يمكن أن تكون مزدوجة، لأن مصدرها واحد. وقد لخص هذا الموقف بقوله الشهير: «إن الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له».
لقد كانت هذه الفكرة في جوهرها، دعوة إلى بناء ثقافة عقلانية لا ترى في الفلسفة تهديدا للدين، بل وسيلة لفهمه على نحو أعمق. ورغم أن الظروف التاريخية لم تسمح بتحقق هذا المشروع على نطاق واسع في الغرب الإسلامي، فإن قيمته الفكرية ظلت قائمة، لأنه فتح أفقا جديدا للتفكير في العلاقة بين الحكمة والشريعة.
إن دراسة المدرسة الرشدية ليست مجرد بحث في تاريخ الفلسفة، بل هي أيضا محاولة لفهم الإمكانات الكامنة في التراث الفكري الإسلامي. فالرشدية بما تحمله من إيمان بقدرة العقل على فهم العالم، تذكّرنا بأن الحضارة الإسلامية كانت في لحظات معينة من تاريخها قادرة على إنتاج أشكال متقدمة من التفكير النقدي. وربما كان استحضار هذه اللحظات اليوم خطوة ضرورية لإعادة فتح الحوار بين العقل والإيمان، بين الفلسفة والفقه وبين الماضي والحاضر في أفق ثقافي أكثر اتساعا وعمقا.
***
د. حمزة مولخنيف






