عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

منير محقق: التراث ونقد العقل العربي عند محمد عابد الجابري

قراءة في مشروع إعادة بناء الفكر العربي المعاصر

تمهيد: التراث كسؤال نهضوي في الفكر العربي الحديث

لم يعد سؤال التراث في الفكر العربي المعاصر مجرد انشغال بالماضي أو استعادةٍ لوقائع تاريخية منتهية، بل تحول إلى إشكال معرفي وحضاري يرتبط مباشرة بإمكانات النهضة العربية وحدودها. ففي سياق التحولات الفكرية التي عرفها العالم العربي منذ القرن العشرين، برز مشروع المفكر المغربي محمد عابد الجابري باعتباره أحد أكثر المشاريع الفكرية طموحًا في إعادة التفكير في العلاقة بين التراث والحداثة، ليس عبر القطيعة مع الماضي، ولا عبر تقديسه، بل من خلال إخضاعه لقراءة نقدية عقلانية.

لقد سعى الجابري إلى تحويل التراث من عبء تاريخي إلى أداة معرفية، ومن مادة للتكرار إلى مجال للتحليل، واضعًا بذلك أسس مشروع فكري يهدف إلى إعادة بناء العقل العربي على قاعدة نقدية حديثة.

أولاً: التراث بوصفه بنية فكرية لا مخزونًا تاريخيًا

ينطلق الجابري من تصور مغاير للتراث، إذ لا يراه مجرد مجموعة نصوص موروثة، بل منظومة فكرية ما تزال فاعلة في تشكيل الوعي العربي المعاصر. فالتراث، في نظره، ليس ماضيًا منقطعًا، وإنما حاضرٌ مستمر داخل أنماط التفكير والسلوك الثقافي والسياسي.

ومن هنا انتقد الجابري المقاربات العربية التي تعاملت مع التراث تعاملاً انتقائيًا، فبعضها سعى إلى تمجيده دون نقد، بينما اتجه بعضها الآخر إلى رفضه بدعوى الحداثة. وفي الحالتين، يرى الجابري أن الفكر العربي ظل أسير موقف غير علمي، لأنه لم ينجح في تحويل التراث إلى موضوع للمعرفة النقدية.

إن القراءة التي يقترحها تقوم على إعادة بناء العلاقة مع التراث عبر فهم شروط إنتاجه التاريخية، والكشف عن بنياته المعرفية الداخلية، بما يسمح بتحرير العقل العربي من سلطة الفهم التقليدي دون الوقوع في تبعية فكرية للغرب.

ثانياً: الحداثة من داخل التراث لا من خارجه

يرفض الجابري فكرة استيراد الحداثة باعتبارها نموذجًا جاهزًا يمكن نقله من سياقه الأوروبي إلى المجال العربي. فالحداثة، حسب تصوره، ليست مجموعة مؤسسات أو تقنيات، بل نمط تفكير يتشكل تاريخيًا داخل المجتمع نفسه.

لذلك دعا إلى بناء حداثة عربية تنطلق من إعادة قراءة التراث قراءة عقلانية، تسمح باستخراج عناصره القابلة للتجديد. فالمشكلة لا تكمن في وجود التراث، بل في طريقة التعامل معه؛ إذ إن الجمود الفكري نتج عن تحويل التراث إلى مرجعية مغلقة بدل اعتباره تجربة تاريخية قابلة للنقد والمراجعة.

وبهذا المعنى، تصبح قراءة التراث خطوة تأسيسية في مشروع النهضة، لأنها تتيح فهم جذور الإشكالات الفكرية التي ما تزال تؤثر في الواقع العربي المعاصر.

ثالثاً: من نقد التراث إلى نقد العقل العربي

يمثل انتقال الجابري إلى مشروع نقد العقل العربي مرحلة متقدمة في مساره الفكري، حيث لم يعد الاهتمام منصبًا على النصوص التراثية في ذاتها، بل على البنية الذهنية التي أنتجتها واستمرت في إعادة إنتاجها.

وقد ميز الجابري بين العقل العربي والعقل الإسلامي، مركزًا على الأول باعتباره نتاجًا ثقافيًا تشكل داخل اللغة العربية ومجالاتها المعرفية. فالعقل العربي، في تصوره، ليس كيانًا بيولوجيًا أو عرقيًا، بل منظومة معرفية تشكلت تاريخيًا عبر تفاعل اللغة والسياسة والأخلاق والمعرفة.

ومن خلال هذا التحليل، حدد الجابري ثلاثة مجالات أساسية لعمل العقل العربي:

العقل المعرفي المرتبط بأنماط إنتاج المعرفة،

العقل السياسي المتصل ببنية السلطة،

العقل الأخلاقي المرتبط بمنظومات القيم.

وقد سمح هذا التفكيك بالكشف عن العلاقة الوثيقة بين المعرفة والإيديولوجيا داخل التراث، موضحًا كيف ساهمت بعض البنى الفكرية في إعاقة تشكل عقل نقدي حديث.

رابعاً: الجابري وأركون: اختلاف المنهجين واتساع الأفق النقدي

يبرز مشروع الجابري بصورة أوضح عند مقارنته بمشروع محمد أركون، الذي اتجه إلى دراسة ما سماه "العقل الإسلامي" ضمن أفق أنثروبولوجي واسع يدمج مختلف الثقافات الإسلامية.

بينما اختار الجابري مقاربة إبستيمولوجية أكثر تحديدًا، ركزت على تحليل العقل العربي من داخله اللغوي والثقافي. فهدفه لم يكن دراسة الدين بوصفه ظاهرة لاهوتية، بل فهم آليات التفكير التي حكمت إنتاج المعرفة في الحضارة العربية الإسلامية.

هذا الاختلاف يعكس تباينًا منهجيًا عميقًا:

 يسعى أركون إلى تفكيك البنية الدينية عبر أدوات العلوم الإنسانية الحديثة، في حين يعمل الجابري على إعادة تنظيم التراث العقلاني العربي لإعادة تأسيس مشروع نهضوي من الداخل.

خامساً: نحو إعادة تأسيس الوعي العربي

تكمن أهمية مشروع الجابري في كونه محاولة لإعادة بناء الوعي العربي على أساس نقدي يوازن بين الانتماء التاريخي والانفتاح الكوني. فهو لا يدعو إلى القطيعة مع الماضي، ولا إلى الذوبان في الحداثة الغربية، بل إلى ممارسة نقد مزدوج: نقد التراث ونقد آليات تلقي الحداثة معًا.

وبذلك يصبح التراث مجالًا للفهم لا للتقديس، وتصبح الحداثة مشروعًا تاريخيًا يُبنى تدريجيًا داخل المجتمع العربي نفسه. ومن هنا يمكن اعتبار مشروع الجابري أحد أهم المحاولات الفكرية التي سعت إلى تحرير العقل العربي من ثنائية الأصالة والتبعية، عبر تأسيس عقل نقدي قادر على إنتاج المعرفة لا مجرد استهلاكها.

خاتمة

إن قراءة محمد عابد الجابري للتراث لا تمثل مجرد اجتهاد فلسفي معاصر، بل مشروعًا متكاملًا لإعادة صياغة العلاقة بين الماضي والحاضر في الفكر العربي. فقد حاول من خلال نقد العقل العربي الكشف عن الشروط المعرفية التي أعاقت تشكل الحداثة العربية، واضعًا بذلك أسس رؤية فكرية تسعى إلى تحقيق نهضة تقوم على الوعي التاريخي والعقلانية النقدية.

وهكذا يتحول التراث، في أفق مشروعه، من ذاكرة ساكنة إلى قوة فاعلة في بناء المستقبل.

***

د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث مغربي

....................

لائحة المصادر والمراجع

أركون، محمد. (1984). نقد العقل الإسلامي. بيروت: مركز الإنماء القومي.

الجابري، محمد عابد. (1991). تكوين العقل العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.

الجابري، محمد عابد. (1993). بنية العقل العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.

الجابري، محمد عابد. (1999). العقل السياسي العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.

الجابري، محمد عابد. (2003). الدين والدولة وتطبيق الشريعة. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.

بلقزيز، عبد الإله. (2011). من النهضة إلى الحداثة. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.