عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

حاتم حميد محسن: هل هناك بداية للعالم؟.. نقاش حول أصل الكون

شهد القرن الماضي نقاشا كونيا مميزا حول أصل الكون. رؤيتان اساسيتان استحوذتا على عقول وقلوب المحترفين والهواة على حد سواء: وهما نظرية الانفجار العظيم Big Bang Theory ونظرية الحالة المستقرة Steady State Theory. النظرية الأولى، وهي المهيمنة حاليا، ترى ان العالم بدأ في لحظة واحدة بانفجار هائل للمادة والفضاء، اما النظرية الثانية ترى ان العالم ليس له بداية في الزمن، وانه كان ولايزال دائما موجود. من المثير ان هناك نقاشا فلسفيا موازيا لنظريتي الانفجار العظيم والحالة المستقرة حدث في القرون الوسطى بين القديس بونافنتورا Bonaventure والقديس توما الاكويني. كلا القديسين كانا مؤيدين للإنفجار العظيم كونهما اقتنعا بصحة السطر الأول من سفر التكوين "في البداية، الله خلق السماوات والأرض". مع ذلك، كرّس توما الاكويني كل رسالته في أبدية العالم (De Aeternitate Mundi) للتأكيد على ان بداية العالم لا يمكن إثباتها منطقيا، وان الوحي وحده يجبرنا للاعتقاد ان العالم لم يكن دائم الوجود.

بالمقابل يؤكد بونافنتورا ان بداية العالم يمكن اثباتها منطقيا طالما ان النظرة المضادة – العالم كان موجودا دائما – يمكن اثبات انها سخيفة. هذا المقال يجادل ان بونافنتورا كان صحيحا، وان بداية العالم يمكن إثباتها، وان موقف توما الاكويني يفشل بفعل منطقه الخاص . ولكن في البداية، من الضروري توضيح ماذا كان يقصد كلا المفكرين بـ "العالم". بونافنتورا،مثلا، يعرّف العالم كشيء "وُجد بعد ان كان لاشيء"(اقتباسات بيتر لومبارد،الكتاب الأول،مقالة 1، سؤال 2، مقطع 6). وهكذا، هو يستبعد سلفا إمكانية ان يكون العالم وُجد دائما. ما تجدر ملاحظته، هو انه وصف العالم كشيء متطابق مع الكائن المخلوق. وكذلك، يحدد توما الاكويني الخلق كـ "انبثاق لكل الوجود"(الخلاصة اللاهوتية) ويستمر:

"لذا، اذا ما اخذنا بالاعتبار انبثاق الوجود الكوني برمته، فمن المستحيل افتراض وجود أي شيء مسبقا لهذا الانبثاق. اللاشيء هو نفسه العدم. لهذا .. فان الخلق الذي هو انبثاق لكل الوجود، يفترض سلفا اللاوجود الذي هو عدم"(المصدر السابق).

لو قبلنا بفكرة بونافنتورا وتوما الاكويني لخلق العالم كخلق للوجود، يتبع ذلك ان "الوجود" يمكن ان يُنسب لأي او لكل الأشياء. بكلمة أخرى، "شيئية" الأشياء، بما فيها الأشياء التي لا توجد حقا، تجعلها موجودات. فمثلا، وحيد القرن الخرافي لايوجد حقيقة، لكنه كائن لايزال موجودا طالما هو شيء قادر على الوجود. بونافنتورا وتوما الاكويني يشتقان هذه الفكرة للوجود من ارسطو، الذي يقول ان الوجود يشمل كل ما هو موجود"في واقع تام" او "محتمل"(الميتافيزيقا V.7.1017a.35 ) أي، الوجود هو مجمل ما هو كائن وما يمكن ان يكون. اللاوجود، بدوره، يجب ان يشتمل على كل ما ليس او لا يمكن ان يكون، وبهذا، يشير توما الى اللاوجود no being، في المقطع أعلاه، كـ "لا وجود" او "لاشيء".

لكن الفرق بين ما يمكن وما لا يمكن هو بلا معنى الاّ عندما يُنظر اليه في ضوء قوانين التفكير – والتي يشير لها توما في نقاشه للبديهية الذاتية بـ "المبادئ الأولى للإثبات": "الاقتراح هو واضح بذاته لأن المقدمة متضمنة في جوهر الموضوع: مثل الانسان حيوان لأن الحيوان موجود في جوهر الانسان. لذلك، اذا كان جوهر المقدمة والموضوع معروفين للكل، فان الافتراضات ستكون واضحة بذاتها للكل، لأن هذا واضح وفق المبادئ الأولى للإثبات، في عباراتها أفكار شائعة و محددة لا يجهلها احد، مثل الوجود واللاوجود، الكل والجزء، وما شابه".(الخلاصة اللاهوتية 1a.2.1)

الفلاسفة المعاصرون يضعون ضمن المبادئ الأولى قانون الهوية وقانون عدم التناقض والوسط المستبعد، يرى توما الاكويني ان هذه القوانين يجب افتراضها سلفا لكي يتقدم الإثبات العقلاني – وبونافتورا بلا شك يتفق في ذلك . هي "مبادئ أولى" لأنها يتم اللجوء اليها في جميع الافتراضات ذات المعنى. فمثلا، لا يكون لتأكيد "ان سقراط فان" معنى الاّ اذا كان مصحوبا بنفي متزامن لـ "سقراط ليس فانيا". كذلك، فقط بالإشارة الى هذه المبادئ الأولى ان الوجود يمكن وصفه، كما يصفه توما كوظيفة للامكانية. فمثلا، حجر واع غير ممكن، ولهذا،لا يمكن ان يكون. انه تناقض في العبارات: الحجر حسب التعريف شيء غير واع – والذي يعني ان الحجر الواعي سيكون "شيء واع، غير واع". حقيقة ان تعريفه متناقض ذاتيا، المقدمة تُعلن وتُنكر في وقت واحد، يجعل الحجر الواعي غير موجود في مكان غير مكتشف؟ ماذا لو هبط مسبار فضائي يوما ما على كوكب بعيد وكان هناك حجر يصرخ في ألم؟ الجواب هو انه في اللحظة التي تسجل بها "الصخرة" إحساسا، تكون توقفت عن ان تكون غير واعية، حسب التعريف، انها توقفت ان تكون حجرة. وبهذا، فان التناقض، لا يمكن التوفيق فيه ابدا.

طبقا للمبدأ الأول، أي شيء لايمكن ان يكون منطقيا، واي شيء لا يمكن تصوره أصلا، لا يمكن ان يكون واقعيا. هذا الربط للامكانية المنطقية والوجود الحقيقي يرسم افق العالم المفهوم على عيوننا. المقدمات المتناقضة لا يمكن ان تتأكد وتُنفى في وقت واحد، حتى عندما يرفض الذهن العقلاني التناقض، كذلك الاستمرارية العقلانية للوجود ترفضه ايضا. من الواضح، هذا ما يعتقد به توما عندما يقول ان "كل شيء قابل للمعرفة بقدر ما يكون له وجود"وان "الوجود لا يمكن فهمه الاّ لأن الوجود مفهوم"(الخلاصة اللاهوتية 1a.16.3).

كل ما لا يمكن تصوره، وكل ما ينتهك المبدأ الأول، لا يمكن ان يكون.

الله، الأبدية، واللانهائية

عندما يجادل توما الاكويني ان سؤال بداية العالم هو مسألة ايمان، "ليس إثبات او علم"، تبريره هو ان العالم ربما بعمر الله، طالما ان الخلق لم يكن فعل الحركة: "نحن يجب ان نعتبر ان السبب الفعال الذي يعمل بواسطة الحركة يسبق تأثيره في الزمن ... لكن اذا كان الفعل فوريا وغير متتاليا، فليس من الضروري للصانع ان يكون أسبق زمنيا من الشيء المصنوع، كما يبدو في حالة الإضاءة. وعليه لا يتبع بالضرورة انه اذا كان الله السبب الفعال للعالم، هو يجب ان يكون سابقا للعالم في المدة لأن الخلق،الذي بواسطته انتج العالم، ليس تغييرا متعاقبا"(الخلاصة اللاهوتية 1a.46.2).

 يرى توما انه يمكن تصور ان العالم تعايش مع الله منذ الأزل حيث ان وجوده بحد ذاته يستدعي وجود العالم المخلوق – بنفس الطريقة التي ينتج فيها وجود الضوء نورا فوريا. من المفارقة، ان توما لا يريد ان ينسب الخلود الى العالم لأن هذه صفة من صفات الله وحده. وعلى خطى بوثيوس، يؤمن توما بالأبدية كـ "امتلاك كلي وتام متزامن للحياة الأبدية " (الخلاصة اللاهوتية 1a.10.1). هكذا، الأبدية، كما وُصفت يمكن ان تُنسب فقط الى شيء ليس فيه تغيير ولا تعاقب، "لا قبل ولا بعد". لكن في العالم، من الواضح هناك "قبل وبعد"(نفس المصدر السابق). وعليه، فان العالم لا يمكن ان يكون أبديا. مع ذلك يجب ان نتذكر ان جدال توما ليس أبدية ممكنة للعالم والتي هو ينكرها (الخلاصة اللاهوتية (1a.10.3 وانما وجوده الممكن من الأبدية، وهو ما يقبله او بالأحرى يقبله كإمكانية عقلانية، وان كانت يجب رفضها بناءً على اول جملة في سفر التكوين.

اذن هنا يختلف توما الاكويني عن بونافتورا: مع انهما كلاهما ينكران إمكانية وجود العالم من الأبدية على أساس الوحي، بونافتورا ينكر أيضا الإمكانية على أساس العقل. يرى بونافتورا ان الاقتراح بان الكون وجد دائما، هو سخيف منطقيا. لأنه اذا كان العالم يفتقر للبداية، فان مدته يجب ان تكون بحكم الواقع لانهائية (اقتباسات بيتر لومبارد، d.1,p.1.a.1,q.2f.1). وفي مواجهة احتمال استمرار العالم الى ما لانهاية، يصوغ بونافتورا حججه الرئيسية الثلاث:

1- طبقا لبونافتورا: "من المستحيل الإضافة الى اللامتناهي". المدة اللامتناهية للعالم تعني عدد لا نهائي من دورات الشمس والقمر، وكل يوم جديد او شهر سيضيف دورة أخرى (نفس المصدر).

2- طبقا لبونافتورا: "من المستحيل ترتيب العدد اللامتناهي". الماضي اللامتناهي يعني لا وجود لدورة أولى، واذا لا توجد دورة أولى، عندئذ لا وجود لدورة ثانية، واذا لا توجد دورة ثانية فلا وجود لدورة ثالثة وهكذا. لانزال، في الحاضر، نلاحظ سلسلة مرتبة من الأيام والأشهر (المصدر السابق.مقطع 2).

3- طبقا لبونافتورا: "من المستحيل اجتياز ما هو لا نهائي".

نفس الشيء، الماضي اللامتناهي سيعني عدد لا متناهي من الدورات تأتي وتذهب قبل ان نصل الى الدورة الحاضرة. مع ذلك، نحن وصلنا الى الدورة الحالية، اليوم الحاضر والشهر(نفس المصدر مقطع 3).

يعالج توما الاكويني السؤالين الاولين من هذه الأسئلة في كتابه (خلاصة ضد الوثنيين) Summa contra Gentiles. طبقا لبونافتورا ان السلسلة اللامتناهية لا يمكن ترتيبها لأنها تفتقر لفترة أولى – مثلا، دورة أولى – يرد توما الاكويني بان هذه صعوبة فقط اذا نُظر الى ان اللانهائية توجد في وقت واحد، لكنها لا توجد في وقت واحد وانما بشكل تعاقبي. وبهذا الفهم، يزعم توما، "أي لا نهائي هو متناهي". أي، كل دورة قمرية متتالية تتطلب فقط استكمال الدورة السابقة لكي تأتي الى الوجود. الدورة الجديدة لا تعتمد على وجود دورة أولية، وانما فقط على الدورة السابقة. الدورة الأولية ستكون مطلوبة "لترتيب" السلسلة اللانهائية فقط عندما يوجد اجمالي الدورات بشكل متزامن (خلاصة ضد الوثنيين 2.38).

يرد توما الاكويني على حجة بونافتورا في ان اللانهائية لايمكن الإضافة لها بالقول "لاشيء هناك يمنع إضافة الى عدد لا متناهي لأن ذلك لا يغير جوهر او حجم اللانهائية". أي، ان مدة لانهائية العالم تنطوي على ماض لا نهائي، والماضي اللانهائي يتضمن لا نهائية فقط في اتجاه واحد وليس في كلاهما. ومتى ما أضيفت،على سبيل المثال، دورات جديدة للقمر الى عمر العالم، فهي تُضاف الى جانب متناهي، الى جانب ينتهي في اللحظة الحاضرة، حاضر تجربتنا (المصدر السابق).

جواب توما الاكويني للمعارضة الثالثة التي أثارها بونافتورا، في ان اللامتناهي لا يمكن تجاوزه، وُجد في الخلاصة اللاهوتية. هو يزعم ان "ممرا" "يُفهم دائما كوجود من فترة الى أخرى. مهما كان اليوم الماضي الذي نختاره،فان الفترة من ذلك اليوم لليوم الحالي محدودة ، هناك عدد محدود من الأيام يمكن اجتيازها" (الخلاصة اللاهوتية 1a.46.1). مرة أخرى، فان اللامتناهي جُعل متناهيا. جواب توما هنا هو في الجوهر ملخص لردوده على المعارضتين السابقتين، انه يتضمن رفضا قاطعا للنظر في مفهوم المدة اللانهائية برمتها. توما الاكويني رفض فكرة بونافتورا. ما اذا كان هذا الرفض مبرر منطقيا ام فقط استراتيجيا هذا ما سنراه الان.

اللانهائية وقانون عدم التناقض

افرض، لغرض الجدال، ان العالم لم تكن له بداية، وانه وُجد دائما. بالضرورة، سيكون عمر العالم لانهائيا، أي، ان عمره المقاس بوحدة محددة سواء دقيقة او ساعة او سنة او الف سنة، لا يمكن الوصول فيه الى اجمالي . بالنسبة لبونافتورا، هذا يشكل دليلا كافيا للحقيقة: الاقتراح بان عمر العالم مقسم الى وحدات محددة، لا يمكن ابدا ان يشكل الكل، أراه سخيفا. سخافة الاقتراح هي ما ترتكز عليه حجته بان اللانهائية لا يمكن الإضافة اليها، او ترتيبها او تجاوزها – ولذلك، لا يمكن ان تُنسب الى العالم. براعة توما تجاه حجج بونافتورا الثلاث هي ،بالنتيجة، تقليص اللانهائية الى حجمها الحقيقي، الإصرار باننا نعيد تصورها في أقسام متناهية ونتعامل مع الأقسام ذاتها كوحدات منفصلة. لكن بعمل كهذا، هل غيّرنا مفهوم اللانهائية؟

التبرير الذي يعتمد عليه توما هو ان الزمن لا يوجد كله دفعة واحدة وانما بشكل تعاقبي، ولهذا فان اللانهائية لا يمكن ابدا ان تتحقق في وقت واحد، لا يمكن ان يكون كل شيء هنا في ان واحد. لا زلنا، العالم له عمر – مهما كانت المدة وأيضا له عمر طالما ان العمر هو مجرد مجموع ما تُقسم عليه أي وحدات للمدة. هنا يكمن العيب في منطق توما الاكويني: في رفضه للتعامل مع مدة العالم ككل لانهائي، توما ينكر ان للعالم عمر يمكن التعبير عنه بشكل عقلاني.

السبب في انه لا يمكن اعتبار اللانهائية مقياسا كميا هو انها جمع عددي، وهي سلسلة افتراضية من القيم المتزايدة باستمرار. انها ليست مقدار منفرد ـ عدد كبير جدا، X، وانما سلسلة لامتناهية من أعداد كبيرة جدا: X,X+1,X+2,X+3 وهكذا. لكي تزعم في لانهائية الشيء كقياس كمي، هو ان تنسب له قيم X و X +1 بشكل متزامن. لكن X+1 هي أيضا حسب التعريف، ليست X-. لذلك، فان افتراض اللانهائية يصبح افتراض X و ليست X - في وقت واحد – والذي، لو تذكّرنا المبادئ الأولى، ينتهك قانون عدم التناقض. لكن ذلك لا يتم الاّ على أساس الحصانة المطلقة لهذا القانون وحيث يستطيع توما استعمال معيار الإمكانية لتمييز الوجود من اللاوجود: والذي هو ممكن مفاهيميا. توما ذاته يؤكد ان الله، "مع انه يمتلك قوة لا نهائية، لا يستطيع جعل الشيء غير مصنوع لأن هذا سيعني ان اثنين من المتناقضات صحيحان في نفس الوقت"(الخلاصة اللاهوتية 1a.7.2).

مرة أخرى، ذلك الذي صُنع لا يمكن ان يكون لم يُصنع في نفس الوقت. ما هو واع لا يمكن في نفس الوقت ان يكون ليس واع. ما هو X لا يمكن في نفس الوقت ان يكون X-. وكما يلاحظ توما، "التأكيد والإنكار لا يمكن ان يكونا صحيحين في نفس الوقت .. حتى الله لا يستطيع عمل هذا الشيء لأنه لا شيء" (حول ابدية العالم 2). واللاشيء هو نفسه العدم.

لكي نوضح هذه الفكرة بطريقة مألوفة اكثر، انظر انه من المستحيل لشخص واحد ان يكون بعمرين في نفس الوقت. حتى لو تقدم بالسن هو لا يمكنه ابدا ان يكون بعمر 32 سنة و 33 سنة بنفس الوقت وهو ما سيؤكد وينفي نفس المقدمة، وبذلك ينتهك قانون عدم التناقض. طالما ان الجمع العددي للانهائية، X و ليس X-، لا يمكن ان تُنسب الى شيء حقيقي، سيكون، كما رأينا تناقضا. تجدر ملاحظة ان توما ذاته يستبعد إمكانية حجم لا متناهي (الخلاصة اللاهوتية 1a.7.3) او عدد لا متناهي (الخلاصة اللاهوتية 1a.7.4) في وجود حقيقي في لحظة معينة، مع ان لا متناهي محتمل هو ممكن. فمثلا، الخط ممكن ان يقسم الى عدد لا متناهي من المرات، قد يتم تقسيم خط ما الى عدد لا نهائي من المرات، ولكن في أي نقطة لن يصل العدد الفعلي للتقسيمات الى ما لانهاية. ونفس الشيء قد يتم تمديد خط الى مسافة لامتناهية، ولكن في أي نقطة لن يصل الحجم الفعلي للتمدد الى ما لانهاية. ونفس الشيء، زمن المستقبل ربما يُعتقد كـ لانهائي محتمل. نحن قد نعتقد أيضا في زمن المستقبل اما كنوع من حجم محتمل (ممتد خلال وحدات زمنية وليست مكانية) او عدد لا متناهي (يُعد في وحدات متتالية وليست متزامنة).

دورات القمر مثلا، يمكن اضافتها واحدة تلو الأخرى الى ما لانهاية ولكن ليس في أي وقت في المستقبل، بصرف النظر عن مدى بُعدها، لن يصل العدد الفعلي للدورات الى ما لانهاية. لكن كيف نرد على زعم توما في ان زمن الماضي لا يجب النظر اليه كوجود متزامن لهذه الوحدات (خلاصة ضد الوثنيين 2.38)؟ الجواب هو ان تجزئة زمن الماضي يجبرنا للنظر اليه كوجود متزامن – تراكم للوحدات. تلك هي طبيعة الحساب. ان حساب المجموع يفترض دائما وجود وحدات في آن واحد. سواء كانت الوحدات زمنية (ساعات، الاف السنين) او مادية (كرات زجاجية،بطيخ، أقمار)، الفعل الذهني لإضافتها مجتمعة لغرض القياس يفترض سلفا ان الوحدات تتراكم بدلا من ان تستبدل بعضها. لذلك فان زمن الماضي يجب ان يُقاس كوجود متزامن – سواء كان امتداد زمن الماضي رجوعا الى نقطة معروفة جيدا، لنقل، آخر مرة فاز بها فريق نيويورك جيتس ببطولة السوبر بول، او ان الزمن الماضي يشمل كامل مدة العالم. واذا كنا نعارض هذا، لأن في الحالة الأخيرة، هذه المدة لايمكن "شمولها"، عندئذ نحن تُركنا مع لا نهائية حقيقية تنتهك قانون عدم التناقض. هذه المدة لا يمكن ان تكون.

المدة لا يمكن ان تكون لا نهائية اذا كانت تتألف من سلسلة من الوحدات المحددة. نفس المنطق الذي بواسطته يستبعد توما الاكويني الحجم اللانهائي والعدد اللامتناهي يمكن استخدامه لإستبعاد المدة اللانهائية. لذلك فان بداية العالم في الزمن يمكن إثباتها كما يدّعي بونافتورا ، وليس كمسألة ايمان.

***

حاتم عبد الحميد

............................

المصدر:

Did the world have a Brginning? Philosophy Now Jan/Feb 2004