قراءات نقدية
عماد خالد رحمة: «الإنسان» بين الأُنس والنسيان
دراسة لغوية في الأصل والوزن والدلالة عند النحاة وفقهاء اللغة
تُعَدّ لفظة «الإنسان» من الألفاظ العربية الكثيفة دلالياً، إذ تختزن في بنيتها الصوتية والصرفية أبعاداً لغوية وفلسفية تتجاوز حدود المعجم إلى أفق التأويل الوجودي. وقد شكّلت هذه الكلمة ميداناً خصباً لاختلاف مدرستي البصريون والكوفيون، من حيث الأصل الاشتقاقي والوزن الصرفي والبنية الدلالية، فانبثق من هذا الخلاف تصوّران متكاملان لطبيعة الإنسان في اللغة والفكر.
أولاً: في أصل «الإنسان» – بين الأُنس والنسيان
١. مذهب البصريين: الاشتقاق من الأُنس.
ذهب أعلام البصريين، وفي مقدمتهم سيبويه وابن جني، إلى أن أصل «الإنسان» مشتق من:
الأُنس (أَنِسَ – يأنسُ)
أي: الألفة والميل إلى الاجتماع.
فالإنسان عندهم:
كائنٌ مدنيّ بالطبع (كما سيصوغها لاحقًا الفلاسفة).
لا يستغني عن غيره، بل يأنس بالاجتماع.
يقول ابن جني في الخصائص ما يفيد أن الاشتقاق يكشف عن طبيعة المعنى، فالألفاظ عنده ليست اعتباطية، بل تنطوي على مناسبة بين الصوت والدلالة.
٢. مذهب الكوفيين: الاشتقاق من النسيان
في المقابل، رأى أعلام الكوفيين، وعلى رأسهم الفراء، أن أصل الكلمة من:
النسيان (نَسِيَ – ينسى)
فالإنسان:
كثير النسيان.
عرضة للغفلة والخطأ.
وهذا المعنى يجد صداه في النص القرآني:
«وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ» (طه: ١١٥)
فكأنّ النسيان صفة تأسيسية في ماهية الإنسان.
ثانيًا: في الوزن الصرفي لكلمة «إنسان»
١. عند البصريين
يميل البصريون إلى تحليل الكلمة على أحد الأوزان:
إِفْعَال (إنسان ← من أُنس)
أو يرون أن أصلها: إنسيان
ثم حُذفت الياء تخفيفًا، فصارت إنسان.
وهذا التحليل يقوم على قاعدة التخفيف الصوتي التي أشار إليها سيبويه في كتابه.
٢. عند الكوفيين
يربط الكوفيون الوزن بالفعل نسي، ويذهبون إلى أنها على صيغة:
إِفْعِلان أو صيغة مبالغة في الصفة
أي: تدل على امتلاء الكائن بصفة النسيان.
ثالثاً: في فقه اللغة – توسيع الدلالة
تناول فقهاء اللغة هذه المسألة بمنهج أكثر تركيبًا، ومن أبرزهم:
ابن فارس في مقاييس اللغة
الراغب الأصفهاني في المفردات في غريب القرآن
الزمخشري في أساس البلاغة
موقفهم:
حاولوا التوفيق بين الرأيين، فذهبوا إلى أن:
«الإنسان سُمّي إنسانًا لأمرين متلازمين: الأُنس والنسيان»
فهو:
يأنس بغيره - بعد اجتماعي
وينسى - بعد نفسي/وجودي
وهذا الجمع ينسجم مع طبيعة اللغة العربية التي تحتمل تعدّد الاشتقاق.
رابعًا: نماذج تطبيقية دلالية
١. في القرآن الكريم
«خُلِقَ الإنسانُ من عَجَل» (الأنبياء: ٣٧)
- دلالة على الضعف والاندفاع (صلة بالنسيان والغفلة)
«يا أيها الإنسانُ ما غرّك بربك الكريم» (الانفطار: ٦)
- دلالة على النسيان الوجودي
٢. في الاستعمال العربي
أنِسَ بفلان - ألفه واطمأن إليه
نسي العهد - غفل عنه
وكأن الكلمة تجمع بين:
الحاجة إلى الآخر (أُنس)
والعجز عن الثبات (نسيان)
٣. في الشعر العربي
قال بعض الشعراء في معنى الأنس:
وما سُمِّيَ الإنسانُ إلا لأنّهُ
يؤانسُ غيرَهُ فيعيشُ أو يَبلى
وفي معنى النسيان:
نَسيتُ… فصرتُ إنساناً كما
أرادَتْ طبيعةُ النقصِ فينا
خامساً: قراءة تركيبية جامعة
يمكن أن نعيد صياغة الخلاف لا بوصفه تضاداً، بل تكاملًا:
الإنسانُ كائنٌ يأنس لينجو من وحدته،
وينسى ليحتمل وجوده.
فالنسيان:
يخفّف وطأة الذاكرة
والأُنس:
يرمّم كسور الذات
خاتمة:
إنّ الخلاف بين البصريين والكوفيين حول لفظة «الإنسان» ليس مجرّد اختلاف في الاشتقاق، بل هو اختلاف في رؤية الإنسان نفسه:
أهو كائن اجتماعي (أُنس)؟
أم كائن ناقص متقلّب (نسيان)؟
غير أن عبقرية اللغة العربية تكمن في قدرتها على احتواء التناقضات، فجمعت في لفظٍ واحدٍ طبيعتين متقابلتين، لتقول لنا:
إنّ الإنسان ليس تعريفاً واحداً، بل هو توتّرٌ دائمٌ بين ما يربطه بالآخر، وما يفصله عن ذاته.
وهكذا تغدو الكلمة، في بنيتها، مرآةً للوجود الإنساني بكل هشاشته وعمقه.
***
بقلم: عماد خالد رحمة - برلين







