عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

عبد الله المتقي: محكي الوطن والاغتراب.. في رواية "أنا يوسف يا أبي" للأردني باسم الزعبي

على سبيل التقديم: "أنا يوسف يا أبي"، هو الاسم الذي اختاره القاص والمترجم الأردني باسم إبراهيم الزعبي، لمنجزه الروائي الأول، الصادر عن مؤسسة الآن ناشرون وموزعون بعمان، على امتداد 251 صفحة، وبعشرين فصلا معنونا، وتدثره مجموعة من النصوص الموازية، وأخص بالذكر الإهداء الذي جاء كالتالي:" إلى ضحايا الحروب الأبرياء "، وبمقطع من قصيدة محمود درويش " أنا يوسف يا أبي "، ثم بإشارة مقتضبة، وكلها تحيل، على الحروب، والموت، والفساد، والخيانة، ثم تقديم صغير بعنوان "أنا يوسف ":" تأمل الصورة، بدت مألوفة، فيها شيء لا يتذكره لكن يعرفه جيدا، اللقطة ذاتها، والقميص ذاته الذي تصور به مع أبيه في الصورة التي بقي يحتفظ بها طيلة سنوات عمره، تلك الصورة التقطتها ريمة " ص13، تجسد صورة الغلاف التي اختارها الكاتب عتبة نصية وهوية بصرية، نابعة من كونها سندا للدلالة المضمونية. فما الذي تحكيه هذه التجربة الرواية التي تعزز الريبورتوار الإبداعي بلاسم إبراهيم الزعبي؟

المتن الروائي:

تحكي =رواية " أنا يوسف +يا أبي " عن المهندس «عون»، الذي يضطر إلى مغادرة وطنه في اتجاه روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، بمسقط رأس زوجته غالينا، التي تخرج من إحدى جامعاتها بعد إحالته إلى التقاعد حيفا بسبب استقامته، ونظافة يده، ومواقفه الصلبة ضد الفساد الإداري المستشري في الشركة التي يعمل بها.

لكن حياته ستزداد تعقيدا ومحنا بسبب رداءة أحوال علاقته العاطفية مع زوجته غالينا التي تورطت في الخيانة التي تفطن إليها ابنهما محمد؛ مما انعكس على نفسيته، وتسببت له في أزمة هوية عاطفية وأسرية، فيقرر الهرب، ويلتحق بالجماعات المسلحة في سوريا، ومن ثم التخلص من هذه الحياة العائلية التي لم يعد يطيقها ويتحملها، أما شقيقته "ريمة" فقد تحجبت والتحقت بزوجها في إحدى دول الخليج بعد سوء تفاهم بينها وأمها غالينا، وفتور علاقتها مع والدها " عون "، لكن كل هذه الشخصيات التي تتحرك فوق ركح الرواية لم تستكن لأزماتها وإحباطاتها وتمزقاتها، بل قاومت، لتنهض من جديد في فعلٍ يؤكد على تعلُّقها بالحياة وحقّها في العيش الكريم.

و من المهم أن نشير إلى أن هذه الرواية تجسد الواقع الاجتماعي والسياسي، وتسرد ظواهر الحياة فنجد الوطن والاغتراب موضوعتين بارزتين، وهما ما سنحاول ملامستهما في هذا التمرين النقدي لرواية " أنا يوسف يا أبي ".

1- موضوعة الوطن:

الوطن مكان جغرافي ومنزل الإقامة، إحساس نفسي، وصورة ثابتة خالدة لا تتغير، هو الأرض الرحبة التي نحيى فيها ونموت، " ومساحة الأرض أو المنطقة التي يرتبط بها الشعب ارتباطا تاريخيا طويلا "1، ولا حياة للإنسان دون وطن ينتسب إليه، أو يحيى فيه بكرامته.

وعليه، فإن فكرة الوطن من أبرز ما حظي به الأدب شعرا ونثرا، وساهم في ترسيخ قيم المواطنة والوفاء والتضحية، " كما اهتم بتشنيع عدوه الخارجي المستعمر، الغازي، المتآمر على أمنه ووحدته، الناهب لترواثه "، والداخلي " الخائن، المتواطئ، السلطة القامعة، المخرب، المحتكر، المفسد" وتبشيع صوره وأفعاله"2.

وعطفا على ما سبق، رسم المحكي التخييلي للوطن صورا متعددة في رواية " أنا يوسف يا أبي "، وحاول محاكاة الواقع بما فيه من فساد، وارتشاء، ومحسوبية، وعطالة وأوجاع على حياة شخصيات، وخاصة " عون" الذي عاش أحداثا عكست معاناته داخل الوطن وعمقت مكابداته:" حقد على كل شيء شيء: الشركة، والقطاع الخاص، والحكومة التي لا تفرض رقابتها عليه " ذلك القطاع الجشع، والفاسد، واللاإنساني " حسب رأيه " ص 19، ليقرر الهروب الذي لم يكن قطيعة مع الوطن ورغبة في نسيانه، وإنما هو هروب إليه في المنفى، أو الوطن البديل الذي لا يمكن أن ينسي جحيمه، الذي مكنت الفاسدين من تحويل الوطن إلى بقرة حلوب، وطاردت بكل الوسائل الطاقات الخلاقة المبدعة الرافضة للانخراط في لعبة الفساد، ولعبة التآمر ضد الوطن، وتقديمه لقمة سائغة للمحتكرين، بكل جروحه وخيباته وفساد مؤسساته، يقول السارد على لسان " عون ":" فأنا عشت طويلا في أوروبا، وسافرت إلى بلاد كثيرة، وكنت دوما أشتاق إلى هذا البلد الصغير الدافئ، الحنون " ص 4، لأن الوطن على رأي الروائي حجي جابر مهما قسا هو جزء منا، ومجرد التنكر له يشبه مريضا يريد التخلص من وجع يده بقطعها.

وهذا الجحيم نرى حضوره واضحا أيضا لدى شقيقته " عائشة " يقول السارد: " لا نت عائشة، لم تعد مستفزة وهجومية، بل أظهرت شيئا من التعاطف: اللعنة على حكومتنا، الفساد طاغ على كل شيء، ولا كرامة لشريف في وطنه " ص 34، وكذلك لدى شقيقه " صالح ":" أتساءل أحيانا: إذا كنا نعرف أن أغلب الأغنياء في بلدنا جمعوا ثروتهم بطرق غير مشروعة: التجارة غير المشروعة، استخدام السلطة، الفساد.. وأن الجزء الآخر المتبقي مشتبك في علاقاته الاقتصادية مع الجزء الأول، وكلهم يتحولون إلى بق يمتص دماءنا، فأين نحن؟ وأي حياة نعيش؟" ص 42

يبدو أن باسم إبراهيم الزعبي، يجعل من روايته مرآة صادقة تعكس مظاهر الحية المضطربة، وعبرت عنه من خلال الشخصيات الروائية عون، وعائشة، وصالح، ومدى تأثرهم بهذه الأوضاع السيئة، ونتيجة لهذه المحن، كان اغتراب عون، وتشظيه عن أرض الوطن، والعودة إلى روسيا لأنه شعر بأن الوطن لا يعيره التفاتا ولا يعيره حقه رغم رغم قيامه بواجبه كما ينبغي أن يكون،

هذا الخطاب المفعم بالأعطاب والفوضى والعنف الرمزي في وطن " عون"، لا يختلف عما هو عليه من حديث عن الوطن العربي، فتعود الرواية لتصور بمثيل سردي بشاعة تكالب ومكائد الأطماع الاستعمارية، وما اقترفته من بشاعة في حق الوطن العربي:" أما عون فكانت له مواقف وطنية عامة، فهو يكره الأنجليز لأنهم من وجهة نظره السبب في القضاء على حلم الدولة العربية الواحدة، وتقسيم البلاد العربية وإثارة الفرقة بين العرب، وهم من ساعد الصهاينة على احتلال فلسطين واستمرار المأساة الفلسطينية " ص 16.

بل وتعود الرواية للحديث عن الأعطاب واغتيال الثورة في سوريا التي التحق بها محمد أو يوسف اسما حركيا، لكن بارتفاع منسوب سوداويتها الكئيبة ورعبها الذي يقض المضاجع، ويرسم المحكي الروائي ملامحها المكروبة، إذ لا شيء يعلو على ثقافة الموت سمادا ومادة في رواية " أنا يوسف يا أبي "، وهذا ما نلمسه في قاموسها اللغوي كالتالي: " عسكرة، مدافع رشاشة، راية سوداء، الزناد، رشقات من الرصاص، السلاح، القتال، المقاتلين، الحماعات المسلحة، الإعدام، القصف، دبابة...".

وضمن هذا الإطار نورد بعضا من نماذج الوطن السوري وما تحكيه الرواية من مشاهد مليئة بالموت والتشدد والكوابيس الجاثمة فوق صدره مرادفا للكوابيس والتقتيل الذي نال نصيب الأسد:

- " خرج أحدهم يرتدي الأسود، ويضع على رأسه قبعة مشغولة بالصنارة سوداء أيضا، ولحية سوداء كثيفة، بدا كالزاغ بسواده، وقف موجها الرشاش صوب المتجمهرين " ص 160

- " نهارا يتجول المقاتلون بأسلحتهم على البيوت في القرى ص165

- كانوا يشاهدون أكثر مما يقرأون، بشكل خاص الأفلام التي يبثها التنظيم بما في ذلك مشاهد الإعدام المرعبة التي كانوا يبثونها " ص 174

أمام هذه الفوضى الذي تتعايش فيها المتناقضات، وفي هذا الجو الكافكاوي المكتظ بالتشدد والكراهية والتعصب الأعمى، والاعتداء على المخالفين في الرأي الذي يرفس كل الحق في الحياة والاختلاف، ولم تعد للمواطن وجهة نظر" نحن مقاتلو الدولة الإسلامية، جئنا محررين لكم من حكم النظام النصيري الكافر، أنتم مسلمون، مكانكم الحقيقي إلى جانبنا، من أراد أن معنا فسيحظى برعايتنا، ومن أراد أن يكون ضدنا فسيدفع الثمن غاليا " ص 160، يعلو صوت يوسف محبطا " كان يوسف صامتا يفكر طوال الطريق، ما الذي جاء بي إلى هنا؟ سأقاتل من؟ أنا لا أعرف ضد من سأقاتل اليوم، هل هو فصيل آخر منافس، أم الجيش السوري، أم الجيش الحر؟" ص 182.

إن الرواية لا تخفي من خلال هذه المقاطع السردية المرعبة أن الوطن يعيش محنة وتأزما، وكل شيء يجسده القتل، والتشدد، ومصادرة الرأي والفكر، وسياسة القطيع والتطرف الظلامي الذي صحر البلاد، وتشوهت فيها كل القيم.

2- موضوعة الاغتراب

يعتبر الاغتراب سمة ضاربة في القدامة، وظاهرة سلبية تتمثل في اغتراب الفرد عن مكانه وثقافته، واضطراب علاقته بنفسه والعالم، والشعور باليأس والعجز والانفصال عن الذات وعن الآخر، ومدى اغترابه عن الوطن، وإحساسه بالضياع والقلق والانكفاء عن الذات.

وقد أخذت هذه الظاهرة حيزا في الرواية العربية منذ بدايات القرن العشرين، وتشكلت عبر ملامح متعددة، ومن تجليات صورها في رواية " أنا يوسف ياأبي ":

- الاغتراب المكاني الذي يعني " مغادرة المكان طوعا أو كرها وتكون في الغالب لأسباب سياسية او اقتصادية او ثقافية3"، وهو ما يجسده " عون" الذي اختار الاستقرار بروسيا مكرها، ويتضح ذلك في المقطع السردي على لسان "عون " مخاطبا شقيقته عائشة وهو يخبرها بقراره مغادرة الوطن:"كان ذلك قراري، لم أعد أتحمل أن أبقى من دون عمل، لست بلا كرامة، ياعائشة، محمد مقبل على التوجيهي، ريمة بعيدة، لم يعد لدي دخل " ص 34.

- الاغتراب الاجتماعي والنفسي، ونعني به انفصال الفرد عن المجتمع، وإحساسه بالعزلة التي تشير إلى الحالات التي تتعرض فيها الشخصية إلى الانسحاب والانزواء بعيدا عن المحيط الاجتماعي، ومن ثم انكسار أحلامه، والانشطار، والضعف، والانهيار، وهو ما يبدو من اصطدام "عون" بالواقع الذي ساهمت في تفاقمه زوجته " غالينا، ومن ثم انعزاله ومقاطعته لكل من حوله:" صار يستغرق في المشروب، يمضي يومه في المنزل، لا يفعل شيئا سوى احتساء الفودكا، لا يخرج، لا يقرأ الصحف، لا يتابع الأخبار، لا يجيب على اتصالات، لا يفتح الأنترنت=" ص 86، والدخول في دوامة من المشاعر السوداوية " في اللحظة التي قرر فيها عون أن يوقف كل أشكال التواصل مع الآخرين، كان قد حكم على نفسه بالموت البطيء من غير أن يشعر، هو بالتأكيد لم يكن يقصد الانتحار، لكن كان يسوق نفسه إليه " ص 107

ونفس الاغتراب يعاني منه ابنه وامتداده محمد، الذي يجسد النمو المشوه وفقدان كل مقومات الإحساس المتكامل بالوجود والديمومة، بسبب انحلال الأسرة وغربة المكان، نقرأ للسارد " أنا لست ابن حياة، إنه لا يرى قيمة لحياته، الهذا الحد هي ثقيلة همومه؟"ص 98، ونقرأ أيضا " عزيزتي، عزرائيل لا يفارقني، أراه يشخص أمامي ماثلا في كل الأشخاص الذين أعيش معهم، وفي كل زاوية ألجأ إليها " ص 99، وهو ما حفزه للهروب والالتحاق بالجماعات المسلحة والظلامية للتخلص من هذه الحياة المفعمة بالخيانة والتمزقات النفسية، و" إعادة سرد لما مرت به حياة يوسف، نموذج الشباب العربي الضائع، وهي عرض أمين لضياع جيل يبحث عن خلاصه وهويته" على رأي المبدعة والناقدة سميحة خريس بالدفة الثانية من غلاف الرواية.

على سبيل الختام

وخلاصة القول، يبدو هذا المشروع السردي الطموح، تجربة تستحق كل الاحتفاء، بما تتوفر عليه من مقاربة واعية تتجاذبها موضوعتا الوطن والاغتراب، ومزيتها أنها احتفت بالحياة بالرغم من أعطابها واغترابها، وحاولت أن تبعث التفاؤل في عصر صار فيه كل شيء فاقدا لمعناه، ووبناء فني محبوك ومشوق، وهو ما نأمله أن يتحقق في رواية قادمة للقاص والروائي باسم إبراهيم الزعبي.

***

عبد الله المتقي

......................

المصادر

- باسم إبراهيم الزعبي، أنا يوسف يا أبي، الآن ناشرون وموزعون، 2023

1- محمد العربي، الوطن في الذهنية العربية بين الماضي والحاضر، مجلة اللغة العربية، المجلس الأعلىللغة العربية، العدد 36 ص180

2- شفيع بالزين، الوطن في الرواية العربية، أشغال الملتقى الدولي للرواية العربية ببنزرت، دار خريف، ص

3- نوزاد حمد عمر، الغربة في شعر كاظم السماوي، دار غيداء للنشر والتوزيع نعمان، 2012، ص 39