أقلام فكرية
زكريا نمر: سبينوزا ومشكلة الله من ماهية المطلق إلى تفسير الوجود
ليست كل الكتب التي نقرأها تترك أثرا فكريا يدفعنا إلى إعادة التفكير في قناعاتنا، لكن بعض الكتب تفعل ذلك لأنها تضع القارئ أمام أسئلة لا يمكن تجاوزها بسهولة. أثناء قراءتي لكتاب الله في الفلسفة الحديثة لجيمس كولينز، بترجمة فؤاد كامل، توقفت عند فكرة محورية في فلسفة سبينوزا مفادها أن أي بناء فلسفي متماسك يجب أن يبدأ من تعريف الله وفهم ماهيته.لم تكن هذه الفكرة مجرد رأي فلسفي عادي، بل كانت أساس مشروع كامل حاول من خلاله تفسير الوجود والطبيعة والإنسان انطلاقا من مفهوم واحد.ما يثير الاهتمام في هذا الطرح أنه ينقل سؤال الله من دائرة الإيمان والتسليم إلى دائرة التحليل العقلي. فبدلا من أن يكون الله نتيجة للتفكير، يصبح نقطة البداية التي ينبغي أن ينطلق منها التفكير نفسه. وتبرز أهمية سبينوزا بوصفه أحد أكثر فلاسفة العصر الحديث جرأة في إعادة صياغة العلاقة بين الله والعقل، وهي العلاقة التي ما زالت تمثل واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخ الفلسفة.
تاريخ الفلسفة يكشف أن مسألة الله لم تكن قضية دينية فقط، بل كانت أيضا قضية معرفية وفلسفية. فالسؤال عن الله كان مرتبطا بأسئلة أخرى مثل أصل الكون، وطبيعة الوجود، ومصدر القوانين التي تحكم العالم، وحدود العقل الإنساني. لهذا احتلت هذه القضية موقعا مركزيا في أعمال عدد كبير من الفلاسفة. في الفلسفة القديمة حاول الفلاسفة تقديم تصورات عقلية عن أصل الوجود. ومع تطور الفكر الديني أصبحت فكرة الله جزءا من النقاش الفلسفي. لكن الفلسفة الحديثة تعاملت مع القضية بطريقة مختلفة. فقد ظهر اتجاه يدعو إلى إخضاع جميع الأفكار للفحص العقلي، بما في ذلك فكرة الله نفسها.
في هذا الواقع برز سبينوزا بوصفه واحدا من أكثر الفلاسفة إثارة للجدل. فهو لم يقبل التصور التقليدي الذي يجعل الله منفصلا عن العالم ويتدخل فيه من الخارج. كما لم يقبل التصور الشعبي الذي ينسب إلى الله صفات بشرية مثل الغضب والرضا والانفعال. بدلا من ذلك قدم تصورا يرى أن الله هو الجوهر الذي تقوم عليه جميع الموجودات. هذا الموقف أدى إلى اتهامه بالإلحاد في عصره، رغم أن كتاباته تدور بصورة أساسية حول مفهوم الله. المشكلة لم تكن في إنكاره لله، بل في رفضه للصورة الدينية السائدة عنه. ولهذا دخل في صدام مع المؤسسات الدينية التي كانت تعتبر تصوره تهديدا للعقائد التقليدية.
يمكن النظر إلى مشروع سبينوزا باعتباره محاولة لنقل فكرة الله من المجال اللاهوتي إلى المجال الفلسفي. فهو أراد أن يجعل الحديث عن الله جزءا من البحث العقلي المنظم، لا مجرد قضية تقوم على التسليم أو الإيمان وحده. وجاءت محاولته بناء نسق فلسفي يبدأ من تعريف الله ثم ينتقل إلى تفسير الطبيعة والإنسان والمعرفة.لكن هذا المشروع يواجه عددا من المشكلات. فالله عند سبينوزا يصبح مفهوما فلسفيا شديد التجريد. وهو تصور قد يساعد على بناء نسق عقلي متماسك، لكنه يبتعد عن الفهم الديني الشائع الذي يرى في الله ذاتا تسمع وتستجيب وتتفاعل مع الإنسان. ولذلك ظل الجدل قائما حول ما إذا كان سبينوزا يقدم فهما جديدا لله أم يستبدل مفهوم الله بمفهوم آخر للطبيعة والوجود.من ناحية أخرى تكشف فلسفة سبينوزا عن مشكلة أوسع في الفلسفة الحديثة. فالفلاسفة حاولوا استخدام العقل لفهم القضايا الكبرى، لكنهم اختلفوا حول قدرة العقل نفسه. بعضهم رأى أن العقل قادر على البرهنة على وجود الله، وبعضهم رأى أن هذه المسألة تتجاوز حدود المعرفة البشرية. وهذا الخلاف استمر عبر قرون طويلة ولم يصل إلى نتيجة نهائية.
اللافت أن التطور العلمي لم يؤد إلى اختفاء السؤال. صحيح أن العلم قدم تفسيرات لعدد كبير من الظواهر الطبيعية، لكنه لم يحسم الأسئلة المتعلقة بأصل الوجود أو بمعنى الكون أو بسبب وجود القوانين الطبيعية نفسها. ولهذا بقيت مشكلة الله حاضرة في النقاشات الفلسفية حتى بعد صعود العلم الحديث. في هذا الجانب تبدو بعض المواقف الفكرية المعاصرة مبسطة أكثر مما ينبغي. فهناك من يعتقد أن التقدم العلمي يجعل السؤال عن الله غير ضروري، وهناك من يعتقد أن الإيمان وحده يكفي لإغلاق النقاش. لكن تاريخ الفلسفة يشير إلى أن القضية أكثر تعقيدا من هذين الموقفين. فالسؤال عن الله لا يتعلق فقط بإثبات الوجود أو نفيه، بل يتعلق أيضا بطبيعة الوجود والمعرفة وحدود العقل.لهذا السبب استمرت القضية في أعمال فلاسفة كبار مثل و وغيرهما. ورغم اختلاف نتائجهم، فإنهم جميعا اعتبروا أن مسألة الله جزء أساسي من التفكير الفلسفي.
ما يجعل سبينوزا مهما ليس أنه قدم الإجابة النهائية، بل أنه أعاد صياغة المشكلة بطريقة مختلفة. فقد حاول التعامل مع مفهوم الله بوصفه موضوعا للفهم العقلي، وأجبر الفلسفة الحديثة على مواجهة أسئلة جديدة حول العلاقة بين الله والطبيعة والإنسان. لهذا كان التوقف عند اسمه أثناء قراءة كتاب "الله في الفلسفة الحديثة" أمرا طبيعيا. فسبينوزا لا يمثل مجرد فيلسوف ضمن تاريخ طويل من الفلاسفة، بل يمثل واحدة من أكثر المحاولات تنظيما في بناء فلسفة تبدأ من تعريف الله وتنتهي بتفسير العالم. وسواء اتفقنا مع نتائجه أو اختلفنا معها، فإن مشروعه يظل جزءا أساسيا من النقاش الفلسفي حول واحدة من أقدم القضايا التي شغلت العقل الإنساني.
***
زكريا نمر







