عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

حمزة مولخنيف: مأزق التأسيس بعد نهاية الميتافيزيقا

في إمكان بناء يقين فلسفي جديد

في البدء كانت الدهشة وتلك الدهشة التي لم تزل منذ أيام الإغريق تُمثِّل الرحم الذي يولد منه السؤال الفلسفي، كانت دائماً تسبق اليقين بل كانت هي الشرارة التي تشعل لهيب البحث عن اليقين، غير أن هذه الدهشة نفسها قد تحولت في مسار التاريخ الفلسفي الطويل إلى أداة للاستقرار وإلى مجرد بوابة نعبر منها لنصل إلى النظام، إلى البناء، إلى الصرح المكتمل الذي يبدو وكأنه يغلق على نفسه ويعلن عن نهاية الحاجة إلى التساؤل. ولكن ما الذي يحدث حين تنقلب هذه الدهشة على نفسها، حين تصبح الدهشة دهشة من الدهشة نفسها، حين لا يعود السؤال يقود إلى جواب بل يقود إلى سؤال أعمق وحين لا يعود اليقين الميتافيزيقي بكل تجلياته من أفلاطون إلى هيغل قادراً على احتواء هذا السيل الجارف من الأسئلة التي أطلقتها نهاية الميتافيزيقا؟ هنا، عند هذه النقطة الدقيقة والموجعة نقف اليوم في منتصف عتمة معرفية لم تعد ترضيها الأضواء الكاذبة، ولم تعد تأنس إلى الاستقرار الذي وفرته الأنظمة الفلسفية الكبرى لأن تلك الأنظمة مهما بلغت من عظمة قد ظهرت لنا في ضوء النقود الدائمة على أنها كانت تقوم على إغفال، على تهميش، على نسيان، على إسكات لأصوات كانت تهمس في هوامش التاريخ وتصرخ أحياناً في زوايا النصوص المهملة.

لقد كان المأزق الذي نرمي إليه منذ بداية هذا المقال ليس مأزقاً نظرياً بحتاً بل هو مأزق وجودي قبل كل شيء، لأن السؤال عن إمكان بناء يقين فلسفي جديد، بعد أن تكشفت لنا هشاشة كل يقين قديم، هو في العمق سؤال عن إمكان الحياة نفسها وعن إمكان أن نحيا دون أن تكون لنا مرجعية مطلقة نستند إليها ودون أن يكون لنا أساس متين نقف عليه ودون أن يكون لنا يقين يهدئ روعنا ويوقف ترددنا ويجعل أفعالنا ذات معنى ثابت. وهذه هي القضية الجوهرية التي ستشغل مقالنا هذا، كيف يمكن للفكر أن ينتج يقيناً وهو يعرف أن كل أسسه كانت أوهاماً وأن كل حقائقه كانت نسبية وأن كل معانيه كانت معلقة بسلسلة من الإحالات التي لا تنتهي؟ وأكثر من ذلك كيف يمكن لهذا اليقين الجديد أن يكون، ليس رجوعاً إلى الماضي الميتافيزيقي ولا انحلالاً في تيار الشك المطلق بل هو خيار ثالث، خيار يصنع من اليأس قوة ومن اللاأساس حرية ومن اللايقين يقيناً من نوع آخر، يقيناً لا يبحث عن الجمود بل يبحث عن الحركة، لا يبحث عن النهاية بل يبحث عن البداية الدائمة، لا يبحث عن المعنى النهائي بل عن إنتاج المعنى في كل لحظة من خلال الفعل ومن خلال العلاقة مع الآخر ومن خلال الالتزام الأخلاقي الذي لا يحتاج إلى سند ميتافيزيقي ليكون ملزماً.

هاته الأسطر التي نفتتح بها هذا المسير الفلسفي الطويل ليست مجرد استهلال بلاغي بل هي إعلان نية، هي إعلان أننا سنغوص في هذا المأزق بكل وعي دون أن نبحث عن مخارج سهلة ودون أن نستعير حلولاً جاهزة من تراث مضى، ولكننا سنحاول أن نفكر بقدر ما يسمح لنا الزمن واللغة والجهد في إمكان أن تقوم الفلسفة بعد كل هذه النقوضات على غير ما قامت عليه من قبل، على غير الأساس، على غير اليقين المطلق، على غير الحقيقة الكلية، بل على شيء آخر، شيء يظل اسمه معلقاً بين الكلمات، بين الشك والإيمان، بين المعرفة والحياة، بين الموت الذي ينتظرنا، والحياة التي نعيشها الآن، هنا في هذا الزمن المضطرب الذي يطلب منا أن نكون لا أن نعرف فقط وأن نسأل، لا أن نجيب وأن نبحث عن يقيننا الخاص، في صمتنا وفي حوارنا وفي قراءاتنا وفي تأملاتنا وفي كل لحظة نجرؤ فيها على مواجهة المجهول، دون أن ننتظر من أحد أن يمنحنا الخريطة أو أن يرشدنا إلى الطريق، لأن الطريق كما قال الشاعر، يصنع بالمشي واليقين.

المأزق الذي نرمي إليه هنا ليس مجرد عقبة عابرة في مسار التفكير بل هو تلك الهوة السحيقة التي تتشكل حين تنهار أرض المعرفة تحت أقدام السائل وحين تتلاشى الأسئلة الكبرى التي كانت تشغل حيزاً مقدساً في وجدان الفلسفة، فلا تعود الأجوبة عنها ممكنة بالطرق التي كانت سائدة ولا تعود الأسئلة نفسها قابلة للحياة في مناخ فكري أصبح يضج بالشكوك والتفكيكات. لقد كان التأسيس الفلسفي منذ أفلاطون حتى هيغل مشروعاً قائماً على فكرة أن ثمّة حقيقة مطلقة يمكن الوصول إليها أو على الأقل يمكن الاقتراب منها بصورة مطّردة وأن العقل البشري مزود بآليات تمكنه من بناء نظام معرفي متكامل يكون بمثابة صرح يقيني لا تتزعزع دعائمه أو على أقل تقدير يكون قادراً على تقديم مسوغات قوية لهذا الادعاء. ولكن نهاية الميتافيزيقا بتعبير هيدغر أو موت الله عند نيتشه أو نهاية الإنسان بوصفه موضوعاً للعلوم الإنسانية عند فوكو أو تفكيك الحضور عند دريدا كل هذه الإعلانات التي بدت في القرن العشرين وكأنها تنذر بفلسفة جديدة حملت في طياتها أكثر من مجرد نقض للمذاهب السابقة بل كانت أشبه بقطع الحبل الذي كانت الفلسفة تتعلق به، ذلك الحبل الذي يصل بين العقل والوجود، بين الذات والموضوع، بين اللفظ والمعنى وبين الحقيقة والتمثل.

ولعل السؤال الذي يلح الآن بإلحاح الوجع الفلسفي الذي لا يجد مسكناً هو هل يمكن بعد أن تهشمت تلك الصورة الكلاسيكية للفلسفة وأصبح كل بناء نظري مكشوفاً على هشاشته النسبية أن نؤسس بيقين جديد؟ وهل هذا اليقين الجديد هو مجرد إعادة إنتاج لليقين القديم بثياب حديثة أم أنه يقين من نوع آخر، يقين يعرف حدوده بل يستمد قوته من معرفة حدوده، يقين لا يسعى إلى تغطية الوجود بشبكة من المفاهيم الكلية بل يحاول أن يتنفس داخل الفراغ الذي خلفته انهيارات الميتافيزيقا؟ إن الوقوف على هذا السؤال ليس وقفة المتفرج أو المحلل البارد بل وقفة المغترب الذي وجد نفسه فجأة بلا وطن أنطولوجي وقد تحولت كل الأوطان التي كان يؤوي إليها وهي المذاهب الفلسفية الكبرى، إلى خرائب تستحق التأمل لا السكنى. فكيف يمكن لنا أن نفكر في بناء ونحن لم نعد نملك معاول البناء القديمة بل إننا لم نعد نعرف إن كانت الأرض التي نقف عليها صالحة لوضع أساس؟ وكيف يمكن لليقين أن يولد من رحم الشك الذي لم يعد شكا منهجياً على طريقة ديكارت بل شكا وجودياً، شكا في قدرة اللغة على الإمساك بالمعنى وفي قدرة الذات على تثبيت هويتها وفي قدرة التاريخ على إنتاج معنى متصاعد؟

لا بد من العودة إلى اللحظة التي تقمصت فيها الفلسفة دور المؤسس لنرى كم كان ذلك التأسيس مشوباً بمقدمات لم تكن يوماً محايدة. حين حاول أفلاطون أن يقيم عالم المثل بوصفه عالم الحقائق الثابتة التي تشكل نموذجاً للعالم المحسوس، كان يمارس فعل إقصاء عنيف ضد كل ما هو سيال ومتغير، وكان يضرب في عمق الميل الإنساني إلى الجمود، إلى الثبات، إلى الهروب من رعب الزمن وتقلباته. وهذه الرغبة في التثبيت في إيجاد نقطة ارتكاز ثابتة، هي التي تغذت عليها الفلسفة الميتافيزيقية في مختلف صورها، من أرسطو إلى توما الأكويني إلى ديكارت إلى كانط إلى هيغل، فكل هؤلاء كانوا يبحثون عن شيء لا يتزعزع، عن أرض صلبة يمكن للعقل أن يبني عليها صرحه. ولكن هذه الأرض التي كانت تبدو صلبة كانت في الحقيقة مجرد وهم ناتج عن خلط بين الحاجة النفسية للطمأنينة والضرورة المنطقية للبرهان. فلم يكن اليقين الذي قدموه يقيناً مطلقاً بل كان يقيناً ضمنياً يتوقف على مجموعة من المسلمات غير المبررة أو على الأقل غير المبررة بشكل كاف، مثل الإيمان بقدرة العقل على اختراق الظواهر للوصول إلى النواهي أو الإيمان بوجود نظام كلي في الوجود يمكن للفكر أن يطابقه أو الإيمان بأن التاريخ يسير نحو غاية يمكن للفلسفة أن تدركها وتعلن عنها.

ولعل كانط هو الأكثر وعياً بهذا المأزق حين حاول أن يحدث ثورة كوبرنيكية في الفلسفة وجعل الذات العارفة هي التي تفرض قوانينها على الموضوع بدلاً من أن تكون الموضوعات هي التي تملي على الذات صورها. لكنه برغم هذا التحول الجذري ظل أسير الفكرة الميتافيزيقية ذاتها، لأنه احتفظ بثنائية الظاهرة والشيء في ذاته وجعل من الشيء في ذاته حدا للعقل لكنه في الوقت نفسه أبقى على إمكان التفكير في هذا الشيء في ذاته وإن لم يكن ممكناً معرفته، وهذا التفكير في المطلق يبقى من قبيل الميتافيزيقا لأن الميتافيزيقا ليست مجرد علم بما وراء الطبيعة بل هي أصلاً ذلك الميل إلى تجاوز المعطى نحو ما هو غير معطى إلى الإيحاء بوجود طبقة أخرى من الوجود أكثر أصالة من الوجود الظاهراتي. وحتى حين حاول كانط أن يحد من ادعاءات العقل الخالص كان يمارس ميتافيزيقا حدية أو ميتافيزيقا سلبية، تظل مشغولة بالحدود وبتعيينها وهذا التعيين نفسه هو نوع من التجاوز لأن الحدود لا تحدد إلا من جهة ما يتجاوزها ومن جهة ما يتصور تجاوزها.

أما هيغل فقد ذهب إلى أقصى مدى في هذا المشروع التأسيسي فجعل من المطلق ليس مجرد فكرة مجردة بل حركة، حركة جدلية ينتقل فيها الوعي من مرحلة إلى أخرى محققاً ذاته عبر الصيرورة التاريخية، حتى يصل إلى المعرفة المطلقة التي لا تتجاوزها معرفة. وهنا في قمة هذا الصرح الهيغلي نجد اليقين الفلسفي قد بلغ أوجه أو على الأقل قد بلغ أوجه في الصياغة النظامية حيث يتطابق العقل مع الواقع والذات مع الموضوع والماهية مع الوجود. لكن هذه التطابقية وهذه المصالحة الشاملة هي التي جعلت هيغل أسهل ضحايا النقض لأن كل ما يبدو شاملاً وكلياً ومطابقاً هو أول ما يثير الشك، الشك في أن ثمّة شيئاً ما قد أغفل أو تم إسكاته أو تم تضمينه في نظام لا يترك له مجالاً للظهور. فكانت الفلسفات التي تلت هيغل وخصوصاً فلسفة كيركغور الذي رأى في هذا النظام الجبار محاولة لإلغاء الفرد ووجوده المتشظي ونيتشه الذي رأى فيه أسطورة العقل التي تخفي إرادة القوة وماركس الذي رأى فيه أيديولوجية تبرر الواقع القائم بدلاً من تغييره، كل هؤلاء كانوا يعلنون كل بطريقته أن التأسيس الهيغلي لم يكن إلا ستاراً يخفي هاوية وأن اليقين الذي أعلنه لم يكن يقيناً فلسفياً بقدر ما كان يقيناً إيمانياً مقنعاً بثياب عقلانية.

غير أن النقض الحقيقي للميتافيزيقا، النقض الذي لم يكتف بنقض مذهب معين أو نظام خاص بل نقض الفكرة نفسها أي فكرة التأسيس واليقين المطلق، لم يأت إلا مع هيدغر الذي أعلن أن مهمة الفلسفة ليست بناء أنظمة بل تفكيك تاريخ الميتافيزيقا أي كشف الطريق التي انحرفت بها الفلسفة عن السؤال الأصلي، سؤال الوجود، لتنشغل بدلاً من ذلك بالموجودات أي بالكائنات وتحاول أن تؤسس علماً للكائنات متناسية الفرق الأنطولوجي بين الوجود والموجود. هيدغر في كونه رأى أن الفلسفة الغربية كلها من أفلاطون إلى نيتشه، هي ميتافيزيقا أي أنها فكرت في الوجود بوصفه حضوراً بوصفه شيئاً حاضراً أمام الذات يمكن تمثله وضبطه متناسية أن الوجود نفسه ليس كائناً وليس شيئاً يمكن حضوره بل هو الحدث الذي يحدث فيه كل حضور. فإذا كان الأمر كذلك فإن أي محاولة لتأسيس يقين فلسفي جديد لا بد أن تنطلق من الاعتراف بأن هذا الوجود لا يمكن أن يكون موضوعاً للمعرفة بالمعنى التقليدي وأن حضور الكائنات في سياقها الزماني والمكاني يحمل في طياته غياباً لا يمكن رده وعلامة لا يمكن اختزالها إلى دال ثابت. ويصبح اليقين الجديد ممكناً لا بالبحث عن أساس مطلق بل بالغوص في هذا الغياب، بالوقوف عند الحدود التي لا يمكن تجاوزها، بالإصغاء إلى صوت الوجود الذي لا ينطق بمقولات واضحة بل يهمس في ثنايا اللغة والفن والتاريخ وفي تجارب الحدود كالموت والقلق والملل.

ثم أتى دريدا ليضرب في صميم هذه الفكرة بأداة التفكيك، تلك الآلة النقدية التي لا تكتفي بنقض الميتافيزيقا بل تحاول أن تعمل من داخلها، أن ترى كيف أن كل بناء فلسفي يقوم على إقصاء شيء ما، على تهميش طرف مقابل للطرف الذي يضعه في مركز الوجود والمعنى. إن التفكيك ليس مجرد تدمير للأنظمة، بل هو استراتيجية للقراءة، تبين أن النصوص الفلسفية تحوي في طياتها ما ينقضها، وأن الثنائيات التي تؤسس الفكر (كالحضور والغياب والذات والموضوع واللفظ والمعنى والجسد والروح) ليست ثنائيات متساوية بل هي دوماً ثنائيات هرمية، يخضع فيها أحد الطرفين للآخر ويتم إسكات الطرف الآخر أو تهميشه. وإذا أردنا أن نفكر بعد الميتافيزيقا فلا يكفي أن نقلب هذه الثنائيات أي أن نجعل الطرف المهمش مركزياً لأن ذلك سيؤدي ببساطة إلى إعادة إنتاج الآلية الإقصائية ذاتها بل المطلوب هو تفكيك الثنائية نفسها أي كشف أن المعنى ليس حضوراً مكتملاً بل هو دوماً مؤجل وأن الكتابة ليست مجرد أثر للكلام الحي بل هي الأصل الذي يسبق حتى الصوت، وأن الاختلاف بكسر الخاء وفتحها معاً هو شرط إمكان المعنى وشرط استحالته في آن. فالدال لا يشير إلى مدلول ثابت بل إلى دال آخر، وهكذا في سلسلة لا نهائية من الإحالات، مما يجعل أي معنى نهائي مستحيلاً ويجعل أي يقين قائماً على الحضور الكامل للذات مع نفسها ومع موضوعها ضرباً من الوهم. فهل هذا يعني أننا أمام استحالة مطلقة لليقين وأننا محكومون بالتشتت واللاعقلانية والعبثية؟ ليس الأمر كذلك بالضرورة لأن التفكيك ليس عدواً لليقين بل هو عدو لليقين الزائف، لليقين الذي يزعم أنه مطلق وهو في حقيقته إيديولوجي وهو أيضاً عدو لليقين الذي يغلق الأفق ويجعل الفكر أسير نسقه دون أن يتمكن من النظر فيما وراءه.

إن المأزق الذي نحن بصدده وهو مأزق التأسيس بعد الميتافيزيقا لا يكمن في عدم وجود إجابات، بل يكمن في عدم وجود سؤال واحد يمكن الاتفاق عليه وفي عدم وجود لغة واحدة يمكن أن تكون محايدة بين مختلف التيارات وفي عدم وجود معيار واحد يمكن بواسطته الحكم على صحة الأطروحات. لقد انكشفت لنا بعنف التفكيكات التي تعاقبت طوال القرن العشرين، أن كل تأسيس يقوم على إغفال شيء وأن كل يقين هو يقين بالنسبة لمنظومة معينة وأنه لا وجود لما يمكن أن نطلق عليه يقيناً مطلقاً بقدر ما هو مطلب أخلاقي أو سياسي أو وجودي قبل أن يكون إبستمولوجياً. وهذا الكشف بدلاً من أن يشل حركة الفلسفة يمكن أن يكون نقطة انطلاق جديدة، لأن الفلسفة ليست علماً ولا هي دين ولا هي أيديولوجية بل هي فعل تفكير يتجدد مع كل لحظة، فعل إشكالي بامتياز لا يبحث عن إجابات نهائية بل يبحث عن صياغة أفضل للأسئلة، وعن طرق أكثر دقة للتنبه إلى تعقيد الوجود وعن استراتيجيات للتعامل مع التناقضات والمفارقات التي تشكل نسيج الواقع.

فبدلاً من أن نبحث عن يقين مؤسس على أسس ثابتة مثلما كانت تفعل الميتافيزيقا الكلاسيكية، يمكننا أن نبحث عن يقين مضطرب، يقين يعرف أنه مضطرب، يقين لا يطمح إلى تغطية الكل بل إلى إضاءة زوايا معينة، يقين يتخذ من الخطأ مساراً ومن الفشل تجربة ومن التناقض مادة. وربما كان هذا النوع من اليقين أقرب إلى روح الفلسفة المعاصرة التي تعلمت بعد كل الانتقادات التي وجهت إليها أن التواضع المعرفي ليس رذيلة بل فضيلة وأن الاعتراف بالحدود ليس هزيمة بل بداية حكمة. فالحكمة في هذا السياق ليست امتلاك الإجابات عن كل شيء بل هي القدرة على العيش مع الأسئلة وعلى تحمل الغموض وعلى الانفتاح على ما لا يمكن توقعه وعلى الاستعداد لمراجعة كل ما نظن أننا نعرفه في كل لحظة. وهنا نعود إلى سقراط ذلك الفيلسوف الذي كان يقول إنه لا يعرف شيئاً لكنه كان في الوقت نفسه أكثر فلاسفة اليونان حكمة لأنه كان على وعي بجهله وكان هذا الوعي هو الذي يدفعه إلى التساؤل وإلى البحث وإلى عدم الرضا عن الإجابات الجاهزة. فما نحتاجه اليوم بعد أن تهشمت كل اليقينيات الكبرى ليس يقيناً جديداً شبيها باليقينيات القديمة، بل هو روح سقراطية جديدة، روح تساؤلية لا تتوقف، روح تعرف أن الحقيقة ليست شيئاً يمتلك بل شيئاً يحدث، في لحظة السؤال، في فجوة المعرفة، في توتر الاختلاف.

ويكون اليقين الجديد الذي يراد بعد انهيار الميتافيزيقا لا يقوم على جمود الأساس بل على حركة السؤال ولا على حضور المعنى بل على أفق الانتظار، ولا على انغلاق الدائرة بل على انفتاح المسار. إن العقل الذي يعي أن كل أسسه كانت ضرباً من التجميد وأن كل نظام فلسفي كان محاولة للإمساك بالوجود في شبكة مفاهيمية لا تخلو من عنف التبسيط، ذاك العقل لا يملك أمامه إلا أن يغير نمط اشتغاله، أن يتحول من عقل مؤسس إلى عقل مؤسس، من عقل يستعمر المجهول بعنف المعرفة إلى عقل يصغي إلى ما لا يعرفه، من عقل يعلن الحقيقة إلى عقل يتلمسها، من عقل يبني صروحاً شامخة إلى عقل يحفر آباراً في الصخر، لعله يبلغ الماء أو لعله لا يبلغه لكنه يستمتع بصوت الحفر نفسه. إن الوعي بالانهيار وهو في العمق وعي بالإمكان، لأن الانهيار ليس النهاية التي لا رجعة فيها بل هو الفتح الذي يسمح للرؤية بأن تتسع وللتفكير بأن يستعيد مرونته التي فقدها في الجمود الميتافيزيقي. فالفلسفة حين كانت تبحث عن أسس يقينية ثابتة كانت تشبه مهندساً يريد بناء صرح لا يتزعزع، فينسى أن الأرض التي يبني عليها ليست جامدة بل هي أرض متحركة وأن الزمن نفسه يأكل ما يبنيه وأن كل صرح مهما بلغ من إحكام هو ابن لحظته، وسيكون بالضرورة ابن لحظات قادمة تعيد النظر في كل ما بني. أما الفلسفة بعد الميتافيزيقا، فهي أشبه بالملاح الذي لا يطلب شطا ثابتاً، بل يكتفي بأن يكون في رحلة دائمة، يغير اتجاهاته بحسب الرياح والتيارات، لكنه يظل محتفظاً ببوصلة داخلية، ليس لأنها تشير إلى جهة ثابتة، بل لأنها تشير إلى ضرورة الاستمرار في المسير وإلى أن التوقف هو الموت وأن الجمود هو الخيانة الأولى للفكر.

غير أن هذا الكلام عن اليقين الجديد لا ينبغي أن يُفهم على أنه تراجع عن كل طموح معرفي أو أنه تبرير للفوضى الفكرية واللا مبالاة النظرية أو أنه احتفال بالعبثية كما قد يفهمها البعض. إنه على العكس يضع الفلسفة أمام مسؤولية أكبر، مسؤولية التفكير في حدود التفكير، مسؤولية البحث عن معايير داخلية للصدق والعمق والتماسك، من دون أن تطمح هذه المعايير إلى كونها مطلقة أو خالدة، لكنها ليست أقل قدرة على أن تميز بين القول الجاد والقول الهازل، بين التأمل العميق والتسويق الفكري، بين التفكير الجريء والتفكير الكسول. فاللاأساس الذي أعلنه بعض الفلاسفة المعاصرين بحماسة زائدة لا يعني أن كل شيء مباح ولا أن كل الأقوال متساوية ولا أن الفلسفة أصبحت مجرد لعبة لغوية بلا محتوى بل يعني أن الأساس نفسه هو ما يجب أن يكون موضوع تساؤل دائم وأن القول الفلسفي لا يستمد قوته من كونه مؤسساً على أساس بل من كونه قادراً على أن يثير فينا دهشة جديدة وأن يكشف لنا وجهاً لم نكن نراه من قبل وأن يخلخل ما استقر في عقولنا من بديهيات وهمية. إن اليقين الجديد ليس يقيناً بالجواب بل يقين بالطريق أي أن الفلسفة لم تعد معنية بإنتاج حقائق عن العالم بقدر ما هي معنية بإنتاج أسئلة عن العالم وأسئلة عن قدرتها هي نفسها على إنتاج مثل هذه الأسئلة، وبهذا يصبح السؤال عن السؤال هو أكثر الأسئلة الفلسفية إلحاحاً في زماننا بل هو اليقين الوحيد الذي يمكن أن نتمسك به من دون أن نقع في فخ الميتافيزيقا، يقين بأن السؤال سيبقى مفتوحاً وأن كل جواب مهما بدا مقنعاً ليس إلا محطة مؤقتة في رحلة لا نهاية لها.

وهنا ينبغي التوقف عند نقطة دقيقة وهي أن الاعتراف باستحالة اليقين المطلق لا يعني بالضرورة تبني موقف الشك المطلق، لأن الشك المطلق هو أيضاً نوع من اليقين، يقين بعدم اليقين، وهو بالتالي نسخة مقلوبة من الميتافيزيقا نفسها لأنه يتخذ من اللاأساس أساساً ويجعل من اللايقين يقيناً وهذا تناقض لا يمكن تجاوزه بل يمكن فقط كشفه كتناقض. إن الحكمة الحقيقية في هذا السياق لا تكمن في القفز من اليقين المطلق إلى الشك المطلق بل في إقامة حياة فكرية تتسع لهذا التوتر بين اليقين والشك، بين الحاجة إلى المعرفة والوعي بحدودها وبين الرغبة في البناء والإدراك بأن كل بناء قابل للانهيار. وربما كان هذا هو بالضبط ما عناه كانط حين ميز بين المعرفة والإيمان وجعل للإيمان مجاله الذي لا يمكن للمعرفة أن تدخله، ليس لأن الإيمان دوني بل لأن هناك أشياء في الوجود تستعصي على المعرفة المفاهيمية وتحتاج إلى موقف آخر، موقف عملي أخلاقي أو جمالي يمكنه أن يلامسها من زاوية مختلفة. ولكن كانط ظل في النهاية أسير إطار الميتافيزيقا التقليدية لأنه جعل من الإيمان مجرد بديل للمعرفة في منطقة لا تصلها المعرفة، في حين أن الموقف الذي نقترحه هنا هو موقف مغاير، يتجاوز الثنائية بين المعرفة والإيمان ويرى أن كل معرفة هي في العمق إيمان وكل إيمان هو في العمق معرفة، لأن حدود الفصل بينهما ليست حدوداً جوهرية بل حدود عملية تتحدد بحسب السياق والمعيار والغرض. فالمعرفة العلمية على سبيل المثال لا تقوم على حقائق مطلقة بل على نماذج ونظريات تتغير بتغير الأدلة والملاحظات وهي في هذا ليست أقل إيماناً، إيماناً بقوة العقل وبصلاحية المنهج، من الإيمان الديني وكلاهما يقوم على مقدمات لا يمكن إثباتها إثباتاً نهائياً. هذا لا يعني أن نخلط بين العلم والدين بل يعني أن ندرك أن كل ممارسة معرفية تتضمن عنصراً من الإيمان، من الثقة المبدئية في صحة بعض الافتراضات وأن اليقين الفلسفي الجديد هو ذلك اليقين الذي يدرك هذا العنصر ويتعامل معه كعنصر فاعل في المعرفة لا كشوائب يجب التخلص منها.

ولهذا فإن المهمة الأساسية للفلسفة اليوم ليست كما يعتقد بعض المتفائلين، إعادة بناء ميتافيزيقا جديدة تكون أكثر قدرة على الصمود من القديمة ولا هي كما يعتقد بعض المتشائمين، الاكتفاء بنقد اللغة وتحليل الألفاظ بل هي مهمة ثالثة أكثر تعقيداً وأقل وضوحاً، تتمثل في محاولة التفكير في الظروف التي تجعل الفكر ممكناً من جديد، بعد أن تبين أن شروط إمكان الفكر كما صاغها كانط مثلاً، لم تكن سوى شروط نوع معين من الفكر، الفكر الميتافيزيقي وأنه قد يكون هناك فكر آخر، فكر يعمل بمنطق مختلف، منطق لا يقوم على الهوية والتناقض وحدهما بل على الاختلاف والتأجيل والتشابك. فالفلسفة المعاصرة ولا سيما في تياراتها القارية حاولت أن تفتح أبواباً لهذا الفكر الآخر، من خلال الاهتمام بالجسد، بالزمن، بالآخر، بالغريب، باللامفكر فيه، بما هو مهمش ومستبعد، وحاولت أن تنتج مفاهيم جديدة تكون أكثر قدرة على التعامل مع تعقيد الواقع المعاصر، مفاهيم كالتفكيك والاختلاف والتشريح والأثر والحدث والممكن والصيرورة وغيرها من المفاهيم التي تحاول أن تقول ما لم تقله الفلسفة التقليدية أو أن تقوله بطريقة مختلفة. ولكن هذه المفاهيم وهي في غاية الأهمية لم تقدم بعد يقيناً جديداً بالمعنى الدقيق وإنما قدمت أدوات لتفكيك اليقينيات القديمة ولرؤية العالم من منظور مختلف. واليقين الجديد الذي نبحث عنه لا يمكن أن يأتي من هذه المفاهيم وحدها بل لا بد أن يأتي من الممارسة الفلسفية ذاتها، من طريقة العيش والتفكير من الأسلوب الذي نتبعه في مواجهة الأسئلة، من الصبر الذي نمارسه على عدم الإجابة ومن الشجاعة التي نتحلى بها في مواجهة المجهول.

قد يقال إن مثل هذا اليقين الهش الذي لا يقوم على أساس ثابت بل على حركة دائمة لا يمكن أن يسمى يقيناً أصلاً وأنه يفتقد إلى الصلابة التي تجعل الفلسفة مذهباً يمكن الدفاع عنه أو نظاماً يمكن التدريس على أساسه. وهذا الاعتراض مشروع لكنه ينطلق من فهم ضيق لليقين، فهم يربطه حصراً بالثبات والاستقرار، في حين أن اليقين يمكن أن يكون في سياق آخر يقيناً بالأسلوب، يقيناً بالمنهج، يقيناً بالنزاهة الفكرية، يقيناً بالفضول المعرفي، يقيناً بأن السير على الطريق خير من الوصول إلى الغاية، يقيناً بأن قيمة الفلسفة ليست في نتائجها، بل في فعلها، في الإشعاع الذي تحدثه في العقل، في القدرة التي تمنحها على التساؤل، في الحرية التي تفتحها أمام الفكر. وهذا النوع من اليقين لا يقل عن اليقين النظري في عمقه وقوته بل قد يكون أقوى منه، لأنه لا يعتمد على افتراضات خارجية ولا يحتاج إلى مسوغات قبلية بل هو يقين يقوم على التجربة المباشرة، على الممارسة الحية، على الإحساس الداخلي بأن التفكير الفلسفي هو فعل ضروري، فعل يمنح الحياة معنى ويجعل الوجود محتملاً، حتى في ظل غياب الأجوبة النهائية. وهنا نصل إلى نقطة جوهرية، وهي أن اليقين الجديد لا يمكن فصله عن الأخلاق أي عن نمط الحياة الذي نختاره لأن الفلسفة ليست مجرد نظرية بل هي أيضاً طريقة للعيش كما كان الأمر عند الإغريق وكما حاول كثير من الفلاسفة من الرواقيين إلى الأبيقوريين إلى نيتشه وفوكو أن يذكروا به. فالسؤال عن اليقين الفلسفي هو في العمق سؤال عن كيف نعيش وكيف نواجه الموت وكيف نتعامل مع الآخر وكيف نصنع المعنى في عالم يبدو أحياناً خالياً من المعنى. وإذا كانت الميتافيزيقا التقليدية تقدم إجابات عن هذه الأسئلة من خلال بناء أنظمة كونية وأخلاقية، فإن الفلسفة بعد الميتافيزيقا لا تستطيع أن تقدم هذه الإجابات بنفس الطريقة، لكنها تستطيع أن تقدم طرقاً مختلفة للتعامل معها، طرقاً لا تعتمد على السلطة الخارجية ولا على الحقيقة المفروضة بل على الحرية الفردية والمسؤولية الذاتية والوعي النقدي.

يصبح الزمن مفهوماً محورياً في إعادة التفكير في اليقين، لأن اليقين الميتافيزيقي كان يقوم على إلغاء الزمن، على اعتبار أن الحقيقة أزلية خالدة وأن المعرفة هي اكتشاف ما هو كائن منذ الأزل وأن التغير والتحول ليسا إلا عوارض سطحية لا تمس الجوهر. أما الفلسفة بعد الميتافيزيقا ومعها الفلسفات الوجودية والهرمينوطيقية فقد أعادت الاعتبار للزمن وجعلته البعد الأساسي للوجود، ليس باعتباره مجرد إطار خارجي تحدث فيه الأحداث بل باعتباره البنية الداخلية للوجود نفسه، كما حاول هيدغر أن يبين من خلال تحليله للوجود الأصيل في الزمنية وكما حاول برغسون من خلال فلسفة الزمن الحي والمدة وكما حاول ليفيناس من خلال الزمن بوصفه علاقة مع الآخر، علاقة لا يمكن اختصارها في حضور آني، بل هي دوماً علاقة انتظار ورجاء وتذكر. وإذا كان الزمن هو لب الوجود فلا يمكن لليقين أن يكون خارج الزمن بل لا بد أن يكون يقيناً زمانياً، يقيناً يتحقق في كل لحظة ويختفي في التي تليها، يقيناً لا يستند إلى ذاكرة الماضي ولا إلى توقع المستقبل بل إلى كثافة الحاضر، إلى ما يمكن تسميته لحظة اليقين وهي لحظة لا تدوم، لكنها كافية لمنح الحياة معنى وكافية لإشباع العطش الفلسفي ولو للحظات. وهذا اليقين اللحظي وهو أقرب إلى التجربة الجمالية منه إلى التجربة النظرية، له قوته الخاصة لأنه لا يخضع لنقض الزمن، لأنه هو نفسه زمني ولا يدعي الخلود لأنه يعرف أنه سيموت مع اللحظة التي يولد فيها لكنه يعيش في هذه اللحظة بكامل حضوره ولا يحتاج إلى ما يبرره خارجها.

ثم لا بد من الاعتراف بأن هذا المأزق، مأزق التأسيس بعد نهاية الميتافيزيقا ليس مأزقاً نخبوياً يخص الفلاسفة وحدهم بل هو مأزق إنساني عام، يعاني منه كل إنسان يحاول أن يعيش حياته بوعي ويحاول أن يفهم مكانه في هذا الكون ويحاول أن يجد معنى لوجوده في زمن تتسارع فيه التحولات وتتضاعف فيه المعلومات وتتلاشى فيه الثوابت. فالإنسان المعاصر الذي يعيش في عالم ما بعد الحداثة، عالم الأزمات المتعددة، الأزمة البيئية، الأزمة السياسية، الأزمة الهوياتية، أزمة المعنى هو إنسان فقد اليقينيات الكبرى التي كانت تؤطره ولم يعد يجد في الأيديولوجيات أو الأديان أو النظريات الكبرى ما يمنحه الطمأنينة وهو في الوقت نفسه لا يستطيع أن يعيش في الفراغ المعرفي والأخلاقي لأنه يحتاج إلى بعض اليقين لكي يتحرك، ليقرر، ليحب، ليكره، ليأمل، ليخاف. وهذا الإنسان لا يبحث بالضرورة عن يقين فلسفي بالمعنى الأكاديمي بل يبحث عن يقين وجودي، يقين يساعده على النهوض صباحاً، على مواجهة يوم جديد على التصالح مع محدوديته، على قبول الموت كجزء من الحياة. وهنا تتجلى مسؤولية الفلسفة بشكلها الجديد، ليست مسؤولية تقديم عقائد جديدة ولا تأسيس مدارس فكرية بل مسؤولية أن تكون حاضنة لهذه الحاجة الإنسانية العميقة، أن تقدم أدوات للتفكير تمكن الإنسان من بناء يقينه الخاص، يقينه الذي لا يكون مفروضاً من الخارج بل منتجاً من الداخل، يقينه الذي يعكس تجربته الفريدة، يقينه الذي يتغير معه وينمو مع نمو وعيه.

وبين أنقاض الميتافيزيقا وبين صيحات التفكيك وهمسات التأسيس وبين شهوة اليقين ورعب اللايقين، نجد أنفسنا مضطرين إلى القول، ليس بالمعنى الإقفالي بل بالمعنى الافتتاحي، أن اليقين الفلسفي الجديد لا يمكن أن يكون إلا يقيناً في حركة، يقيناً لا يقر قراراً، يقيناً يتجدد مع كل تجربة، يقيناً يرتبط بالحياة أكثر من ارتباطه بالمنطق، بالجسد أكثر من بالعقل، بالآخر أكثر من بالذات، بالمستقبل أكثر من بالماضي. إنه يقين لا يمنحنا الطمأنينة الزائفة بل يمنحنا الشجاعة للعيش في القلق، لأن القلق كما علمنا هيدغر هو الحالة التي ينكشف فيها الوجود على حقيقته، كوجود ممكن، كوجود مفتوح على احتمالاته، كوجود ليس محكوماً مسبقاً بجوهر ثابت، بل هو صيرورة ومشروع ورهان. وهذا القلق بعيداً عن أن يكون مرضاً يجب شفاؤه، هو الصحة الفلسفية ذاتها لأن الفلسفة الحقة لا تنشأ إلا في رحم القلق ولا تتغذى إلا على التساؤل ولا تنمو إلا في ظل الشك الخلاق ولا تثمر إلا حين تواجه المجهول بوجه لا يخاف. فمن أجل هذا لا نبني يقيناً جديداً كصرح من الرخام بل نزرع بذور يقين تتفتح في كل ربيع وتسقط أوراقها في كل خريف وتعود لتتفتح من جديد، لأن اليقين الحقيقي كما الحياة ليس جموداً بل حركة، ليس انغلاقاً بل انفتاح، ليس إجابة بل سؤال ممتد على مدى العمر، سؤال نحمله معنا في كل خطوة، في كل لقاء، في كل قراءة، في كل كتابة وفي كل لحظة نصمت فيها أمام جمال العالم أو قسوته لنكتشف أننا برغم كل شيء ما زلنا نبحث وما زلنا نأمل وما زلنا نؤمن لا بحقيقة مطلقة بل بإمكان الحقيقة لا بيقين نهائي بل بيقين مؤقت، لا بمعنى كامل بل بمعنى يتشكل في لحظة السؤال ويختفي في لحظة الجواب، ليعود ويظهر من جديد في لعبة أزلية لا تنتهي، هي لعبة الفلسفة، لعبة العقل مع نفسه، لعبة الإنسان مع وجوده، لعبة الحياة مع الموت، تلك اللعبة الجادة التي لا يمكن أن تنتهي بانتصار أحد لأنها ليست حرباً بل هي حب، حب المعرفة، حب الحكمة، حب الغموض، حب الدهشة، حب أن نكون بشراً في عالم لا يرحم، لكنه جميل، جميل بما يكفي لجعل التساؤل عنه والتساؤل عنا فيه أسمى ما يمكن للإنسان أن يفعله وأقدس ما يمكن أن يقدمه لنفسه وللآخرين قبل أن يأتي الموت، ذلك اليقين الوحيد الذي لا شك فيه، لكنه ليس يقيناً فلسفياً بل يقيناً وجودياً، يقيناً يذكرنا بأن كل يقينياتنا مهما بلغت من عظمة هي مجرد ومضات في ليل طويل، لكن هذه الومضات مهما كانت عابرة هي التي تضيء لنا الطريق وهي التي تجعل الحياة رغم كل شيء جديرة بأن تعاش وأن تُفكر وأن تُكتب وأن تُقال في صمت الفلسفة وفي ضجيجها، في يقينها وفي شكها وفي تأسيسها وفي تفكيكها، لأن الفلسفة في النهاية ليست علماً ولا ديناً بل هي شهادة، شهادة على أن الإنسان وهو المخلوق الوحيد الذي يسأل، هو أيضاً المخلوق الوحيد الذي يعرف أنه لا يعرف، وهذا هو يقينه الوحيد، لكنه يكفي لأنه ليس يقيناً عن شيء بل يقين عن الكيفية التي يكون بها الإنسان في العالم، كيف يكون سائلاً، كيف يكون باحثاً، كيف يكون متعجباً، كيف يكون حرا ولو في حدود سؤاله، ولو في حدود قصره، ولو في حدود موته، ذلك الموت الذي هو ليس نهاية السؤال بل هو السؤال الذي يختصر كل الأسئلة ويجعل منها سؤالاً واحداً، سؤالاً لا جواب له لكن السؤال نفسه وهو يُطرح وهو يُحمل وهو يُعاش هو الجواب. 

*** 

د. حمزة مولخنيف

 

في المثقف اليوم