من الإلغائية إلى الدفاع عن الخبرة الذاتية
من أكثر المواقف استفزازًا في فلسفة العقل المعاصرة ذاك الذي لا يكتفي بالتشكيك في تفسيرنا للوعي، بل يذهب أبعد من ذلك ليشكك في الوعي نفسه كما نتداوله عادة. هنا لا يعود السؤال: كيف نفسر الخبرة الذاتية؟ بل: هل ما نسميه “خبرة ذاتية” كيان حقيقي فعلًا، أم أنه بناء مفهومي مضلل نشأ من لغة الحياة اليومية ومن ميتافيزيقا قديمة ما زالت تعمل فينا دون أن نشعر؟ بهذه الصيغة يظهر الاتجاه الإلغائي، لا بوصفه مجرد تفصيل هامشي في الجدل، بل بوصفه ذروة النزعة الطبيعية حين تصبح مستعدة للتضحية حتى ببعض أكثر بداهاتنا حميمية من أجل الحفاظ على صورة منسجمة للعالم.
الإلغائية، في خطوطها الكبرى، تنطلق من فكرة حاسمة: ليس كل ما تتداوله الثقافة أو اللغة العادية عن النفس والعقل يجب أن يُحترم فلسفيًا أو علميًا. كما أننا تخلينا عن مفاهيم قديمة مثل “الأثير” أو “الأرواح الحيوانية” حين تبين أنها لا تلزم تفسير العالم، كذلك يمكن أن نتخلى عن مفاهيم مثل “الاعتقاد” و“الرغبة” و“الإحساس الداخلي” و“الكواليا” إذا اتضح أنها تنتمي إلى ما يسمى أحيانًا “علم النفس الشعبي” لا إلى بنية الواقع كما يكشفها العلم. وفق هذا المنظور، لا يكون الوعي وهمًا بمعنى أنه لا توجد أية عمليات تحدث، بل بمعنى أن تصورنا له بوصفه جوهرًا داخليًا شفافًا أو مسرحًا خاصًا للخبرة هو الوهم.
وهذا الموقف يكتسب شيئًا من قوته من تاريخ الفكر نفسه. فكم من مرة توهم الإنسان أنه يعرف نفسه معرفة مباشرة ثم تبين أن حدسه مضلل؟ لقد ظن الناس أن الشمس تدور حول الأرض لأن هذا ما يظهر لهم. وظنوا أن الحرارة مادة خفية، وأن الأنواع ثابتة، وأن الإرادة حرة بالمعنى البسيط المتداول. فلماذا لا يكون حدسنا بأن هناك “كيفيات باطنية خالصة” من النوع نفسه من الأوهام الراسخة؟ من هنا يأتي الدافع الإلغائي: لا تمنحوا التجربة الداخلية حصانة مطلقة، لأن ما يبدو بديهيًا من الداخل قد يكون بناءً لغويًا ونفسيًا هشًا.
لكن الإلغائية لا تأتي في صورة واحدة. هناك صيغة معتدلة نسبيًا تقول إن المشكلة ليست في وجود الخبرة، بل في المفاهيم التي نصفها بها. أي إننا لا ننكر أن هناك عمليات إدراكية وانفعالية ومعرفية معقدة، لكننا ننكر أن مفردات مثل “الكواليا” أو “الجوهر الداخلي” أو “المسرح الذهني” تصف هذه العمليات وصفًا صحيحًا. وهناك صيغة أشد حدة تكاد تقول إن ما نظنه “معطًى مباشرًا” ليس إلا تجميعًا لاحقًا من التقارير والتأويلات والتمييزات الوظيفية. وفق هذه الصيغة، الوعي ليس مركزًا غامضًا داخل العقل، بل اسمٌ نطلقه على نوع معين من التنظيم المعرفي والسلوكي. فإذا بدا لنا أن هناك شيئًا زائدًا على ذلك، فقد يكون هذا الزائد نتاجًا لطريقتنا في الحكي عن أنفسنا.
ولعل دانيال دينيت هو الاسم الأكثر حضورًا في هذا السياق، وإن كان لا يحب دائمًا أن يُقدَّم بوصفه “إلغائيًا” بالمعنى الفج. مشروعه لم يكن إنكار وجود التجربة ببساطة، بل تفكيك ما يراه أوهامًا موروثة عن الوعي، وبالأخص فكرة “المسرح الديكارتي”، أي وجود نقطة مركزية داخلية تُعرض فيها الحالات الذهنية على ذات متفرجة. عنده، لا يوجد هذا المسرح. ما يوجد هو عمليات متعددة موزعة، وتحريرات متنافسة، ومسارات تفسير، ونظم تقرير، دون مركز ميتافيزيقي صلب. فإذا شعرنا أن هناك “لبًا خالصًا” للوعي، فقد يكون هذا الإحساس نفسه نتيجة لاقتصاد معرفي خاص، لا كشفًا عن جوهر أنطولوجي منفصل.
غير أن هذا المسار، كلما ازداد جرأة، اقترب من حافة خطرة. لأن القول إن كثيرًا من تصوراتنا عن الوعي مضللة شيء، والقول إن الوعي نفسه وهم شيء آخر. فحتى لو سلّمنا بأن “الكواليا” مفهوم يحتاج إلى مراجعة، أو بأن الحدس الداخلي ليس معصومًا، يبقى هناك سؤال لا ينحل بسهولة: من أين جاء أصلًا هذا الوهم إن لم تكن هناك خبرة؟ الوهم نفسه ليس حجرًا ميتًا، بل نمط من الظهور. أن أخطئ في تفسير ألمي لا يعني أن الألم لا يُعاش. أن أبالغ في وصف اللون لا يعني أن الرؤية ليست خبرة. بل لعل كل مشروع إلغائي يصطدم هنا بالمفارقة الأساسية: لكي تنكر شفافية التجربة، عليك أن تتحرك داخلها. ولكي تقول إن الوعي وهم، لا بد أن يكون للوهم نفسه نمط من الحضور.
من هنا تبدأ حركة الدفاع عن الخبرة الذاتية. هذا الدفاع لا يعني العودة الساذجة إلى ثنائية تقليدية، ولا التسليم بأن كل ما نشعر به من الداخل حقيقة مكتملة الوصف، بل يعني الإصرار على أن هناك شيئًا لا يجوز شطبه من الحساب: الظهور نفسه. الخبرة ليست نظرية عن الذات، بل معطى سابق على النظرية. أنا قد لا أعرف ماذا يكون الألم من حيث بنيته النهائية، لكنني أعرف أنه يُعاش. قد أسيء فهم طبيعته العصبية أو الأنطولوجية، لكن الخطأ هنا يفترض أصلًا أن هناك ما يُخطأ في وصفه. ولهذا يبدو أن الإلغائية، حين تتطرف، تنقلب على الشرط الذي يجعلها ممكنة: فهي تستخدم الوعي لكي تنكر الوعي.
وهذه النقطة ليست مجرد اعتراض بلاغي، بل تمس صميم المسألة الفلسفية. فإذا كانت الفلسفة تسعى إلى تفسير الواقع، فلا يمكنها أن تعتبر أكثر ما هو قربًا من الوجود البشري مجرد ضباب لغوي دون حساب دقيق. صحيح أن القرب لا يضمن الحقيقة، لكن لا يجوز أيضًا أن يتحول طلب الصرامة إلى عنف مفهومي يشطب الظاهرة باسم اقتصاد النظرية. هناك فرق بين نقد التصورات الساذجة عن الخبرة، وبين نفي أن الخبرة تمثل بعدًا حقيقيًا من الواقع.
بل إن كثيرًا من الحجج الشهيرة ضد الاختزال يمكن قراءتها هنا بوصفها دفاعًا عن هذا البعد. الكواليا ليست، في جوهرها، ادعاءً بوجود أشباح داخل العقل، بل تذكير بأن ثمة كيفية معاشة لا تساوي الوصف الخارجي. حجة ماري لا تقول إن العلم باطل، بل إن معرفة الوقائع لا تساوي عيشها. والزومبي الفلسفي لا يثبت بحد ذاته وجود جوهر روحي، لكنه يكشف أن التطابق الوظيفي لا يبدو كافيًا لالتقاط ما نسميه حضورًا من الداخل. كل هذه الحجج، على اختلافها، تلتقي في مقاومة الإلغاء: لا يمكن حل المشكلة عبر محو موضوعها.
ومع ذلك، فإن الدفاع عن الخبرة الذاتية يحتاج هو أيضًا إلى تنقية. لأن خصوم الإلغائية قد يسقطون بدورهم في رومانسية فلسفية تجعل الوعي صندوقًا سريًا فوق العالم، أو تجعل كل وصف علمي له اعتداءً عليه. وهذا خطأ لا يقل بساطة عن الخطأ المضاد. الخبرة ليست معفاة من التحليل، ولا محصنة ضد إعادة الوصف، ولا دليلًا تلقائيًا على أي ميتافيزيقا بعينها. الذي ينبغي الدفاع عنه ليس كل التصورات الشعبية عن الوعي، بل حقيقة أن هناك بُعدًا ظاهراتيًا لا يذوب بالكامل في التفسير الوظيفي. أي إن الدفاع يجب أن يكون عن الواقعة الأصلية: أن هناك ما يُعاش، لا عن كل لغة موروثة نصف بها هذا المعيش.
ولهذا يمكن أن نميز بين مستويين. المستوى الأول هو مستوى النقد المشروع: هنا من حق الإلغائي أو الطبيعي أن يقول إن كثيرًا من صورنا عن الوعي متأثرة بتراث ميتافيزيقي قديم، وإن علينا أن نراجع مفاهيمنا في ضوء العلوم العصبية والمعرفية. وهذا مطلب قوي ومفيد. أما المستوى الثاني فهو مستوى الإنكار المفرط: وهنا تتحول المراجعة إلى حذف، ويصبح المطلوب ليس فقط إعادة صياغة الخبرة بل نفي وزنها الأنطولوجي. في هذا المستوى يفقد المشروع توازنه، لأنه يظن أنه كلما كان أكثر تقشفًا مفهوميًا كان أكثر علمية، مع أن العلم نفسه لا يبرر حذف المعطى بل يبرر تفسيره.
ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن الوعي ليس وهمًا، بل ميدانًا كثيفًا من الأوهام والحقائق معًا. نحن قد نوهم أنفسنا بشأن وحدته، أو شفافيته، أو مركزه، أو بنيته، أو مدى سيطرتنا عليه، أو معنى الذات التي تعيه. لكن هذا كله لا يعني أن الظهور ذاته موهوم. إنما يعني أن الوعي ليس بسيطًا كما كنا نظن. ليس نافذة صافية تمامًا، ولا بناءً لغويًا فارغًا تمامًا. إنه حدث مركب: فيه خبرة فعلية، وفيه أيضًا تأويلات ذاتية وسرديات ومفاهيم قد تكون مضللة. ولهذا فإن الموقف الأكثر نضجًا ليس الإلغاء ولا التقديس، بل التفكيك الحافظ: أن نحلل الوعي من دون تبديده، وأن ننقد أوهامه من دون إنكار أنه المجال الذي تظهر فيه الأوهام والحقيقة معًا.
وهنا تكتسب الظاهراتية أهميتها مرة أخرى. فهي لا تدافع عن الوعي بوصفه شيئًا غامضًا ضد العلم، بل تدافع عن أولوية العالم المعيش ضد نسيانه. تقول لنا: قبل كل نظرية عن الدماغ، هناك خبرة. قبل كل خريطة عصبية، هناك ألم يُعاش، وزمن يُحس، وجسد يسكن العالم. وإذا كان علينا أن نفسر هذه الخبرة، فلا ينبغي أن نبدأ بإنكارها، بل بوصفها وصفًا أمينًا. أما الفلسفة التحليلية في أفضل صورها، فهي تذكّرنا بأن الوصف الأمين وحده لا يكفي، وأن علينا أن نختبر مفاهيمنا ونقاوم أوهام الحدس. بين هذين البعدين يمكن أن يظهر موقف لا إلغائي ولا ساذج: موقف يقرّ بأن الخبرة حقيقية، لكنه لا يمنحها حصانة أسطورية.
ولعل أدق صياغة للمسألة هي هذه: الوعي ليس وهمًا، لكن بعض ما نظنه عن الوعي وهم. ليست الذاتية اختراعًا لغويًا محضًا، لكن كثيرًا من صورنا عنها مشوّشة. ليست الخبرة الداخلية مسرحًا مفارقًا، لكنها أيضًا ليست قابلة للردّ الكامل إلى التقرير والسلوك. إنها واقع، لكنه واقع لا يمكن التفكير فيه إلا بحذر مزدوج: حذر من المبالغة الميتافيزيقية، وحذر من التقشف الإلغائي.
يكشف الجدل بين الإلغائية والدفاع عن الخبرة الذاتية عن شيء أعمق من مجرد نزاع بين مدارس. إنه يكشف عن أزمة الفلسفة الحديثة أمام ما هو أقرب الأشياء إليها وأعصى الأشياء عليها في آن واحد. فالوعي هو ما نعيش به كل شيء، ولذلك نميل إلى اعتباره أوضح من كل شيء. لكنه أيضًا، لهذا السبب ذاته، يصعب أن نجعله موضوعًا دون أن نشوهه. الإلغائية تتولد من الرغبة في التحرر من هذا السحر، والدفاع عن الخبرة يتولد من الخوف من أن يتحول التحرر إلى نسيان للأصل. وبين هذين الحدين تبقى الحقيقة الأرجح: أن الوعي ليس وهمًا، لكنه ليس أيضًا ذلك الكيان البسيط الذي تخيله الوعي عن نفسه. إنه واقع يفرض علينا أن نفكر لا فقط في ما يوجد، بل في كيف يظهر، وكيف يُعاش، وكيف يمكن أن يُساء فهمه حتى من قِبل من لا يملك سواه مدخلًا إلى العالم.
***
عبد الله الهميلي








