عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

عبد الله الهميلي: مشكلة الوعي.. حين يعجز العالم عن تفسير حضوره فينا

الوعي هو الجرح الذي لم يندمل في جسد المعرفة الحديثة. فمنذ أن نجح العلم في تفكيك المادة إلى ذرات، والدماغ إلى شبكات، والسلوك إلى أنماط، ظلّ هناك شيء واحد يقاوم الاختزال بعناد غريب: ذلك الحضور الداخلي الذي لا يُرى، ولا يُقاس مباشرة، ولا يُختزل إلى معادلة، لكنه مع ذلك أقرب إلينا من كل شيء. إننا قد نعرف كيف تتحرك الإشارات العصبية في القشرة البصرية حين نرى اللون الأحمر، وقد نرصد بدقة مناطق الألم والذاكرة والانتباه، لكن كل هذا لا يفسّر لماذا يكون هناك أصلًا شيء ما يشبه أن نرى الأحمر، أو أن نتألم، أو أن نتذكر، أو أن نكون نحن أنفسنا من الداخل. هنا تبدأ مشكلة الوعي، لا باعتبارها نقصًا تقنيًا في المعرفة، بل بوصفها تصدّعًا في بنية التفسير نفسها.

إن ما يجعل الوعي مشكلة فلسفية كبرى ليس أننا نجهل بعض تفاصيله فحسب، بل أن لغتنا العلمية كلها تبدو وكأنها تتحرك خارجه دون أن تمسه في مركزه. العلم يصف الوظائف، يشرح الترابطات، يحدّد الآليات، لكنه حين يصل إلى الخبرة الذاتية يتوقف عند عتبة غامضة. يمكنه أن يقول لنا ما الذي يحدث في الدماغ حين يخاف الإنسان، لكنه لا يستطيع أن يعبر الجسر من هذا “الحدوث” الموضوعي إلى “الإحساس” الذاتي بالخوف. يمكنه أن يحدد الشروط العصبية للرؤية، لكنه لا يفسر كيف تنقلب النبضات الكهربائية إلى عالم مرئي حاضر في التجربة. وكأن ثمة هوة بين الوصف من الخارج والحضور من الداخل، بين الوقائع الفيزيائية كما تُرصد، والخبرة كما تُعاش.

من هنا ظهر التمييز الشهير بين ما يُسمّى بالمشكلات السهلة للوعي والمشكلة الصعبة. والمقصود بالمشكلات السهلة ليس أنها سهلة فعلًا، بل إنها قابلة من حيث المبدأ للتفسير العلمي الوظيفي: كيف ينتبه الدماغ؟ كيف يدمج المعلومات؟ كيف يميز بين المنبهات؟ كيف يصدر التقارير اللفظية عن حالاته؟ هذه كلها مسائل معقدة، لكنها تقع داخل أفق التفسير السببي المعتاد. أما المشكلة الصعبة فهي شيء آخر: لماذا ترافق هذه العمليات كلها خبرة ذاتية أصلًا؟ لماذا لا يكون الكائن جهازًا بالغ التعقيد يعالج المعلومات دون أن يكون هناك أحد “في الداخل” يحيا هذه المعالجة؟ لماذا لا يكون العالم مجرد حساب بلا حضور؟

هذه الصعوبة هي التي دفعت بعض الفلاسفة إلى القول إن الوعي يكشف حدود النزعة المادية في صورتها الاختزالية. فإذا كانت كل حقيقة في العالم قابلة للرد إلى حقائق فيزيائية، فلماذا يبدو أن هناك بعدًا كيفيًا لا تلتقطه الفيزياء؟ إن وصف الدماغ بوصفه جهازًا لمعالجة المعلومات قد يشرح التنظيم، لكنه لا يشرح الإحساس. المعلومات ليست ألمًا، والتمثيل ليس لونًا، والوظيفة ليست طعمًا، والترابط العصبي ليس حزنًا. إننا هنا لا نواجه مجرد فجوة في البيانات، بل فجوة في النوع: فرقًا بين ما يمكن وصفه بضمير الغائب وما لا يُفهم إلا بضمير المتكلم.

ولعل أشهر ما كشف حدة هذه المعضلة هو سؤال الكواليا، أي الخصائص الكيفية للتجربة. ما معنى أن ترى الأحمر؟ ليس المقصود هنا الطول الموجي، ولا البنية الشبكية، ولا التصنيف الإدراكي، بل تلك الكيفية الحية التي يظهر بها الأحمر في التجربة. هذه الكيفية لا تبدو شيئًا زائدًا بالمعنى الساذج، لكنها ليست كذلك مجرد وظيفة قابلة للتبادل. قد نصنع آلة تميز الأحمر من الأخضر بدقة تفوق الإنسان، لكن هل هذا يعني أنها “ترى” الأحمر؟ هنا ينكشف التوتر بين الأداء والخبرة، بين السلوك والوعي، بين النجاح الوظيفي والحضور الظاهراتي.

ومن أجل تعميق هذه الفجوة، صاغ بعض الفلاسفة تجارب ذهنية أصبحت مركزية في فلسفة العقل. من أشهرها الزومبي الفلسفي: كائن مطابق للإنسان في كل شيء فيزيائيًا وسلوكيًا، يتكلم مثله، يستجيب مثله، يصف العالم كما نصفه، لكنه يفتقر تمامًا إلى الخبرة الواعية. إذا كان تصور مثل هذا الكائن ممكنًا منطقيا، فذلك يعني أن الحقائق الفيزيائية لا تستلزم وحدها وجود الوعي. سواء قبلنا هذه الحجة أو رفضناها، فإن قوتها تكمن في أنها تكشف أن السؤال عن الوعي ليس سؤالًا عن التعقيد فقط، بل عن طبيعة العلاقة بين البنية والظهور، بين المادة والتجربة.

وفي الجهة المقابلة، حاولت النزعات المادية أن ترد بأن هذا كله ناتج عن سوء فهم لطبيعة التفسير. فالوعي، في نظر بعضهم، ليس لغزًا ميتافيزيقيًا، بل ظاهرة تنشأ حين يبلغ التنظيم العصبي مستوى معينًا من التكامل أو النمذجة الذاتية أو القدرة على الإحالة الداخلية. ما نعتبره “فجوة تفسيرية” ليس إلا أثرًا للحدود الإدراكية للإنسان حين يحاول فهم ذاته بأدوات تطورت أصلًا للبقاء لا للشفافية الميتافيزيقية. بعبارة أخرى: ربما لا يكون الوعي شيئًا زائدًا على العالم الطبيعي، بل يكون فقط الطريقة التي يظهر بها التنظيم المعقد من الداخل.

غير أن هذا الرد، على أهميته، لا يحل المشكلة بل ينقلها. لأنه حتى لو قلنا إن الوعي ينشأ من التعقيد، يبقى السؤال قائمًا: لماذا ينتج التعقيد خبرة بدلًا من أن يبقى مجرد تعقيد؟ إن قولنا إن الدماغ يكوّن نموذجًا لنفسه لا يفسر لماذا يكون لهذا النموذج طابع معيش. وإن قولنا إن الوعي هو تكامل للمعلومات لا يوضح لماذا يكون تكامل المعلومات مصحوبًا بإحساس. التفسير هنا كثيرًا ما يتحول إلى إعادة تسمية للمشكلة، لا إلى حل لها.

لهذا ظهرت اتجاهات أخرى أكثر جرأة، مثل البانسايكزم، الذي يفترض أن الوعي ليس حادثًا طارئًا في الكون، بل سمة أولية من سمات الواقع، مثل الكتلة أو الشحنة. في هذا الأفق، لا يكون الوعي قد انبثق فجأة من مادة ميتة تمامًا، بل تكون المادة ذاتها حاملة لأشكال بدئية من الداخلية. قوة هذا الطرح أنه يتجنب المعجزة الصامتة التي تجعل الذاتي يخرج من اللاموضوعي خروجًا مطلقًا. لكن مشكلته الكبرى أنه يواجه سؤالًا صعبًا آخر: كيف تتجمع هذه “الداخليات” الجزئية لتكوّن وحدة الوعي الإنساني؟ كيف تنتقل الذرات من ومضاتها المفترضة إلى ذات واحدة تقول: أنا؟

وهناك أيضًا من حاول أن يفهم الوعي لا بوصفه جوهرًا مستقلًا ولا بوصفه إفرازًا آليًا، بل كعلاقة. أي أن الوعي ليس شيئًا نملكه داخل الرأس كما نملك عضوًا، بل هو انفتاح على العالم، نمط حضور، طريقة يكون بها الكائن في العالم. هذا ما ألمحت إليه الفينومينولوجيا حين رفضت اختزال التجربة إلى أشياء داخلية. فالوعي، في هذا المنظور، ليس صندوقًا مغلقًا يحتوي صورًا، بل حركة قصدية تتجه دائمًا نحو شيء. أنا لا أملك وعيًا أولًا ثم أضيف إليه العالم، بل أجد نفسي منذ البدء في تماس مع العالم، منخرطًا فيه، متوجّهًا نحوه، متأثرًا به. هذه المقاربة لا تحل المشكلة العصبية طبعًا، لكنها تعيد ترتيبها: بدل أن نسأل فقط كيف ينتج الدماغ الوعي، نصبح مضطرين إلى السؤال عن الخطأ الكامن في تصورنا للوعي كشيء محصور داخل الجمجمة أصلًا.

إن مأزق الوعي يكشف في العمق أزمة أوسع في الحداثة المعرفية: أزمة العلاقة بين المنظور الثالث والمنظور الأول. لقد تفوقت العلوم الحديثة لأنها نجحت في تعليق الذات والحديث عن العالم من الخارج، بلغة القياس، والتكرار، والموضوعية. لكن الوعي هو بالضبط ما لا يُعطى إلا من الداخل. ومن هنا نشأ التوتر: كلما اقتربنا من الشروط الموضوعية للوعي ابتعدنا عن كيفيته المعاشة، وكلما تمسكنا بالخبرة الحية فقدنا قابلية القياس. إننا كأننا نقف بين لغتين: لغة تقول ما يحدث، ولغة تشهد على ما يُعاش، ولا توجد حتى الآن ترجمة كاملة بينهما.

وهذا ما يجعل مشكلة الوعي ليست مجرد مشكلة في فلسفة العقل، بل مشكلة في معنى الإنسان نفسه. لأن الوعي هو موضع الحرية، والهوية، والألم، والذاكرة، والحب، والخوف، والكرامة. إذا اختزلناه تمامًا إلى نشاط عصبي فقد نخسر شيئًا من ثراء التجربة البشرية، وإذا فصلناه تمامًا عن العالم الطبيعي وقعنا في ثنائية غامضة يصعب الدفاع عنها. لذلك فإن الصعوبة الحقيقية ليست فقط في أن نفسر الوعي، بل في أن نفعل ذلك دون أن نمحو الإنسان أو نحوّله إلى شبح.

ربما لا يكون السؤال النهائي هو: ما الوعي؟ بل: لماذا يظهر العالم أصلًا في صورة خبرة؟ لماذا لا يكون الوجود صامتًا بالكامل؟ لماذا يوجد حضور بدلًا من مجرد وقوع؟ هنا يتحول الوعي من قضية تقنية إلى دهشة أنطولوجية. فالكون، عبرنا، لا يكتفي بأن يكون، بل يصبح ظاهرًا لنفسه. وهذه الحقيقة، مهما تقدم العلم في تحليل شروطها، ستظل تحمل شيئًا من الغموض البدئي: أن المادة في لحظة ما لا تصير فقط منظمة، بل تصير معيشة؛ لا تصير فقط بنية، بل تصير إحساسًا؛ لا تصير فقط شيئًا في العالم، بل موضعًا يظهر فيه العالم.

لهذا تبقى مشكلة الوعي أعظم من أن تُفهم كعقبة عابرة في طريق العلم، وأخصب من أن تُختزل إلى لغز ميتافيزيقي معزول. إنها النقطة التي يصطدم فيها التفسير بالحضور، والسببية بالمعنى، والموضوعية بالتجربة. إنها الموضع الذي يكتشف فيه الفكر أن العالم ليس فقط ما يُرى، بل أيضًا ما يرى نفسه فينا.

***

عبد الله الهميلي

في المثقف اليوم