عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

العيد معروفي: الفلسفة واليومي.. مقاربة تأويلية

ليست الفلسفة، في جوهرها، ذلك التفكير الذي ينسحب من العالم لكي يتأمل العالم من بعيد؛ بل لعلها تبدأ حين يكفّ اليومي عن كونه بديهيًا، وحين يتحول ما نمارسه دون سؤال إلى ما يستحق أن يُسأل عنه. فاليومي لا يقف خارج الفلسفة، كما قد يوحي التصور التقليدي الذي جعل التفلسف بحثًا عن الكليات والمبادئ الأولى، وإنما هو أحد أكثر ميادينها خصوبة؛ لأن ما نسميه «عاديًا» يخفي، في الغالب، أكثر الأسئلة عمقًا. إن الفلسفة لا تولد دائمًا من الدهشة أمام النجوم والكائنات والمطلق، بل قد تولد من فنجان قهوة، أو من طابور انتظار، أو من صمت عابر، أو من كلمة نكررها حتى تفقد معناها، ثم نكتشف فجأة أنها كانت تسكن حياتنا أكثر مما كنا نسكنها.

من هنا يصبح اليومي نصًا مفتوحًا للتأويل. إنه ليس مجرد تعاقب للأحداث الصغيرة، بل نسيج من العادات والرموز والإشارات والانتظارات التي تمنح وجودنا معناه من حيث لا نشعر. نحن لا نعيش اليومي فحسب، بل نفهم أنفسنا من خلاله، ونبني علاقتنا بالآخرين والأشياء والزمن والمدينة واللغة. ولذلك فإن السؤال الفلسفي لا يأتي إلى اليومي من خارجه، وإنما ينبثق من داخله، كما ينبثق المعنى من طبقات نص لا يكشف نفسه دفعة واحدة.

إن التأويل هنا لا يعني البحث عن معنى مختبئ خلف الظاهرة اليومية وكأن هناك حقيقة سرية ينبغي استخراجها، بل يعني الدخول في حوار مع ما نعيشه. وهذا ما يجعل الهرمينوطيقا أكثر من مجرد منهج لقراءة النصوص؛ إنها طريقة في فهم الوجود نفسه. فالإنسان، قبل أن يكون قارئًا للكتب، هو كائن يقرأ العالم، ويقرأ الآخرين، ويقرأ ذاته من خلال ما يحيط به. ومن ثم فإن اليومي هو أول كتاب نقرأه، وإن كنا غالبًا لا نعرف أننا نقرأ.

ولعل هذا ما يجعل سؤال الفلسفة واليومي سؤالًا عن المعنى قبل أن يكون سؤالًا عن الأشياء. فالكرسي الذي نجلس عليه ليس مجرد جسم مادي، والشارع الذي نعبره ليس مجرد مساحة جغرافية، والهاتف الذي نمسكه ليس مجرد أداة تقنية. الأشياء تدخل عالمنا من خلال شبكة من الدلالات. إننا لا نرى الأشياء كما هي في عزلتها، بل كما تظهر لنا داخل عالم من الاستعمالات والذكريات والانتظارات والعلاقات. ومن هنا فإن اليومي لا يكون يوميًا لأنه بسيط، وإنما لأنه مألوف؛ والمألوف هو أكثر ما يحتاج إلى إعادة نظر، لأنه الشيء الذي نتوقف عن رؤيته بمجرد أن نعتاد عليه.

والفلسفة، بهذا القدر، هي استعادة القدرة على رؤية ما ألفناه.وهنا يمكن استحضار قولـة الفيلسوف الألماني هانز جورج غادامر في قوله:" ليست التأويلية المطورة هنا منهاجية للعلوم الإنسانية، بل هي محاولة لفهم ما هي العلوم الإنسانية حقيقة، بتجاوز وعيها الذاتي المنهاجي، وما يربطها بكليانية تجربتنا للعالم.  "ولئن جعلنا الفهم موضوعاً لتفكيرنا، فليس المرء من وراء ذلك هو فن الفهم أو تقنية الفهم، مثلما أرادت أن تكون التأويلية التقليدية والتأويلية اللاهوتية. فمثل هذا الفن أو التقنية ستخفق في إدراك أن التقنية الشكلية، في نظر الحقيقة التي تتحدث إلينا من التراث، تتصل نفسها تقوياً زائفاً. ومع ذلك، والكلمة لـ "غادامير": "سأوضح فيما يلي كم يؤثر حدث ما في الفهم كله، وكم هو ضئيل التأثير الذي يمارسه الوعي التاريخي الحديث لإضعاف التراثات التي نخضع لها، إذ ليس من اهتمامي أن أضع قواعد للعلوم أو لصرف الحياة، بل أن أسعى إلى تصحيح التفكير الزائف في ماهيتها. " ومن ثم فإن اليومي ليس مادة خامًا تأتي الفلسفة لكي تمنحها المعنى، لأن اليومي نفسه مشبع سلفًا بالتأويلات. إن مهمة الفيلسوف ليست اختراع المعنى، بل كشف الشروط التي تجعل شيئًا ما ذا معنى بالنسبة إلينا.

ولذلك فإن الفلسفة حين تقترب من اليومي لا ينبغي أن تتعامل معه باعتباره موضوعًا هامشيًا أو شأنًا منخفضًا قياسًا إلى الموضوعات «الكبرى». إن الحياة اليومية هي المكان الذي تتجسد فيه المفاهيم الكبرى بصورة صامتة. الحرية تظهر في الطريقة التي نختار بها ونمتنع بها ونطيع بها. السلطة تظهر في تفاصيل الخطاب والعادة والمؤسسة. الاغتراب يظهر حين يتحول الإنسان إلى موظف في روتينه الخاص. الاعتراف يظهر في نظرة الآخر إلينا وفي الطريقة التي نمنح بها الآخر حق أن يكون مرئيًا. وحتى الزمن لا يظهر لنا أولًا في المعادلات الفلسفية، وإنما في الانتظار، والملل، والاستعجال، والحنين، والخوف من الغد.

هكذا يتحول اليومي إلى مرآة فلسفية للإنسان. لكن المفارقة أن الإنسان المعاصر يعيش في اليومي أكثر مما عاشه الإنسان في أي زمن سابق، ومع ذلك يبدو أقل قدرة على الإقامة فيه. لقد أصبحت الحياة اليومية مثقلة بالشاشات والإشعارات والصور المتدفقة والأخبار العاجلة والسرعة الاستهلاكية. لم يعد اليومي فضاءً نعيش فيه فحسب؛ لقد أصبح فضاءً تُدار داخله انتباهاتنا ورغباتنا وميولنا. وما يبدو اختيارًا شخصيًا قد يكون في بعض الأحيان نتيجة هندسة دقيقة للرغبة والانتباه. ولذلك فإن فلسفة اليومي اليوم لا تستطيع أن تكتفي بوصف العادات؛ عليها أن تسأل: من يصنع عاداتنا؟ ومن يحدد ما نراه؟ ومن يقرر ما يستحق انتباهنا؟

هنا يتقاطع التأويل مع النقد.

فالإنسان لا يعيش اليومي بصورة بريئة تمامًا؛ إنه يعيش داخل أنظمة من المعنى تسبقه وتؤثر في رؤيته للعالم. اللغة التي نتكلم بها، والصور التي نستهلكها، والأخبار التي تصلنا، والأشياء التي نعتبرها ضرورية، كلها تشارك في تشكيل أفقنا اليومي. ولذلك فإن تفكيك اليومي ليس ترفًا فلسفيًا، وإنما هو محاولة لاستعادة شيء من الحرية أمام ما صار يبدو طبيعيًا وبديهيًا.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم أهمية ما قدمه ميشيل دو سارتو في التفكير في الممارسات اليومية؛ فالإنسان العادي ليس مجرد مستهلك سلبي لما تنتجه المؤسسات والأنظمة، بل يمارس أشكالًا صغيرة من المراوغة وإعادة الاستخدام وإنتاج المعنى.  إن اليومي، في هذا المنظور، ليس فقط مجالًا للهيمنة، بل هو أيضًا مجال للمقاومة الهادئة. قد لا يغيّر الإنسان العالم دفعة واحدة، لكنه يستطيع أن يعيد استعمال الأشياء، وأن يمنح الكلمات معاني أخرى، وأن يخلق لنفسه مساحات صغيرة من الحرية داخل نظام يبدو مغلقًا.

وهنا يصبح اليومي فعلًا تأويليًا ومقاومة تأويلية في الوقت نفسه.

إننا نخطئ حين نبحث عن الفلسفة في الكتب وحدها وننسى أنها تختبر حقيقتها في الحياة. فما قيمة الحديث عن الأخلاق إذا لم نستطع أن نرى الآخر في تفاصيل علاقتنا به؟ وما قيمة الحديث عن الحرية إذا كان الإنسان عاجزًا عن مساءلة عاداته؟ وما قيمة الحديث عن الحقيقة إذا كنا نستهلك كل ما يصل إلينا دون فحص أو تمييز؟ وما قيمة الحديث عن الإنسان إذا لم نستطع أن نفهم هشاشته في لحظات العجز والوحدة والانتظار؟

الفلسفة التي لا تعود إلى اليومي تتحول بسهولة إلى خطاب عن العالم لا يمس العالم.

ولهذا فإن الفلسفة واليومي ليسا حدين متقابلين؛ فالفلسفة هي محاولة لجعل اليومي قابلًا للسؤال، واليومي هو المجال الذي يختبر فيه السؤال الفلسفي صدقه. إن الفيلسوف لا يحتاج دائمًا إلى مغادرة الشارع كي يفكر في الوجود؛ يكفي أن يصغي إلى ما يقوله الشارع من خلال صمته، وضجيجه، وتكراره، وعلاقاته الصغيرة. فالمدينة نص، والبيت نص، والعمل نص، واللغة نص، وحتى الصمت نص يحتاج إلى تأويل.

إن أعظم ما يفعله التأويل هو أنه ينزع عن الأشياء قناع البداهة.

حين نسأل: لماذا نفعل هذا كل صباح؟ لماذا نتكلم بهذه الطريقة؟ لماذا نعتبر هذا طبيعيًا؟ لماذا ننتظر من الآخر أن يكون كما نريده؟ لماذا نخاف من الاختلاف؟ لماذا نقيس النجاح بهذه المقاييس دون غيرها؟ فإننا لا نطرح أسئلة صغيرة، بل نفتح داخل اليومي شقوقًا يطل منها الفلسفي.

وربما لهذا السبب لا تكون الفلسفة في النهاية امتلاكًا للأجوبة، بل استعادةً للسؤال.

إن الإنسان الذي فقد القدرة على السؤال يستطيع أن يعيش طويلًا، لكنه يعيش داخل معانٍ لم يخترها بالضرورة. أما الإنسان الذي يستعيد السؤال، فإنه لا يخرج من اليومي، وإنما يدخل إليه للمرة الأولى. يصبح قادرًا على رؤية ما كان يمر أمامه دون أن يراه، وعلى الإصغاء إلى ما كان يسمعه دون أن ينصت إليه. وهنا يتحول اليومي من فضاء للتكرار إلى أفق للإمكان.

إن الفلسفة لا تقول لنا: اتركوا الحياة اليومية وابحثوا عن الحقيقة في مكان آخر؛ بل تقول، على العكس: عودوا إلى ما تعيشون، ولكن عودوا إليه بعين أخرى.

ذلك أن العالم لا يتغير دائمًا حين تتغير الأشياء؛ أحيانًا يتغير حين تتغير طريقة رؤيتنا لها. وما التأويل إلا هذا التحول الهادئ في النظر: أن نعيد قراءة ما حسبناه مقروءًا، وأن نستعيد السؤال من بين ركام الأجوبة الجاهزة، وأن نمنح المألوف فرصة أن يفاجئنا من جديد.

ومن هنا يمكن القول إن الفلسفة واليومي يلتقيان في نقطة واحدة: المعنى. فاليومي هو المعنى حين يتجسد في العادة، والفلسفة هي المعنى حين يستيقظ من عادته. وبينهما يتحرك الإنسان، لا بوصفه ساكنًا في عالم مكتمل، بل بوصفه كائنًا يؤول باستمرار، ويعيد فهم نفسه كلما أعاد فهم العالم.

ولعل الفيلسوف الحقيقي ليس من يستطيع أن يقول أشياء غريبة عن الحياة، وإنما من يستطيع أن يجعلنا نرى غرابة ما اعتدنا عليه.

وهذه، في النهاية، هي مهمة الفلسفة أمام اليومي: أن توقظ الأشياء من نومها، وأن تردّ إلى الكلمات دهشتها، وإلى الأفعال سؤالها، وإلى الإنسان حقه في أن يفهم ما يفعله قبل أن يواصل فعله.

فاليومي ليس ما يتكرر فحسب؛ إنه ما ينتظر أن نقرأه. والفلسفة ليست ما يُقال عن الحياة؛ إنها ما يجعل الحياة قابلة لأن تُفهم.

***

بقلم: د. معروفي العيد

..................

الهوامش:

1- غادامير (هانز جورج)، الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة حسن ناظم وعلي حاكم صالح، دار أويا للنشر، ليبيا، طبعة أولى .2007

2- Michel de Certeau, L’invention du quotidien. 1. Arts de faire, Paris, Gallimard, 1990.

في المثقف اليوم