عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

قاسم المحبشي: تقول بدون أن تتكلم.. السلطة التي تسكننا

من الممارسة الاجتماعية إلى ثقافة الطاعة

 بحسب ميشيل فوكو

تقوم الجماعات والمجتمعات البشرية، وتنمو وتستمر وتستقر وتزدهر، في سياق اجتماعي تاريخي ثقافي علائقي تفاعلي شديد التعقيد. وليس المجتمع شيئاً قائماً خارج الناس أو فوقهم، كما أنه ليس مجرد مجموع حسابي لأفراده، بل هو حصيلة تاريخية مستمرة لأفعال البشر وعلاقاتهم وتفاعلاتهم وما ينتج عنها من بنى ومؤسسات ورموز وقيم وتمثلات في أربعة أنساق مترابطة هي: فاعل، وفعل، وعلاقة، وبنية، فضلاً عن المكان والزمان بوصفهما الإطارين القبليين اللذين تتعين فيهما كل خبرة إنسانية، بحسب التعبير الكانطي.

فالفاعل الاجتماعي هو الإنسان الفرد أو الجماعة، والفعل هو ما يصدر عنه من ممارسة أو نشاط، والعلاقة هي المجال الذي يلتقي فيه الفاعلون ويتفاعلون، أما البنية فهي الشكل الأكثر دواماً واستقراراً الذي ينتج عن تكرار الأفعال والعلاقات عبر الزمن إذ عبر تفاعل هذه العناصر الأربعة تتولد سائر الظواهر والأشكال الاجتماعية والثقافية؛ من الأسرة والقرابة إلى المدرسة والجامعة، ومن الدين والدولة إلى الاقتصاد والفن والقانون. وكل ما ينتجه الإنسان من مؤسسات وكيانات وأطر رموز وقيم ومعتقدات وتمثلات يعاد بناؤه وصياغته باستمرار في خضم ممارسته لحياته المتعينة مادياً ومعنوياً، واقعياً وافتراضياً.

الحياة التي نمنحها تسعة أعشار وقتنا، بلا ماض ولا مستقبل، عالم اللحظة الحاضرة الراهنة المباشرة، عالم الحياة، وتدفقها بـ ملموسيتها وكليتها، أي الحياة اليومية البسيطة المملوءة بالانشغالات الروتينية، والمتطلبات المعيشية الملحَّة الصغيرة، والروتينية، التي تستغرق الكائن الاجتماعي الساعي إلى إشباع حاجاته بمختلف الوسائل والسبل والحيل، والتقنيات، والعادات والتقاليد، والأساليب والصراعات، والرهانات والتفاعلات، والنجاحات والإخفاقات، والمكاسب، وكل أنماط العلاقات والممارسات اليومية، التي ننهمك فيها وتشكِّل فعلاً عصب الجسد الاجتماعي برمَّته، أي الحياة بلا مزايا، التي يسمِّيها عالم الاجتماع جلبر دوران بـ «الجو الخانق»

إن الإنسان لا يعيش وحيداً، ولا يصبح إنساناً إلا في علاقته بغيره. فهو يوجد دائماً في شبكة من العلاقات المتغيرة: أنا وأنت، ذات وآخر، نحن وهم، فرد وجماعة، مواطن ودولة، معلم وطالب، طبيب ومريض، رجل وامرأة. وهذه العلاقات ليست ثابتة ولا أبدية، بل تتغير باستمرار بتغير الفاعلين والأفعال والسياقات التاريخية والثقافية.

فالإنسان يشترك مع غيره من البشر في كثير من الأشياء، ويختلف عنهم في أشياء أخرى. إنه يشترك معهم في خصائصه الإنسانية والبيولوجية العامة، ويمتلك في الوقت نفسه خصوصيته النفسية والفردية، كما ينتمي إلى جماعات وثقافات تشكل عالمه الاجتماعي. ومن هنا تتوزع دراسة الإنسان بين العلوم الطبيعية والبيولوجية، والعلوم النفسية، والعلوم الاجتماعية والثقافية، دون أن يعني ذلك إمكان الفصل الحقيقي بين هذه المستويات في وجود الإنسان الواقعي.

من هذا المنظور الكلي يمكننا فهم التاريخ الاجتماعي للإنسان باعتباره تاريخ انتقال الأفعال إلى علاقات، والعلاقات إلى بنى، والبنى إلى مؤسسات.

لنأخذ الأسرة مثالاً بسيطاً.

التزاوج فعل إنساني واجتماعي بين فاعلين، وحين يتكرر هذا الفعل وينتظم ضمن قواعد وعادات وقيم معينة، تنشأ علاقة اجتماعية مستقرة. ومن استمرار هذه العلاقة عبر الزمن تتشكل بنية الأسرة، ومنها تتسع دوائر القرابة والعشيرة والقبيلة والقومية والأمة، وصولاً إلى الإنسانية بوصفها الأفق الأوسع لانتماء الإنسان المعاصر.

وهكذا يمكن النظر إلى المؤسسات التكوينية

فإذا كف التلاميذ عن الذهاب إلى المدرسة، والمعلمون عن التعليم، انتهت المدرسة بوصفها مؤسسة حية، مهما بقي مبناها قائماً. وإذا انقطع الطلاب عن الذهاب إلى الجامعة وتوقف الأساتذة عن التدريس، تحولت الجامعة إلى مبانٍ صامتة بلا روح.

وإذا كف الناس عن التقاضي، فقدت مؤسسة العدالة وظيفتها. وإذا توقف الناس عن الالتزام بالقواعد المنظمة للحياة العامة، اهتز النظام السياسي والمدني.

إن المؤسسة، في جوهرها، ليست جدراناً أو قوانين مكتوبة أو هياكل إدارية فحسب، بل هي استمرار حي لعلاقات اجتماعية يمارسها البشر بصورة متكررة.

البشر يصنعون المؤسسات، ثم تعود المؤسسات لتعيد تشكيل البشر وهنا تكون مع جوهر فلسفة ميشيل فوكو في معنى السلطة فالسلطة، في التصور الفوكوي، ليست شيئاً مادياً يحتفظ به شخص أو حزب أو طبقة اجتماعية، وليست ملكية تنتقل من يد إلى أخرى كما تنتقل الثروة أو الأرض. إنها شبكة معقدة من العلاقات المتحركة التي تسري في جسد المجتمع كله. السلطة موجودة في العلاقة بين المعلم والطالب، والطبيب والمريض، والأب والابن، والمدير والموظف، والرجل والمرأة، والقاضي والمتهم. وهي موجودة في المدرسة والمستشفى والسجن والثكنة والمصنع والأسرة ووسائل الإعلام. ولهذا لا ينبغي لنا أن نبحث عن السلطة في القصر الرئاسي وحده، لأن السلطة الحديثة لم تعد تسكن مكاناً واحداً، ولا تصدر من مركز واحد، وإنما تتوزع في تفاصيل الحياة اليومية مثل شبكة دقيقة لا نكاد نراها، لكنها تحيط بنا وتشارك في تنظيم حياتنا وتشكيل سلوكنا؛ إنها ليست مجرد قوة تمنع وتقمع وتحرم وتعاقب. فالسلطة لا تقول للإنسان دائماً: لا تفعل. إنها تقول له أيضاً: افعل هكذا، كن هكذا، تحدث بهذه الطريقة، تعلم بهذه الطريقة، أحب بهذه الطريقة، وكن مواطناً صالحاً بهذه الصفات. السلطة لا تمنع الإنسان فقط، بل تنتجه أيضاً. إنها تنتج الخطابات والمعارف والتصنيفات والهويات، بل وتشارك في صناعة الإنسان نفسه بوصفه ذاتاً.

وتلك هي أعمق أفكار فوكو: إذ أكد إن الإنسان ليس ذاتاً طبيعية مكتملة ثم تأتي السلطة من الخارج لكي تقيدها، بل إن ما نسميه «الذات» يتشكل تاريخياً داخل شبكة واسعة من علاقات السلطة والمعرفة. فالطفل يدخل المدرسة فيتعلم القراءة والكتابة، لكنه يتعلم في الوقت نفسه الجلوس في مكان محدد، واحترام الوقت، والالتزام بالجرس، والخضوع للامتحان، وانتظار التقييم. والمريض يدخل المستشفى للعلاج، لكنه يتحول في الوقت نفسه إلى موضوع للمعرفة الطبية. والسجين يدخل السجن بوصفه مخالفاً للقانون، لكنه يصبح موضوعاً للدراسة والمراقبة والتصنيف والإصلاح.

إن المدرسة، مثلاً، لا تعلم المعرفة فقط، كما أن السجن لا يعاقب فقط، والمستشفى لا يعالج فقط. كل مؤسسة من هذه المؤسسات تنتج نمطاً معيناً من البشر. إنها تصنع الفرد المنضبط والمراقَب والقابل للقياس والتصنيف.

ومن هنا جاءت استعارة فوكو الشهيرة لنموذج «البانوبتيكون» أو السجن الدائري الذي صممه جيريمي بنثام في القرن الثامن عشر. يقوم التصميم على برج مركزي يستطيع الحارس منه مراقبة جميع السجناء، بينما لا يعرف السجين متى يكون تحت المراقبة ومتى لا يكون. وهذه الفكرة البسيطة تحمل معنى فلسفياً عميقاً: حين يشعر الإنسان بأنه قد يكون مراقباً في أي لحظة، فإنه يبدأ بمراقبة نفسه بنفسه

بهذا المعنى، لا تعمل السلطة على الإنسان من الخارج فقط، بل تدخل إلى أعماقه، وتشارك في تشكيل صورته عن نفسه وعن الآخرين وحينما تقرأ ما كتبه فوكو عن ممارسة المجالدة الرومانية تفهم معنى الفكرة.

معنى السلطة والحاكم بوصفه راعي الرعية أو والي أمرها في كل زمان ومكان ومعنى الراعي والرعية تدل دلالة لا لبس فيها عن حقيقة العلاقة بين الحاكم والمحكومين في كل زمان ومكان ولا شيء تحت الستار! تلك هي السياسية وهناك مواقف» شديدة الاختلاف تجاه المحكومين» باعتبارهم موضوعًا طبيعيًا، وهناك طرائق متباينة لتناولهم على نحو موضوعى» أو إذا كان ذلك أفضل هناك «إيديولوجيات مختلفة حول العلاقة بالمحكومين. ولنقل هناك ممارسات مختلفة تتخذ إحداها موضوعا منهم باعتبارهم أهل بلد» وتتخذهم الأخرى باعتبارهم دوابا بشرية والثالثة باعتبارهم عشيرة.. الخ. وفي الظاهر لا يكون الاختلاف إلا طريقة في الكلام، وتعديلا في مواضعات المعجم ولكن في الواقع تكون أمام ثورة علمية تنشب وراء هذا التغير اللفظى، فالمظاهر تنقلب ظهرا لبطن كما نقلب كم الثوب وأخيرًا تموت المشاكل الزائفة مختنقة. وأما المشكلة الصحيحة فتتحقق». ولنطبق هذا المنهج على المبارزات ولنتساءل فى (أى ممارسة سياسية يكون الناس قد تحولوا إلى موضوعات) موضعوا أنفسهم على نحو يتيح لهم إذا رغبوا في تلك المبارزات أن تقدم لهم بكل إخلاص وفى أى ممارسة يكون لا سبيل إلى ذلك؟ والإجابة سهلة.

كتب بول فيين فيي أزمة المعرفة التاريخ؛ فوكو وثورة في المنهج في وصف المبارزة الرومانية المتوحشة ما يلي “لنفترض أن علينا مسئولية قطيع من الغنم في حالة ارتحال، وأننا أخذنا على عاتقنا مسئولية الرعاة تلك، ونحن لسنا أصحاب هذا القطيع، فصاحبه يكتفى بجز الصوف جريا وراء الربح، وفيما عدا ذلك فهو يترك الماشية في عدم اكتراثها الطبيعي، وأما نحن فيجب أن نكفل سير القطيع فهو ليس في المرعى بل في عرض الطريق، وعلينا أن نمنعه من التبعثر لصالحه بطبيعة الحال. «لا بوصفنا المرشدين الذين يعرفون هدفهم ويقررون إلى أين يقودون الماشية ويدفعونها إليه: فالقطيع يرتحل من تلقاء نفسه، أو بالأحرى إن طريقه ينتقل من أجله، لأنه يسير في الطريق الرحب «للتاريخ فعلينا أن نكفل مواصلته البقاء باعتباره قطيعا على الرغم من مخاطر الطريق والغرائز السيئة للماشية وضعفها وقصورها الذاتي، وبضربات العصا إذا لزم الأمر نمارس إدارة الأمور بأيدينا نحن : وتتعرض الماشية الضروب من الكدر ولا تحصل على العدالة بكل جلالها. إن هذا القطيع بمثابة الشعب الروماني ونحن أعضاء مجلس شيوخه ولسنا ملاكا لهذا الشعب لأن روما لم تكن قط ملكية عقارية تحتها دواب بشرية، فقد ولدت بوصفها شعبا موحدا، بوصفها مدينة.

أما نحن باعتبارنا آخرين فقد أخذنا على عاتقنا توجيه هذا القطيع البشرى لأننا نعرف أفضل منه ماذا ينبغى له، ولكي نؤدى رسالتنا عينا مواطنين عموميين يفسحون الطريق أمامنا في الاحتفالات العامة وهم يحملون حزمة من السياط لكي يقرعوا الدواب التي تبث الاختلال في نظام القطيع أو التي تنحرف شاردة عنه فسلطة البوليس وأعماله الهابطة لا تتميز بدرجة أكبر من الوقار». وتنحصر سياستنا في المحافظة على القطيع في مسيرته التاريخية، وفيما عدا ذلك نحن نعرف جيدا أن الدواب دواب. ونحن نحاول ألا نتخلى في طريقنا عن كثير من الماشية التي أنهكها الجوع لأن ذلك يقلل من عدد القطيع: فسنعطيها ما تأكله إذا كان ذلك واجبا. وسنعطيها أيضًا السيرك والمبارزات الدموية التي يحبونها كثيرا . (ولأن الحيوانات ليست أخلاقية ولا غير أخلاقية فهى كما هي فحسب فنحن لا نهتم بأن نحرم الشعب من دم المبارزين بأكثر مما ينتبه راعي قطيع من البقر أو الضأن إلى الإشراف على الجماع بين دوابه ليمنع العلاقات الجنسية بين المحارم)

***

د. قاسم المحبشي

 

في المثقف اليوم