عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

مجدي إبراهيم: سرُّ النبوغ الأدبي.. وفلسفة التنوير (3)

ـ قيمة التوليد الباقية:

نعودُ إلى ما كنا بدأناه، إلى "القيمة" الباقية التي تتراءى لنا فيما كان الرافعي يذكره عن سر النبوغ الأدبي، وهو "التوليد". ولا يظهر التوليد في الأدب فقط، بل هو كذلك في عالم الأفكار أشدّ ظهوراً. على أن الجديد في الفكرة هو نسبة الرافعي لها إلى النبوة أو على أقل تقدير يشبِّهها بوحي النبوة.

فإنّ امتلاك الناظر في الأدب والفكر لمفتاح التوليد لا يجد حرجاً في توخي العبقرية في مصادرها الأولى، ويقصد بها "الوحي"؛ فكما يكون الوحي مصدراً من مصادر النبوة، كذلك تكون العبقرية مصدراً من مصادر الوحي مع اختلاف الدرجة لا النوع. رحم الله "الرافعي" كان يرى أن " ... جهاز التوليد متى استمر واستحكم في الإنسان، أصبح له بمقام ملك الوحي من النبيّ، وهو عندنا دليل من أقوى الأدلة على صحّة النبوّة وحدوث الوحي وإمكانه، إذ لا تتصرّف به إلا قوة غيبيّة لا عمل للإنسان فيها، بل هي تبدع إبداعها وتلقى عليه إلقاءً.

وهذه القوة إنْ أرادت معاني الجمال أخرجت الشاعر، وإنْ أرادت كشف السّر عن الأشياء، أخرجت الأديب، وإنْ أرادت حقائق الوجود أخرجت الحكيم، فإن كان الأمر أكبر من هذا كله، وكان أمر تغيير الحياة وصبّ أزمان جديدة للإنسانية والوثوب بهذه الدنيا درجة أو درجات في الرقي؛ فهنا تكون الوسيلة أكبر من البصيرة.

فليس لها من قوة الغيب إلا الوحي، ويكون الغرض أكبر من الشاعر والأديب والحكيم، فلا يختار إلا النبيّ، ثم لا يوحي إليه إلا وهو في حسِّ لساعة الوحي وحدها، وهى ساعة ليست من الزمن، بل من الروح المنصرف عن الزمن وما فيه؛ ليتلقى عن روح الخلد، وقريبٌ من ذلك خلوة النابغة بنفسه في ساعة التوليد، فسرّ النبوغ من سرّ الوحي، لا ريب في ذلك ...".

لسنا نريد أن نبخس الرجل حقه، وقد قلنا فيما تقدّم إنّ الجديد في الفكرة هو نسبة "الرافعي" لها إلى ”النبوة“؛ فلو إننا استدركنا لقلنا إنّ شيئاً ما يلمُّ بالنفس عند قراءة هذا الكلام، فيذكرنا ويذكر الباحثين أجمعين بالفروق الفارقة بين مراتب الولاية ومقاصد النبوّة عند صوفية الإسلام؛ فمنهم من كان يعرج بتلك القوة الغيبية المُلهمة في الارتقاء بالولاية إلى المورد الأعلى الذي تستمد منه النبوة روافدها مع التفرقة الظاهرة بين إلهام الأولياء ووحي الأنبياء.

ومنهم من جعل المعراج النبوي أسوة وهداية: أنموذجاً مباركاً لمعراج الأولياء. ومنهم من جعل النبوة واسطة بين الحق والخلق، إذ (لولا الواسطة لذهب كما قيل الموسوط)، فنحن بالنبي، والنبيّ بالله، بمعنى أن مدد النور الإلهي مُوجَّه إلى النبيّ خاصّة، فهو صلوات الله وسلامه عليه يستمد من الله مباشرة، والمخلوقين يستمدون نور الوحود منه عليه السلام، فهو الواسطة بين الحق والخلق.

كذلك؛ لسنا نريد أن نأخذ بمنهج "الأشباه والنظائر"، فنمدّ جذور الفكرة إلى أفلاطون، ونحرم من ثمّ الرافعي منها فيما خطه بقلمه ووعاه. ولو إنك تعقبته إلى منتهاه، لوجدته يستخدم ألفاظاً فلسفية عامة، ومصطلحات أفلاطونيّة على خصوصية دلالاتها؛ كأن تقرأ في مفرداته اصطلاح "ما وراء الطبيعة" " وآلة النور" " والتناسخ"، وما شابه ذلك من الألفاظ والعبارات التي ترى أشباهها ظاهرة بوضوح في كتب الفلسفة والتصوف.

وإنّما الإنصاف ـ لا الإجحاف ـ يحتم علينا أن نقول إنّ الرافعي، طيّب الله ثراه، كان تشبّع بالآثار الروحيّة في الإسلام، واستقى من مشكاة النبوة ما حال بينه وبين نوافذ البصر إلى المصادر البعيدة، واكتفى بذلك أي اكتفاء. فلو أنه كان منفتحاً على ثقافات الأمم الأخرى، لعرف أنه لا يخلو عصر من عصور التاريخ من ثقافة روحيّة تكاد تمثل عقيدة بمفردها يتعبّد بها المتعبدون، ويجلُّونها أحياناً ويهبطون بها أحياناً على التفاوت فيما بينهم في موازين النقصان والإجلال.

لندع عوامل التأثير والتأثر جانباً، ولنؤمن ـ ونحن بصدد سرّ النبوغ كما تولِّده لنا قريحة أديبنا الكبير مصطفى صادق الرافعي ـ بخصائص العقل في إبداعاته الفردية وكيانه الوَحْدَويّ؛ فتوليد العقل للأفكار إنمّا يتأتى من نضج الذهن المُهيأ بأدواته العصبية، يتّجه إلى المجهول ومعانيه كما تتجه كل آلآت المرصد الفلكي إلى السماء وأجرامها، إذ ذاك يعتمد "النابغة" في المقام الأول على صدق النظر وإدامة العمل وانقطاع التفكير عن كل شيء إلا الشيء الذي يفكر في إنتاجه، وسوى أن يؤدي فريضة البحث وضريبة الإبداع؛ مدمناً الصبر على التعب، والدقة في النصب، والاهتمام بالتفاصيل.

ـ النابغة مبدعٌ على الأصالة مسكونٌ بالتفاصيل:

ولم يكن التوليد، وهو على ذلك الوصف، إلا ملكة خاصّة تتوافر للدارس الجاد والباحث الأريب والمتلقي المجتهد، فتتركب فيه من طول النظر ودوام الدُّرْبَة والتمرين؛ حتى إذا ما وافقت طبعاً سليماً وحسّاً مرهفاً، بلغت به مبلغاً عظيماً شريطة أن يكون ذلك بين الناس على قانون التفاوت وقسطاس الاختلاف من حيث القوة في الملكة العامرة ومن حيث الضعف فيها، فبعض الناس فيها أكمل من بعض بحسب أحوال أزمانهم ومعايشهم وحوادثهم ونحوها.

قال الرافعي:" وبهذه المُباينة؛ تجتمع لكل منهم شخصية وتتسق له طريقة، وبذلك تتنوّع الأساليب، ويُعاد الكلام غير ما كان في نفسه، وتتجدّد الدنيا بمعانيها في ذهن كل أديب يفهم الدنيا، وتتخذ الأشياء الجارية في العادة غرابة ليست في العادة، ويرجع الحقيقي أكثر من حقيقته".

ولهذه الإشارة دلالة من طبع المبدع أو طبع النابغة لا تخلو من تصديق؛ فالكتابة الجيدة لا شك ثمرة القراءة الجيدة للكاتب الجيد. والعلوم والأفكار، والمذاهب والمباحث، والحكم والأشعار، والآراء والنظريات، والمقروء عموماً من المنظوم والمنثور؛ كل هذا كله لا قيمة له ما لم يعترك في الطبع اعتراكاً فتنصقل به القريحة وتتفاعل حواشي النفس معه، تتلقاه كما الطعام السائغ يمر بمراحل في أجهزة الجسم إلى أن يصير عصارة طيبة تمد الجسم بمقوّم الحياة.

وكذلك المعاني المقروءة، والأفكار المهضومة، تختمر في باطن العقل، وتظل مع قوة تأمل عالية إلى أن تخرج بعد ذلك في صورة جيدة على إثر حادث عارض أو مقصود.

سئل مُصوّر مبدع: بماذا يمزج ألوانه، فتأتي ولها إشراقها وجمالها، ونبوغ مبانيها، وزهوّ الحياة بها في الصورة؟ فقال: إنمّا أمزجها بمخي؛ فإن الألوان عند الناس جميعاً، ولكن مُخّه عنده وحده، وله تركيبه الخاص به وحده. وسر الصناعة في توليد هذا الدماغ؛ فكأن ألوانه في صناعته جاءت منه خاصّة به دوناً عن سواه. وكذلك كل ما يتناوله العبقري إنما هو نسيج وحده:" فإنك لتجد الشعر في وزن خاص يدل عليه ويتمّم الغرض منه، ويضيف إلى معانيه أُنقاً من الجمال وحُسْنه، وإلى صوته نغماً من الموسيقى وطربها. فما أشبه الجهاز العصبي في دماغ كل نابغة أن يكون وزناً شعريّاً لهذا النابغة بخاصّته. ألا ترى أنك لا تقرأ الأديب الحق إلا وجدت كل ما يكتبه يجئ في وزن خاص به، لا يخرج عنه مرة أو تزيد أنت فيه أو تنقص إلا ظهر لك أنه مكسور ...".

وإذا سألت الرافعي: أتستطيع أن تفرّق بين الذهن "العبقري" والذهن "الذكي" الذي لا يرتفع إلى درجة العبقرية في عملية التوليد؟

يجيبك، وهو على ثقة بما يقول: الذهن العبقري ليس له من المعاني إلا مادة عمل، فلا تكاد تلابسه حتى تتحول فيه وتنمو وتتنوع وتتساقط له أشكالاً وصوراً في مثل خطرات البرق، وربما غمر بالمعنى الواحد في جماله وسموه وقوة تأثيره مقالات عدّة لأولئك الأذكياء". ولعلك تتذكر معي قول "دافنشي": "تعمل العبقريات قليلاً وتفكر كثيراً"، الأمر الذي يدعوك إلى دهشة التساؤل: لِمَ لَمْ تهطل كتب العباقرة هطلاً كالمطر؟!

أمّا الذهن الذكيّ، فهو يتخذ المعاني موضوع بحث ونظر وتعقب، يستخرج منها أو يعلق عليها وكفى. وقد لا تجد فيما يستخرج أو يعلق شيئاً من دلالة الطبع على الذكاء والنبوغ تماماً كما هو حال أدعياء القلم وأشباه الكاتبين في هذا العصر الممسوخ: عصر الزيف والفساد والتزوير والنقل الحرفي من البرامج اللغويّة والذكاء الاصطناعي وادعاء الكتابة بالمجهود الذهني الشخصي.

في زمن المسخ ليس من قيم، تتطاول الدعوى ويتبجّح أصحابها بالرزيلة، وليس من قيم.

غاية الغايات في عمل الذهن الذكي هي أن يبحث وينظر ويتصفح ويجمّع من هنا ويحصر من هناك، ثم يعرض ويعارض ويصحح ويأتيك ـ كما يقول الرافعي ـ بالمقالة يحسبُ فيها ك بالشموع ل شيء وما فيها إلا أشياؤه هو، وأمثاله.

وليس هذا عمل العبقري بحال؛ لأن العبقري يأخذ مقالات هؤلاء جميعاً، فتراه وقد نسجها نسجاً وجعلها منه كالشموع الموقدة بإزاء الشمس، فإذا ذهبتَ توازن بين مثل هذا المعنى، ومثل هذه المقالات في الروعة والجلال، ورأيت عربدة المقالة وغرورها لم تستطع إلا أن تقول لها: يا حصاة الميزان في إحدى كفتيه ألا يكفيك الجبل في الكفة الأخرى...؟!

ولكن لا بدّ من سؤال أخير أيها العبقري الفذ، ونحن بصدد كنه البحث عن التوليد: كيف تستطيع الأذهان أن تستخرج من قرأتها للمقروء والمحفوظ أشياء جديدة بهذه الصورة الغريبة التي تكاد تكون شيطانية أو قريبة من عمل الشيطان؟!

فقال: "عرف الأدباء جميعاً أن كاتب فرنسا العظيم "أناتول فرانس" كان يكتب الجملة ثم ينقّحها، ثم يهذّبها، ثم يعيدها، ثم يرجع فيها، وهكذا، خمس مرات إلى ثمان، ويقدّم ويؤخر من موضع إلى موضع، ويحتسبون هذا تمكيناً وتهذيباً، وما هو منها في شيء، ولا أحسب الأوروبيين أنفسهم تنبّهوا إلى سر هذه الطريقة...".

ولأن الأديب الكبير سيكشف لك عن سر النبوغ فلا بدّ هنا من أن تظهر عليك علامات الترقب ولهفة التنبه والانتظار ... أتراك تنبهت وأصغيت، فاستمع إذن لما يقول:" ... إنما سرها من جهاز التوليد في رأس ذلك الكاتب العظيم، فإذا قرأ كتابة حولها فكره وأبدع له منها من غير أن يعمل أو يتكلف له إلا ما يتكلف من يهز إليه بجذع الشجرة لتساقط عليه ثمراً ناضجاً حلواً جنياً ... فكلما قرأ، ولّد ذهنه، فيثبت ما يأتيه فلا تزال صورة تخرج من صورة حتى يجيء المعنى في النهاية وأنه لأغرب الغرائب، لا يكاد العقل يهتدي إلى طريقته وسياق الفكر فيه إذ كان لم يأت إلا محوّلاً عن وجهه مرات لا مرة واحدة".

ففي ذلك كلة يكمن سر النبوغ وهو التوليد. تلك هي القيمة التي أطلقنا من أجلها القلم ولم نستطع حبسه، لنكتب عنها هذه الدراسة المطولة.

ولنا الآن بعد هذا العناء الممضّ، أن نضع أمام القارئ علامات استفهام، لا بل علامات استنكار ليحتكم إلى الرافعي فيما كان خطه بقلمه ووعاه!

فنقول: إنه إذا كان الرافعي عرف أن في أدمغة الناس أجهزة تسمى بالتوليد، وأن النوابغ منهم بُله العباقرة من شأنهم أن يولّدوا ما شاء لهم التوليد من كل قديم جديداً يجيء علامة خاصة عليهم وعلى عصرهم الذي يعيشون فيه، وعلى سماتهم وطابعهم المميز لهم فيما أرادوا له أن يكون؛ فلماذا أصرّ صاحبنا على أن يكون من أنصار القديم وهو الأديب الذي عرف أن أجهزة التوليد من شأنها أن تعتصر آثار الفكر والشعور عصراً ليكون عبقاً جديداً تستنشقه أنوف الأجلاف وغير الأجلاف من الذين يفهمون أو لا يفهمون؟!

ألا يكون ذلك تناقضاً في العقل الذي أدرك، وفي الجهاز الذي ولّد، وفي الحياة التي تعاش وفيها ما فيها من سبل الجدة الجديدة المبتكرة ما لا يستطيع إنكاره إلا ذو عقل بليد؟

لا شك عندي أن فكرة التوليد إنما هي فكرة تدعم عصر النور، وتخدم ثقافة التنوير، وتؤسس لفلسفة قائمة على الوعي والتفكير لا على التقليد والمحاكاة؛ فلئن كان الرافعي رحمه الله قال بها وهو من أنصار القديم، فحسبه من التناقض الذي لا يجيزه منطق العقل إنه كان يضرب بقلمه في أوهاق التضليل.

***

بقلم: د. مجدي إبراهيم

في المثقف اليوم