ليست كل الجرائم التي يرتكبها الإنسان في حق الإنسان قابلة للرصد، وليست كل الضحايا ممن يستطيعون الوقوف أمام المحاكم ليقولوا إنهم كسروا وتألموا
فهناك جرائم لا تترك خلفها جثثا، ولا تلطخ أيدي مرتكبيها بالدماء، لكنها تترك في أعماق ضحاياها خرابا لا تراه العيون، وندوبا لا تمحوها السنوات، وأسئلة موجعة عن جدوى الطيبة، وعن معنى الثقة، وعن ذلك الإنسان الذي منحناه شيئا من أرواحنا، فإذا به يعيده إلينا مكسورا.
إننا نعيش في مجتمعات اعتادت أن تقيس الجريمة بما يمكن إثباته، وأن تحصي الخسائر بما يمكن تعويضه، وأن تبحث عن الجاني في مسرح الجريمة، متناسية أن بعض المسارح لا تتجاوز حدود القلب، وأن بعض الضحايا يواصلون حياتهم بصورة طبيعية، بينما يكون شيء جوهري في أعماقهم قد مات إلى الأبد.
فهل القتل هو فقط أن تنهي حياة الجسد، أم أن تدفع روحا إلى الانطفاء البطيء، حتى يصبح بقاؤها على قيد الحياة مجرد استمرار بيولوجي لحياة فقدت معناها؟
فالإنسان لا يعيش بالخبز وحده، ولا تحميه القوانين من كل أشكال الأذى. إنه يعيش أيضا بالحب والكرامة والثقة، وبالشعور بأنه مرئي ومقبول، وأن ثمة من يصغي إلى صوته دون أن يسخر منه، ويحتضن ضعفه دون أن يستغله، ويصون قلبه دون أن يتخذ منه ساحة لتجاربه العابرة.
ومن هنا تبدأ الحكاية؛ من تلك الجرائم التي لا تحدث في الشوارع المظلمة، بل في وضح العلاقات الإنسانية، حيث يرتدي الأذى أحيانا قناع الحب، وتتخفى القسوة خلف مبررات الحرية، ويصبح الجرح الذي أحدثناه في حياة الآخر مجرد تفصيل صغير في يومنا، بينما يتحول في حياته إلى مأساة كاملة.
أن تعلق قلب إنسان بك، ثم تتركه في منتصف الطريق، بعد أن جعلته يصدق أن مستقبلا ينتظره معك.. جريمة.
أن تستخدم ماضيه ضده كلما اختلفت معه.. جريمة.
أن تمنحه أملا وأنت تعرف أنك لا تنوي الوفاء به.. جريمة.
أن تسرق ضحكة أحدهم.. جريمة.
أن تصدم الآخر بكلمة جارحة في لحظة ضعف.. جريمة.
أن تتنمر عليه حتى تجعله يرى نفسه بعينك الساخرة ويكره صورته في المرآة.. جريمة.
أن تمنحه الأمان ثم تستخدم خوفه ضده.. جريمة.
أن تعبث بثقته، ثم تتركه يشك في كل من حوله.. جريمة.
أن تسخر من حلمه فتجعله يخجل من أحلامه.. جريمة.
أن تقلل من شأنه حتى يبدأ في تصديق أنه لا يستحق.. جريمة.
أن تستغل ضعفه وأنت تعرف أنه ائتمنك عليه.. جريمة.
أن تخذل قلبا جاءك صادقا، ثم تمضي في حياتك كأن شيئا لم يحدث.. جريمة.
أن تكون سببا في انطفاء شيء جميل في إنسان، ثم تتركه وحيدا في مواجهة عتمته.. جريمة.
قد لا تدخل هذه الجرائم سجلات المحاكم، لكنها تدخل ذاكرة الإنسان. وقد لا يعاقب عليها القانون، لكنها قد تتحول إلى عقوبة يعيشها الضحية كل يوم: خوف من الحب، شك في الآخرين، احتقار للذات، وعجز عن منح الثقة مرة أخرى.
لكن هل يعني ذلك أن كل ألم جريمة؟
بالطبع لا. فالإنسان ليس مسؤولا عن كل مشاعر الآخرين، والحب لا يُفرض، والرحيل قد يكون حقا مشروعا، والاختلاف ليس خيانة، والعلاقات قد تنتهي دون أن يكون فيها جان ومجني عليه.
إن ما يجعل الأذى مسألة أخلاقية ليس مجرد حدوث الألم، وإنما الطريقة التي نصل بها إليه: هل كنا صادقين أم مخادعين؟ هل احترمنا الآخر أم استغللنا تعلقه؟ هل كنا ندرك هشاشته ثم استخدمناها ضده؟ وهل، حين عرفنا أثر أفعالنا، حاولنا إصلاح ما أفسدناه أم واصلنا السير وكأن شيئا لم يحدث؟
فليس من الضروري أن يكون كل أذى مقصودا حتى يكون مؤلما، لكن المسؤولية الأخلاقية تبدأ حين ندرك أثر أفعالنا، ونملك القدرة على مراجعتها، ثم نختار بين أن نتوقف أو نستمر.
إن الجريمة المعنوية لا تحتاج دائما إلى يد مرفوعة أو سلاح حاد؛ فقد ترتكبها نظرة احتقار، أو تجاهل متعمد، أو خيانة ثقة، أو سخرية متكررة، أو كلمة قيلت في لحظة غضب ثم استقرت في ذاكرة صاحبها سنوات طويلة.
والكلمات على وجه الخصوص ليست أصواتا تتبدد في الهواء. إنها تترك أثرا في الطريقة التي يرى بها الإنسان نفسه. قد تكون الكلمة نافذة يطل منها المرء على ذاته بمحبة، وقد تكون جدارا يحاصره خلف صورة مشوهة عن نفسه.
ولعل التنمر من أكثر أشكال القتل المعنوي قسوة؛ لأنه لا يكتفي بإيذاء الإنسان من الخارج، بل قد يدفعه إلى استبطان الإهانة، فيتحول صوت المتنمر مع الوقت إلى صوت يسكن داخله. عندها لا يعود الضحية بحاجة إلى من يهينه؛ فقد أصبح يحمل سجانه في داخله.
وهنا تتجاوز المسألة حدود المشاعر العابرة لتصل إلى سؤال فلسفي أعمق: ما الذي يجعل فعلا ما جريمة في ميزان الأخلاق، حتى وإن لم يكن جريمة في ميزان القانون؟
ربما تبدأ الإجابة من الطريقة التي ننظر بها إلى الإنسان نفسه.
هل نراه ذاتا مستقلة، لها كرامتها وإرادتها وحقها في الاختيار؟ أم نراه مجرد وسيلة لإشباع رغباتنا، أو تأكيد أهميتنا، أو تفريغ غضبنا، أو ملء فراغ عاطفي مؤقت؟
هنا يصبح استحضار كانط ضروريا؛ فقد جعل احترام الإنسان بوصفه غاية في ذاته، لا مجرد وسيلة، مبدأ مركزيا في أخلاقه. ومن هذا المنظور، فإن استغلال ضعف الآخر أو التلاعب بوعيه ومشاعره لا يمثل مجرد سلوك مؤذ، بل انتقاصا من إنسانيته واستقلاله، لأنه يحوله من ذات لها إرادتها إلى أداة في مشروع لا يملك فيه حق الاختيار الحقيقي.
ولذلك فإن أخطر أشكال الأذى ليست دائما تلك التي تأتي في لحظة غضب، وإنما تلك التي تتحول إلى ممارسة واعية للسيطرة: أن تعرف موضع الألم في إنسان، ثم تضغط عليه عمدا؛ أن تعرف ما الذي يخيفه، ثم تستخدم خوفه لإخضاعه؛ أن تعرف مقدار تعلقه بك، ثم تجعل هذا التعلق وسيلة للابتزاز أو الإهانة.
نحتاج، في المقابل، إلى أن نعيد الاعتبار إلى اللطف، لا بوصفه ضعفا، بل بوصفه وعيا بقيمة الإنسان.
أن نفهم أن الاعتذار ليس انتقاصا من الكرامة، وأن الاعتراف بالخطأ ليس هزيمة، وأن الرحمة ليست ترفا أخلاقيا يمكن الاستغناء عنه في عالم مزدحم بالمنافسة والصراع.
فكم من إنسان لم يكن يحتاج إلى معجزة كي يستعيد ثقته بالحياة، بل إلى كلمة صادقة، أو اعتذار متأخر، أو يد تمتد إليه دون أن تطالبه بتبرير انكساره.
وكم من جرح كان يمكن ألا يحدث، لو أدرك صاحبه أن وراء كل وجه حكاية لا يعرفها، وأن الإنسان الذي يبدو قويا قد يخفي في أعماقه هشاشة لا تحتمل مزيدا من العبث.
إن أخطر ما في القتل المعنوي أنه قد يحدث دون أن يلتفت إليه أحد، وأن مرتكبه قد يواصل حياته مطمئنا، بينما يظل ضحيته يخوض معركة طويلة لاستعادة نفسه.
وقد ينسى الإنسان وجوه الذين آذوه، لكنه لا ينسى دائما كيف شعر في حضورهم: هل كان آمنا أم خائفا؟ محترما أم مهانا؟ مقبولا كما هو، أم مضطرا إلى الاعتذار عن ذاته؟
لهذا فإن مسؤوليتنا الأخلاقية لا تبدأ فقط حين نرفع أيدينا عن الآخرين، بل حين نكف عن استخدام الكلمات والمشاعر والثقة الإنسانية أدوات للسيطرة والإذلال.
لا تجعلوا من الحب فخا، ولا من الصراحة سلاحا، ولا من اختلاف الآخرين مادة للسخرية. لا تسلبوا إنسانا ثقته بنفسه ثم تطالبوه بأن يكون قويا، ولا تهدموا قلبا ثم تتعجبوا من عجزه عن الحب.
فليس كل ما لا يعاقب عليه القانون مباحا في ضمير الإنسان، وليس كل جرح لا يُرى جرحا صغيرا.
قد تنتهي الجريمة حين يغادر الجاني المكان، لكنها لا تنتهي بالضرورة حين يغادر الألم قلب ضحيته.
وربما كان أسمى ما يمكن أن نتركه في حياة الآخرين ليس أثرا يدل على أننا مررنا من هنا، بل طمأنينة تجعلهم أكثر تصالحا مع ذواتهم، وأكثر قدرة على الحب، وأقل خوفا من العالم.
فإذا لم نستطع أن نكون سببا في ابتسامة إنسان، فلنحاول على الأقل ألا نكون سببا في انطفائها.
فالكلمات مسؤولية، والحب مسؤولية، والثقة مسؤولية، والقوة مسؤولية. وكل قلب يضع شيئا من حياته بين أيدينا هو أمانة، حتى وإن لم يكتب القانون على هذه الأمانة عقدا.
لا تجعلوا من ضعف الآخرين فرصة للقوة، ولا من ثقتهم مادة للعبث، ولا من الحب مساحة للسيطرة.
لا تقتلوا في الإنسان شيئا فشيئا ثم تطالبوه بأن يظل كما كان
***
ابتهال عبد الوهاب








