عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

سيد فاروق: انعتاق الذات

بين حنين الروح والسرد الإبداعي في الشعر العربي.. مقاربة في تيمة الحنين والأصالة

قراءة نقدية في قصيدة «حنين لا يغيب» للشاعرة صفاء عابدين زايد

ليست الذاكرة في الشعر مجرد مستودع للأيام المنصرمة، ولا الحنين مجرد انفعال عابر يستدعي صورة الماضي كلما ضاق الحاضر؛ فالذاكرة الشعرية، في أعمق تجلياتها، فعلُ إعادة خلق، والحنين ليس عودةً إلى الوراء بقدر ما هو محاولة لاسترداد شيء من الذات التي تركت جزءًا من كينونتها هناك، في مكانٍ أو زمنٍ أو وجهٍ أو رائحةٍ أو مشهدٍ لم يعد حاضرًا إلا بوصفه أثرًا في الوجدان. ومن هذه الزاوية تتشكل قصيدة «حنين لا يغيب» للشاعرة صفاء عابدين زايد بوصفها نصًا تتداخل فيه الذات والذاكرة والمكان والطبيعة والسرد في نسيج شعري يستعيد الريف لا باعتباره جغرافيا محضة، وإنما باعتباره ذاكرةً جمعيةً ومصدرًا للهوية وفضاءً تأسيسيًا للطفولة والألفة والأصالة.

إن عنوان القصيدة «حنين لا يغيب» ينهض بوصفه عتبةً نصية تؤسس منذ البدء لعلاقة جدلية بين الحضور والغياب؛ فلفظة «حنين» تحيل إلى حركة النفس نحو ما افتقدته، بينما تأتي عبارة «لا يغيب» لتنسف مفهوم الغياب ذاته، وكأن الشاعرة تريد أن تقول إن ما غاب عن العين لم يغب عن الوعي، وإن الزمن يستطيع أن يطوي المكان في الخارج، لكنه يعجز عن محوه من الداخل. وهنا يصبح العنوان مفتاحًا تأويليًا للنص كله؛ فالحنين ليس موضوع القصيدة فحسب، بل هو الطاقة التي أنشأت القصيدة ودفعت السرد الشعري إلى استحضار عالم كامل بكل تفاصيله.

واللافت أن الشاعرة لا تدخل إلى الماضي من بوابة التأمل النظري، وإنما تدخل إليه من باب المشهد. تبدأ بقولها:

في منزلٍ قربَ المياهِ الجاريةْ

كنا هنا نُسقى الودادَ علانيةْ

فتتحول كلمة «منزل» من دلالة مكانية إلى بؤرة ذاكرية، ويصبح الماء أول مفاتيح الاسترجاع. فالماء في المخيال الشعري ليس مجرد عنصر طبيعي؛ إنه علامة على الحياة والاستمرار والتجدد، ولذلك فإن اقترانه ب«الوداد» يخلق انتقالًا سيميائيًا من الماء المحسوس إلى ماء العاطفة. وكأن الذات لم تكن تُسقى ماءً فحسب، بل كانت تُسقى حياةً وانتماءً وألفة.

وهكذا تبدأ القصيدة رحلة استعادة الذات من خلال استعادة المكان، وهي آلية سردية تجعل النص أقرب إلى السيرة الشعرية الوجدانية؛ إذ لا تسرد الشاعرة أحداثًا بالمعنى التقليدي، وإنما تستدعي شذرات من زمن سابق، ثم تعيد ترتيبها داخل بنية شعرية تقوم على التذكر والانتقاء والإضاءة.

أولًا: الحنين بوصفه بنيةً للذاكرة وانعتاقًا للذات

حين تقول الشاعرة:

نشدو ونمرح في حبورٍ مثلما

يشدو النسيمُ على غصونٍ دانيةْ

فإنها لا تستعيد طفولةً فردية فحسب، وإنما تستعيد إيقاعًا وجوديًا كان أكثر انسجامًا بين الإنسان والطبيعة. فالفعل «نشدو» يتكرر في علاقته بالنسيم، بما يؤسس لمعادلة جمالية يصبح فيها الإنسان والطبيعة صوتًا واحدًا. الإنسان لا يقف أمام الطبيعة متفرجًا، والطبيعة لا تظهر خلفيةً صامتة للمشهد، وإنما يدخل الطرفان في حوار شعري؛ فالنسيم يشدو، والذات تشدو، والغصون تصغي بطريقة غير مباشرة إلى ذلك النشيد الكوني.

وهنا تتجلى إحدى آليات التشخيص الشعري، حيث تمنح الشاعرة عناصر الطبيعة خصائص إنسانية، فتغدو الطبيعة ذاتًا مشاركة في التجربة لا مجرد إطار لها.

ثم تقول:

لم ندخرْ وسعًا لقنص سعادةٍ

كيما نحلّق كالفراشِ سواسيةْ

والعبارة هنا تحمل بعدًا دلاليًا يتجاوز الصورة المباشرة؛ ف«قنص السعادة» استعارة تكشف أن السعادة في وعي الذات لم تكن شيئًا مضمونًا، بل كانت لحظةً ينبغي اقتناصها. أما التشبيه بالفراش فيحمل إيحاءً بالحرية والخفة والانطلاق، ويعيد بناء الطفولة بوصفها زمنًا لم تكن فيه الروح مثقلةً بالحدود التي يصنعها العمر.

ومن منظور التلقي، فإن القارئ لا يستقبل هذه الصور باعتبارها ذكريات خاصة بالشاعرة فقط؛ إذ سرعان ما تنفتح الذات الفردية على ذاكرة القارئ الجمعية. فكل قارئ يمكن أن يعثر داخل «المنزل»، و«المروج»، و«الطيور»، و«الصباح»، و«البنفسج»، على شيء من طفولته أو على صورة لماضٍ يتمنى استعادته. وهذه هي إحدى وظائف الشعر الحقيقية: أن يحول الخاص إلى قابل للتشارك، وأن يجعل التجربة الفردية مرآة لتجارب إنسانية متعددة.

ومن هنا فإن الحنين في القصيدة لا يمثل حالة انكسار أمام الزمن، بل يتحول إلى آلية انعتاق؛ لأن الذات، وهي تستعيد ماضيها، تستعيد معه صورتها الأولى قبل أن تثقلها التحولات. إنها لا تهرب من الحاضر بقدر ما تبحث عن ذاتها في طبقات الذاكرة.

ولعل هذا يتأكد في قولها:

كنا جميعًا مثل أسراب القطا

ويقودنا شيخٌ، وأمٌّ حانيةْ

فهنا تنتقل القصيدة من «أنا» الفردية إلى «نحن» الجماعية. وهذا الانتقال مهم من الناحية السردية؛ لأنه يحول الذاكرة من ملكية فردية إلى ذاكرة جمعية. ف«أسراب القطا» ليست مجرد صورة تشبيهية، بل علامة على الاجتماع والرحلة والتآلف، بينما يمثل «الشيخ» و«الأم» قطبي الحماية والحكمة والرعاية. وهكذا يتشكل المجتمع القديم في النص باعتباره بنيةً من العلاقات لا مجرد مجموعة من الأشخاص.

إن الشاعرة، بهذا الاسترجاع، لا تستعيد زمنًا فحسب، وإنما تستعيد نظامًا قيميًا كان يقوم على الألفة والتكافل والقيادة الروحية والحنان الأسري، وهو ما يمنح الحنين في النص بعدًا أخلاقيًا وثقافيًا واضحًا.

ثانيًا: المكان من الجغرافيا إلى الذاكرة — سيمياء الريف بوصفه وطنًا للروح

إذا كان الحنين هو الطاقة المحركة للنص، فإن المكان هو المخزون السيميائي الذي يمنح هذه الطاقة صورها وتجلياتها. فالقصيدة لا تذكر الريف بوصفه اسمًا جغرافيًا، وإنما تبنيه من خلال شبكة كثيفة من العلامات:

نقتات من خير المروج وسحرها

ونصادق الأطيار إذ هي شاديةْ

*

ونلاحق النسمات إن هي أقبلتْ

صوب الزروع بخفةٍ متناهيةْ

*

كنا هنا حيث الحياة سخيةٌ

والأفق صحوٌ والزنابق ناديةْ

إن هذه المفردات: المروج، الأطيار، النسمات، الزروع، الأفق، الزنابق لا تعمل منفردة، وإنما تنتظم داخل حقل دلالي واحد هو حقل الطبيعة الحية. والطبيعة هنا ليست وصفًا خارجيًا، وإنما لغة بديلة تتكلم بها الذات عن نفسها.

فالزروع تصبح علامة على الخصوبة، والماء علامة على الاستمرار، والنسيم علامة على الحرية، والصباح علامة على البدء، والزهور علامة على النقاء، والأفق علامة على الاتساع. وبذلك تتحول الطبيعة إلى معجم نفسي؛ كل عنصر فيها يحمل حالة شعورية موازية.

إن قول الشاعرة:

والشمس ترسل في حبورٍ ضوءها

والكون يعزف والأماني زاهيةْ

يكشف عن ذروة هذا التماهي بين الذات والكون. فالشمس لا «تضيء» فقط، وإنما «ترسل» الضوء في حبور، والكون لا يصمت، بل «يعزف». إننا أمام كون شاعري مؤنسن، أو أمام ما يمكن تسميته ب«الكون المتجاوب»؛ حيث لا تعود الطبيعة مادة جامدة، بل تصبح كائنًا مشاركًا في الوعي.

وهذا التشخيص لا يخلو من وظيفة فلسفية؛ فالذات التي فقدت زمنها القديم تعيد بناء علاقة المصالحة مع العالم من خلال الشعر. إنها تستعيد العالم لكي تستعيد نفسها. ومن هنا تتضح جدلية «الذات والكون»: فكلما اتسعت الطبيعة في النص، اتسعت معها مساحة الذات، وكلما ضاق الحاضر، اتسعت الذاكرة لتمنح الروح فضاءً بديلًا.

ولذلك يأتي النداء:

يا ريفُ يا نغمًا يفيض عذوبةً

وطلاوةً سُكبت بأرضٍ غاليةْ

وهنا يتحول «الريف» إلى منادى شعري، ثم إلى «نغم». وهذا التحويل من المكان إلى الصوت يكشف أن الريف لم يعد مكانًا خارجيًا، وإنما أصبح إيقاعًا داخليًا يسكن الذاكرة. إنه وطن الروح الصغير، أو المكان الذي احتفظت فيه الذات بأولى علاقتها بالعالم.

وتتعمق هذه الدلالة حين تستدعي الشاعرة تفاصيل شديدة الخصوصية:

يا حبذا زهر البنفسج حينما

يهدي شذاه على أكفٍّ راضيةْ

*

يا حبذا الأنداء حين سقوطها

مثل اللجين على الورود الساجيةْ

فالشمّ واللمس والرؤية والحركة كلها تشترك في إنتاج الذاكرة. وهذا ما يجعل النص قريبًا من الذاكرة الحسية؛ إذ لا تُستعاد الطفولة عبر الأفكار، وإنما عبر الرائحة واللون والماء والندى والضوء.

وهنا تكمن قوة السرد الشعري؛ لأن الحواس تصبح جسورًا بين الزمنين: زمن مضى، وزمن يستعيده الوعي. إن الشاعرة لا تقول للقارئ «كان الماضي جميلًا»، بل تجعله يرى الجمال ويسمعه ويشمّه، وبذلك تتحول الذكرى إلى تجربة جمالية معاشة داخل النص.

ثالثًا: السرد الشعري وجماليات الاستقبال — حين تتحول الذكرى إلى حكاية

تقوم القصيدة على حركة سردية واضحة، وإن كانت مكتوبة في هيئة شعرية. فالضمير «نحن» يتكرر، والأفعال الماضية تتوالى: «كنا»، «نشدو»، «نقتات»، «نصادق»، «جرى»، «كنا هنا»، ثم ينتقل النص إلى الحاضر الوجداني في قولها:

تُقنا إليكَ أيا رفيقَ طفولتي

يا من تضوّع عطرُهُ في القافيةْ

وهنا يحدث التحول من زمن الحكاية إلى زمن الحنين. فالماضي لم يعد مجرد زمن نحوي، بل أصبح طبقةً سردية تستعاد من داخل الحاضر. وهذا التداخل الزمني يمنح النص طاقته التأويلية؛ إذ إن الماضي لا يظهر بوصفه منتهيًا، وإنما يعود في اللحظة التي تستحضره فيها الذات.

و«رفيق الطفولة» هنا ليس شخصية فقط، بل يمكن قراءته بوصفه علامةً على زمن كامل. ولهذا تقول:

يا من ملكتَ القلبَ دون منازعٍ

ستظل ذكرى في عيوني باقيةْ

إن «الذكرى» تتحول إلى كيان مقيم، وكأنها أصبحت شخصًا ثالثًا بين الشاعرة والماضي. فالغياب لم يؤدِّ إلى الإلغاء، بل إلى التحول من الحضور الجسدي إلى الحضور الرمزي.

وهنا يمكن استدعاء مفهوم أفق التوقع في نظرية التلقي؛ فالقارئ حين يبدأ القصيدة يتوقع نصًا عن الحنين، لكنه لا يبقى عند حدود الحنين العاطفي، لأن النص يوسع أفقه تدريجيًا: من المنزل إلى الطبيعة، ومن الطبيعة إلى الأسرة، ومن الأسرة إلى الرفيق، ومن الرفيق إلى الريف، ومن الريف إلى الأصالة. وبذلك يصبح الحنين وسيلة لقراءة معنى أوسع هو معنى الانتماء.

إن القارئ لا يتلقى الماضي كما تقدمه الشاعرة فقط، وإنما يعيد إنتاجه وفق مخزونه الثقافي والوجداني. وهذه إحدى جماليات النص الذي لا يغلق دلالته على تجربة منشئته، بل يترك فراغات تأويلية تسمح للقارئ بأن يملأها بذاكرته الخاصة.

كما أن التكرار المتواتر لعبارة «يا حبذا» يمنح النص طابعًا استرجاعيًا احتفاليًا. فالتكرار هنا ليس حشوًا، وإنما إيقاع للذاكرة؛ كل «يا حبذا» تشبه نافذة تُفتح على مشهد آخر من الماضي.

وتزداد هذه السمة وضوحًا في:

كم كنت أحفل بالبكور وأحتفي

بقدوم أنفاس الصباح الزاكيةْ

فالفعل «أحتفي» يضع الصباح في مقام المناسبة، وكأن كل صباح كان عيدًا صغيرًا. وهذا يعكس فلسفة ضمنية للقصيدة: أن قيمة الحياة لا تتحدد بكبر الأحداث، وإنما بقدرة الروح على رؤية الجمال في التفاصيل.

ومن هنا يصبح السرد الشعري نوعًا من إعادة ترميم الذاكرة. فالشاعرة تجمع أجزاء العالم القديم كما يجمع المرء قطع مرآة مكسورة، ثم تعيد ترتيبها بحيث تظهر صورة الذات في زمن أكثر صفاءً.

رابعًا: الأصالة بوصفها هويةً شعرية - من استعادة الماضي إلى صناعة المعنى

لا تتوقف القصيدة عند استحضار الريف والطفولة، وإنما تنتهي إلى تثبيت قيمة ما استُعيد. وهنا تنتقل التجربة من مستوى الذكرى إلى مستوى الأصالة:

ستظل نبراسًا ونبعًا صافيًا

يسري بأرواح الأنام طواعيةْ

*

ستظل رمزًا للأصالة حاضرًا

في نبض من عشقوا الحياة الساميةْ

وهذان البيتان يمثلان مفتاحًا تأويليًا مهمًا؛ لأن الشاعرة تكشف فيهما عن مقصدها الأعمق: الماضي ليس مادة للبكاء، بل نبراس، أي مصدر إضاءة. والذكرى ليست إقامة في الزمن المنقضي، بل نبع يستمر في الجريان داخل الأرواح.

وهنا يتضح معنى «انعتاق الذات» في عنوان القراءة؛ فالذات لا تتحرر من حاضرها بنسيانه، وإنما تتحرر من وطأة الحاضر عبر استعادة الجذور التي تمنحها معنى الاستمرار. فالأصالة ليست عودةً ساذجة إلى الماضي، وإنما قدرة على تحويل الذاكرة إلى طاقة رمزية للحاضر.

وإذا كان الشعر الحديث قد عرف أشكالًا متعددة من التعامل مع المكان، فإن قصيدة «حنين لا يغيب» تنتمي إلى نمط يمكن تسميته شعرية المكان الذاكر؛ حيث لا يكون المكان موضوعًا للوصف، وإنما مستودعًا للهوية. الريف هنا ليس «هناك» فقط، بل هو «أنا» ممتدة في الزمن.

وتظهر هذه الرؤية في البناء الدائري للقصيدة؛ فهي تبدأ ب«منزل» وتنتهي ب«الأصالة»؛ أي إنها تتحرك من المكان الجزئي إلى القيمة الكلية. وبين البداية والنهاية تتشكل رحلة داخل الذاكرة، تبدأ بصورة ملموسة وتنتهي بدلالة مجردة. وهذا التحول من المحسوس إلى المجرد يمثل أحد أشكال التصعيد الدلالي في النص.

كما أن القافية الموحدة ذات الامتداد الصوتي في «الجارية، علانية، دانية، سواسية، شادية، صادية...» تمنح القصيدة نغمة ممتدة تشبه تدفق الذاكرة. فالصوت الأخير يتكرر كما تتكرر الذكرى، وكأن القافية نفسها أصبحت وعاءً موسيقيًا للحنين. ولا ينفصل ذلك عن كثرة المفردات ذات الصلة بالحركة والانسياب: «جارية»، «نسقي»، «نحلق»، «نجري»، «نلاحق»، «تسري»، وهي أفعال تجعل الذاكرة في حالة حركة دائمة، فلا تستقر في نقطة واحدة.

ومن منظور بلاغي، تتكامل في القصيدة الاستعارة والتشخيص والتشبيه والمجاز الحسي، لكن قيمتها لا تأتي من كل صورة منفردة، بل من النظام الصوري الكلي الذي يجعل الماء والنسيم والشمس والندى والزهر والطير والريف أجزاء من منظومة رمزية واحدة. وهذا ما يمنح النص وحدته العضوية؛ إذ لا تبدو الطبيعة زينة لغوية، وإنما تتحول إلى معادل موضوعي للتجربة الداخلية.

إن «حنين لا يغيب» في جوهرها قصيدة عن الاسترداد: استرداد المكان، واسترداد الطفولة، واسترداد العلاقات، واسترداد الإيقاع الأول للحياة. غير أن أهم ما تسترده الشاعرة هو ذاتها؛ تلك الذات التي كانت أكثر قدرة على الفرح، وأكثر التصاقًا بالطبيعة، وأكثر إيمانًا بأن الحياة يمكن أن تكون بسيطة وسخية.

ولذلك فإن الحنين في النص لا يحمل فقط دلالة الأسى، بل يحمل أيضًا دلالة المقاومة؛ مقاومة النسيان، ومقاومة محو الذاكرة، ومقاومة تحوّل الإنسان إلى كائن منفصل عن جذوره.

وهنا يصبح الشعر نفسه فعل مقاومة للزمن. فالزمن يستطيع أن يغير الأمكنة، وأن يبعد الرفاق، وأن يبدل ملامح الحياة، لكنه لا يستطيع أن يمحو القصيدة التي أعادت خلق ذلك كله في اللغة.

وارتكازا على ما سبق يمكن القول أن:

قصيدة «حنين لا يغيب» تكشف عن تجربة شعرية تجعل من الحنين بنيةً جمالية ومعرفية، لا مجرد انفعال عاطفي. فالشاعرة صفاء عابدين زايد تنطلق من ذاكرة شخصية لتصل إلى ذاكرة أوسع، وتبدأ من منزل قريب من المياه لتصل إلى الريف بوصفه وطنًا للروح، وتستعيد رفيق الطفولة لتستعيد معه منظومة من القيم والمعاني التي صنعت زمنًا إنسانيًا أكثر دفئًا.

إن النص يتحرك من المكان إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى الهوية، ومن الهوية إلى الأصالة؛ وهي حركة تمنحه عمقه التأويلي. وفي هذا السياق يغدو الحنين شكلًا من أشكال الانعتاق؛ لأن الذات حين تعود إلى جذورها لا تعود مهزومة أمام الماضي، وإنما تستخرج منه طاقةً رمزية تجعلها أكثر قدرة على فهم حاضرها.

والقصيدة، من منظور التلقي، لا تمنح القارئ ذكرى جاهزة، بل تفتح أمامه فضاءً يستدعي ذكرياته الخاصة؛ فيرى في «الماء الجاري» ماء طفولته، وفي «الريف» مكانه الأول، وفي «الأم الحانية» صورة الحماية، وفي «رفيق الطفولة» وجهًا ربما غيّبه الزمن. وهنا يتحول النص من تجربة فردية إلى ذاكرة قابلة للتشارك.

أما الأصالة، فهي ليست في القصيدة شعارًا مرفوعًا، وإنما بنية عميقة تتشكل عبر التفاصيل؛ عبر المروج والطيور والندى والصباح والبنفسج والأم والشيخ والرفيق. فالأصالة لا تُقال فقط، بل تُرى وتُشم وتُسمع وتُستعاد.

وبذلك تستطيع صفاء عابدين زايد أن تجعل من الذاكرة مادةً شعرية نابضة، ومن المكان كائنًا دالًا، ومن الطبيعة لغةً ثانية للروح، ومن الحنين جسرًا يصل الماضي بالحاضر. ولعل أجمل ما في التجربة أن الشاعرة لا تنتهي عند حدود «كان»، وإنما تحول «كان» إلى «سيظل»؛ وهو الانتقال الذي يمنح القصيدة أفقها الفلسفي الأبعد: ما دام الأثر قادرًا على السريان في الوجدان، فإن الغياب لا يعني الفناء، وما دامت الذاكرة قادرة على إعادة إنتاج الجمال، فإن الزمن لا يملك الكلمة الأخيرة.

وهكذا يصبح «حنين لا يغيب» عنوانًا يتجاوز القصيدة إلى فلسفتها؛ فليس الذي لا يغيب هو الماضي وحده، بل المعنى الذي تركه الماضي في الروح. وهذا هو جوهر الشعر حين يتحول من تسجيل الذكرى إلى صناعة الوجود: أن يجعل ما انقضى حاضرًا، وما غاب مرئيًا، وما كان فرديًا قابلًا لأن يصبح إنسانيًا، وأن يمنح الذات، عبر اللغة، فرصة أخرى للعودة إلى المكان الذي بدأت منه كي تعرف، في نهاية الرحلة، أنها لم تكن تبحث عن الماضي بقدر ما كانت تبحث عن نفسها.

شكرا جزيلا للشاعرة الأديبة الراسخة المثقفة الخلوقة صفاء عابدين زايد (بنت الثريا) الراقية على هذه القصيدة الماتعة المائزة الفريدة.

تقديري الدائم

***

د. سيد فاروق

.................

حنينٌ لا يغيب

في منزلٍ قُربَ المياه الجاريةْ

كنا هُنا نُسقى الودادَ علانيةْ

*

نشدو ونمرح في حبورٍ مثلما

يشدو النسيمُ على غصونٍ دانيةْ

*

لم ندخرْ وسعًا لقنص سعادةٍ

كيما نحلق كالفراشِ سواسيةْ

*

نقتات من خير المروجِ وسحرها

ونصادقُ الأطيارَ إذ هي شاديةْ

*

وإذا ظمئنا فالحنانُ شرابُنا

نروي به تلكَ النفوسَ الصاديةْ

**

نجري فيتسع الطريقُ لحُلمنا

ونُحادث الآمال حتى النائيةْ

*

ونلاحقُ النسماتِ إن هي أقبلتْ

صوب الزروع بخفةٍ متناهيةْ

*

كُنا هُنا حيثُ الحياةُ سخيةٌ

و الأُفْقُ صحوٌ والزنابقُ ناديةْ

*

كنا جميعًا مثلَ أسرابِ القطا

ويقودنا شيخٌ ، وأمٌ حانيةْ

*

في أُلفةٍ معهودةٍ وبراعةٍ

سبت العيونَ ولم تدعها غافيةْ

*

لله ما هذا البهاء وحسنُهُ

والصبح يُضفي بهجةً متتاليةْ

*

والشمسُ ترسلُ في حبورٍ ضوءَها

والكونُ يعزفُ والأماني زاهيةْ

*

كم كنت أحفلُ بالبكور وأحتفي

بقدوم أنفاسِ الصباحِ الزاكيةْ

*

يا ريفُ يا نغمًا يفيض عذوبةً

و طلاوةً سُكبت بأرضٍ غاليةْ

*

يا حبذا زهرُ البنفسجِ حينما

يهدي شذاهُ على أكفٍ راضيةْ

*

يا حبذا الأنداءُ حين سقوطها

مثل اللجينِ على الورود الساجيةْ

*

يا حبذا سحرُ المساءِ ونورهُ

القمريُّ في قممِ الغصونِ العاليةْ

*

تُقنا إليكَ أيا رفيقَ طفولتي

يا من تضوَّع عطرهُ في القافيةْ

*

يا مَنْ ملكتَ القلبَ دونَ منازعٍ

ستظل ذكرى في عيوني باقيةْ

*

ستظل نبراسًا ونبعًا صافيًا

يسري بأرواح الأنام طواعيةْ

*

ستظل رمزا للأصالة حاضرًا

في نبض مَنْ عَشقوا الحياةَ الساميةْ

***

صفاء عابدين زايد

بنت الثريا - نفحة طيب

 

في المثقف اليوم