عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

زهير الخويلدي: في السؤال الفلسفي عن حال الذات الجمعية المتأزم

مقدمة: إن السؤال الفلسفي عن حال الذات الجمعية حين تدخل في أزمة عميقة، وعن الحلم الريادي الذي يتبدد بعد أن كان يمنحها أفقاً ومعنى، وعن المصير الوجودي الذي يبدو مهدداً بالانغلاق أو التلاشي، ليس سؤالاً عارضاً ولا مجرد وصف لواقع متأزم. فهو سؤال يكشف عن تصدع في بنية الوعي الجمعي ذاتها، وعن اهتزاز في القدرة على ربط الماضي بالمستقبل عبر حاضر قابل للتحمل. والمقاربة التشخيصية الإسترجاعية لا تكتفي برصد الأعراض الظاهرة لهذه الأزمة، بل تعود القهقرى لتتتبع مسارات تشكلها، وتكشف عن اللحظات التي بدأ فيها الحلم يفقد طاقته التأسيسية، وعن الآليات التي جعلت الذات الجمعية تفقد تدريجياً ثقتها في قدرتها على صياغة مصيرها. إنها مقاربة ترفض التعامل مع الأزمة بوصفها قدراً مفاجئاً، وترى فيها نتاجاً لتراكمات طويلة من الاختيارات والوعود والإخفاقات والإعاقات البنيوية. فكيف نتعامل مع حال الذات الجمعية المتأزم والحلم الريادي المبدد والمصير الوجودي المهدد؟ وما هو السؤال الفلسفي الدال على هاته الأزمة؟ وماذا تضيف المقاربة التشخيصية الاسترجاعية للذات الجمعية؟

أولاً: الذات الجمعية بوصفها كياناً هشاً قابلاً للتأزم

الذات الجمعية ليست جوهراً ثابتاً ولا هوية مكتملة مرة واحدة وإلى الأبد. هي تشكيل تاريخي ورمزي يتكون عبر سرديات مشتركة، وذاكرة جماعية، ومشاريع مستقبلية، وأنماط اعتراف متبادل بين أفرادها. وهي تستمد تماسكها من قدرتها على الإجابة، ولو بشكل مؤقت ومتوتر، عن أسئلة أساسية: من نحن؟ من أين جئنا؟ إلى أين نمضي؟ وما الذي يجعل استمرارنا ممكناً وذا قيمة؟

حين تدخل هذه الذات في حال متأزم، فإن الإجابات السابقة تفقد قدرتها على الإقناع. تتآكل السرديات المؤسسة، وتصبح الذاكرة الجماعية عبئاً أكثر مما هي مصدر قوة، ويتراجع الشعور بالانتماء الفاعل ليحل محله شعور بالانتماء السلبي أو الدفاعي. الأزمة هنا ليست مجرد صعوبات اقتصادية أو سياسية عابرة، بل هي أزمة في القدرة على إنتاج المعنى المشترك. الذات الجمعية المتأزمة هي ذات لم تعد قادرة على أن تروي لنفسها قصة مقنعة عن ذاتها، ولا على أن تتخيل مستقبلاً يستحق الجهد والتضحية.

وفي العمق، تكشف هذه الأزمة عن هشاشة أصيلة في كل ذات جمعية. فهي دائماً مبنية على تسويات رمزية ومشاريع غير مكتملة، ودائماً مهددة بأن تنكشف محدودية هذه التسويات. غير أن التأزم الحاد يحدث حين تتراكم الإخفاقات دون أن تجد آليات تصحيحية، وحين يتسع الفارق بين الصورة التي تحملها الذات عن نفسها وبين صورتها في مرآة الواقع.

ثانياً: الحلم الريادي المبدد بوصفه فقدان الأفق التأسيسي

الحلم الريادي هو ذلك المشروع الجماعي الذي يتجاوز تدبير اليومي ويعد بقفزة نوعية: نهضة، تحرر، تحديث، ريادة حضارية، أو إعادة تأسيس للعلاقة مع الذات ومع العالم. هو الحلم الذي يحول المعاناة الحاضرة إلى مرحلة انتقالية نحو مستقبل مختلف جذرياً، ويمنح الأفراد والجماعات شعوراً بأن وجودهم يندرج ضمن حركة ذات اتجاه ومعنى. حين يتبدد هذا الحلم، لا يختفي مجرد مشروع سياسي أو تنموي، بل ينهار أحد الأعمدة الأساسية التي كانت تسند الذات الجمعية. التبدد هنا لا يعني بالضرورة الفشل الكامل والمعلن، بل قد يتخذ شكل التآكل التدريجي: الوعود التي تتكرر دون تحقق، والفجوة المتزايدة بين الخطاب والممارسة، وتحول الشعارات الريادية إلى طقوس فارغة أو إلى أدوات للشرعية الشكلية. ومع مرور الوقت، يفقد الحلم قدرته على التعبئة وعلى توليد الأمل الفاعل، ليتحول إما إلى حنين نوستالجي لحظة تأسيسية ماضية، أو إلى سخرية مريرة، أو إلى لامبالاة وجودية.

الإسترجاع التشخيصي يكشف أن تبدد الحلم الريادي نادراً ما يكون مفاجئاً. فهو يسبق عادة بعلامات: تضخم الخطاب على حساب الإنجاز، وازدياد الاعتماد على الخارج في تعريف النجاح، وانفصال النخب الحاملة للحلم عن القواعد الاجتماعية، وتحول المشروع من كونه أفقًا مفتوحًا إلى كونه منظومة مغلقة تدافع عن استمرارها أكثر مما تسعى إلى تحقيق غاياتها الأصلية. وعند نقطة معينة، يصبح الاستمرار في ترديد الحلم نفسه مصدر تأزيم إضافي، لأنه يذكر بالفجوة بدلاً من أن يسدها.

ثالثاً: المصير الوجودي المهدد بوصفه انسداد الأفق

المصير الوجودي للذات الجمعية لا يتعلق فقط بالبقاء المادي أو السياسي، بل يتعلق بإمكانية أن تظل هذه الذات قادرة على أن تكون ذاتاً فاعلة في التاريخ، لا مجرد موضوع لفعل الآخرين أو لسيرورات تتجاوزها. حين يصبح هذا المصير مهدداً، فإن التهديد لا يأتي فقط من أخطار خارجية واضحة، بل من الداخل أيضاً: من فقدان القدرة على المبادرة، ومن تفتت الروابط التي تجعل الفعل الجماعي ممكناً، ومن سيطرة منطق رد الفعل على منطق المشروع. التهديد الوجودي يظهر في صور متعددة: الشعور الجماعي بالعجز أمام قوى تبدو أكبر من أن تُواجه، وتراجع الثقة في إمكانية التأثير في مجرى الأحداث، وتحول المستقبل من كونه فضاء للإمكانيات إلى كونه مصدر قلق أو لامبالاة. وفي الحالات الحادة، قد يصل الأمر إلى تساؤل صامت أو معلن حول جدوى الاستمرار كجماعة متميزة، أو حول إمكانية الذوبان في تشكيلات أوسع أو أضيق تبدو أكثر قدرة على منح الحماية أو المعنى. والمقاربة التشخيصية الإسترجاعية تظهر أن هذا التهديد يتغذى من مصدرين متلازمين: إخفاقات الحلم الريادي من جهة، وأزمة الذات الجمعية في إنتاج بدائل مقنعة من جهة أخرى. فكلما تبدد الحلم دون أن يُستبدل بأفق جديد، تضيق المساحة التي يمكن للذات أن تتخيل فيها مصيراً مختلفاً، فيتحول الحاضر المتأزم إلى أفق شبه نهائي.

رابعاً: التشخيص الإسترجاعي: مسارات التأزم وتراكماته

تعود المقاربة التشخيصية الإسترجاعية إلى الوراء لتتتبع كيف تراكمت عناصر الأزمة. فهي ترفض التفسيرات الاختزالية التي ترد كل شيء إلى لحظة انكسار واحدة أو إلى مؤامرة خارجية خالصة أو إلى عيب جوهري ثابت في الذات الجمعية. بدلاً من ذلك، تبحث عن نقاط التحول التي بدأ فيها الخطاب الريادي ينفصل عن شروط تحققه، وعن اللحظات التي تم فيها تأجيل الأسئلة الحقيقية باسم الوحدة أو الاستقرار أو المرحلة الانتقالية الممتدة. تكشف هذه العودة أن الذات الجمعية غالباً ما تبني أحلامها الريادية على تصورات مفرطة في التفاؤل حول قدرتها على التحكم في شروط الفعل، وحول سرعة التحول، وحول إمكانية تجاوز التناقضات الداخلية دون دفع أثمانها الكاملة. كما تكشف أن التعامل مع الإخفاقات الجزئية تم في كثير من الأحيان عبر آليات إنكار أو تبرير أو إسقاط للمسؤولية، مما منع التعلم الجماعي وراكم الإحباط غير المعالَج. وفي الوقت ذاته، تظهر الإسترجاعة أن لحظات التأزم الحاد ليست فقط لحظات انهيار، بل قد تكون أيضاً لحظات انكشاف. فهي تفضح حدود السرديات السابقة، وتكشف عن التناقضات التي كانت مغطاة بالخطاب الريادي، وتفتح إمكانية — وإن كانت مؤلمة — لإعادة صياغة العلاقة مع الذات ومع التاريخ. غير أن هذه الإمكانية تظل معلقة على قدرة الجماعة على تحويل الألم التشخيصي إلى وعي جديد، لا إلى دورة جديدة من الإنكار أو من البحث عن مخلص خارجي.

خاتمة

إن السؤال الفلسفي عن حال الذات الجمعية المتأزم والحلم الريادي المبدد والمصير الوجودي المهدد هو في جوهره سؤال عن إمكانية المعنى في التاريخ الجمعي. والمقاربة التشخيصية الإسترجاعية تكشف أن هذه الأزمة ليست قدراً مفاجئاً ولا عيباً جوهرياً ثابتاً، بل هي نتاج مسارات طويلة من الوعود والإعاقات والإنكارات والتأجيلات. وهي في الوقت ذاته لحظة انكشاف قد تسمح، إذا ما وُوجهت بصدق فلسفي وأخلاقي، بإعادة تأسيس العلاقة مع الذات ومع الإمكان التاريخي على أسس أقل وهماً وأكثر قدرة على التحمل. لا تعمل أزمة الذات الجمعية وتبدد الحلم الريادي وتهديد المصير الوجودي كمسارات منفصلة. هي أبعاد متداخلة تغذي بعضها بعضاً في دائرة مفرغة. فأزمة الذات تضعف القدرة على توليد أحلام مقنعة أو على إعادة إحياء ما تبقى من الحلم القديم. وتبدد الحلم يعمق أزمة الذات ويجعل المصير يبدو أكثر انغلاقاً. وتهديد المصير يزيد من حدة القلق الجمعي فيدفع إما إلى انكفاء دفاعي يعيق التجديد، أو إلى اندفاعات يائسة تزيد من التفتت. ربما التشخيص الإسترجاعي يظهر أن الخروج من هذه الدائرة لا يكون بالعودة الرومانسية إلى الحلم الأصلي كما لو أنه لم يتبدد، ولا باليأس الذي يرى في التبدد نهاية كل إمكانية. بل يكون بالقدرة على إجراء حداد جماعي حقيقي على ما لم يعد ممكناً، واستخلاص الدروس من مسار التبدد ذاته، وبناء أفق جديد أكثر تواضعاً في وعوده وأكثر صلابة في أسسه وأكثر صدقاً في مواجهة التناقضات الداخلية. فالذات الجمعية لا تموت بالضرورة حين يتبدد حلمها الريادي، بل قد تموت حين تفقد القدرة على طرح السؤال الحقيقي عن سبب التبدد وعن إمكانية البدء من جديد، لا من نقطة الصفر الوهمية، بل من قلب الإخفاق نفسه بوصفه جزءاً من تاريخها الذي لا يمكن محوه ولا تجاهله. فهل يمكن للمقاربة التشخيصية المعمقة أن تساعد على استرجاع الحلم الريادي المبدد؟

***

د زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

في المثقف اليوم