قراءة فلسفية في مشروع علي محمد الشرفاء الحمادي
لا شك أن المشروعات الفكرية الكبرى لا تنشأ من فراغ، وإنما تتشكل في سياق أزمات معرفية وتاريخية تدفع أصحابها إلى إعادة النظر في المسلمات السائدة، ومساءلة المفاهيم التي استقرت في الوعي الجمعي حتى غدت، بفعل التكرار والتوارث، بمنزلة الحقائق التي لا تقبل النقاش. وحين تتصل هذه الأزمات بالدين، فإن المسألة تصبح أكثر تعقيدا؛ لأن ما يخضع للمراجعة لا يكون مجرد أفكار بشرية عادية، بل منظومة من التصورات والتفسيرات التي اكتسب بعضها، عبر الزمن، سلطة دينية جعلت التمييز بين النص المقدس والفهم البشري له أمرا بالغ الصعوبة. وهنا تبرز أهمية المشروعات الفكرية التي تسعى إلى تحرير الوعي من الجمود، وإعادة الاعتبار إلى العقل، وفتح المجال أمام مراجعة الموروث الديني في ضوء أسئلة الحاضر وتحدياته.
ولا يعني تجديد الوعي الديني بالضرورة القطيعة مع التراث، كما لا يعني التسليم بكل ما أنتجه التاريخ من تفسيرات واجتهادات. فبين هذين الموقفين تتسع مساحة واسعة من البحث والنقد والاجتهاد، وهي المساحة التي يصبح فيها السؤال عن مصادر المعرفة الدينية، وحدود سلطة التأويل، والعلاقة بين النص والتاريخ، سؤالا فلسفيا بامتياز. ومن هذا المنطلق يمكن قراءة المشروع الفكري للمفكر الإماراتي "علي محمد الشرفاء الحمادي"، الذي جعل من مراجعة الخطاب الإسلامي وإعادة الاعتبار إلى القرآن الكريم محورين أساسيين في كتاباته، وربط بين أزمة الفهم الديني وما يراه من مظاهر الانقسام والتعصب والتراجع الحضاري في الواقع العربي والإسلامي.
وعلي محمد الشرفاء الحمادي كاتب ومفكر إماراتي، تخرج في الكلية الحربية المصرية عام 1966، وتولى إدارة ديوان الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان خلال الفترة من عام 1973 إلى عام 1995. وقد اتسع حضوره الفكري من خلال مجموعة من المؤلفات التي تناولت قضايا الخطاب الديني، والوحدة العربية، والسلام، والعدل، والحرية، ومشكلات الوعي الإسلامي المعاصر. ومن أبرز هذه المؤلفات كتابه "المسلمون بين الخطاب الديني والخطاب الإلهي"، وسلسلته "ومضات على الطريق"، إلى جانب أعمال أخرى مثل "رسالة الإسلام- رحمة وعدل وحرية وسلام"، و" نحو استراتيجية لإعادة بناء النظام العربي "، و"المنهاج الإلهي". وتتيح هذه المؤلفات للقارئ أن يتتبع ملامح مشروعه، وأن يلاحظ الصلة التي يقيمها بين مراجعة الفهم الديني وبين إصلاح أحوال الإنسان والمجتمع.
ومع ذلك، فإن التعريف بالمفكر وسيرته لا يمثل سوى مدخل إلى فهم مشروعه؛ إذ لا تتحدد القيمة الفلسفية لأي تجربة فكرية بمكانة صاحبها أو المناصب التي شغلها أو حجم الاهتمام الذي تحظى به كتاباته، وإنما تتحدد بما تقدمه من أفكار، وما تستند إليه من حجج، وما تثيره من أسئلة، وبقدرتها على بناء تصور متماسك للمشكلات التي تسعى إلى معالجتها. ومن ثم فإن التعامل مع فكر علي الشرفاء الحمادي يقتضي الانتقال من التعريف بمؤلفاته إلى تحليل مرتكزاته المعرفية، والكشف عن طبيعة العلاقة التي يقيمها بين القرآن والتراث، وبين الإيمان والعقل، وبين إصلاح الخطاب الديني وإمكانات النهوض الحضاري.
ويحتل كتاب "المسلمون بين الخطاب الديني والخطاب الإلهي" موقعا محوريا في هذا المشروع؛ لأنه يعبر بوضوح عن المشكلة التي ينطلق منها الشرفاء الحمادي في نقد واقع الخطاب الإسلامي. ففي هذا الكتاب يميز بين الخطاب الإلهي الذي يمثله القرآن الكريم، وبين الخطابات الدينية التي تشكلت عبر التاريخ من تفسيرات واجتهادات ومرويات ومواقف مذهبية متباينة. وينطلق من أن الخلط بين النص المؤسس وبين ما أنتجه البشر حوله أسهم في منح بعض التفسيرات التاريخية سلطة تجاوزت حدود الاجتهاد الإنساني، حتى أصبح الاعتراض عليها في بعض البيئات وكأنه اعتراض على الدين ذاته.
وتكمن أهمية هذه الفكرة في أنها تضع يدها على إشكالية عميقة في تاريخ الفكر الديني، تتمثل في انتقال بعض الآراء من مجال الاجتهاد البشري القابل للمراجعة إلى مجال المسلمات التي تحاط بهالة من الحصانة. فعندما يتراجع التمييز بين النص وتفسيره، يصبح من الصعب على العقل أن يمارس دوره النقدي؛ لأن مناقشة الرأي لا تعود مناقشة لاجتهاد بشري، وإنما تتحول في نظر أصحابه إلى مساس بأصل الاعتقاد. وبهذا تتراجع مساحة الحوار، ويضيق المجال أمام تعدد القراءات، ويصبح الانتماء إلى مرجعية بعينها معيارا للحكم على صحة المواقف، بدلا من أن تكون الحجة والبرهان أساسا لتقويمها.
وفي هذا السياق، لا يتعامل الشرفاء الحمادي مع أزمة الخطاب الديني باعتبارها مجرد خلاف في بعض الأحكام أو اختلاف في تفاصيل التأويل، وإنما ينظر إليها بوصفها مشكلة في المرجعية ذاتها، وفي الطريقة التي اكتسبت بها بعض التفسيرات سلطة توجيه الوعي الديني. فهو يرى أن تعدد المرجعيات وتناقضاتها، حين يقترن بالتعصب لها ورفض مراجعتها، يفضي إلى انقسام المسلمين إلى جماعات ومذاهب متنازعة، وقد ينتهي في بعض الحالات إلى تبادل الاتهامات الدينية والتكفير، بل إلى تبرير العنف باسم الدفاع عن العقيدة. ومن هنا تصبح العودة إلى القرآن في مشروعه دعوة إلى إعادة بناء المرجعية التي ينبغي أن يحتكم إليها الخطاب الإسلامي، وإلى مراجعة المرويات والتفسيرات التي يرى أنها ابتعدت عن مقاصد النص القرآني. وقد عرضت كتابات تناولت هذا الكتاب فكرته المركزية باعتبارها تمييزا بين النص القرآني وبين الموروث الديني الذي تراكم بعد عصر النبوة.
غير أن هذه الدعوة تفتح أمامنا سؤالا فلسفيا يتجاوز حدود موقف الشرفاء الحمادي نفسه، وهو ما طبيعة العلاقة بين النص المقدس والتفسير البشري؟ وهل يمكن للإنسان أن يتعامل مع النص من دون وساطة معرفية أو لغوية أو تاريخية؟ وما المعايير التي تتيح لنا التمييز بين تأويل يقترب من مقاصد النص وتأويل يحمله ما لا يحتمل؟ إن مجرد التمييز بين الوحي والتفسير خطوة مهمة في ضبط الوعي الديني، لكنه لا يلغي حقيقة أن النص يحتاج إلى فهم، وأن الفهم فعل إنساني تتداخل فيه اللغة والسياق والمعرفة السابقة والأسئلة التي يطرحها القارئ.
ومن هنا فإن القيمة الفلسفية للمشروع لا تتحدد بمجرد تأكيد مركزية القرآن الكريم، وإنما تتوقف كذلك على الكيفية التي يعالج بها إشكالية التأويل، وعلى المعايير التي يعتمدها في تقويم التفسيرات الموروثة، وعلى قدرته على تقديم منهج واضح يميز بين الدلالة النصية والاستنتاج البشري. فالنقد المعرفي لا يكتمل برفض سلطة تفسيرية قائمة، بل يحتاج إلى توضيح الأسس التي يقوم عليها البديل، حتى لا تتحول الدعوة إلى التحرر من سلطة الموروث إلى سلطة تفسيرية جديدة لا تخضع بدورها للمساءلة.
ولا يعني هذا التحفظ التقليل من أهمية السؤال الذي يطرحه الشرفاء الحمادي، بل يعني وضعه في إطاره الفلسفي الصحيح. فالمشروعات التنويرية لا تكتسب قيمتها من شعاراتها وحدها، وإنما من قدرتها على تحويل هذه الشعارات إلى منهج قابل للفحص والنقاش. وإذا كان من حق أي مفكر أن يدعو إلى مرجعية يراها أصح في فهم الدين، فإن من حق الباحث أيضا أن يسأله عن أدوات الاستدلال، وحدود التأويل، وطريقة التعامل مع النصوص المتعددة الدلالة، وكيفية التوفيق بين الآيات ذات الصلة بالقضية الواحدة. وبهذا المعنى تصبح المناقشة النقدية امتدادا للمشروع الفكري لا خصومة معه؛ لأنها تسهم في تحديد ما يقدمه من إضافات وما يحتاج إليه من تطوير.
وتتضح أهمية هذا الجانب حين نقارن توجه الشرفاء الحمادي ببعض الأنماط المغلقة في التفكير الديني التي تظهر داخل تيارات إسلامية متعددة، ومنها بعض الاتجاهات المنسوبة إلى جماعة الإخوان المسلمين أو إلى التيارات السلفية، وكذلك اتجاهات أخرى تتعامل مع الموروث الديني أو مع تفسير جماعة أو شيخ بعينه باعتباره المرجعية النهائية التي لا يجوز الاعتراض عليها. وليس المقصود هنا اختزال هذه التيارات في صورة واحدة، أو الحكم على جميع المنتمين إليها؛ فداخلها تباينات في المواقف والمناهج ودرجات الانفتاح على الحوار. وإنما ينصب النقد على أنماط محددة من التفكير تتعامل مع الاختلاف بوصفه تهديدا، وتجعل الولاء للجماعة أو المرجعية مقدما على البحث في قوة الحجة، وقد تنتقل من رفض الرأي المخالف إلى التشكيك في إيمان صاحبه أو الحكم عليه بالكفر.
وهنا يظهر أحد أوجه الاختلاف المهمة بين المشروع الذي يدعو إليه الشرفاء الحمادي وبين تلك النزعات الإقصائية؛ فالمسألة لا تتعلق بمجرد اختلاف في تفسير نص أو ترجيح رأي فقهي، وإنما تتصل بموقف كل اتجاه من حرية التفكير، ومن حق الإنسان في السؤال والاعتراض، ومن طبيعة العلاقة بين الحقيقة الدينية والاجتهاد البشري. فعندما تتحول المرجعية المذهبية أو التنظيمية إلى سلطة مغلقة، يصبح الرأي المخالف دليلا على الانحراف بدلا من أن يكون فرصة لاختبار الأفكار ومراجعة الحجج. أما حين يقر الإنسان بأن الفهم البشري يظل قابلا للمراجعة، فإن الاختلاف يصبح جزءا من النشاط المعرفي، ويغدو الحوار وسيلة للاقتراب من الحقيقة، لا معركة لإثبات احتكارها.
وتتضاعف خطورة هذا النمط من التفكير حين يقترن بالتكفير؛ لأن التكفير لا يعود عندئذ حكما عقديا مجردا، بل قد يتحول إلى أداة لإقصاء المخالف وتجريده من حقه في المشاركة والحوار، وقد يستخدم لتبرير العداء له أو الاعتداء عليه. ومن ثم فإن نقد الخطابات التي توسع دائرة التكفير ليس مسألة خلاف مذهبي فحسب، بل هو أيضا دفاع عن شروط الاجتماع الإنساني، وعن حق الناس في الاختلاف، وعن ضرورة الفصل بين مناقشة الأفكار والحكم على مصائر أصحابها ومعتقداتهم.
وفي هذا الإطار، تكتسب دعوة الشرفاء الحمادي إلى مراجعة الخطاب الديني دلالة تتجاوز الخلاف مع تفسير بعينه؛ فهي تطرح ضرورة تحرير الوعي من التبعية غير النقدية، وعدم منح أي اجتهاد بشري حصانة مطلقة لمجرد انتسابه إلى عالم أو جماعة أو مدرسة فكرية. غير أن الإنصاف يقتضي أن نميز بين هذا الموقف العام وبين التفاصيل التي تحتاج إلى بحث مستقل، وأن نختبر مدى التزام المشروع نفسه بمقتضيات الحوار والتعدد، وبقدرته على التعامل مع الآراء المخالفة دون الوقوع في التعميم أو إغلاق باب النقاش. فالمعيار التنويري ينبغي أن يكون عاما، وأن يسري على صاحب المشروع كما يسري على خصومه؛ إذ لا يستقيم نقد الإقصاء من خلال خطاب يقصي بدوره كل من يختلف معه.
ومن هنا تبرز ضرورة قراءة مشروع الشرفاء الحمادي في سياق أوسع من الصراع بين التيارات الإسلامية. فالمشكلة لا تكمن في مجرد الانتماء إلى تيار سلفي أو إخواني أو غيرهما، وإنما في طبيعة المنهج الذي يتبناه الفرد أو الجماعة في التعامل مع النصوص والموروث والاختلاف. وقد نجد داخل الاتجاه الواحد من يدافع عن الاجتهاد والحوار، كما قد نجد خارجه من يتبنى مواقف مغلقة أو إقصائية. ولذلك فإن القراءة الفلسفية المنصفة لا تستبدل الأحكام العامة القديمة بأحكام عامة مضادة، وإنما تفحص المواقف والحجج والمناهج، وتحدد مواضع الانغلاق أو الانفتاح على أساس ما يقدمه الخطاب من أدلة وممارسات.
وإذا كان كتاب "المسلمون بين الخطاب الديني والخطاب الإلهي" يمثل المدخل الأوضح إلى تصور الشرفاء الحمادي لأزمة المرجعية الدينية، فإن سلسلة "ومضات على الطريق" تكشف عن امتداد مشروعه إلى قضايا الواقع العربي ومشكلاته السياسية والاقتصادية والحضارية. وقد تناولت السلسلة، في أجزائها الخمسة، موضوعات تتصل بالتشرذم العربي، وبأزمة الخطاب الإسلامي، وبضرورة تجاوز المصالح الضيقة التي تعوق التعاون بين الدول العربية. وفي قراءة الدكتور حسن حماد لهذه السلسلة، يبرز هذان المحوران بوصفهما من أبرز القضايا التي تنتظم المشروع الفكري للشرفاء الحمادي: أزمة الانقسام العربي، وأزمة الخطاب الديني.
وتكشف هذه الصلة بين الإصلاح الديني والإصلاح الحضاري عن تصور يرى أن الأفكار لا تنفصل عن واقع المجتمعات التي تنتجها أو تتبناها. فالخطاب الذي يشجع التعصب والانغلاق يمكن أن يسهم في إضعاف الثقة المتبادلة، وتعميق الانقسامات، وإعاقة بناء المجال العام المشترك. وفي المقابل، فإن خطابا يؤكد العدل والرحمة وحرية الاختيار والتعاون يمكن أن يساعد على تأسيس علاقات اجتماعية أكثر استقرارا، وأن يدعم إمكان التعايش بين المختلفين. ومن هذا المنظور، لا تبدو الدعوة إلى تصويب الخطاب الإسلامي مجرد محاولة لتعديل بعض المفاهيم الدينية، بل تصبح جزءا من مشروع أوسع يسعى إلى تحرير الإنسان من أشكال التبعية الفكرية التي تعوق قدرته على التفكير والمشاركة في بناء واقعه.
وتتصل بهذه الرؤية أعمال أخرى للشرفاء، من بينها "رسالة الإسلام- رحمة وعدل وحرية وسلام"، و" نحو استراتيجية لإعادة بناء النظام العربي "، و"المنهاج الإلهي". وتدل هذه العناوين على حضور القيم الإنسانية وقضايا الوحدة والسلام في اهتماماته الفكرية، كما تشير إلى رغبته في وصل فهم الدين بمشكلات الإنسان والمجتمع. لكن قراءة هذه الأعمال قراءة فلسفية لا ينبغي أن تكتفي باستنتاج مضمونها من عناوينها، بل تحتاج إلى تحليل تفصيلي لما تتضمنه من مفاهيم وحجج، وإلى اختبار العلاقة بين القيم التي تدعو إليها والآليات التي تقترحها لتحقيقها. فإعلان قيمة العدل، مثلا، يظل بداية ضرورية، لكنه لا يغني عن بيان معناها وحدودها وشروط تحققها في الواقع، كما أن الدعوة إلى الوحدة لا تجيب وحدها عن سؤال التوازن بين المصالح الوطنية والخصوصيات الاجتماعية ومتطلبات التعاون العربي.
ومن القضايا التي تمنح مشروع الشرفاء الحمادي بعدا إنسانيا واضحا تأكيده على قيم الرحمة والعدل والحرية والسلام، وهي قيم تتيح الانتقال من السؤال عن صحة المرجعية الدينية إلى السؤال عن أثر الفهم الديني في حياة الإنسان. فالدين، في تصوره، ينبغي ألا ينفصل عن مقاصده الأخلاقية والإنسانية، وألا يتحول إلى خطاب يبرر التعصب أو ينزع عن الآخرين حقهم في الكرامة والاختيار. وهنا تتقاطع دعوته مع سؤال فلسفي أساسي يتعلق بالعلاقة بين الاعتقاد والمسؤولية الأخلاقية، وهو هل يكفي أن يعلن الخطاب انتسابه إلى الدين حتى تكون نتائجه مشروعة، أم ينبغي أن يخضع كذلك للمساءلة عن أثره في حياة البشر، وعن مدى اتساقه مع قيم العدل وصيانة الإنسان؟
إن هذا السؤال يضعنا أمام ضرورة التمييز بين الدين باعتباره منظومة من المعاني والقيم، وبين توظيفه الاجتماعي والسياسي في سياقات تاريخية محددة. فليس كل ما يرفع شعار الدين يعبر بالضرورة عن مقاصده الأخلاقية، كما أن النقد الموجه إلى خطاب ديني معين لا يستلزم بالضرورة رفض الدين ذاته. وهذه نقطة مهمة في فهم مشروع الشرفاء الحمادي؛ لأنه يسعى إلى نقل مركز الاهتمام من الصراع حول المرجعيات المتعددة إلى السؤال عن مضمون الخطاب وآثاره، وعن مدى قدرته على حماية الإنسان من التعصب والعنف، وتعزيز إمكان العيش المشترك.
لكن هذا المسار يثير بدوره سؤالا حول العلاقة بين المرجعية والقيم: هل تستمد القيم الإنسانية مشروعيتها من النص وحده، أم يمكن للعقل الإنساني أن يشارك في إدراكها وتفسيرها وتحديد مقتضياتها؟ وكيف يمكن التوفيق بين الاحتكام إلى مرجعية دينية محددة وبين واقع إنساني تتعدد فيه الأديان والمذاهب والرؤى الفلسفية؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة ضرورية إذا أردنا أن نفهم مدى انفتاح المشروع على المجال الإنساني العام، وقدرته على مخاطبة المختلفين في الاعتقاد، لا المسلمين وحدهم.
ولا ينبغي أن يقودنا هذا التحليل إلى تجاهل التعقيد التاريخي للفكر الإسلامي؛ فالتراث لم يكن كتلة واحدة مغلقة، وإنما عرف تعددا واسعا في المدارس والمناهج والاجتهادات، واحتضن سجالات حول العقل والنقل، والتأويل، والاجتهاد، وحدود سلطة العلماء. ومن ثم فإن مراجعة الموروث لا تعني بالضرورة رفضه كله، كما أن الدفاع عن قيمته لا يستلزم التسليم بكل ما ورد فيه. والمطلوب هو التمييز بين ما يحتفظ بقيمته المعرفية، وما ارتبط بظروف تاريخية محددة، وما يحتاج إلى إعادة فحص في ضوء الأدلة والمقاصد والأسئلة المعاصرة.
وفي هذا المستوى، يصبح من المهم أن يحدد مشروع الشرفاء الحمادي موقفه من التراث على نحو يسمح بالتمييز بين النقد المنهجي والرفض الشامل. فالموروث الديني يتضمن أعمالا متعددة القيمة والاتجاه، ولا يمكن التعامل معه باعتباره كتلة متجانسة لا تختلف عناصرها في مصادرها ومناهجها ونتائجها. كما أن العودة إلى القرآن الكريم لا تلغي الحاجة إلى المعرفة باللغة العربية، وأسباب النزول، والسياقات التاريخية، ومناهج الاستدلال، ولا تحسم بمفردها جميع الخلافات في فهم النص. ومن ثم فإن قوة المشروع ستزداد كلما استطاع أن يقدم معايير واضحة للمراجعة، وأن يطبقها على مختلف التفسيرات من دون انتقائية، وأن يبين كيف يمكن لهذه المعايير أن تتعامل مع تعدد الدلالات واختلاف الاجتهادات.
إن التنوير، من منظور فلسفي، ليس مجرد الدعوة إلى رفض القديم أو تمجيد الجديد، وليس معركة بين العقل والدين بالضرورة، بل هو ممارسة نقدية تقوم على مساءلة مصادر السلطة المعرفية، والتمييز بين الحجة والتقليد، وإعادة النظر في المسلمات حين تظهر أسباب تدعو إلى مراجعتها. ولذلك فإن تجديد الوعي الديني لا يتحقق بمجرد تغيير المصطلحات أو استبدال خطاب بآخر، وإنما يحتاج إلى بناء عقل قادر على السؤال، وإلى مؤسسات تعليمية وثقافية تتيح الحوار، وإلى استعداد اجتماعي لقبول الاختلاف من دون تحويله إلى خصومة أو اتهام في العقيدة.
ومن هنا فإن مشروع الشرفاء الحمادي يستحق أن يقرأ في ضوء الأسئلة التي يثيرها أكثر مما يستحق أن يعرض بوصفه مجموعة من الإجابات النهائية. فهو يطرح مسألة المرجعية، ويدعو إلى مراجعة الموروث، ويربط بين تصويب الخطاب الديني واستعادة القيم الإنسانية، كما يلفت الانتباه إلى العلاقة بين الانقسام الفكري والتشرذم العربي. وهذه قضايا ذات أهمية واضحة، لكن دراستها فلسفيا تتطلب فحص الأسس التي يقوم عليها المشروع، ومدى اتساق مقدماته مع نتائجه، وقدرته على التمييز بين النص والتأويل، وبين النقد العلمي والرفض المسبق، وبين الدفاع عن حرية التفكير وممارسة الإقصاء ضد المخالف.
ولعل أحد أهم الأسئلة التي يطرحها هذا المشروع هو: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على إيمانه، وفي الوقت نفسه يمارس حقه في السؤال والمراجعة؟ وكيف يمكن للمجتمع أن يحترم النص الديني من دون أن يمنح كل تفسير بشري له حصانة مطلقة؟ ثم كيف يمكن للاختلاف في فهم الدين أن يبقى اختلافا معرفيا وأخلاقيا، بدلا من أن يتحول إلى صراع على احتكار الحقيقة، أو إلى وسيلة لتكفير المخالف وإقصائه من الجماعة؟ إن هذه الأسئلة تتجاوز تجربة الشرفاء الحمادي الفردية، وتمس واحدة من أهم قضايا الفكر الديني المعاصر، وهي بناء علاقة متوازنة بين الإيمان والعقل، وبين المرجعية وحرية الاجتهاد، وبين الانتماء الديني والاعتراف بحق الآخر في الاختلاف.
إن قيمة أي مشروع تنويري لا تقاس بمدى قدرته على نقد خصومه فحسب، بل بقدرته أيضا على إخضاع أفكاره الخاصة للمراجعة، وعلى التمييز بين ما يثبته الدليل وما يظل موضع اجتهاد، وعلى فتح المجال أمام حوار لا يضع نتائجه مسبقا ولا ينكر على الآخرين حقهم في السؤال. ومن هذا المنطلق، فإن القراءة المنصفة لمشروع الشرفاء الحمادي لا تقتضي الموافقة على جميع مواقفه، كما لا تقتضي رفضها بسبب الاختلاف معه؛ بل تقتضي تحليلها، وتحديد ما تضيفه إلى النقاش، وما تثيره من مشكلات معرفية تحتاج إلى معالجة.
وبذلك يمكن النظر إلى مشروع الشرفاء الحمادي باعتباره محاولة معاصرة لإعادة طرح العلاقة بين النص الديني والوعي الإنساني، وبين المرجعية الدينية وحرية التفكير، وبين الإصلاح الفكري والنهوض الحضاري. وهي محاولة تكتسب أهميتها من الأسئلة التي تثيرها حول مصادر السلطة في المجال الديني، وحدود التأويل، ودور القيم الإنسانية في تقويم الخطاب، لكنها تظل بحاجة إلى قراءة نقدية متأنية تختبر أدواتها ومقدماتها ونتائجها. فالتجديد الحقيقي لا يقوم على استبدال يقين مغلق بيقين مغلق آخر، وإنما على بناء وعي يملك شجاعة السؤال، ونزاهة الاستدلال، والاستعداد لمراجعة الرأي حين تظهر الحجة الأقوى.
ومن هنا تبدأ أهمية الانتقال من التعريف بالمفكر إلى دراسة مشروعه الفلسفي، من عرض دعوته إلى تجديد الخطاب الديني إلى تحليل مفهومه للتنوير، ومن تأكيد مركزية القرآن في تصوره إلى مساءلة الأسس المعرفية التي يقوم عليها فهمه للنص، ومن نقد التعصب والإقصاء إلى بحث الشروط التي تجعل الحوار والاختلاف جزءا أصيلا من الحياة الفكرية. فالمطلوب في النهاية ليس مجرد خطاب جديد، بل وعي جديد؛ وعي يدرك أن احترام المقدس لا يعني تقديس كل ما قيل باسمه، وأن الاختلاف لا يبرر التكفير، وأن العقل لا يصبح خصما للإيمان حين يمارس حقه في الفهم والنقد، بل يمكن أن يكون أحد الشروط الضرورية لتجديد الوعي الديني واستعادة رسالته الإنسانية.
***
بقلم: د. ياسر البتانوني
أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة المنوفية
...........................
أهم المصادر والمراجع التي اعتمدنا عليها:
أولا/ مؤلفات علي محمد الشرفاء الحمادي:
1ـ علي محمد الشرفاء الحمادي، المسلمون بين الخطاب الديني والخطاب الإلهي، دار النخبة للطباعة والنشر، القاهرة، ط 3، 2018.
2ـ علي محمد الشرفاء الحمادي، ومضات على الطريق، سلسلة متعددة الأجزاء، نشرتها مؤسسة رسالة السلام، وغيرها من دور النشر.
3ـ علي محمد الشرفاء الحمادي، رسالة الإسلام- رحمة وعدل وحرية وسلام، دار النخبة للطباعة والنشر، القاهرة، 2018.
4ـ علي محمد الشرفاء الحمادي، نحو استراتيجية لإعادة بناء النظام العربي، مركز رع للدراسات، القاهرة، 2023.
5ـ علي محمد الشرفاء الحمادي، المنهاج الإلهي، مؤسسة رسالة السلام، القاهرة، 2020.
ثانيا/ دراسات وقراءات تناولت مشروعه الفكري:
1ـ حسن حماد، ومضات المفكر علي الشرفاء الحمادي.. نحو مشروع فكري متكامل، مركز رع للدراسات الاستراتيجية، 28 أكتوبر 2022.
2ـ طارق لطفي، المسلمون بين الخطاب الديني والخطاب الإلهي، جريدة الجريدة الكويتية، 4 يونيو 2018.
3ـ محمد عبد الرحمن، قرأت لك.. المسلمون بين الخطاب الديني والخطاب الإلهي.. يحذر من هجر القرآن، اليوم السابع، 7 مارس 2018.








