عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

العيد معروفي: أدورنو ونقده اللاذع لهايدغر

أنطولوجيا الكينونة ومساءلة الأيديولوجيا

مدخل: حين تتحول الكينونة إلى موضوع للمساءلة

لم يكن الخلاف بين تيودور أدورنو* ومارتن هايدغر** مجرد اختلاف في المواقف الفلسفية، ولا مواجهة عابرة بين فيلسوف ينتمي إلى النظرية النقدية وآخر أعاد صياغة السؤال الأنطولوجي في الفلسفة المعاصرة؛ بل كان صدامًا عميقًا حول وظيفة التفكير ذاته، وحدود المفهوم، وإمكان الحديث عن الوجود الإنساني خارج الشروط التاريخية والاجتماعية التي تمنحه معناه. فإذا كان هايدغر قد جعل من سؤال الكينونة مدخلًا لإعادة التفكير في علاقة الإنسان بالعالم، فإن أدورنو أعاد مساءلة هذا المدخل، متسائلًا عما إذا كانت الأنطولوجيا، في سعيها إلى تجاوز الميتافيزيقا التقليدية، لا تعيد إنتاج التجريد في صورة أكثر تعقيدًا، بحيث تتحول الكينونة من سؤال مفتوح إلى مفهوم كليّ يحجب التناقضات التي تتخلل الحياة الفعلية.

إن أهمية هذه المواجهة لا تكمن في المفاضلة بين مشروعين فلسفيين، وإنما في الكشف عن اختلافهما في فهم العلاقة بين الفكر والواقع. فهايدغر ينطلق من ضرورة إعادة فتح سؤال الكينونة بعد أن اختزلت الميتافيزيقا الغربية الموجود في موضوع قابل للتحديد والتمثيل، بينما ينطلق أدورنو من الارتياب في كل مفهوم يدّعي تجاوز الواقع من دون أن يكشف عن الوسائط التاريخية والاجتماعية التي تشكّله. لذلك لا يتجه نقده إلى إبطال السؤال الأنطولوجي من حيث المبدأ، بل إلى مساءلة ادعاءاته حين ينفصل عن التناقضات المادية والتاريخية التي ينبغي للفكر أن يضعها في مركز اهتمامه.

ومن هنا، فإن السؤال الذي يحكم هذه المواجهة هو: هل تستطيع الفلسفة أن تستعيد معنى الوجود بمجرد العودة إلى الكينونة، أم أن هذا الاسترجاع يظل ناقصًا ما لم يضع اللغة الأنطولوجية نفسها أمام محكمة النقد التاريخي والاجتماعي؟ إن أدورنو لا يرفض التفكير في الوجود، لكنه يرفض أن يتحول الوجود إلى مبدأ تفسيري نهائي، لأن ما يبدو شاملًا في مستوى المفهوم قد يكون عاجزًا عن استيعاب الاختلافات والتناقضات التي تنتظم داخل الواقع. فالحقيقة، في أفقه الجدلي، ليست وحدة مكتملة تنغلق على ذاتها، بل علاقة متوترة بين المفهوم وموضوعه، بين ما يستطيع الفكر قوله وما يقاومه في الواقع.

أدورنو وهايدغر: من سؤال الوجود إلى نقد الأنطولوجيا

يحتل كتاب أدورنو الجدل السلبي (Dialectique négative) موقعًا مركزيًا في فهم هذا الخلاف. فقد صدر سنة 1966، في سياق كان فيه الفكر الأوروبي يعيد النظر في أسس الميتافيزيقا، وفي علاقة العقل بالتاريخ، ولا سيما بعد التجارب السياسية الكارثية التي عرفها القرن العشرون. وفي هذا الكتاب، يرفض أدورنو أن تكون الفلسفة نسقًا مغلقًا يستطيع ردّ التعدد إلى مبدأ واحد، أو احتواء الواقع داخل شبكة مفهومية تدّعي الإحاطة به. فالمفهوم، مهما بدا دقيقًا، لا يستنفد موضوعه؛ إذ يظل في الشيء ما يفلت من التصنيف، وما يقاوم التماهي التام بين الواقع والفكر1.

على هذا الأساس، يتجه نقد أدورنو إلى الأنطولوجيا التي تجعل الكينونة أفقًا شاملًا لفهم الموجودات، خصوصًا حين يُقدَّم هذا الأفق بوصفه متجاوزًا للتاريخ والاجتماع. فالمشكلة، في نظره، ليست في السؤال عن معنى الوجود، وإنما في احتمال أن يتحول هذا السؤال إلى بديل من تحليل الواقع، أو إلى لغة فلسفية تمنح التجريد سلطة جديدة. إن الانتقال من الميتافيزيقا التقليدية إلى الأنطولوجيا الأساسية لا يضمن، بذاته، تجاوز البنية الميتافيزيقية للفكر؛ فقد تتغير المفردات وتظل النزعة إلى إنتاج الكليات قائمة.

ويظهر هنا اختلاف جوهري بين هايدغر وأدورنو. فهايدغر، في الوجود والزمان، يسعى إلى إعادة تأسيس السؤال عن الكينونة انطلاقًا من تحليل الدازاين، أي الكائن الذي يتحدد وجوده بقدرته على الانفتاح على معنى وجوده. أما أدورنو فيسأل عن الشروط التي تجعل هذا التحليل ممكنًا، وعن العناصر التاريخية والاجتماعية التي قد تختفي حين يُصاغ الوجود الإنساني في صورة بنية أنطولوجية عامة. وإذا كان تحليل هايدغر يهدف إلى تحرير سؤال الكينونة من الاختزال الميتافيزيقي، فإن أدورنو يخشى أن تتحول الأنطولوجيا نفسها إلى صورة جديدة من صور الاختزال، حين تُعامل التناقضات الاجتماعية بوصفها أمورًا ثانوية قياسًا إلى السؤال عن الوجود.

لا يعني ذلك أن أدورنو ينكر أهمية التحول الذي أحدثه هايدغر في الفلسفة، بل يعني أنه يرفض اعتبار هذا التحول ضمانة كافية للخروج من الميتافيزيقا. فاللغة الفلسفية قد تتخلى عن مفاهيم الجوهر والذات التقليدية، لكنها تظل قادرة على إنتاج تجريدات جديدة، خصوصًا حين ترفع مفاهيم مثل الكينونة والمصير والأصالة إلى مرتبة المبادئ التي يُفسَّر الواقع من خلالها. وهكذا تصبح الأنطولوجيا، بدل أن تظل سؤالًا مفتوحًا، عرضة للتحول إلى سلطة مفهومية تفرض على الموجودات وحدة لا تستجيب بالضرورة لتعددها الفعلي.

الكينونة والتاريخ: ما الذي يغيب عن الأنطولوجيا؟

تكمن إحدى أهم نقاط الاعتراض الأدورني في أن الوجود الإنساني لا يمكن فهمه خارج العلاقات التاريخية والاجتماعية التي تشكّل إمكاناته. فالإنسان لا يوجد في فراغ أنطولوجي، ولا تتحدد تجربته بمعزل عن العمل والسلطة والتبادل الاقتصادي والمؤسسات الاجتماعية. إنه يعيش داخل عالم يتجاوز إرادته الفردية، ويؤثر في تصوره لذاته وفي طريقة إدراكه لحريته وحاجاته وإمكاناته. لذلك فإن الحديث عن القلق أو الأصالة أو المصير بوصفها بنيات وجودية عامة يظل محتاجًا إلى استكمال نقدي يسأل عن اختلاف هذه التجارب باختلاف الشروط الاجتماعية والتاريخية.

من هذا المنظور، لا يكون التاريخ مجرد إطار خارجي تتحرك داخله الكينونة، بل يصبح عنصرًا أساسيًا في فهم التجربة الإنسانية. فالقلق، مثلًا، ليس بالضرورة تجربة واحدة تتكرر بالطريقة نفسها لدى الجميع؛ إذ تتدخل في أشكاله الملموسة شروط العمل والفقر والإقصاء وانعدام الأمان، فضلًا عن التوترات الثقافية والسياسية. ولا يعني ذلك اختزال القلق الوجودي في أسبابه الاجتماعية، وإنما رفض التعامل معه باعتباره تجربة مستقلة استقلالًا تامًا عن العالم الذي يعيش فيه الإنسان.

إن هذا التمييز يسمح بفهم اعتراض أدورنو من دون تبسيط. فهو لا يطالب بإلغاء التحليل الوجودي، بل بإدخاله في علاقة نقدية مع التحليل التاريخي والاجتماعي. فالأنطولوجيا التي لا تسائل الشروط الواقعية للوجود قد تصف بنية الإنسان بصورة مجردة، لكنها تظل محدودة القدرة على تفسير أسباب المعاناة، وأشكال الهيمنة، والكيفية التي تتحول بها الظروف التاريخية إلى خبرات فردية تبدو أحيانًا طبيعية أو حتمية.

ويستمد هذا الاعتراض قوته من مفهوم التشيؤ، الذي يحتل مكانة مهمة في النظرية النقدية. فالعلاقات التي ينتجها البشر تاريخيًا قد تظهر لهم وكأنها قوى مستقلة عنهم، تتحكم في حياتهم وتحدد خياراتهم. وعندما تُفهم هذه العلاقات بوصفها حقائق طبيعية لا تقبل التغيير، يصبح النقد عاجزًا عن الكشف عن طابعها التاريخي. ومن هنا، فإن مهمة الفلسفة ليست فقط أن تسأل عن معنى الوجود، بل أن تكشف أيضًا عن الكيفية التي تتحول بها أنماط اجتماعية معينة إلى واقع يبدو بديهيًا، مع أنه نتاج علاقات قابلة للمساءلة والتحول.

وعليه، فإن ما يطالب به أدورنو هو إعادة التاريخ إلى قلب السؤال الفلسفي، لا باعتباره معلومة تضاف إلى التأمل الأنطولوجي، بل باعتباره شرطًا لفهم الحدود التي تتحرك ضمنها المفاهيم. فالواقع لا يتطابق تمامًا مع الصورة التي يرسمها الفكر عنه، والتجربة الإنسانية لا تستنفدها البنيات النظرية التي تصفها. ولهذا تصبح الفلسفة النقدية مطالبة بالانتباه إلى ما يستبعده المفهوم، وإلى الأصوات والتجارب التي لا تجد مكانًا داخل الصورة الكلية التي ينتجها.

«لغة الأصالة»: حين تصبح المفردات الفلسفية أيديولوجيا

إذا كان الجدل السلبي يكشف عن اعتراض أدورنو على النزعة إلى إغلاق الواقع داخل نسق مفهومي، فإن كتابه لغة الأصالة: في الأيديولوجيا الألمانية (Jargon de l’authenticité. De l’idéologie allemande) يقدّم مواجهة أكثر مباشرة مع اللغة الفلسفية المرتبطة بخطاب الأصالة، ولا سيما في بعض تيارات الوجودية والأنطولوجيا المعاصرة. ففي هذا العمل، لا يكتفي أدورنو بمناقشة الأفكار، بل يفحص المفردات التي تمنحها حضورها وسلطتها، متسائلًا عما إذا كانت اللغة التي تتحدث عن الوجود الأصيل تكشف فعلًا عن التجربة الإنسانية، أم أنها تنتج هالة رمزية تحجب ما ينبغي كشفه2.

إن نقد اللغة هنا ليس اعتراضًا على الكثافة الاصطلاحية أو على حق الفلسفة في ابتكار مفرداتها الخاصة، بل على احتمال أن تتحول المفردة إلى تعويض عن التحليل. فقد تستمد كلمات مثل «الأصالة» و«المصير» و«النداء» تأثيرها من نبرة توحي بالعمق، من دون أن تقدم تفسيرًا كافيًا للشروط التي تمنحها معناها. وعندما يحدث ذلك، تصبح اللغة وسيلة لإنتاج الهيبة الفكرية بدل أن تكون أداة لتعرية الواقع. فليس كل ما يبدو عميقًا في الخطاب الفلسفي عميقًا بالضرورة في دلالته، وليس كل مفهوم يستعصي على الفهم شاهدًا على امتلاكه حقيقة تتجاوز المألوف.

في هذا السياق، تصبح الأصالة موضع مساءلة. فهي عند هايدغر لا تعني مجرد التميز الفردي أو التحرر من الآخرين، بل تتصل بإمكان استعادة الدازاين علاقته بوجوده، بدل الذوبان في نمط الحياة الذي يحكمه «الهُم» (das Man). غير أن أدورنو يتساءل عن إمكان تحقق هذه الأصالة في مجتمع تصوغ علاقاته الاقتصادية والثقافية أنماط التفكير والسلوك، وتؤثر في الطريقة التي يفهم بها الفرد ذاته. فإذا كان الإنسان يستمد لغته ومفاهيمه عن الحرية والنجاح والقيمة من عالم اجتماعي محدد، فكيف يمكن أن نتصور أصالته بوصفها تجربة منفصلة عن هذا العالم؟

إن الاعتراض هنا لا يثبت أن مفهوم الأصالة بلا قيمة، بل يكشف عن ضرورة مساءلة الشروط التي يُستخدم ضمنها. فقد تتحول الدعوة إلى استعادة الذات إلى خطاب يحمّل الفرد مسؤولية مشكلاته، متجاهلًا علاقات اجتماعية تحد من إمكاناته الفعلية. وقد يبدو التحرر من ضغط الجماعة إنجازًا فرديًا، بينما تظل البنية التي تنتج ذلك الضغط قائمة من دون تغيير. ولذلك فإن الأصالة، إذا لم تقترن بنقد العالم الذي تتشكل داخله الذات، قد تنتهي إلى شكل من أشكال المصالحة مع الواقع بدل أن تكون مدخلًا إلى تغييره.

من هنا، يمكن فهم حدة أدورنو تجاه لغة الأصالة بوصفها دفاعًا عن مسؤولية المفهوم. فالمصطلح الفلسفي لا ينبغي أن يكتفي بإنتاج إحساس بالعمق، بل عليه أن يبرهن على قدرته على الكشف والتفسير. واللغة النقدية لا تكتسب قيمتها من غرابتها، وإنما من قدرتها على جعل ما يبدو طبيعيًا موضع سؤال، وما يبدو حتميًا موضوعًا للتاريخ، وما يبدو فرديًا خالصًا قابلًا للفهم في علاقته بالشروط الاجتماعية التي تسهم في تكوينه.

الجدل السلبي ومُقاومة إغلاق المعنى

لا يمكن فهم نقد أدورنو لهايدغر من دون التوقف عند مفهوم الجدل السلبي، الذي يمثل أحد أعمدة مشروعه الفلسفي. فالجدل، في بعض صوره التقليدية، يتجه نحو تجاوز التناقضات داخل حركة تنتهي إلى تركيب أكثر شمولًا. أما أدورنو فيتحفظ على هذا الميل حين يؤدي إلى استيعاب الاختلاف داخل وحدة نهائية، لأن ما يُقدَّم باعتباره مصالحة مفهومية قد يمحو ما في الواقع من مقاومة واستعصاء.

إن الجدل السلبي لا يعني رفض المفاهيم أو الاستغناء عن العقل، بل يعني استعمال العقل ضد نزوعه إلى السيطرة الكاملة على موضوعه. فالمفهوم ضروري للتفكير، لكنه لا يساوي الشيء الذي يفكر فيه؛ إذ يحتفظ الواقع بجوانب لا يمكن ردّها إلى التصنيف المفهومي من دون خسارة. ومن هنا، يصبح الاعتراف بعدم التطابق بين الفكر وموضوعه شرطًا من شروط النقد، لا علامة على فشل المعرفة.

في ضوء ذلك، يرى أدورنو أن الفلسفة ينبغي أن تقاوم تحويل الكينونة إلى حقيقة كلية تستوعب الموجودات في وحدة مجردة. فحين يصبح المفهوم شاملًا إلى درجة أنه لا يترك مجالًا لما يخالفه، فإنه يفقد قدرته على استقبال الجديد والمختلف. أما التفكير النقدي فيظل منتبهًا إلى التوتر بين المفهوم وما لا يستنفده، وإلى المسافة بين الصورة النظرية والواقع الذي تحاول تفسيره.

وتتضح أهمية هذا المنظور في قراءة هايدغر. فالسؤال عن الكينونة يظل سؤالًا فلسفيًا مشروعًا، لكن مشروعيته لا تعفيه من مساءلة لغته وحدوده ووسائطه التاريخية. إن المطلوب ليس إغلاق سؤال الوجود، بل منعه من التحول إلى إجابة كلية تحجب الأسئلة الاجتماعية والسياسية. فالأنطولوجيا التي تريد تجاوز الميتافيزيقا لا بد أن تقبل، هي نفسها، بأن تكون موضوعًا للنقد، وأن تعترف بأن ما تكشفه عن الوجود لا يستنفد كل ما يمكن قوله عنه.

ولعل هذه هي إحدى أكثر نقاط أدورنو أهمية: إن الفلسفة النقدية لا تستمد قوتها من ادعاء امتلاك الحقيقة النهائية، بل من إبقاء الحقيقة مفتوحة على ما يستعصي على المفهوم. ومن ثم، فإن نقد هايدغر لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه محاولة لاستبدال أنطولوجيا بأخرى، وإنما بوصفه دعوة إلى مقاومة كل تفكير يطمئن إلى اكتماله، أو ينسى أن الواقع أوسع من اللغة التي تصفه.

هايدغر والسياسة: مساءلة العلاقة بين الفكر والتاريخ

يكتسب الخلاف بين أدورنو وهايدغر بعدًا سياسيًا لا يمكن تجاهله، خصوصًا في ضوء انضمام هايدغر إلى الحزب النازي سنة 1933 وتوليه رئاسة جامعة فرايبورغ في الفترة نفسها. وتطرح هذه الوقائع سؤالًا فلسفيًا يتجاوز السيرة الشخصية: كيف نفهم العلاقة بين مشروع أنطولوجي يسعى إلى إعادة التفكير في الوجود، وموقف سياسي ارتبط بنظام استبدادي؟ وهل يمكن فصل المفاهيم الفلسفية عن السياقات التاريخية التي يتبناها أصحابها أو يعيدون توظيفها ضمنها؟

لا تسمح الإجابة الجادة باختزال فلسفة هايدغر كلها في موقفه السياسي، كما لا تسمح بإعفاء ذلك الموقف من التحليل بحجة أن الفلسفة تتجاوز صاحبها. فالعلاقة بين الفكر والسياسة ليست علاقة تطابق آلي، لكنها ليست انفصالًا مطلقًا أيضًا. وقد تحمل المفاهيم دلالات تتجاوز نية صاحبها، أو تكتسب في سياق تاريخي محدد معاني لم تكن واضحة في صياغاتها النظرية الأولى. ولذلك ينبغي فحص النصوص والسياقات معًا، من دون القفز من موقف سياسي إلى حكم شامل على كل مضمون فلسفي.

ومن منظور النظرية النقدية، تظل المساءلة التاريخية ضرورية لأن الفلسفة لا تُنتج خارج العالم، ولا تتكلم من موقع محايد تمامًا تجاه الصراعات التي تشكله. فالمفاهيم التي تتناول الجماعة والمصير والتاريخ والوجود المشترك يمكن أن تصبح موضوعًا لتحليل سياسي، خصوصًا حين تتقاطع مع تصورات محددة عن السلطة والانتماء. لكن إثبات هذه الصلات يتطلب تحليلًا نصيًا دقيقًا، لا مجرد تشابه لغوي أو استنتاج متعجل.

وعليه، فإن أهمية أدورنو في هذا السياق تكمن في رفضه تحصين الفلسفة ضد المساءلة التاريخية. فالتفكير الذي يطمح إلى فهم الإنسان لا يستطيع أن يتجاهل التجارب التي كشفت عن قابلية العقل والثقافة واللغة للتواطؤ مع الهيمنة. غير أن النقد نفسه ينبغي أن يحافظ على دقته، وألا يحول العلاقة بين الفلسفة والسياسة إلى تفسير أحادي يختزل المشروع الفكري في سيرة صاحبه.

خاتمة: ما الذي يبقى من سؤال الكينونة؟

إن نقد أدورنو لهايدغر لا ينتهي إلى إلغاء السؤال الأنطولوجي، بل إلى إعادة وضعه داخل أفق نقدي أوسع. فالإنسان لا يمكن اختزاله في علاقاته الاجتماعية، مثلما لا يمكن فهمه فهمًا كافيًا من خلال بنية وجودية مجردة عن التاريخ. وبين هذين الحدين تتحدد مهمة الفلسفة: أن تفكر في الوجود من دون أن تنفصله عن شروطه الملموسة، وأن تحلل المجتمع من دون أن تجعل الفرد مجرد انعكاس آلي لعلاقاته المادية.

لقد كشف أدورنو عن خطر أن تتحول اللغة الفلسفية إلى حصانة رمزية، وأن تصبح المفاهيم التي وُضعت لتفسير الواقع وسائل لحجب تناقضاته. لكنه يتركنا، في الوقت نفسه، أمام سؤال لا يقل أهمية: كيف يمكن للنقد الاجتماعي أن يحتفظ بحساسيته تجاه التجربة الوجودية، من دون أن يختزلها في أسبابها الخارجية؟ وكيف تستطيع الأنطولوجيا أن تستعيد سؤال الكينونة، من دون أن تجعل منه مبدأً يطغى على التاريخ؟

لا ينبغي، إذن، أن نفهم المواجهة بين أدورنو وهايدغر بوصفها انتصارًا نهائيًا لأحدهما، بل بوصفها توترًا منتجًا داخل الفلسفة المعاصرة. هايدغر يذكّرنا بأن الوجود الإنساني ليس موضوعًا جاهزًا أمام المعرفة، وأدورنو يذكّرنا بأن ما يبدو حقيقة وجودية قد يحمل آثار التاريخ والمجتمع. وبينهما تظل الفلسفة مطالبة بأن تراجع مفاهيمها، وأن تكشف حدودها، وألا تمنح نفسها حق الكلمة الأخيرة في شأن الإنسان والعالم.

إن الكينونة التي لا تقبل المساءلة قد تتحول إلى تجريد، والنقد الذي ينسى حدود مفاهيمه قد يتحول إلى نسق مغلق. وبينهما تستعيد الفلسفة معناها بوصفها ممارسة دائمة لزعزعة البداهات، وكشف المسكوت عنه، وفتح دروب جديدة أمام المعنى.

***

بقلم: الدكتور معروفي العيد

..........................

الهوامش والمراجع:

* تيودور أدورنو((Theodor W. Adorno (11 سبتمبر 1903 – 6 أغسطس 1969) ، فيلسوف وعالم اجتماع وعالم نفس وموسيقي ألماني، اشتهر بنظريَّاته النقدية الاجتماعية. كان أدورنو عضواً بارزاً في مدرسة فرانكفورت النقدية، وارتبطت أعماله بالعديد من المُفكرين البارزين مثل إرنست بلوخ، والتر بينجامين، ماكس هوركهايمر، هيربرت ماركوس وغيرهم، ويعتبر على نطاق واسع أحد أهم المُفكِّرين في القرن العشرين في الفلسفة وعلم الجمال، بالإضافة لمقالاته الكثيرة فقد اشتهر بكتبه التي انتقد فيها الفاشية وأثَّر من خلالها بشكلٍ كبير في اليسار الأوربي الجديد وأهم هذه الكتب: الجدل في عصر التنوير (1947)، الجدل السلبي (1966).

** مارتن هايدغر (Martin Heidegger)‏ (26 سبتمبر 1889 - 26 مايو 1976) فيلسُوف أَلَمَّانِي. ولد جنوب ألمانيا، درس في جامعة فرايبورغ تحت إشراف إدموند هوسرل مؤسس الظاهريات، ثم أصبح أستاذاً فيها عام 1928. وجه اهتمامه الفلسفي إلى مشكلات الوجود والتقنية والحرية والحقيقة وغيرها من المسائل. ومن أبرز مؤلفاته: الوجود والزمان (1927) ؛ دروب مُوصَدة (1950) ؛ ما الذي يُسَمَّى فكراً (1954) ؛ المفاهيم الأساسية في الميتافيزيقا (1961)؛ نداء الحقيقة؛ في ماهية الحرية الإنسانية (1982) ؛ نيتشه (1983).

 [1] تيودور أدورنو، جدليّة سلبيّة، ترجمة وتقديم وتعليق، ناجي العونلّي، منشورات الجمل، الشارقة (وبغداد)ط1 2023.

[2] Theodor W. Adorno, Jargon de l’authenticité. De l’idéologie allemande, traduction et préface d’Éliane Escoubas, postface de Guy Petitdemange, Paris: Payot, 1989. وهو المرجع الرئيس في تحليل نقد أدورنو لخطاب الأصالة وعلاقته بالأيديولوجيا واللغة الفلسفية.

[3] مارتن هايدغر، الوجود والزمان، ترجمة فتحي المسكيني، بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2012. يُراجع في تحليل الدازاين والوجود-في-العالم والأصالة والوجود-نحو-الموت. ينبغي مطابقة بيانات الطبعة ورقم الصفحة مع النسخة المعتمدة.

[4] Theodor W. Adorno, The Jargon of Authenticity, translated by Knut Tarnowski and Frederic Will, Evanston: Northwestern University Press, 1973. ترجمة إنجليزية يمكن الاستعانة بها في المقارنة الاصطلاحية والتحقق من بعض المواضع النصية.

في المثقف اليوم