عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

قاسم المحبشي: المولود الناقص والمجتمع غير المكتمل

فيما يشبه التمهيد لندوة التجديد العربي

من أين نبدأ بناء الإنسان؟ هل من البحث عن الكمال الذي نتوهم أننا نمتلكه، أم من الاعتراف بالنقص الذي يسكن وجودنا ويفتح أمامنا إمكانات لا نهائية للتعلم والتغيير؟ هذا السؤال، على بساطته الظاهرة، يضعنا أمام واحدة من أعقد المعضلات الفلسفية والتربوية والاجتماعية في تاريخ الإنسان؛ لأن الطريقة التي نفهم بها أنفسنا تحدد، إلى حد بعيد، الطريقة التي نبني بها مجتمعاتنا، وننظم علاقاتنا، ونؤسس مؤسساتنا، وننظر بها إلى المختلفين عنا. ولعل المدخل الأكثر خصوبة للبحث في ندوة (المجتمع وبناء الإنسان، في ضوء فلسفة اللا كتمال) المزمع عقدها يوم الجمعة القادم الموافق 30 اكتوبر 2026م في المعهد العالمي للتجديد العربي والذي سيقدم محاضرتها الرئيسية الأستاذ الدكتور مصطفى النشار، استاذ الفلسفة في جامعة القاهرة ورئيس الجمعية الفلسفية المصرية وسوف تديرها الدكتورة نجاة الرافدي من جامعة الرباط في المغرب وأنا المعقب فضلا مع الزميل الدكتور إبراهيم العناني من الجزائر.

وتنطلق الفرضية الأساسية للمشكلة البحث من حقيقة تبدو بديهية، لكنها تنطوي على دلالات عميقة: الإنسان كائن يولد ناقصاً، ولا يأتي إلى العالم حاملاً ماهيته مكتملة، ولا يعرف منذ البداية ماذا ينبغي أن يكون، بل يتشكل عبر التربية والتجربة واللغة والعلاقات والاختيارات، في رحلة مفتوحة لا تبلغ نهايتها ما دام الإنسان قادراً على السؤال والتعلم وإعادة النظر في ذاته.

استوقفتني هذه الحقيقة اثناء إعدادي رسالة الماجستير في الوجود والماهية عند جان بول سارتر بإشراف الأستاذ الدكتور، أحمد نسيم برقاوي إذ يعد كاتب الوجود والعدم محاولة لتفسير سؤال الإنسان الذي يسبق وجوده ماهيته، فلا يكون مجرد نسخة جاهزة من طبيعة ثابتة، وإنما مشروعاً مفتوحاً يصنع نفسه عبر أفعاله ومسؤوليته واختياراته. ومن هنا انطلقت فكرة «المولود الناقص»، لا باعتبار النقص عيباً ينبغي التخلص منه، ولا باعتباره علامة على ضعف الإنسان أو دونيته، بل بوصفه شرطاً من شروط إنسانيته ومصدر قدرته على تجاوز ما هو عليه نحو ما يستطيع أن يكونه. فالإنسان الذي يعتقد أنه مكتمل لا يرى ضرورة للتعلم، والذي يتوهم امتلاك الحقيقة النهائية لا يجد سبباً للإصغاء إلى غيره، والذي يختزل هويته في صورة مغلقة عن ذاته يتحول، من حيث لا يدري، إلى سجين لما يظنه مصدر قوته.

الأزمة تبدأ حين تتحول حاجة الإنسان إلى الاستقرار والانتماء إلى رغبة في إلغاء السؤال، وحين يصبح ما ورثناه من أفكار وعادات وتصورات سلطةً تحرس نفسها من النقد بدلاً من أن تكون مادةً للتفكير والتطوير. هنا يغدو النقص الذي كان يمكن أن يكون منبعاً للإبداع نقصاً في الوعي، ويغدو الانتماء الذي كان ينبغي أن يمنح الإنسان جذوره وسيلةً لمصادرة حريته، ويتحول المجتمع من فضاء لتكوين الإنسان إلى آلة لإعادة إنتاج صورته الموروثة. وليس أخطر على الإنسان من أن يُربّى على الاعتقاد بأنه لا يحتاج إلى التغير، وليس أخطر على المجتمع من أن يعتبر مساءلة عاداته وثوابته تهديداً لوحدته، بدلاً من أن يراها فرصة لاكتشاف ما فيها من إمكانات وما تراكم عليها من أخطاء.

من هذه الزاوية أقرأ كتاب الدكتور خضير المرشدي «التجديد العربي: مشروع لفكر عربي حديث»، بوصفه محاولة لنقل سؤال التجديد من مستوى الدعوة النظرية إلى مستوى المشروع الذي يربط المعرفة بالفعل، والفكر بالمجتمع، والوعي الفردي بإمكانات التحول الحضاري. فالكتاب، في جوهره، لا يكتفي بتشخيص أزمات الفكر العربي، بل يدعونا إلى إعادة النظر في طرائق تفكيرنا وفي علاقتنا بالتراث والحداثة والمستقبل، وإلى تجاوز الاستقطاب العقيم بين من يريدون العودة إلى الماضي كما لو كان زمناً مكتملاً، ومن يظنون أن التقدم لا يتحقق إلا بالتخلي عن الذات والذوبان في الآخر. وكلا الموقفين، في تقديري، يتغافل عن حقيقة أساسية: أن الثقافة الحية لا تستمد قدرتها على الاستمرار من ادعاء اكتمالها، وإنما من استعدادها الدائم لمراجعة نفسها، وإعادة اكتشاف جذورها، والانفتاح على تجارب الآخرين دون أن تفقد قدرتها على الاختيار.

إن فلسفة اللااكتمال تمنحنا هنا أداة نقدية لفهم مأزق التجديد العربي. فنحن لا نعاني فقط من نقص الموارد أو ضعف المؤسسات أو اختلال موازين القوة، على أهمية هذه العوامل جميعاً، وإنما نعاني أيضاً من أنماط من الوعي تتعامل مع الأفكار باعتبارها حقائق نهائية، ومع التاريخ باعتباره مخزناً للأجوبة الجاهزة، ومع الاختلاف باعتباره خطراً ينبغي احتواؤه أو إقصاؤه. وعندما يصبح الماضي مرجعاً مغلقاً لا مجال لمساءلته، يتحول التراث من ذاكرة حية إلى قيد، ومن طاقة للإبداع إلى عبء على الحاضر. لكن تجاوز هذا المأزق لا يعني إنكار التراث أو احتقاره؛ فالقطيعة العمياء ليست أقل عجزاً من التقليد الأعمى. المطلوب أن ننظر إلى تراثنا بعين الناقد المحب، وأن نميز بين ما يمنحنا القدرة على الفهم والفعل، وما لم يعد صالحاً لمواجهة أسئلة عصرنا.

التجديد لا يبدأ بتغيير الأشياء المحيطة بالإنسان وحدها، بل بتغيير علاقته بنفسه وبالمعرفة وبالآخر. فالمجتمع ليس بناءً خارجياً يمكن إصلاحه بمجرد تبديل القوانين أو تغيير الحكومات أو استيراد التقنيات، وإنما هو أيضاً شبكة من القيم والتصورات والعادات التي تحدد ما نعتبره ممكناً وما نحكم عليه بالاستحالة. وإذا بقي العقل أسير الخوف من السؤال، وظلت التربية قائمة على التلقين، واستمر التعليم في مكافأة الحفظ على حساب الفهم، فإن المؤسسات الجديدة قد تعيد إنتاج العقليات القديمة بأدوات أكثر حداثة. عندئذ نكون قد غيّرنا واجهات المجتمع، لكننا لم نغيّر بنيته العميقة.

من هنا أرى أن بناء الإنسان ينبغي أن يكون نقطة البداية والغاية في آن واحد. فالتربية ليست مجرد نقل للمعارف من جيل إلى جيل، وإنما هي مساعدة الإنسان على اكتشاف قدرته على التفكير، وتكوين حكمه الخاص، وتحمل مسؤولية قراراته، والاعتراف بحدود معرفته. والمعلم الذي يطالب تلميذه بترديد إجاباته لا يربي عقلاً مستقلاً، بل يصنع امتداداً لصوته؛ والمجتمع الذي يعاقب أبناءه على الاختلاف لا يحمي وحدته، بل يضعف قدرته على التجدد. إننا لا نحتاج إلى تعليم الناس ماذا يفكرون فحسب، بل إلى تربيتهم على كيف يفكرون، وكيف يختبرون أفكارهم، وكيف يميزون بين الرأي والحقيقة، وبين الولاء الأعمى والمسؤولية النقدية.

فإذا كان الإنسان مشروعاً مفتوحاً، فإن المجتمع الذي يبنيه ينبغي أن يكون بدوره قابلاً للتعلم والتصحيح والتطور. فلا توجد مؤسسة اجتماعية معصومة من الخطأ، ولا نظام سياسي يملك حق احتكار المستقبل، ولا ثقافة تستطيع أن تستمر حية إذا أغلقت أبوابها أمام النقد. إن المجتمع الناضج ليس المجتمع الذي اختفت منه التناقضات، بل الذي امتلك الوسائل السلمية والأخلاقية لمعالجتها؛ وليس المجتمع الذي يتطابق أفراده في معتقداتهم وآرائهم، بل الذي يستطيع المختلفون فيه أن يعيشوا معاً في ظل القانون والمواطنة والاحترام المتبادل.

ولا يمكن لهذا التحول أن يحدث ما دامت ثقافة القطيع تجد في الخوف والتعصب والطاعة العمياء وسائل لإعادة إنتاج نفسها. فالقطيع لا يتشكل لأن الناس يفتقرون إلى الذكاء بالضرورة، بل لأن شروطاً اجتماعية وثقافية وسياسية قد تدفعهم إلى التخلي عن استقلالهم، وتمنحهم شعوراً زائفاً بالأمان مقابل التنازل عن مسؤوليتهم الفردية. وعندما يصبح رأي الجماعة بديلاً من التفكير، ويتحول القائد إلى مصدر وحيد للحقيقة، ويُنظر إلى النقد باعتباره خيانة، يصبح المجتمع عاجزاً عن تصحيح أخطائه، مهما امتلك من طاقات بشرية وموارد مادية. إن الاعتراف باللااكتمال هنا هو استعادة لحق الإنسان في أن يقول: ربما أكون مخطئاً، وربما يحتاج ما أؤمن به إلى مراجعة، وربما كان لدى الآخر ما لا أملكه من معرفة أو خبرة.

وإذا كان كتاب المرشدي يربط التجديد ببناء مجتمع المعرفة، فإن فكرة المولود الناقص تساعدنا على إدراك أن المعرفة ليست تراكماً للمعلومات وحدها، بل قدرة على إعادة تركيبها، واستخدامها في حل المشكلات، وابتكار إمكانات لم تكن متاحة من قبل. ولا قيمة حقيقية لتكنولوجيا متقدمة إذا ظل الإنسان خائفاً من التفكير، ولا معنى لجامعة حديثة إذا غابت الحرية الأكاديمية، ولا جدوى من وفرة المعلومات إذا لم يمتلك المتعلم أدوات التمييز والنقد. إن المعرفة التي لا تغير علاقة الإنسان بالعالم قد تتحول إلى زينة ذهنية، أما المعرفة التي تحرر طاقته وتوسع أفقه وتزيد قدرته على الفعل، فهي التي تصبح قوة اجتماعية وحضارية.

إن الاعتراف بأن الإنسان «مولود ناقص» لا يعني انتقاصاً من قيمته، بل هو اعتراف بحقيقته الوجودية، وبأن إنسانيته مشروع مفتوح لا يكتمل مرة واحدة وإلى الأبد. فالتجديد والتغيير والتطور والنمو والارتقاء خصائص جوهرية للحياة والتاريخ؛ لا شيء يدوم على حال، ولا يمكن للمرء أن يستحم بمياه النهر مرتين. والتاريخ بدوره لا يعود إلى الوراء، ولا تتكرر حوادثه بالصورة ذاتها؛ فالأمس مضى، والمستقبل لم يأتِ بعد، أما الحاضر فهو المساحة الوحيدة التي نملك فيها فرصة الفعل والتغيير. ومن ثم، فإن تكريم الأسلاف لا يكون بالبكاء على أطلالهم أو الارتهان لماضيهم، بل باستئناف الفعل التاريخي الذي يجعل شمعتهم متوهجة في حاضرنا ومستقبلنا.

وإذا كان العقل أعدل الأشياء قسمة بين الناس، فإن امتلاك هذه الملكة لا يكفي وحده لصناعة التقدم؛ إذ لا بد من تحويل التفكير إلى ممارسة نقدية واعية، ومن القدرة على مساءلة الذات الفردية والجمعية، وفحص الموروث، ومراجعة الأفكار والسلوكيات والمؤسسات التي تعوق نمونا. وهنا تتجلى أهمية تجديد الإنسان والمجتمع: ليس بتلقين الناس ما يفكرون فيه، بل بتحرير قدرتهم على التفكير، ولا بفرض نموذج مكتمل عليهم، بل بتهيئة الشروط التي تساعدهم على بناء ذواتهم ومجتمعاتهم باستمرار.

إن حاجتنا العربية ليست إلى مزيد من المديح المتبادل أو جلد الذات، بل إلى ثقافة نقد عقلاني تميز بين النقد الذي يقصد الإصلاح والبناء، والنقد الذي يتخذ الهدم والتشفي غاية له. فالنقد ليس عداءً للذات، بل تعبير عن احترامها والثقة بقدرتها على التغيير. وحيثما تسود حرية التفكير والحوار وتبادل الرأي، تتراجع ثقافة الخوف والكراهية والعنف، وتتسع إمكانات العيش المشترك. لسنا مطالبين بصناعة إنسان كامل، بل ببناء مجتمع يعترف بنقص الإنسان، ويحترم اختلافه، ويمنحه الحرية والمعرفة والفرصة كي يتجاوز نفسه؛ فالمستقبل أمامنا، ولا يصنعه من يكتفي بتقديس الماضي، بل من يجرؤ على نقد الحاضر واستئناف التاريخ.

إن الإنسان لا يولد مكتملاً، لكنه يولد قابلاً لأن يصبح أكثر إنسانية؛ والمجتمع لا يُمنح نهضته مرة واحدة، بل يصنعها عبر اختياراته ومؤسساته وقدرته على مراجعة نفسه. وبين المولود الناقص والمجتمع غير المكتمل تتحدد مهمتنا الفلسفية والتربوية والحضارية: أن نحول النقص إلى دافع للتعلم، والاختلاف إلى فرصة للتعارف، والنقد إلى أداة للبناء، والتجديد إلى ممارسة تحمي كرامة الإنسان وتفتح أمامه أفق المستقبل. فالمجتمعات لا تنهض حين تقنع أبناءها بأنها تمتلك الأجوبة النهائية، بل حين تمنحهم الحرية والشجاعة والوسائل اللازمة لصناعة أسئلة أفضل، والبحث عن أجوبة أكثر إنسانية، والعمل معاً من أجل عالم يصبح فيه الإنسان غاية التنمية وموضوع المعرفة وصانع التاريخ، لا مجرد أداة في يد السلطة أو أسير في قفص الموروث.

والحضارة التي تتوهم اكتمالها في زمن مضى تفقد قدرتها على صناعة حاضرها ومستقبلها. أما الإنسان الذي يعترف بنقصه، ويجعل من هذا الاعتراف بداية للسؤال والعمل، فيظل قادراً على أن يتجاوز ذاته، وأن يضيف إلى العالم شيئاً ينفع الناس ويفتح الطريق أمام من يأتون بعده.

***

د. قاسم المحبشي

 

في المثقف اليوم