أقلام حرة

أكرم عثمان: لا تكن مفلساً في لسانك وقلبك

في حياتنا اليومية والمهنية نقف أمام مشاهد متعددة من السلوك الإنساني، فتنبهر من صنفين من الناس يختلفان اختلافاً جذرياً وظاهراً في طريقة حديثهم ونظرتهم للحياة ولأنفسهم والآخرين من حولهم. أحدهما يزن كلماته بميزان الآداب والسمت والانضباط والضمير والممارسات الإنسانية والأخلاقية، فينتقي عباراته بدقة ووعي ويترفع  ويسمو عن الخوض فيما لا يعنيه أو يضعه في مكان ليس مكانه أو موضع لا يليق به أن يكون فيه. يدرك أن الكلمة تستطيع أن ترفع قدر الإنسان أو تضعه في مهاوٍ من السقوط الأخلاقي، لذلك لا يسمح للسانه أن ينزلق نحو الغيبة أو القسوة أو السخرية أو التنمر على أحد أو التقليل منه. هذا الصنف يتحدث بوعي واعتماد على قيم راسخة تمنعه من التشهير أو الطعن أو تتبع زلات الآخرين، فتراه محافظاً على نفسه وعلى علاقاته وعلى صفاء روحه، يراقب أفعاله قبل أن ينشغل بمراقبة أفعال غيره.

وفي المقابل نجد الصنف الآخر الذي لا هم له إلا ذكر الناس في مجالسه أو مكان تواجده، يراقب أخطاءهم ويتفنن في تصويرها وتضخيمها، وينشغل بعيوبهم أكثر مما ينشغل بإصلاح نفسه وتهذيبها. يطلق لسانه بلا رقيب أو ضوابط، فيحول المجالس إلى منصات للقدح والتشهير والاستهزاء. هذا الصنف يفقد قيمة الكلمة ويفلس في قلبه قبل أن يفلس في لسانه وكلامه، إذ يتحول الحديث عنده إلى نقمة لا رحمة، وإلى معول هدم بدل أن يكون جسر بناء وتشييد العلاقات وبنائها. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أتدرون من المفلس؟"  "كما روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة": [ أتدرون ما المفلِسُ؟ قالوا: المفلِسُ فينا من لا درهمَ له ولا متاعَ. فقال: إنَّ المفلسَ من أمَّتي، يأتي يومَ القيامةِ بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مالَ هذا، وسفك دمَ هذا، وضرب هذا. فيُعطَى هذا من حسناتِه وهذا من حسناتِه. فإن فَنِيَتْ حسناتُه قبل أن يقضيَ ما عليه، أخذ من خطاياهم فطُرِحت عليه ثمَّ طُرِح في النَّارِ (رواه مسلم).

ثم وضح أن المفلس صلى الله عليه وسلم من يأتي يوم القيامة بأعمال كثيرة لكنه ظلم هذا وشتم ذاك، فيؤخذ من حسناته حتى لا يبقى له شيء. فأي خسارة أعظم من أن يخسر الإنسان حسناته بسبب كلمة لم يحسن ضبطها أو التفوه بها؟

إن اللسان مرآة للقلب، وما يختلج في الصدر يظهر أثره في الكلام. فمن كان قلبه نقياً طاهراً من كل عيب أو تقيصة كان حديثه موزوناً ورقيقاً رحيماً، ومن كان قلبه مظلماً سواداً خرجت منه الكلمات جارحة قاسية تفتك بالصخر قبل البشر. الكلمة قد تداوي جرحاً في الروح، وقد تفتح جراحاً لا تندمل أو تشفى، وقد ترفع إنساناً مكاناً علياً في قلوب الآخرين وأفئدتهم، وقد تهوي به إلى قاع الاحتقار والنفور والتيه والنسيان. لذلك كانت حصائد الألسنة سبباً في سعادة الإنسان أو شقائه.

لا قيمة لإنسان يكثر الحديث عن القيم ثم يهدمها بلسانه وبكلمه. ولا رفعة لمن يظن أن التفوه على الناس بطولة، أو أن السخرية ذكاء، أو أن الانتقاص قوة. إن الفارغين من المعاني هم أكثر الناس ضجيجاً وجلبة وصوتاً خواءاً، والممتلئين بالحكمة يختارون الصمت حين يكون الصمت وقاراً وتهذيباً وقيمة، ومن عرف قدر نفسه عند الله لم يتعرض لنفوس الناس بسوء. وما أجمل أن ينشغل كل واحد منا بإعمار نفسه وإصلاح قلبه، بدل أن يتخذ اللسان سلاحاً فتاكاً يجرح به الآخرين ويحاول أن يقتنص عيوبهم وأخطاءهم ليشغلهم عن عيوب نفسه وقباحة شمائله وصفاته.

إن الحياة لا تقاس بكم ما نقوله، بل بقدر ما تحفظه كلماتنا من كرامات، وما تضيفه لأرواح من نخاطبهم. فلتكن كلماتنا زادًا لنا لا عبئاً علينا، ولنتذكر أننا نوقع بالكلمة على صحائف أعمالنا ما سنقرأه يوم لا ينفع الندم. من أراد النجاة فليجعل لسانه مطية للخير، ولا يتحدث إلا حين يكون للحديث قيمة ومعنى ورحمة. فالكلمة أمانة، وصاحب اللسان الطيب غني بروحه وإن خسر الدنيا، أما المفلس حقاً فهو من يخسر الناس وقلبه وحسناته بلسان لا يعرف حدوداً.

ثمَّ قال: ألا أُخبِرُك بِرأسِ الأمرِ، وعمودِه، وذِروَةِ سَنامِه؟ قلت: بلَى، يا رسولَ اللهِ، قال: رأسُ الأمرِ الإسلام، وعمودُه الصَّلاةُ، وذِروةُ سَنامِهِ الجِهادُ، ثمَّ قال: ألا أخبرُك بمِلاكِ ذلِك كلِّه؟ قلتُ: بلَى، يا نبيَّ اللهِ، فأخذَ بلسانِهِ، وقال: كُفَّ عليكَ هذا، فقُلتُ: يا نبيَّ اللهِ، إِنَّا لمؤاخَذونَ بما نتَكلَّمُ بِه؟ قال: ثَكلتكَ أمُّكَ يا معاذُ، وَهل يَكبُّ النَّاسَ في النَّارِ علَى وجوهِهِم، أوعلَى مناخرِهم، إلَّا حصائدُ ألسنتِهم. (رواه الترمدذي والنسائي وابن ماجه)

فلا تكن مفلساً في لسانك ولا في قلبك، واجعل ما تقول شاهداً على خيرك لا شاهداً عليك. فقد تنسى الوجوه، وتنسى الأسماء، لكن الأثر الذي تتركه الكلمات يبقى طويلاً بعد رحيل أصحابها.

***

بقلم: د. أكرم عثمان

13-1-2026

في المثقف اليوم