أقلام حرة
غريب دوحي: في ذكرى اغتيــxـال لومومبا
انجبت القارة السوداء عدد لا يستهان به من القادة الذين قاوموا الاستعمار الأوربي بكافة اشكاله فعلى سبيل المثال باتريس لومومبا ونلسون مانديلا رئيس جنوب افريقيا وكوامي نكروما رئيس جمهورية غانا ويوليوس نيريري رئيس دولة تنجانيقا. لقد ظهر هؤلاء الزعماء في فترة الستينات من القرن الماضي والتي شهدت ظهور حركة الكفاح المسلح في آسيا وافريقيا بهدف طرد الاستعمار الأجنبي وتحرير البلدان وإقامة حكومات اشتراكية أو ديموقراطية وتخليص ثروات هذه الدول من هيمنة الشركات الأجنبية.
إلا إن القوى الاستعمارية الكبرى كانت قد تصدت لهؤلاء الزعماء بالتآمر عليهم فكان مصيرهم إما الاغتيال أو الإطاحة بهم عن طريق الإنقلابات العسكرية الرجعية كما حصل للرئيس نكروما.
أما فيما يخص الزعيم باتريس لومومبا (1925-1961) فهو قائد وطني كونغولي وأحدى الشخصيات الافريقية المناضلة لتحرير القارة الافريقية من الاحتكارات الاجنبية التي تنهب ثروات شعوب هذه القارة. أسس الحزب الوطني الكونغولي عام 1958 وترأس أول حكومة بعد الاستقلال الذي حصلت عليه بلاده من بلجيكا عام 1960.
في عام 1961، قام جوزيف موبوتو رئيس أركان الجيش في حكومة لومومبا بإنقلاب عسكري ضد لومومبا وأعلن نفسه رئيساً للجمهورية ووزيراً للدفاع. وهكذا، تعرضت الكونغو إلى هزة عنيفة عرضت البلاد إلى الخطر والعودة بها إلى أيام الاحتكارات الأجنبية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، كان أحد زعماء الكونغو وهو (تشومبي) وقد أعلن انفصال مقاطعة (كاتنغا) عن الوطن الأم بتأييد بلجيكا والمرتزقة الأجانب.
لقد ادرك لومومبا حجم مؤامرة موبوتو فأرسل أولاده إلى القاهرة لأأنه كان يتوقع اغتياله بين لحظة وأخرى وقد أعتقلت بعد ذلك زوجته وأرسلت في سيارة (لوري) إلى مدينة (ليوبولدفيل). ثم قام الانقلابيون باعتقال لومومبا وحجزه في غرفة الصغيرة في مقر الحكومة، عندها أدرك إن هناك مؤامرة تدبر لإغتياله وقد أخذ يتصل بانصاره رغم الحصار الحديدي المفروض عليه.
أخذ لومومبا يفكر في وضع خطة للهروب من السجن مع زوجته التي أطلق الانقلابيون سراحها، ولم يكن الهروب سهلاً، ولم يعد ممكناً تحديد الوقت إلا لإنه وضع خطة مع بعض أنصاره تكون بشكل تدريجي وقد وصفت زوجته (بولين) هذه الخطة كما يلي: كان المتفق عليه أن يتسلل بعض أنصاره ومعهم كميات كبيرة من البيرة وكانت مهمتهم أن يعقدوا بالتدريج وبدون أن تعرف هوياتهم صداقات مع الحراس ويتناولون فيها قناني البيرة وفي الليلة المتفق عليها جاءوا ببراميل البيرة فداخت رؤوس الحراس وفي تلك اللحظات وخرجت مع لومومبا إلى سيارتين معدتين للهرب وطوت السياراتان أكثر من (80 كم) وأمر لومومبا سائق السيارة عدة مرات أن يقف كي يخطب بين ابناء الشعب، لكن السيارة أضطرت إلى التوقف في مكان وفجأة وقفت سيارة أمامها ونزل منها عدة جنود من قوات موبوتو وقد أرسل هؤلاء الجنود برقية إلى موبوتو يطلبون منه إرسال طائرة لإعتقال لومومبا وإرساله إلى العاصمة وبعد فترة وجيزة هبطت طائرة بلجيكية صغيرة وقاد جنود لومومبا إليها. أما زوجته فقد أقتادوها إلى سيارة أخرى.
وبعد أن نزل لومومبا من الطائرة التي أقلته من مدينة (ليوبولدفيل) إلى مقاطعة (كاتنغا) صرخ بالضباط الذين أسروه: إني اسألكما لماذا جئتم لإعتقالي؟ هل أنتم مقتنعون بإن هذا لمصلحة الوطن؟ إنه سيناريو يشبه إلى حد كبير سيناريو اعتقال وأعدام الزعيم الخالد عبد الكريم قاسم، ثم قال لهم: هذه النجوم التي تضعونها على أكتافكم من وضعها لكم؟ فلومومبا هو الذي كون جيشاً نظامياً في الكونغو وهو الذي أعطى هؤلاء الضباط رتبهم العسكرية. ثم تقدم إليه بعض الجنود وقيدوا يديه بالحبال ووضعوه في سيارة لوري مكشوفة وأعتدوا عليه بالضرب لكنه لم يرضخ لهم أبداً. كان يرى إن حرية بلاده هي التي توثق بالحبال وإن الضربات توجه إلى جسد الكونغو وليست إلى جسده.
لقد أخذ الأوغاد ينقلونه من سجن إإلى أخر وكان لومومبا يخطب في حراس السجون التي يحل فيها ويوضح لهم أهداف الانقلاب الرجعي الذي أطاح به وعن المؤامرة لتي تدبر ضد الوطن فقد كان بين الجدران اقوى من الذين كانوا يملكون كل السلطات.
وذات ليلة نقلوه مقيداً بالأغلال إلى (كاتنغا) وسلموه إلى المجرم (تشومبي) فأطلق عليه الرصاص لحظة وصوله وكان ذلك اليوم هو 17/1/1961 وكان يهتف بحرية الكونغو وهو يتلقى الرصاص تماماً كما فعل بعده عبد الكريم قاسم وهو يتلقى الراصاص انقلابيي شباط في دار الاذاعة عندما كان يهتف بحياة الشعب العراقي عندما هتف: يحيا الشعـ... ولم تمهله رصاصات الانقلابيين في إتمام هتافه.
ورفض الطغاة تسليم جثمان لومومبا إلى زوجته لدفنه كما ورفضوا أن تلقى عليه نظرة الوداع. لقد كان لومومبا أقوى منهم جميعاً وهو جسد قتيل. هذا ما تحدثت به زوجته (بولين) عن اعتقاله وأعدامه. لقد عاشت زوجته كفاحه لحظة بلحظة ولم تكن مجرد زوجة لقد كانت رفيقة طفولته في مدرسة القرية التي درسا فيها سوية، تقول عنه: "كان عمله السياسي هو رسالته في الحياة، وهو يحلم بمستقبل الكونغو، ثم قادة الثورة في ستانلي فيل عام 1959 ودخل السجن بعدها."
لقد كانت بلجيكا وملكها (بودان) مسؤولة مسؤولية مباشرة عن مقتل لومومبا لأنه كان عازماً على تأميم شركات المناجم البلجيكية الكبرى في مقاطعة (كاتنغا).
وتخليد لذكرى هذا الثائر الافريقي تأسست في موسكو في ستينات القرن الماضي جامعة باسم (جامعة لومومبا) أو جامعة الصداقة بين الشعوب ومنحت الجامعة وسام الصداقة بين الشعوب لرئيسها (فيليبوس) بتاريخ 54 شباط 1975.
وهكذا عاش لومومبا كأسطورة خالدة في كل قلب.
***
غريب دوحي







