أقلام حرة

بشرى الهلالي: التفاهة.. خيار مجتمع أم صناعة سياسة؟

لم نصل إلى زمن التفاهة صدفة. حين تتصدّر الوجوه الفارغة الشاشات، وتُقصى العقول الجادّة، فاعلم أن ما تراه ليس مجرّد "ذوق عام"، بل سياسة ناعمة تُدار بذكاء.

التفاهة تُصنع، وتُموَّل، وتُسوَّق، لأنها تضمن عقلًا مشغولًا لا يسأل، ومجتمعًا سطحيًا لا يُطالب. فليس من الضرورة أن يكون الناس هم من اختاروها، بل السؤال الحقيقي هو: من قدّمها لهم؟ ومن سحب البدائل من تحت أقدامهم؟

التفاهة ليست بريئة، بل أداة. فمن الرابح حين يُصبح التافه نجمًا، والعميق غريبًا؟

في عصر تتسارع فيه وتيرة الإعلام الرقمي وتنتشر المنصّات الاجتماعية، بات من الصعب التمييز بين ما هو جدير بالاهتمام وما هو فارغ المضمون. فهل التفاهة التي نشهدها اليوم في الخطاب العام والسياسة الفن والإعلام هي نتيجة خيارات المجتمع؟ أم جزء من مشروع سياسي مقصود؟

يرى البعض أن التفاهة ظاهرة اجتماعية طبيعية، تعكس اهتمامات الناس وسلوكياتهم في زمن العولمة والانشغال بالمظاهر. غير أن هذا التفسير يغفل الدور البنيوي الذي تمارسه الأنظمة السياسية في توجيه الذوق العام، إمّا بالتضييق على الإنتاج الثقافي العميق، أو بدعم المحتوى السطحي بهدف إشغال العقول عن القضايا الكبرى.

على سبيل المثال، في بعض الدول التي تمرّ بأزمات سياسية أو اقتصادية، تُفتح الأبواب على مصراعيها لبرامج الواقع، والمسلسلات التي تتاجر بالمشاعر، وحفلات الترفيه المبالغ فيها، بينما يُضيَّق على الأعمال النقدية أو التوعوية. ليس لأن الناس لا يريدون العمق، بل لأن التفاهة أسهل في السيطرة وأقل خطرًا على البنى القائمة.

وتتفاقم التفاهة أيضًا تحت تأثير الحروب، والعقم السياسي، وفقدان الأمل بالتغيير، وهي عوامل تقتل الحافز في الناس، وتزرع فيهم شعور اللاجدوى، فتدفعهم إلى البحث عن المتعة السريعة بأي شكل، لينحدروا من دون وعي إلى ضحالة التفكير وسطحيّة المعنى.

أما الوجه الأشدّ وضوحًا للتفاهة، فيبدو جليًا في بعض الوجوه المتصدّرة للمشهد الانتخابي. حين تقلّب صفحات تاريخهم، وتعليمهم، ومواقفهم، تشعر بالخيبة من ضحالتهم. وحين تتابع تصريحاتهم ومنشوراتهم، تدرك أن البلاد تسير نحو الهاوية إن احتلّ هؤلاء التافهون مقاعد البرلمان.

وفي نهاية المطاف، وإن حاربت السلطة ما يُسمّى بـ"المحتوى الهابط"، إلا أن هذا المحتوى هو أكثر ما يخدم وجودها فعليًا. فالتفاهة وسيلة للهيمنة.. وتغييب الوعي يصنع مجتمعًا يتكيّف مع التفاهة، بل يستهلكها، إلى أن يفقد المعنى قيمته.

***

بشرى الهلالي

 

في المثقف اليوم