أقلام حرة

فاطمة الدفعي: فن المسافات.. الوعي الأخلاقي في ضبط الحدود الإنسانية

في خريطة العلاقات الإنسانية المعقدة، هناك خط رفيع بين القرب الذي يولد التعلق، والبعد الذي يخلق الجفاء. هذا الخط هو ما نسميه "المسافة الآمنة"؛ وهي ليست جدارًا نبنيها بيننا وبين القلوب، بل هي منطقة حماية تجعل العلاقة أكثر إتزاناً وواعيًا، تحفظ الود وتمنع التعدي، وتسمح للعلاقات بأن تتنفس.

الحفاظ على هذه المسافة فن وهو احترام متبادل ينبع من إدراك عميق بأن لكل إنسان دائرته الخاصة من المشاعر والأفكار التي لا يجوز اقتحامها دون إذن.

هكذا نخلق لنا مساحة من الحرية المنضبطة التي تمنح النفس راحة، وتمنح العلاقات استقرارًا.

المسافات الأمانة تعتبر بوصلة العقل: فكيف نحافظ على هذه المسافة؟ الحفاظ على هذا التوازن الدقيق ليس سهلاً، فهو يتطلب وعيًا وحكمة. إنه يبدأ بتحكيم العقل لا القلب وحده. فالقلب قد يندفع، وقد يغريه الحب أو يدفعه الغضب، بينما العقل يزن الأمور بميزان الواقع المنطقي.

فأنت قد تحب شخصًا ما جدًا لكنه يخطئ كثيرًا، هنا يأتي دور المسافة التي تُبقي الود دون أن تفقدك اتزانك، وفي المقابل قد تكره شخصًا، ولكنك تعلم في قرارة نفسك أنه على حق؛ فالعدل يقتضي أن تنصفه. لذلك فإن الأمر يتطلب أيضًا إنصاف الآخر مهما كانت مشاعرك تجاهه.

المسافة الآمنة لا تحميك من التعلق فحسب، بل تحميك أيضًا من ظلم الآخرين تحت تأثير الهوى.

إنها مهارة تحديد الحدود بوضوح ولكن دون جفاء. فالتقرب المفرط يفقدك مساحتك الشخصية، والابتعاد الزائد يجعلك قاسيًا ومنغلقًا. الحكمة تكمن في أن تكون قريبًا بقدر يسمح لك بالتواصل، دون أن تنصهر في الآخر أو تفقد فرديتك.

ما وراء الدفاع: ماذا لو كانت المسافة ليست مجرد درع دفاعي؟ ماذا لو كانت أداة إصلاح بناءة، هدفها تقويم العلاقة لا قطعها؟ هنا نرتقي بفهمنا للمسافات... عندما نحتفظ بالود تجاه الآخرين، مع وضع حدود تحفظ احترامنا ومبادئنا، نكون قد فتحنا بابًا للحوار الهادئ دون أن نسمح للأذى بالاستمرار. وتصبح المسافة "إصلاحية" عندما تكون النوايا صادقة ومفتوحة للإصلاح، لا للكبرياء أو إثبات الذات. عندما نبرر مواقفنا بلطف ووضوح، نمنح الآخر فرصة ليراجع نفسه دون أن يشعر بالإدانة، فتتحول المسافة إلى طريق للحوار بدلاً من وسيلة للانسحاب. هذه المسافة الإصلاحية تعيد ترتيب العلاقة على أساس الاحترام المتبادل، وتمنح الطرفين فرصة لإعادة التفكير دون انفعال. إنها ترسخ النية الطيبة، لأننا لا نهرب من العلاقة، بل نسعى لرفعها إلى مستوى أنضج.

قيمة المسافة: لماذا هي ضرورية؟ لأنها تحافظ على كرامة الفرد ووضوح شخصيته، وتحمي العلاقات من التآكل الناتج عن التعلق المرضي أو التطفل الزائد. إنها تسمح بالنضج العاطفي والفكري، لأن الإنسان حين يعرف حدوده وحدود غيره يصبح أقدر على فهم الآخرين وتقديرهم. في جوهرها، المسافة الآمنة هي مظهر من مظاهر العدل، فلا إفراط في المودة يجعلنا أسرى، ولا تفريط في البغض يجعلنا ظالمين.

الاقتراب الجميل هو الذي لا يلغي المسافة، والمسافة الحكيمة هي التي لا تطفئ دفء القرب.

***

بقلم الحرية: فاطمة الدفعي

 

في المثقف اليوم